وهذا هو فارق الوعي بين عبيد الله بن الحر الجعفي ، وبين الحر بن يزيد الرّياحي والذي سوف تأتينا قصة لقائه بالحسين ومن الموقع الرسمي ، ومن موقع المواجهة مع الحسين (عليه السلام) .

لقد أدرك الحر الرياحي ... حقيقة الدعوة الحسينية ، وعلم أن الحسين لا يطلب من الناس سوى مهجهم وأفئدتهم ، فأعطى للحسين ما يريد ومضى إلى ربه شهيداً ، أما ابن الحر الجعفي فلم يفهم ولم يعِ دعوة الحسين ولهذا بخل بنفسه
واعتذر للإمام عن النصرة ، وقدم للحسين ما لم يرده منه ، وادعى الندم بعد ذلك على تخلفه عن الحسين (عليه السلام) فلم ينفعه ندمه[673] .

ثانياً  : إن الأحداث اللاحقة لوقائع الطف ، ودور عبيد الله بن الحر فيها
تدل على أن الرجل لم يكن صادقاً في ندمه الذي ادعاه في أبياته الشعرية ، فقد
بقي الرجل على عثمانيته ومناصرته لبني أُمية ، وأرسله عبد الملك بن مروان
لمحاربة مصعب بن الزبير في جيش كثيف سنة ( 68 هـ ) وقتل في تلك المعركة
قرب الأنبار([674] .

روى الدينوري في الأخبار الطوال  : أن المختار ـ الثقفي ـ كتب إلى عبيد الله ابن الحر الجعفي ، وكان بناحية الجبل يتطرّف ويُغير  : « إنما خرجت غضباً للحسين ، ونحن أيضاً ممن غضب له ، وقد تجرّدنا لنطلب بثأره ، فأعنّا على ذلك » . فلم يجبه عبيد الله إلى ذلك .

فركب المختار إلى داره بالكوفة فهدمها ، وأمر بامرأته أُم سلمة ، ابنة عمر الجعفي ، فحبست في السجن ، ونهب جميع ما كان في منزله ...[675] .

لو كان صادقاً في ندمه على تأخره عن نصرة الحسين (عليه السلام) ، لناصر المختار الثقفي على قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) ، فدعوى الندم يكذبها واقع حال الرجل وتاريخه السياسي في نصرة الأمويين ، وفي السلب والنهب والاغارة على أموال الناس وأعراضهم .

فلا يبقى عندنا إلاّ توجيه ما نسب إليه من أبيات شعرية إن صحت نسبتها إليه « بأن ما قاله من شعر كان نتيجة فورة عاطفية مؤقتة تميز أُولئك المتقلبين الذين لم يتبنّوا موقفاً ثابتاً في الحياة .. »[676] .

ثالثاً  : إن منطق عبيد الله بن الحر مع الإمام الحسين حينما يقول له  : « والله إنّي لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة .. فأنشدك الله أن تحملني على هذه الخطة ، فإنّ نفسي لم تسمح بالموت ... »([677] ليس منطق الإنسان المسلم المؤمن السوي ، المشتاق إلى لقاء ربه ، والمبادر إلى طاعته ، فهو يكره الموت مع علمه بأن الموت والقتل مع الحسين فيه سعادة الآخرة ، ولقاء الله سبحانه ، ولكنه يكره لقاء الله مع الحسين والشهداء ، ويختار منيته بميتة سوء مع الأمويين وفي ركابهم . ومن كره لقاء الله ، كره الله لقاءه كما جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)  : « مَن أَحبَّ لِقاءَ اللهِ أحَبَّ اللهُ لقاءَهُ ، وَمَن كَرِهَ لقاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقاءَه »([678] .

والإمام الحسين (عليه السلام) كان يطلب ممّن يصحبه في هذه المرحلة أن يوطّنوا أنفسهم فقط للقاء الله ، وليس لأيّة غاية أُخرى ، وأيّة غاية اُخرى غير لقاء الله لا قيمة لها في هذه المرحلة[679] .

ومهما يكن من أمر ، فإن نموذج ابن الحر الجعفي في التاريخ يتكرر كثيراً مع رجال سجل لنا التاريخ مواقفهم ، وهي إما مواقف بغي وعدوان ، أو مواقف تراجع وخذلان للحق وأهله ، وابن الحر يمثل شريحة اجتماعية من ذلك المجتمع آنذاك .

المبحث الرابع

لقاء الإمام الحسين (عليه السلام) مع عبيد الله بن الحر المشرقي  :

قبل الدخول في تفاصيل لقاء الإمام الحسين (عليه السلام) بعبيد الله بن الحر المشرقي ، لابد من الاشارة إلى لقاء انفرد بذكره الشيخ الصدوق « فقد روى بسنده عن عمرو بن قيس المشرقيّ قال  : دخلت على الحسين (عليه السلام) أنا وابن عمّ لي ، وهو في قصر بني مقاتل ، فسلّمنا عليه ، فقال له ابن عمّي  : يا أبا عبد  الله ، هذا الذي أرى خضاب أو شعرك ؟ فقال (عليه السلام)  : خضاب ، والشيب إلينا بني هاشم يعجل ثمّ أقبل علينا فقال  : جئتما لنصرتي ؟

فقلت  : إنّي رجل كثير العيال ، وفي يدي بضائع للناس ، ولا أدري ما يكون ، وأكره أن أُضيع أمانتي ، وقال له  : ابن عمّي مثل ذلك .

فقال لنا (عليه السلام)  : فانطلقا فلا تسمعا لي واعية ولا تريا لي سواداً ، فإنّه من سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجبنا ولم يُغثنا كان حقاً على الله عزّ وجل أن يكبّه على منخريه في النار »[680] .

هذه الرواية انفرد بها الشيخ الصدوق ( محمد بن علي ت  381 هـ ) وهو من كبار فقهاء الشيعة ومحدثيها ، إلاّ أننا بمقدار ما بحثنا في المصادر التاريخية وكتب المقاتل لم نجد من المؤرخين من أشار إلى هذا اللقاء بين الإمام الحسين (عليه السلام)والمشرقيين عمرو بن قيس المشرقي وابن عمه ، ومن ذكرها من الكتاب المعاصرين أسندها إلى رواية الشيخ الصدوق .

إلاّ أن هنالك قصة لقاء آخر للإمام الحسين مع مشرقي آخر وصاحبه ، نص عليها الطبري في تاريخه ، من دون أن يحدِّد لنا مكان هذا اللقاء من منازل الطريق .

وفيما يلي قصة هذا اللقاء ثمّ التأمل في بعض مفرداته .

روى الطبري قال  :

قال أبو مخنف  : حدثنا عبد الله بن عاصم عن الضّحاك بن عبد الله المشرقي ، قال  : قدمتُ ومالك بن النضر الأرحبي على الحسين (عليه السلام) ، فسلّمنا عليه ، ثم جلسنا إليه ، فردّ علينا ، ورحّب بنا ، وسألنا عما جئنا له ، فقلنا  : جئنا لنسلّم عليك ، وندعو الله لك بالعافية ، ونحدث بك عهداً ، ونخبرك خبر الناس ، وإنا نحدثّك أنهم قد جمعوا على حربك فَرَ رأيك .

فقال الحسين (عليه السلام)  : حسبي الله ونعم الوكيل !

قال  : فتذاممنا وسلمنا عليه ، ودعونا الله له .

قال (عليه السلام)  : فما يمنعكما من نصرتي ؟

فقال مالك ابن النّضر  : عليّ دين ، ولي عيال .

فقلت له  : إنّ عليّ ديناً ، وإنّ لي لعيالا ، ولكنك إن جعلتني في حلٍّ من الإنصراف إذا لم أجدمقاتلا قاتلتُ عنك ما كان لك نافعاً ، وعنك دافعاً !

فقال (عليه السلام)  : فأنت في حلّ ، فأقمتُ معه[681] .

هذا هو المشهد الأول من رواية أبي مخنف حيث انصرف مالك بن النضر الأرحبي إلى دينه وعياله تاركاً الحسين ونصرته ، وبقي الضحاك بن عبد الله المشرقي مع الحسين (عليه السلام) لنصرته بعد أن اعتذر أولا  : إنّ عليّ ديناً ، وإنّ لي عيالا ، ثم استجاب استجابةً مشروطة بشرطين أحدهما فوقاني والآخر تحتاني  : « ... إذا لم أجد مقاتلا قاتلتُ عنك ما كان لك نافعاً ، وعنك دافعاً » وقَبِل الحسين (عليه السلام)ذلك منه وقال له  : فأنت في حلٍّ .

والمشهد الثاني من موقف الضحاك بن عبد الله المشرقي في يوم العاشر من المحرم وفي أرض المعركة أيضاً برواية أبي مخنف عن عبد بن عاصم عن الضحاك ، قال  : لما رأيتُ أصحاب الحسين قد أُصيبوا ، وقد خلص إليه وإلى أهل بيته ، ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي ، وبشير بن عمرو الحضرمي ، قلت له  : يابن رسول الله ، قد علمت ما كان بيني وبينك ، قلت لك  : اُقاتل عنك ما رأيتُ مقاتلا ، فإذا لم أر مقاتلا فأنا في حلّ من الإنصراف ، فقلت لي  : نعم .

قال  : فقال (عليه السلام)  : صدقت ، وكيف لك بالنّجاء ، إن قدرتَ على ذلك فأنت
في حلّ . قال  : فأقبلتُ على فرسي وقدكنت حيث رأيتُ خيل أصحابنا تعقر ، أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت ، وأقبلتُ أُقاتل معهم راجلا ، فقتلتُ يومئذ بين يدي الحسين (عليه السلام) رجلين ، وقطعتُ يد آخر ، وقال لي الحسين (عليه السلام)يومئذ مراراً  : لا تُشلل ، لا يقطع الله يدك ، جزاك الله خيراً عن
أهل بيت نبيك (صلى الله عليه وآله) !

فلما أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط ، ثم استويت على متنها ، ثم ضربتها حتى إذا قامت على السنابك رميتُ بها عرضَ القوم ، فأفرجوا لي ، واتبعني منهم خمسة عشر رجلا حتى انتهيت إلى شفيّة ـ قرية قريبة من شاطىء الفرات ـ فلما لحقوني عطفت عليهم ، فعرفني كثير بن عبد الله الشعبي ، وأيوب بن مشرح الخيواني ، وقيس بن عبد الله الصائدي .

فقالوا  : هذا الضحاك بن عبد الله المشرقي ، هذا ابن عمّنا ، ننشدكم الله لما كففتم عنه ! فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معه  : بلى والله لنجيبنّ إخواننا وأهل دعوتنا إلى ما أحبّوا من الكفّ عن صاحبهم .

قال  : فلما تابع التميميّون أصحابي كفّ الآخرون .

قال  : فنجاني الله[682] .

هذه هي قصة الضحاك بن عبد الله المشرقي برواية الطبري عن أبي مخنف ، وقد نقلناها بطولها لطرافتها وغرابتها ، ولمواطن العبرة والعظة منها .

تأملات في موقف الضحاك وصاحبه  :

أولا  : من خلال التأمل في رواية الشيخ الصدوق حول لقاء الإمام الحسين بـ ( عمرو بن قيس المشرقي ، وابن عمه ) ومقارنتها برواية الطبري ولقاء الإمام الحسين (عليه السلام) مع ( الضحاك بن عبد الله المشرقي ، وصاحبه ) يبدو لنا ومن خلال بعض القرائن أنهما رواية واحدة قد نقلها الشيخ الصدوق ( ت  381 هـ ) عن الطبري ( ت  310 هـ ) أو من مصدر آخر بالمعنى ، حيث نجد في كلا الروايتين وجود ( المشرقي ) وكذلك وجود شخصين محاورين ، وتشابه أوجه الحوار وأوجه الاعتذار منهما ، ففي كلا الموقفين نجد الإمام يدعوهما لنصرته  : « جئتما لنصرتي » و « فما يمنعكما من نصرتي » . والاعتذار منهما في كلا الروايتين واحد  : « العيال ، وأمانات الناس ، والبضائع ، والدين » .

إلاّ أنه في الرواية الأُولى يختفي أثر الاثنين معاً ، فيتركان الإمام (عليه السلام) ويذهبان إلى أوجه الدنيا المختلفة من العيال ، والبيع والشراء وتداول البضائع والثروة ، وفي الرواية الثانية ، ينطلق « الأرحبي » إلى دينه وعياله ، ويبقى الضحاك المشرقي
مع الحسين لنصرته ولكن بشكل محدود ومشروط ، ثمّ ينسحب هارباً في
آخر المعركة .

والملاحظ أن الشيخ الصدوق يحدد مكان لقاء الإمام بـ ( عمرو بن قيس المشرقي ، وابن عمه ) بأحد منازل الطريق وهو قصر بني مقاتل ، بينما رواية الطبري لا تحدد لنا مكان اللقاء ، وما استظهره بعض المحققين من سياق رواية الطبري من « أن هذا اللقاء تم في موقع كربلاء « الطف » بعدما استقرّ الحسين (عليه السلام) ، بأهله وأصحابه فيه »([683] بعيد جداً ، إذ إن الإمام الحسين (عليه السلام) قد حوصر في كربلاء حصاراً شديداً ، ومنع عنه المدد ، فكيف يجازف ( الضحاك والأرحبي ) بالوفود على الحسين لمجرد السلام عليه ، والدعاء له بالعافية ، واخباره خبر الناس ، وهل الإمام بحاجة إلى إخبارهما عن الناس بعد أن اتضح له جلياً من خلال عساكرهم الممتدة أنهم أجمعوا لحربه وقتاله !

نعم التحق بالإمام في كربلاء بعض المضحين والأبدال من أمثال حبيب بن مظاهر الأسدي ، ممن وطنوا أنفسهم على التضحية والشهادة في سبيل الله فلم يبالوا بالمخاطر التي سوف تواجههم في طريقهم إلى كربلاء ، بخلاف أمثال « المشرقي ، والضحاك » ممن كانوا يحملون الحب والتقدير والاحترام للحسين ، ولم تكن سيوفهم على الحسين (عليه السلام) ، إلاّ أنهم لم يوطنوا أنفسهم على التضحية ونصرة الإمام والاستشهاد بين يديه ، فمن المستبعد جداً أن يجازف أمثال هؤلاء ويصلون إلى الإمام وهو محاصر في كربلاء .

كذلك يظهر من الرواية أن الضحاك وصاحبه كانا عارفين بحق الحسين
وذمته وحرمته في الإسلام وموقعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، حيث تقول الرواية  : « فتذاممنا وسلّمنا عليه ودعونا الله له » والتذمم يعني حفظ الذمام والعهد
والحق والحرمة .

إلاّ أن الذي أعاق حركتهما بعد أن أقبلت عليهما سعادة الدنيا والآخرة ، هما وجهتا الحياة الدنيا ، التعلقات والشهوات ، والتبعات والمسؤوليات ، اللذان عبر عنهما الضحاك وصاحبه بالدين والعيال ، « إن لي ديناً وإن لي عيالا » .

وبقيت هذه التعلقات والتبعات ، ( الدين والعيال ) تلاحق الضحاك بن عبد الله المشرقي حتى ظهيرة يوم عاشوراء حيث تساقط أصحاب الحسين واحداً بعد الآخر شهداء ، وهرب الضحاك إلى دَيْنِه وعياله ! ولم يكمل مشوار الجهاد والشهادة مع الحسين (عليه السلام) ، ليُسَجَلَّ مع هؤلاء الشهداء الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (عليه السلام)فكانوا سادة الشهداء .

ثالثاً  : مرّ بنا سابقاً قصّة لقاء الإمام الحسين (عليه السلام) مع زهير بن القين البجلي (رضي الله عنه) . وكيف استجاب زهير لدعوة الإمام ومن دون تردد أو قيود فوقانية أو تحتانية ،
إلاّ أننا نجد الاعتذار بالعيال والدين . ثمّ الاستجابة المشروطة من الضحّاك وصاحبه ، فكيف أعاق الدين والعيال المشرقي وصاحبه ولم يشكلا عائقاً أمام زهير بن القين ؟

ولكي تتضح الاجابة عن هذا التساؤل لابد من المقارنة بين زهير بن القين (رضي الله عنه)والضحّاك .

لقد كان زهير بن القين (رحمه الله) يملك من المال والعيال ما كان يملكه الضحاك ابن عبد الله ، وكان يعيش في دنياه ، كماكان يعيش الضحاك في دنياه ، بل قد يكون حظّ زهير من الدنيا أعظم من حظّ الضحّاك ، فقد كان زهير بن القين (رحمه الله) زعيماً في قومه ، وجيهاً في بلده ، ولم يحفل المؤرّخون بأمر الضحاك وصاحبه في شأن من شؤون الدنيا ، وكان الضحاك أقرب إلى الحسين (عليه السلام) وأكثر ميلا إليه من زهير ، فقد كان زهير (رحمه الله) عثمانيّ الهوى ، كما يذكر أصحاب السير ، وكان يحرص ألاّ يلتقي الحسين (عليه السلام) بمنزل في طريقه إلى العراق ، فإذا وجد الحسين قد نزل منزلا فيه ماء
نزل غيره ، وأمّا الضحّاك وصاحبه مالك بن النضر فقد قصدا الحسين ، وجلسا إليه ، ودعوا له ، ولم يكن يحدث شيء من ذلك لو لم يكن الضحّاك ومالك بن النضر من شيعة الحسين (عليه السلام) وممن تميل إليه قلوبهم .

ومع ذلك كلّه فإن « العيال والمال » قد أعاقاهما عن الالتحاق به بشكل كامل أو بشكل ناقص .

وأمّا زهير بن القين (رحمه الله) فقد رجع من عند الحسين (عليه السلام) ولم يستغرق اجتماعه بالإمام في أغلب الظن بضع دقائق ، وقد أعدّ نفسه للوفود على الله مع الحسين ، والانصراف الكامل عن الدنيا ، فأقبل إلى زوجته « دلهم » بنت عمرو ( رحمها الله ) وقال لها بقوّة وعزم في نفس الوقت بسهولة وراحة  : « الحقي بأهلك فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلاّ خيراً » ، ثمّ قال لمن معه  : « من أحبّ منكم نصرة ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلاّ فهو آخر العهد »([684] ، ولم يعقه عن ذلك مال ولا عيال .

إذن ليست المسألة مسألة المال والعيال ، وإنّما المسألة في أمر آخر ، في طريقة التعامل مع المال والعيال .

والفرق بين الضحّاك وزهير (رحمه الله) لم يكن في أنّ الأول كان يملك من المال والعيال ما لا يملكه الثاني ، وإنّما كان في طريقة تعاملهما مع المال والعيال .

فقد كان الضحّاك وصاحبه الأرحبي أسيرين للمال والعيال ، فأعاقاهما عن الانطلاق مع الحسين ، وكان زهير بن القين متحرراً من أسر المال والعيال ، فلم يعيقاه عن الحركة مع الحسين (عليه السلام) للوفود على الله .

رابعاً  : عندما نتأمل في النقطة الثانية من جواب الضحّاك نجد أنه لم يرفض القتال إلى جانب الحسين (عليه السلام) ، ولم يعتذر بصورة مطلقة ، كما اعتذر صاحبه مالك ابن النضر ، بل قاتل مع الحسين وضرب الأعداء بين يديه ، ودعا له الحسين (عليه السلام) .

وهذه نقطة أُخرى مشرقة في موقف الضحّاك من الحسين ، فهو ليس من الذين وصفهم الفرزدق الشاعر بقوله  : « قلوبهم معك وسيوفهم عليك » ، وإنّما كان
قلبه وسيفه مع الإمام الحسين ، وهو صادق في هذا وذاك ، إلاّ أنه لم يعط سيفه للحسين (عليه السلام) ، ولم يضع سيفه تحت أمر الحسين إلاّ بمقدار ، وحدّد لذلك شرطين  : « إذا لم أجد مقاتلا قاتلت عنك ما كان لك نافعاً وعنك دافعاً » ، وهذا شرط غريب .

إنّ الضحّاك يحصر نصرته للحسين (عليه السلام) بين شرطين  :

1 ـ أن يكون الحسين (عليه السلام) بحاجة إليه ولا يغني عنه غيره .

2 ـ وأن يكون قتاله دون الحسين (عليه السلام) نافعاً له فإن لم يكن هذا ولا ذاك فإنّ الضحّاك في حلّ من أمره .

ونحن لا نريد أن نشكّك في صدق نيّة الضحّاك في موقفه من الإمام ، رغم فراره من الزحف في اللحظات الأخيرة ، وتركه للإمام (عليه السلام) في أحرج اللحظات ، وإيثاره للعافية ، فإنّ لدينا من الشواهد ما يكفي لإثبات حسن نيّة الضحّاك ، وصدقه في الوقوف إلى جنب الإمام ، والدفاع عنه ، إلاّ أننا نجد عنده احساساً محدوداً بالمسؤولية تجاه الموقف ، وتقتيراً شديداً في العطاء ، في إطار هذه المسؤولية ، ومحاولة جادّة في إخضاع الانفاق في سبيل الله لمعادلات دقيقة شديدة التعقيد .

فهو يعطي من نفسه لله تعالى ولكنّه عطاء مشروط ، ومحدود ، وبحساب ، وضمن تقديرات دقيقة ، وليس كما يقول الله تعالى  :

إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُم الْجَنَّةَ )([685] .

والدقّة في المحاسبة ، أمر جيّد لا نشكّ في حسنه وفائدته ، ولكن عندما يكون طرف المحاسبة هو نفس الإنسان ، وقد ورد في الحديث  : « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا » ، وأما عندما يكون طرف الحساب هو الله تعالى فإنّ المحاسبة بهذه الدقّة وضمن هذه الشروط والقيود أمر قبيح مع الله سبحانه .

والضحّاك هنا يتعامل مع الله تعالى ، وإن كان طرف التعامل في ظاهر الأمر
هو الحسين (عليه السلام) .

ولا يطلب الحسين (عليه السلام) من أمثال الضحّاك في حركته هذه ، وإنما يطلب لنصرته من أُولئك الذين يبذلون كلّ ما عندهم من الأنفس والأموال لله تعالى ، من دون حساب وشروط وحدود وقيود ، فقد خطب (عليه السلام) في الناس لمّا أراد الخروج من مكّة إلى العراق وقال  :

« ألا ومن كان فينا باذلا مهجته ، موطّناً على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا ، فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله » .

ولا شكّ إنّ هذا العطاء الشحيح خير من النضوب ، على كلّ حال ، ولكن أصحاب هذا العطاء المحدود لا يستطيعون أن يسايروا الحسين (عليه السلام) في مثل هذه المرحلة .

خامساً  : والنقطة الأخيرة والجديرة بالاهتمام في موقف الضحّاك هي  :

« التحلّل من الالتزام »  :

بعد أن يعتذر الضحّاك إلى الحسين (عليه السلام) بديونه وعياله ، يطلب من الإمام أن يجعله في حلّ من الانصراف إذا شاء فيقول  : « ولكنّك إن جعلتني في حلّ من الانصراف إذا لم أجد مقاتلا قاتلت عنك » ، والحلّ في مقابل الالتزام ، ولا يمكن أن يرتبط الإنسان بإلتزامين متعاكسين في وقت واحد ، فإذا كان الضحّاك ملتزماً
تجاه ديونه وعياله ، فمن الطبيعي أنه لا يستطيع أن يكون ملتزماً تجاه الإمام ، ولابدّ من أن يتحرّر من أحد الإلتزامين ، وقد آثر أن يتحرر من التزامه تجاه الحسين دون التزامه تجاه ديونه وعياله ، والالتزام تجاه الحسين هو الالتزام تجاه الدعوة والجهاد .

... إنّ هذا الرجل دقيق في تقدير المسافة التي يستطيع أن يساير الحسين (عليه السلام)فيها ، فيضبط حساباته في هذه الحركة بشكل دقيق ، ويتحوّط للعودة إلى الدنيا عندما يصل إلى المفترق الذي يؤثر عنده الدنيا على الآخرة .

ويشخّص المفترق بدقّة ، ويحدّد المسافة التي يساير فيها الحسين بدقّة ، ويتحوّط للعودة من الله إلى الدنيا في اللحظة المناسبة ، ويُبقي من ورائه ـ وهو يتحرّك مع الحسين (عليه السلام) إلى الله ـ بابين مفتوحين يرجع من خلالهما إلى الدنيا عندما يريد  :

أحدهما  : موافقة الحسين (عليه السلام) أن يكون في حلّ من أمره عندما يريد الانصراف إلى الدنيا .

وثانيهما  : فرسه التي احتفظ بها في فسطاط داخل البيوت عندما حاصر جيش بني أُمية الحسين (عليه السلام) ليستطيع أن يركبها في اللحظة المناسبة ويهرب من الآخرة إلى الدنيا .

ومرّة أُخرى نريد أن نقارن في هذه النقطة من البحث بين الضحّاك وزهير ، كلّ منهما أقبل على الله تعالى مع الحسين (عليه السلام) .

الضحّاك دخل معركة الطف إلى جنب الإمام وقاتل وجاهد بين يديه ، وزهير (رحمه الله) أقبل مع الحسين (عليه السلام) وجاهد وقاتل ، ولكنّ الفرق بين هذا وذاك أنّ الضحّاك أقبل على الله وأبقى الأبواب مفتوحة من خلفه ، بكلّ دقّة واحتياط ،
وأبقى الجسور قائمة من ورائه إلى الدنيا ليعود إليها في اللحظة التي يريد ،
وأمّا زهير فعندما قرّر الوفود على الله تعالى مع الحسين (عليه السلام) قطع كلّما كان بينه وبين الدنيا من جسور ، وأغلق كلّ باب بينه وبين الدنيا ، وقال لزوجته « دلهم » في عزم وقوّة ويُسر  : « الحقي بأهلك » .

إننا لا نريد أن نتّهم الضحّاك في صدقه وحبّه للحسين (عليه السلام) ، وليس من سبب يدعونا أن نتّهم هذا الرجل الذي وقف هذا الموقف يوم عاشوراء من الحسين (عليه السلام)في نيّته وصدقه ، فلم يطلب الضحّاك من الدفاع عن الحسين (عليه السلام) ومن القتال بين يديه دنيا ، وهذا حقّ يجب أن نذكره ونعترف له به ، لكنه مع ذلك كلّه لم يتحرر من حبّ الدنيا ومن التعلّق بالدنيا ومن تبعات الدنيا ، حتّى عندما ساقه التوفيق والسعادة الإلهية إلى هذه المعركة الحاسمة بين الحقّ والباطل في التأريخ ، ووضعه الله تعالى في أشرف موقع يتصوّره الإنسان ، وهو موقع الدفاع عن الإسلام إلى جنب ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وفي ختام هذه التأملات نعتذر من الضحّاك بن عبد الله المشرقي إذا كنّا قد أسأنا إليه ، وتناولناموقفه من الحسين (عليه السلام) بالتحليل والنقد بهذه الصورة ، ولا نريد أن نبخسه حقّه ، فقد نال ما حُرِمنا منه نحن من شرف القتال بين يدي الحسين (عليه السلام) ، ومن دعاء الحسين (عليه السلام) له .. وإنّماكنّا نريد أن نجعل من نقاط الضعف في موقفه وسيلة لتقويم نقاط الضعف في مواقفنا وسلوكنا .

ولقصة الضحاك مواطن كثيرة للتأمل تركناها مخافة الإطالة[686] .

المبحث الخامس

*  الإمام الحسين يتلقى خبر استشهاد مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة
في زرود  :

كان آخر ما تلقاه الإمام الحسين (عليه السلام) عن أوضاع الكوفة رسالة مسلم بن عقيل التي بعثها مع قيس بن المُسَّهر الصيداوي وعابس بن أبي شبيب الشاكري ، والتي على أثرها خرج الإمام من مكة قاصداً العراق وكانت هذه الرسالة قبل استشهاد مسلم بسبع وعشرين ليلة[687] .

إلاّ أن أوضاع الكوفة بعد تلك الرسالة قد تغيرت بشكل جذري ، وحصل ذلك الانقلاب العجيب في المجتمع الكوفي والذي بينا ملابساته ووقائعه وبعض أسبابه الموضوعية عند الحديث عن حركة مسلم بن عقيل واستشهاده .

لكن أخبار الكوفة بعد تلك الرسالة الأخيرة قد انقطعت عن الإمام الحسين (عليه السلام)مما دعاه إلى أن يكتب رسالة من إحدى منازل الطريق إلى أهل الكوفة ويبعثها مع قيس بن مُسَّهر الصيداوي[688] .

ولم تصل رسالة الحسين هذه إلى أهل الكوفة إذ اُلقي القبض على حامل الرسالة ثمّ قتل .

يروي الطبري  : « وأقبل قيس بن مُسهر الصيداوي إلى الكوفة بكتاب الحسين ، حتى انتهى إلى القادسيّة ، أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى عبيد الله
ابن زياد ، فقال له عبيد الله  : اصعد إلى القصر فَسُبّ الكذّاب ابن الكذّاب ،
فصعد ثمّ قال  : أيها الناس ، إنّ هذا الحسين بن عليّ خير خَلق الله ، ابن فاطمة بنت رسول الله ، وأنا رسوله إليكم ، وقد فارقته بالحاجز ، فأجيبوه ، ثمّ لعن عبيد الله بن زياد وأباه ، واستغفر لعليّ بن أبي طالب .

فأمر به عبيد الله بن زياد أن يُرمى به من فوق القصر ، فَرمي به ، فتقطّع فمات »([689] .

ثمّ بعث الحسين (عليه السلام) بأخيه من الرّضاعة ، عبد الله بن يقطر إلى مسلم بن عقيل ، إلاّ أنه أيضاً قد قتل بظروف مشابهة لمقتل قيس بن مسهر الصيداوي .

ويقول الطبري عن مقتل عبد الله بن يقطر  : « فتلقاه خيلُ الحصين بن تميم بالقادسية ، فسرّح به إلى عبيد الله بن زياد ، فقال  : اصعد فوق القصر فالعن الكذّاب ابن الكذّاب ، ثمّ انزل حتى أرى فيك رأيي ! فصعد ، فلما أشرف على الناس قال  : أيّها الناس ، إني رسول الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة بن سميّة الدعيّ .

فأمر به عبيد الله فاُلقي من فوق القصر إلى الأرض ، فكُسرت عظامه ، وبقي به رَمق ، فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عُُمر اللَّخمي فذبحه ، فلمّا عيب ذلك عليه قال  : إنما أردتُ أن أُريحه »[690] .

إلاّ أن خبر استشهاد مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وغيرها من حوادث الكوفة تلقاها الإمام الحسين (عليه السلام) في زرود إحدى منازل الطريق بواسطة بعض الوافدين من الكوفة .

يروي الطبري ، عن أبي مخنف .. عن عبد الله بن سُليم ، والمذري بن المشمعل الأسديّين قالا  : « لما قضينا حجّنا لم يكن لنا همّة إلاّ اللّحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه ، فأقبلنا تُرقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بزرود ، فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين ، فوقف الحسين كأنه يريده ثمّ تركه ،ومضى ومضينا نحوه .

فقال احدنا لصاحبه  : إذهب بنا إلى هذا فلنسأله ، فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه ، فمضينا حتى انتهينا إليه ، فقلنا  : السلام عليك ، قال  : وعليكم السلام ورحمة الله ، ثمّ قلنا  : فمن الرجل ؟ قال  : أسدي . فقلنا  : فنحن أسديان فَمَن أنت ؟ قال  : أنا بكير بن المثعبة ، فانتسبنا له ، ثمّ قلنا  : أخبرنا عن الناس وراءك .

قال  : نعم ، لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل ، وهانئ بن عروة ، فرأيتهما يُجَرّان بأرجلهما في السوق .

قالا  : فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين ، فسايرناه حتى نزل الثعلبيّة ممسياً ، فجئنا حين نزل ، فسلّمنا عليه فردّ علينا ، فقلنا له  : يرحمك الله ، إنّ عندنا خبراً ، فإن شئت حدّثنا علانية ، وإن شئت سرّاً .

قال  : فنظر إلى أصحابه وقال  : ما دون هؤلاء سرّ ، فقلنا له أرأيت الراكب الذي استقبلك عشاء أمس ؟ قال  : نعم ، وقد أردتُ مسألته .

فقلنا  : قد استبرأنا لك خبره ، وكفيناك مسألته ، وهو امرؤ من أسد منّا ، ذو رأي وصدق ، وفضل وعقل ، وإنه حدّثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، وحتّى رآهما يُجرّان في السوق بأرجلهما .

فقال  : إنا لله وإنا إليه راجعون ، رحمة الله عليهما ، فردّد ذلك مراراً .

فقلنا  : ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلاّ انصرفت من مكانك هذا ، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوّف أن تكون عليك .

قال  : فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب .. وأنّ بني عقيل قالوا  : لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا ، أو نذوق ما ذاق أخونا .

قالا  : فنظر إلينا الحسين فقال  : لا خير في العيش بعد هؤلاء .

قالا  : فعلمنا أنه قد عزم له رأيه على المسير ، فقلنا  : خار الله لك .

فقال  : رحمكما الله .

قالا  : فقال له بعض أصحابه  : إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع »[691] .

تلقى الإمام الحسين خبر استشهاد مسلم بن عقيل (رضي الله عنه) وهانئ بن عروة بحزن وأسى من جهة ، وبرضى وتسليم بقضاء الله وقدره من جهة أُخرى ، ولهذا لم يزد على قوله  : إنا لله وإنا إليه راجعون ، يكرر ذلك مراراً ، ويترحم عليهما ، وكانت بالنسبة إلى الطالبيين وآل عقيل بمثابة الصدمة العنيفة التي هزتهم ، إذ كان مسلم ابن عقيل بمثابة عميدهم وكبيرهم وشيخهم المبجل .

سار الحسين (عليه السلام) بركبه من زرود إلى أن انتهى إلى منطقة زُبالة ، عندما وصله خبر مفجع آخر وهو مقتل عبد الله بن يقطر .

يقول الطبري ، قال أبو مخنف  : « كان الحسين لا يمرّ بأهل ماءً إلاّ اتبعوه حتى إذا انتهى إلى زبالة سقط إليه مَقتل أخيه من الرّضاعة « عبد الله بن يقطر » وكان سرّحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق وهو لا يدري أنه قد اُصيب .. إلخ »[692] .

وفي هذا المكان « زُبالة » وبعد وصول خبر مقتل « عبد الله بن يقطر » ومن قبل ذلك خبر استشهاد مسلم وهانئ ـ رضي الله عنهما ـ كان على الحسين (عليه السلام) أن يخبر من معه بذلك ، وخاصة الذين التحقوا بركابه طلباً للدنيا والملك والسلطة .

يروي الطبري عن هشام قال  : « فأتى ذلك الخبر ـ مقتل عبد الله بن يقطر ـ حسيناً وهو بزبالة ، فأخرج للناس كتاباً ، فقرأ عليهم  :

بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ، فإنه قد أتانا خبر فضيع ، قتل مسلم بن عقيل ، وهانئ بن عروة ، وعبد الله بن يقطر ، وقد خذلتنا شيعتنا ، فمن أحبّ منكم الإنصراف فلينصرف ، ليس عليه مِنا ذمام »([693] .

هذا البيان السياسي المقتضب الذي تلاه الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن المقصود منه بني هاشم والصادقين في نياتهم ممن رافقوا الحسين من المدينة إلى مكة ومنه إلى العراق ، أو ممن التحقوا به في الطريق من أمثال زهير بن القين وأضرابه ، فإن هؤلاء قد وطنوا أنفسهم على الموت والشهادة مع الحسين ، وعاهدوا الله على ذلك ، وإنما كان المقصود منه إسماع من التحق به من مكة أو من منازل الطريق ممن دفعهم حب الدنيا إلى ذلك ولا يعرفون أنهم يقدمون على الأسنة والاستشهاد ، وعندما عرفوا ذلك لاذوا بالفرار .

واستكمالا للرواية السابقة يقول الراوي  : « فتفرّق الناس عنه تفرقاً ، فأخذوا يميناً وشمالا حتى بقى في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة ، وإنما فعل ذلك لأنه ظنّ أنما اتبعه الأعراب ، لأنهم ظنّوا أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله ، فكره أن يسيروا معه إلاّ وهم يعلمون عَلامَ يقدمون ، وقد علم أ نّهم إذا بيّن لهم لم يصحبه إلاّ من يريد مواساته والموت معه »([694] .

*  وقفة تأمل مع الحدث  :

هذا النص التاريخي ، وما تضمنه من أحداث ومواقف ، له أهمية كبيرة في مجرى الأحداث في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ، إذ يضع هذا النص حداً لمرحلة من مراحل المواجهة والصدام مع السلطة الأموية ، لتبدأ مرحلة أُخرى بعدها ، حيث لقاء
الحر بن يزيد الرياحي مع ألف فارس ، ومن ثمّ الوصول إلى كربلاء وأحداث عاشوراء الدامية .

وقبل أن ننتقل من هذه المرحلة إلى المرحلة الثانية لابد لنا من وقفة تأمل
في بعض مفردات النص وما تضمنه من مواقف وأحداث .

أولا  : إن النص التاريخي السابق قد سلط الأضواء على مقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، وعبد الله بن يقطر ، حيث وصل خبر مقتل مسلم وهانئ بواسطة الأسديين عن أسدي آخر ، ولم يخبرنا النص عن الواسطة التي تلقى من خلالها الإمام الحسين (عليه السلام) خبر مقتل ( عبد الله بن يقطر ) ، ولا يشير كذلك إلى وصول خبر مقتل قيس بن مسَّهر الصيداوي إلى الإمام الحسين (عليه السلام) قبل لقائه مع الحر بن
يزيد الرياحي .

إلاّ أن الطبري يروي  : « أن أربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة ومعهم دليلهم الطّرمّاح بن عدي ، ( والتحقوا بالحسين في منطقة عذيب الهجانات ) وحاول الحر بن يزيد منعهم من الالتحاق بالإمام فتدخل الإمام (عليه السلام) ومنع الحرّ عن ذلك ، فكفَّ عنهم الحرّ قال  : ثمّ قال لهم الحسين  : أخبروني خَبرَ الناس وراءكم ، فقال له مجمّع بن عبد الله العائذي ، وهو أحد النّفر الأربعة الذين جاؤوه  : أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم ، ومُلئت غرائرهم ، يُستمال ودّهم ، ويستخلص به نصيحتهم ، فهم ألبٌ واحد عليك ، وأما سائر الناس بعد ، فإنّ أفئدتهم تهوي إليك ، وسيوفهم غداً مشهورة عليك .

قال (عليه السلام)  : أخبروني ، فهل لكم علم برسولي إليكم ؟ قالوا من هو ؟ قال  : قيس ابن مُسَّهر الصيداوي . فقالوا  : نعم ، أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى ابن زياد ، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك ، فصلّى عليك وعلى أبيك ، ولعن ابن زياد وأباه ، ودعا إلى نصرتك ، وأخبرهم بقدومك ، فأمر به ابن زياد فأُلقي من ظِمارِ القصر .

فترقرقت عينا حسين (عليه السلام) ولم يملك دمعه ، ثمّ قال  : ( مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ) اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نُزلا ، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك ، ورغائب مذخور ثوابك »[695] .

إلاّ أننا نجد النصوص التاريخية التي تشير إلى مهمة الشهيدين ( عبد الله بن يقطر ، وقيس بن مسهر ) يكتنفها الغموض من جوانب متعددة إذ ( تتداخل مهمة الشهيد عبد الله بن يقطر مع الشهيد قيس بن مُسَّهر ، والسبب هو اشتراكهما في كونهما رسولين ، واشتراكهما في طريقة القتل ، واشتراكهما بحسب بعض المصادر في ذبح قاضي الكوفة لكل منهما بعد الإلقاء من أعلى القصر )([696] .

هذا التداخل والتشابك بين الشهيدين ومهمتهما ولّد التباساً عند المؤرخين من حيث مهمة الشهيدين ، وشهادتهما ، ووقت الارسال والشهادة ، إلى غيرها من مواطن الالتباس الكثيرة .

ولهذا نجد الشيخ المفيد في الارشاد بعد أن يذكر إرسال قيس بن مُسهر إلى الكوفة ، يتردّد في ذلك فيقول  : « ويُقال بل بعث أخاه من الرضاعة عبد الله بن يقطر إلى الكوفة .. »[697] .

وعندما نعود إلى نص الطبري في تاريخه وغيره نجدهم يذكرون إرسال الحسين (عليه السلام) لرسوليه ( قيس ، وعبد الله ) إلى الكوفة من الطريق[698] .

إلاّ أننا نجد الشيخ السماوي في الإبصار ينقل  : « وقال ابن قتيبة وابن مسكوية  : إنّ الذي أرسله الحسين قيس بن مسهر .. وإنّ عبد الله بن يقطر بعثه الحسين مع مسلم ، فلمّا رأى مسلم الخذلان قبل أن يتمّ عليه ما تمّ بعث عبد الله إلى الحسين يخبره بالأمر ... »[699] .

ومن المعروف أن مسلم بن عقيل خرج من مكة ولم يرسله الإمام الحسين من الطريق كي نقول إن عبد الله بن يقطر أرسل معه من الطرق ، فلا يمكن الجمع بين مضامين الروايات التاريخية المتضاربة .

إلاّ أن ما ذكر السماوي عن ابن قتيبة وابن مسكويه تؤيده نصوص تاريخية أُخرى يذكرها ابن شهر آشوب والمجلسي ومحمد بن أبي طالب في تسلية المجالس[700]والتي تنص على أن عبد الله بن يقطر كان رسولا من قبل مسلم إلى الإمام الحسين ، فقبض عليه قبل خروجه من الكوفة عند أطرافها قريباً من القادسية ، وكان مقتله قبل مقتل مسلم بن عقيل .

ومما يقوي هذا الاحتمال أن الطبري لا يذكر لنا المكان الذي أرسل منه الحسين لعبد الله بن يقطر وإنما يقول أرسله من الطريق ، بينما ينص على مكان إرسال قيس بن مُسهر وهو ( الحاجز من بطن الرمّة ) .

فتكون النتيجة أن كلا الشهيدين ( قيس بن مسهر ، وعبد الله بن يقطر )
قد استشهدا في الكوفة بعد أن ألقى القبض عليهما شرطة عبيد الله بن زياد ،
إلاّ أن الأول كان رسول الحسين إلى مسلم وأهل الكوفة ، وأن الثاني كان رسول مسلم إلى الإمام الحسين ، وأن الذي ألقي من أعلى القصر بعد أن طلب منه عبيد الله ابن زياد أن ينال من الحسين هو قيس بن مسهر الصيداوي ، وليس عبد الله بن يقطر ، إذ تقول رواية المناقب « فأمر ابن زياد بقتله »[701] .

إلاّ أن هذه النتيجة قد تصطدم أيضاً ببعض الملابسات التاريخية ، فالمسألة بحاجة إلى مزيد من التحقيق .

ثانياً  : ذكر بعض المؤرخين أن الإمام الحسين (عليه السلام) قد همّ بالرجوع إلى مكة بعد أن أُخبر بمقتل سفيره مسلم بن عقيل وصاحبه هانئ بن عروة وخذلان شيعته في الكوفة ، إلاّ أن آل عقيل حالوا دون ذلك بإصرارهم على الأخذ بثأر مسلم بن عقيل .

قال ابن قتيبة  : « .. وقد جاء الحسين الخبر فهمَّ أن يرجع ، ومعه خمسة من بني عقيل فقالوا له  : أترجع وقد قُتل أخونا ، وقد جاءك من الكتب ما نثق به ، فقال لبعض أصحابه  : والله مالي عن هؤلاء من صبر ... »[702] .

وبنفس المضمون ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد  : « ... فهمَّ بأن يرجع ، ومعه خمسة من بني عقيل ... »[703] .

وذكر الطبري  : « أن الإمام الحسين بعد أن التقى الحر بن يزيد فقال له الحر  : أين تريد ؟ قال  : أُريد هذا المصر ـ أي الكوفة ـ قال له  : ارجع فإنّي لم أدع لك خلفي خيراً أرجوه ، فهمَّ أن يرجع وكان معه إخوة مسلم بن عقيل ، فقالوا  : والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نقتل ، فقال  : لا خير في الحياة بعدكم ... »[704] .

إلاّ أن هذه الروايات ـ بالاضافة إلى إرسال بعضها ـ مضطربة في مضمونها اضطراباً شديداً ، ومخالفة لما هو المشهور من الروايات التي تنص على أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان على عزمه ونيته وبصيرته وإقدامه منذ خروجه من مكة إلى حين استشهاده ، فلم يتردد ولم ينكل ولم يهن حتى بعد أن اتضح له الموقف بشكل واضح وعلم أن طريقه سوف يؤدي إلى الموت والشهادة ، فكان يستشهد بقول الشاعر  :

سأمضى وما بالموت عارٌ على الفتى***إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلماً

يقول ابن طباطبا في تأريخه  : « ثمّ إن الحسين (عليه السلام) خرج من مكّة متوجّهاً إلى الكوفة ، وهو لا يعلم بحال مسلم ، فلمّا قرب من الكوفة علم بالحال ، ولقيه ناسٌ فأخبروه الخبر وحذّروه فلم يرجع وصمّم على الوصول إلى الكوفة لأمر هو أعلم به من الناس .. »[705] .

فما قاله هؤلاء المؤرخون مجرد استظهار واستنتاج استفادة هؤلاء من موقف الإمام الحسين (عليه السلام) بعد أن وصله خبر مقتل مسلم بن عقيل إذ نظر إلى بني عقيل فقال لهم  : « ما ترون ، فقد قُتل مسلم ؟ فبادر بنو عقيل وقالوا  : والله لا نرجع ، أيقتل صاحبنا وننصرف ! لا والله ، لا نرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق صاحبنا ... »([706] .

والأرجح أن الإمام (عليه السلام) أراد أن يختبر عزم وتصميم بني عقيل على مواصلة المسير معه ، بعد نبأ مقتل مسلم ، فسألهم « ماترون ؟ » فكانوا عند حسن معرفته بهم[707] .

وليس لدينا أي نص تاريخي يصرح بأن الحسين (عليه السلام) قد قال أُريد أن أعود من حيث أتيت ، وأمثالها من العبارات الصريحة الواضحة ، فيبقى ما ذكره المؤرخون يدور في دائرة الاحتمال والاستظهار والاستنتاج من موقفه من آل عقيل واستفساره منهم .

كذلك لم يكن إصراره (عليه السلام) على المضي إلى الكوفة مجرد طلب الثائر لمقتل مسلم بن عقيل ، فقضية الحسين ونهضته المباركة أكبر بكثير من قضية جزئية وإن كانت بحجم قضية الثائر لمسلم بن عقيل ، إنها قضية رسالة السماء وقضية الإسلام ومقدّساته وتعاليمه ، وقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والإصلاح في أُمة جدّه ، وهذه القضايا تهون عندها كل الأُمور الجزئية الأُخرى ، بل تهون من أجلها روحه التي بين جنبيه ، والتي جاد بها من أجل ذلك .

ثالثاً  : لا يهمنا كثيراً الوقوف عند الرجلين الأسديين اللذين دفعهما حبُّ الفضول واستطلعا خبر مسلم من الأسدي الآخر الذي ولّى عندما رأى الحسين في الطريق ، فحملا خبره إلى الحسين (عليه السلام) فهؤلاء على شاكلة وأمثال المشرقي وصاحبه ، وعبيد الله بن الحر وأضرابه ممن ابتلى بهم الإمام الحسين وزمانه .

إلاّ أن ما يدعو إلى التأمل هو تفرق ذلك الجمع الكثير من الناس من الذين خرجوا مع الحسين من مكة .

بعدأن أخبرهم الحسين بمقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، وعبد الله بن يقطر ، وخذلان شيعته ثمّ قال لهم  : « فمن أحبّ منكم الإنصراف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام » .

تقول الرواية  : « فتفرّق الناس عنه تفرّقاً فأخذوا يميناً وشمالا » .

لماذا أخبرهم الحسين بذلك ؟ ففي الوقت الذي نرى قادة الجيوش في الحملات العسكرية يعبئون الناس ويجيشون الجيوش ، ويخفون عنهم خبر الهزائم
ويشجعونهم حتى يصلوا بهم إلى النصر العسكري المأمول ، نجد الإمام (عليه السلام) يضعهم أمام الأمر الواقع ويبين لهم ما جرى في الكوفة فيتفرق الجمع عنه بالشكل الذي تصفه الرواية التاريخية .

لحسن الحظ نجد المؤرخ عندما ينقل هذا الخبر يعرج إلى نوع من التعليل والتفسير لهذا الحادث ، وهو من الموارد النادرة في كتب التاريخ إذ قلّما تجد التعليل والتفسير والاجابة عن سؤال لماذا حدث .

يقول الطبري في تعليل ما قام به الحسين (عليه السلام)  : « وإنّما فعل ذلك لأنه ظنّ أ نّما اتبعه الأعراب لأ نّهم ظنّوا أ نّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله ! فكره أن يسيروا معه إلاّ وهم يعلمون علامَ يقدمون ، وقد علم أ نّهم إذا بيّن لهم لم يصحبه إلاّ من يريد مواساته والموت معه »[708] .

وفي رواية الخوارزمي  : « ... وإنما أراد أن لا يصحبه إنسان إلاّ على بصيرة »[709] .

وتعليل المؤرخ قد يكفينا للإجابة عن التساؤل المطروح ، فالإمام الحسين (عليه السلام)أكّد من ساعة انطلاقه من مكة إلى ليلة ويوم العاشر من محرم وبشكل صريح وواضح أنه يطلب من الناس مهجهم وأرواحهم ، ويطلب أُناس قد وطنوا على لقاء الله أنفسهم وعلى بصيرة من أمرهم ، فحصل على هؤلاء الصفوة الذين ثبتوا معه واستشهدوا في ركابه فصاروا سادة الشهداء ، أما هؤلاء الذين تفرقوا عنه فما هم إلاّ غثاء كغثاء السيل ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاَْرْضِ )([710] .


الفصل الثاني لقاء الإمام الحسين مع الحر بن يزيد الرياحي وجيشه

المبحث الأول  : النص التاريخي للقاء الإمام الحسين (عليه السلام) بالحـر بن

                                 يزيد الرياحي

المبحث الثاني  : الموقف الانساني التربوي للإمام الحسين (عليه السلام) عنـد

                                 لقاء الحر

المبحث الثالث  : المواقف المتناقضة من الحرّ وجيشه

المبحث الرابع  : خطب وكلمات الإمام الحسين عند لقائه الحرّ

المبحث الخامس  : دراسة في شخصية الحرّ بن يزيد الرياحي



لقاء الإمام الحسين

مع الحر بن يزيد الرياحي وجيشه

كان لقاء الإمام الحسين (عليه السلام) بالحر بن يزيد الرياحي والكتيبة المسلحة التي معه والمؤلفة من ألف فارس ، في منطقة ( ذي حُسُم ) وهو جبل يقع بين شراف والبيضة ، وهو من منازل الطريق .

ولم يكن لقاء الحسين مع الحر والقوة القتالية التي معه ، محض صدفة ولا لقاء ودٍّ ومحبة ، وإنما كان لقاء مواجهة عسكرية وعداء ، حيث أُعدت هذه القوة ضمن الاجراءات العسكرية الصارمة التي اتخذها عبيد الله بن زياد لمنع الحسين من الوصول إلى الكوفة .

يقول الطبري  : « وكان مجيء الحُرّ بن يزيد ومسيره إلى الحسين من القادسيّة ، وذلك أنّ عبيد الله بن زياد لما بلغه إقبال الحسين بعث الحصين بن تميم التميمي ـ وكان على شرطه ـ فأمره أن ينزل القادسية ، وأن يضع المسالح فينظم ما بين القطقطانة إلى خفّان ، وقدّم الحر بن يزيد بين يديه في هذه الألف من القادسية ، فيستقبل حسيناً »[711] .

فالغرض من إرسال هذه الكتيبة المسلحة هو قطع الطريق على الإمام الحسين ومنعه من الوصول إلى الكوفة ، ودخولها دخول القادة الفاتحين ، وإنما يدخلها أسيراً من قبل جند عبيد الله بن زياد بقيادة الحرّ ، وذلك خشية أن تتقلب الأوضاع فيها مرة أُخرى بعد أن سيطر عليها عبيد الله بن زياد وأنهى فيها ذلك المدّ الثوري بحضور مسلم بن عقيل (رضي الله عنه) .

وقد تجسدت في هذا اللقاء بين الإمام الحسين والحر جملة من المواقف والكلمات ينبغي التوقف عندها والتأمل فيها لاستخلاص الدروس والعبر منها ، من خلال المباحث الآتية .

المبحث الأول النص التاريخي للقاء الحسين بالحر بن يزيد

ننقل أولا ما ذكره المؤرخون حول جزئيات هذا اللقاء ، ثمّ نسجل ملاحظاتنا وتأملاتنا حولها .

روى الطبري فقال  :

حدّثت عن هشام ، عن أبي مخنف ، قال  : أقبل الحسين (عليه السلام) حتى نزل شراف ، فلما كان في السَّحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا ، ثمّ ساروا منها . فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار . ثمّ انّ رجلا قال  : الله أكبر ! فقال الحسين  : الله أكبر ما كَبَّرت ؟ قال  : رأيت النخل ، فقال له الأسديان  : إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلة قطّ ; قالا  : فقال لنا الحسين  : فما تَريانه رأى ؟ قلنا  : نراه رأى هَواديَ الخيل ; فقال  : وأنا والله أرى ذلك ; فقال الحسين  : أما لنا ملجأ نلجأ إليه ، نجعله في ظهورنا ، ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ فقلنا له  : بلى ، هذا ذو حسم إلى جنبك ،
تميل إليه عن يسارك ، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد ، قالا  : فأخذ إليه ذات اليسار ; قالا  : وملنا معه فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل ، فتبينّاها ، وعدنا ، فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأنّ أسنّتهم اليعاسيب ، وكأنّ راياتهم أجنحة الطير ، قال  : فاستبقنا إلى ذي حُسم ، فسبقناهم إليه ، فنزل الحسين ، فأمر بأبنيته فضربت ، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر ابن يزيد التميمي اليربوعي حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين في حرّ الظهيرة ، والحسين وأصحابه معتمّون متلقدو أسيافهم ، فقال الحسين لفتيانه  : اسقوا القوم وأرووهم من الماء ورشّفوا الخيل ترشيفاً ، فقام فتيانه فرشّفوا الخيل ترشيفاً ، فقام فتية وسقوا القوم من الماء حتى أرووهم ، وأقبلوا يملئون القصاع والأتوار والطّساس من الماء ثم يدنونها من الفرس ، فإذا عبَّ فيه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عُزلت عنه ، وسقوا آخر حتى سقوا الخيل كلّها .

قال هشام  : حدثني لقيط ، عن عليّ بن الطّعان المحاربيّ  : كنت مع الحر بن يزيد ، فجئت في آخر مَن جاء من أصحابه ، فلما رأى الحسين ما بي وبفرسي من العطش قال  : أنخ الرّاوية ـ والراوية عندي السقاء ـ ثمّ قال  : يابن أخ . أنخ الجمل ، فأنخته ، فقال  : اشرب ، فجعلت كلما شربت سال الماء من السقاء ، فقال الحسين  : اِخنث السقاء ـ أي اعطفه ـ قال  : فجعلتُ لا أدري كيف أفعل ! قال  : فقام الحسين فخنثه ، فشربتُ وسقيتُ فرسي »[712] .

ونتوقف هنا عند بعض مفردات لقاء الإمام الحسين بالحر وضمن نقاط مختصرة مستلهمين منها الدروس والعبر .

المبحث الثاني الموقف الإنساني والتربوي للإمام الحسين في لقائه مع الحر وجيشه

من يطالع نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) ومواقفه العملية أثناء وقائعها المختلفة يجد وبوضوح أن الإمام الحسين في مواقفه وتصرفاته قد جسد المواقف الأخلاقية العظيمة ، ولم يكن من الذين يطلبون النصر بالجور ، ولم تكن الغاية عنده تبرر الوسيلة ، وإنما استخدم شرف الوسيلة إلى شرف الهدف ، وتجلى ذلك واضحاً حتى مع أعدائه فضلا عن أوليائه وأصحابه وأهل بيته .

ومن أوضح الأمثلة على ذلك أمره (عليه السلام) بسقي الحر وأصحابه وعددهم بحسب الرواية يزيد على الألف وقد كظهم العطش ، فيقول الحسين لفتيانه  : « اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشّفوا الخيل ترشيفاً »[713] .

ثمّ يقوم بنفسه (عليه السلام) بسقي القوم وآخرهم « ابن الطعان المحاربي » الذي وصل آخر القوم وقد كظه العطش ، وأدهشه الموقف ، فأخذ الإمام السقاء بيده الشريفة وسقى ذلك الرجل حتى ارتوى[714] .

ألم يكن بإمكان الحسين (عليه السلام) أن يترك هؤلاء القوم يموتون عطشاً في تلك الأرض الجرداء المقفرة ؟ مستخدماً بذلك نفس وسيلة العطش التي استخدمها معه أعداؤه . لكنه (عليه السلام) أبى إلاّ أن يكون ويبقى حسيناً في كل موقف من مواقفه ، وليسجل للأجيال أَسمى الدروس الأخلاقية ، ولو لم يكن في نهضته إلاّ هذا الدرس الأخلاقي لكفى ، فكيف وكل مفردات نهضته دروس أخلاقية كبيرة وعظيمة .

ويقف الأديب ليسجل للحسين (عليه السلام) هذه المكرمة الحميدة بقوله  :

سَقيتَ عِداكَ الماء منك تحنناً***بأرض فلاة حيث لا يوجد الماء

فكيف إذا تلقى مُحبيك في غد***عُطاشا من الأجداثِ في دهشة جاؤوا

وكان ينبغي لهذاالموقف الأخلاقي الرباني أن يترك أثره على اُولئك القوم ، فتحيي فيهم جديب الضمير ، وتدفعهم إلى التأمل ومراجعة الموقف ، واستنطاق الفطرة الإنسانية عندهم .

إلاّ أن الوقائع اللاحقة وما جرى يوم عاشوراء تسجل لهؤلاء موت الضمير الإنساني عندهم ، حيث ساهم وشارك هؤلاء في حصار الحسين وعطشه وقتله ، ولم يردوا هذا الجميل للإمام الحسين (عليه السلام) .

المبحث الثالث المواقف المتناقضة من الحر وجيشه

يبدو من الرواية التاريخية ان لقاء الإمام الحسين بالحر وجيشه كان قبل الزوال بقليل ، فبعد أن سقي هؤلاء وعادت إليهم أرواحهم التي كادت أن تزهق نتيجة العطش ، زالت الشمس ودخل وقت صلاة الظهر ، ولم يمنع الموقف الحرج الإمام الحسين من إقامة الصلاة في أول وقتها ، فأمر الحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن ، فأذن ، فلمّا حضرت الإقامة خرج الحسين في ازار ورداء ونعلين ] ثمّ خطب خطبة قصيرة سوف نتوقف عندها لاحقاً [ ثمّ قال للمؤذّن  : أقم ، فأقام للصلاة ، فقال الحسين (عليه السلام) للحرّ  : أتريد أن تصلّي بأصحابك ؟ قال  : لا ، بل تصلّي أنت ونصلي بصلاتك ، فصلّى بهم الحسين (عليه السلام)([715] .

[673]  الآصفي ، محمد مهدي  : تأملات في الخطاب الحسيني  : 157 ـ 158 ( بتصرف ) ، ط . المجمع العالمي لأهل البيت .

[674]  المقرم ، مقتل الحسين  : 188 الهامش .

[675]  الدينوري ، الأخبار الطوال  : 297 .

[676]  السماوي ، نعمة  : موسوعة الثورة الحسينية  : 5 / 117 ، ط . دار المرتضى ـ بيروت ،
الطبعة الأُولى ، ( 1422 هـ ـ 2001 م ) .

[677]  الأخبار الطوال  : 251 .

[678]  الري شهري ، محمد  : ميزان الحكمة  : 9 / 3700 ، عن كنز العمال ، الحديث رقم  : 42121 .

[679]  الآصفي  : تأملات في الخطاب الحسيني  : 163 .

[680]  الصدوق ، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال  : 232 .

[681]  الطبري ، محمد بن جرير ـ تاريخ الأُمم والملوك الشهير بـ ( تاريخ الطبري )  : 5 / 418 ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ، ط . بيروت ، ( بلا ـ ت ) ، الطبعة الخامسة .

[682]  المصدر نفسه  : 5 / 444 ـ 445 . ونقلها المحدث القمي في نفس المهموم  : 298 ـ 300 عن المصدر نفسه ، وأكّد السماوي في إبصار العين  : 101 وجود الضحاك مع الإمام الحسين إلى يوم العاشر من محرم وذكر جزءً من قصة هروبه من أرض المعركة .

[683]  الآصفي ، محمد مهدي  : في رحاب عاشوراء  : 279 ، ط . نشر الفقاهة ـ قم .

[684]  مقتل الحسين (عليه السلام) للسيد عبد الرزاق المقرّم  : 188 .

[685]  التوبة  : 111 .

[686]  للتوسع انظر  : الجانب التحليلي الرائع والتأملات القيمة لقصّة الضحاك وصاحبه والتي ذكرها سماحة العلامة آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي في كتابه ( في رحاب عاشوراء )  : 273 وما بعدها . ط . وتحقيق  : مؤسسة نشر الفقاهة ـ قم ، الطبعة الأُولى ، ( 1419 هـ ) . وقد استفدنا بعض هذه التأملات منه ( بتصرف وتلخيص ) .

[687]  الطبري  : 5 / 395 .

[688]  المصدر نفسه  : 5 / 394 .

[689]  المصدر نفسه  : 5 / 395 .

[690]  الطبري  : 398 .

[691]  الطبري  : 5 / 397 ـ 398 .

[692]  المصدر نفسه  : 5 / 398 .

[693]  المصدر نفسه  : 5 / 398 ـ 399 .

[694]  الطبري  : 5 / 399 ، وللتوسع انظر الارشاد للمفيد  : 2 / 74 ، ومقتل أبي مخنف  : 164 ، ومقتل الخوارزمي  : 1 / 223 وما بعدها ، والأخبار الطوال للدينوري  : 247 ، والكامل في التاريخ لابن الأثير  : 2 / 549 ، والبداية والنهاية لابن كثير  : 8 / 182 .

[695]  الطبري  : 5 / 404 ـ 405 .

[696]  الكوراني ، حسين  : في محراب كربلاء  : 239 وما بعدها ، وقد حاول المؤلف أن يحل مواطن الالتباس بين النصوص التاريخية ويخرج بنتيجة توفيقية بين النصوص .

[697]  الإرشاد  : 2 / 70 ، طبعة مؤسسة آل البيت ـ قم ، سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد .

[698]  الطبري  : 5 / 395 و 398 ، وأنساب الأشراف  : 3 / 378 ، والأخبار الطوال  : 245 ـ 246 .

[699]  إبصار العين  : 94 .

[700]  انظر المناقب  : 4 / 94 ، والبحار  : 44 / 343 ، وتسلية المجالس  : 2 / 182 .

[701]  المناقب لابن شهر آشوب  : 4 / 94 .

[702]  الإمامة والسياسة  : 2 / 5 .

[703]  العقد الفريد  : 4 / 235 .

[704]  الطبري  :

[705]  ابن طباطبا ( الشهير بابن الطقطقي ) ، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية  : 115 ، طبعة دار صادر ـ بيروت ، ( بلا ـ ت ) .

[706]  مقتل الحسين للخوارزمي  : 1 / 328 .

[707]  الطبسي ، محمد جواد  : مع الركب الحسيني  : 3 / 220 .

[708]  الطبري  : 5 / 399 ، والإرشاد للمفيد  : 2 / 74 .

[709]  مقتل الحسين  : 1 / 328 .

[710]  الرعد  : 13 .

[711]  الطبري  : 5 / 401 .

[712]  الطبري  : 5 / 400 وما بعدها ، والإرشاد للمفيد  : 2 / 76 ، والفتوح لابن الأعثم  : 5 / 73 ، والأخبار الطوال  : 249 ، والبداية والنهاية  : 8 / 186 ، والكامل في التاريخ  : 2 / 551 .

[713]  ابن طاووس ، اللهوف  : 35 .

[714]  الطبري  : 5 / 401 .

[715]  الطبري  : 5 / 401 ـ 402 .