المقدمة الثالثة: المستوى العلمي لقضية الإمام المهدي عليه السلام:

ننتقل إلى  مقدمة ثالثة في حديثنا هذه الليلة وهي مقدمة مهمة، إن قضية الإمام المهدي عليه السلام تمثل ضرورة في الفكر الإسلامي.

أوّلاً: معنى ضرورة في المصطلح الإسلامي؟

ثانياً: استعراض لبعض الأقوال والآراء في ذلك.

نحن نعتقد أن قضية الإمام المهدي تمثل ضرورة في الفكر الإسلامي وليس الشيعي فقط، بل في الفكر الشيعي والفكر السني، تمثل ضرورة فكرية وليست رؤيةً اجتهادية، هذا الأمر يجعلني أنقلكم إلى  تعريف ما هي الضرورات وما هي الاجتهادات في الفكر الإسلامي.

الضرورات والاجتهادات:

توجد قضايا ضرورية يعني بديهية، وتوجد قضايا اجتهادية يعني تقبل الاجتهاد في النفي والإثبات، مثلاً في مجال الأحكام الشرعية فأن وجوب الصلاة يعتبر ضرورة من ضرورات الإسلام.

يعني غير قابل للشك، وجوب الصوم كذلك، وفي مجال الاعتقادات نجد أنَّ التوحيد كذلك، والنبوة كذلك، هذه ضرورة من ضرورات الإسلام.

وهناك قضايا اجتهادية يمكن أن تتعدد فيها الاجتهادات.

على سبيل المثال فأن حكم الربا هو ضرورة (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (1) الربا حرام بالضرورة الإسلامية لكن حكم الشطرنج ليس كذلك فأن بعض الفقهاء يقول الشطرنج بدون قمار حلال، إذا كان بدون مقامرة ورهان، وبعض الفقهاء يقول الشطرنج حرام مطلقاً سواءاً كان به قمار، أو ليس به قمار تتراهن عليه هو حرام، على كل حال هذه مسألة اجتهادية تخضع لاستنباط الفقهاء، يمكن لفقيه أن يستنبط الحرمة المطلقة ويمكن لفقيه أن يستنبط الحرمة المشروطة، إذن صارت عندنا قضايا ضرورية وقضايا اجتهادية في التشريع  الإسلامي.

أضرب لكم مثالاً آخر من القضايا الاجتهادية في المعتقد الإسلامي. هناك مسألة اسمها المعاد الجسماني والمعاد الروحاني، يعني ان المعاد ضرورة نحن نعتقد به وهو ضرورة من ضرورات الدين وإذا لم يؤمن الإنسان بيوم القيامة فأنه يخرج عن الإسلام.

أصل المعاد ضرورة من ضرورات الدين، لكن هذا المعاد هل هو معاد جسماني أم معاد روحاني.  

يعني نحن نرجع بأجسامنا، نفس هذه الأجسام أو أجسام مثلها، أم هي أرواحنا تحشر يوم القيامة ولا توجد أجسام، لا توجد رجل ولا عين إنما  توجد روح، هذه نظريات، توجد نظرية تقول بالمعاد الجسماني، يعني نفس جسم الإنسان يرجع يوم القيامة، هذه المسألة أين ندخلها؟

هذه المسألة تدخل في القضايا الاجتهادية، أنت عالم دين، أنت مفكر إسلامي تبحث ويمكن أن تعتقد بالمعاد الجسماني أو تعتقد بالمعاد الروحاني، هذه قضية اجتهادية خاضعة للبحث، أمّا أصل المعاد فليس قضية اجتهادية بل قضية ضرورية، التوحيد قضية ضرورية، النبوة قضية ضرورية، خاتمية الإسلام قضية بديهية وضرورية، يعني اليوم لا يستطيع إنسان أن يقول جاء دين جديد غير دين الإسلام، نقول هذا كفر، الإسلام هو الدين الخاتم، ونبينا لا نبي بعده، هذه القضية من القضايا الضرورية التي يتفق عليها المسلمون بلا مناقشة، (لا نبي بعدي) هذه نسميها ضرورة.

طريفة:

نعم من الممكن أن تتم عملية تلاعب من قبل منحرفين، مثلاً يذكر التاريخ _ وربما ذلك على سبيل الطريفة والأسطورة _ يوماً ما شخصاً اسمه (لا) ادعى النبوة، قالوا له الحديث يقول: (لا نبي بعدي). قال: نعم أنا المقصود بذلك يعني أنا (لا) نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

يذكر التاريخ _ ربما على سبيل الطريفة _ أنَّ امرأةً ادَّعت النبوة، امرأة قالت أنا نبية قيل لها الحديث يقول (لا نبي بعدي)، قالت صحيح الحديث يقول لا نبي بعدي ولكن الحديث لم يقل لا نبية بعدي، وأنا نبية ولستُ نبياً!! هذا تلاعب، أمَّا أصل الفكرة (لا نبي بعدي) فهي قضية ضرورية في الإسلام يعني لا يمكن أن يأتي بعد عشر سنوات أو مئة سنة أو ألف سنة قائل يقول أنا نبي وأنا امتداد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، نقول هذا خروج على ضرورات الفكر الإسلامي، ومنها خاتمية الإسلام.

والآن بعد أن بيَّنا الفرق بين القضايا الضرورية و القضايا الاجتهادية نقول إن قضية الإمام المهدي عليه السلام تمثل ضرورة في الفكر الإسلامي، يعني كل المسلمين يعتقدون بفكرة الإمام المهدي عليه السلام الشيعة والسنة، إذاً لا يوجد فرق بيننا وبين السنة وان كان ثمة فرق فهو فرق في تفاصيل مهمة جداً سوف نتناولها بالحديث.

في الإطار العام فأن أبناء السنّة يتفقون معنا على قضية الإمام المهدي عليه السلام فقضية المهدي تمثل ضرورةً في الفكر الإسلامي، سواءً على مستوى السّنة أو على مستوى الشيعة.

أنا اليوم أقرأ لكم بعض الأقوال ليست من مصادرنا الشيعية وإنما من مصادر أبناء العامة حتى نعرف أن قضية الإمام المهدي عليه السلام هي قضية على مستوى الضرورة في الفكر الإسلامي.

لاحظوا هذا الكتاب (علامات القيامة الكبرى)(2) هذا الكتاب لفقيه من أئمّة الجامع الأزهر الإمام الداعية الشيخ محمّد متولي الشعراوي توفي قبل سنوات ويُعتبر مجدداً ويُعتبر إماماً من أئمّة المذاهب السنّية، وهذا الكتاب كتاب حديثٌ وليس كتاباً قديماً لاحظوا أن هذا العالم السني والمجدد يستعرض تحت عنوان عقيدة أهل السنة في المهدي المنتظر مجموعة كلمات لعلماء من كبار السنة تؤكد أن قضية الإمام المهدي ضرورة في الفكر الإسلامي.

يقول أبو الحسن محمّد بن الحسين في كتاب المناقب للشافعي: (قد تواترت الأخبار واستفاضت عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بذكر المهدي عليه السلام وأنه من أهل بيته وأنه يملك سبع سنين).

يملأ الأرض عدلاً وإن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وإنه يؤم هذه الأمّة، ويصلي عيسى خلفه، هذا الكلام لمناقب الشافعي ينقله عنه الشيخ الشعراوي.

يقول أيضاً قال ابن حَجَر في كتابه (القول المختصر): (الذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر عليه السلام الذي يخرج الدجال وعيسى في زمانه، ويصلي عيسى خلفه).

وقال السفراييني: (وقد كثرت الروايات بخروجه _ يعني الإمام المهدي _ حتى بلغت حد التواتر المعنوي، ويشاع ذلك بين علماء السنة حتى عُدَّ من معتقداتهم). يعني قضية الإمام المهدي من معتقدات السنة ليس فقط الشيعة. ثم يقول: (فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدوَّن في عقائد أهل السنة والجماعة) ثم ينقل الشيخ الشعراوي كلمات كثيرة لعدد من العلماء السنة في أن قضية الإمام المهدي جزء من المعتقدات الإسلامية الضرورية التي لا يجوز التشكيك فيها.

هذا المعنى ثابت عندنا إسلامياً سواءاً عند الشيعة أو عند أهل السنة ولهذا عندنا روايات تقول: (من أنكر المهدي من ولدي فقد كَذَّب بي أو فَقَد أنكرني) هذه رواياتنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني).(3)

لماذا هذا الحجم؟

قد يسأل أحدٌ ويقول لماذا احتلت قضية الإمام المهدي عليه السلام هذا الحجم الكبير بحيث من ينكر الإمام المهدي عليه السلام ينكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟

لاحظوا هذا تأكيد على أن مسيرة الأنبياء واحدة، كيان واحد، والذي لا يصدق بالأخير لا يصدق بالأوّل.

أيضاً سنتناول هذا الموضوع، لماذا احتلت قضية الإمام المهدي عليه السلام هذا الاهتمام حتى صار (من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني) هذا يعني أنَّ الإيمان بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يلزمه الإيمان بالمهدي، والإيمان بالمهدي هو امتداد للإيمان برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

الأحاديث في المهدي عليه السلام:

أمّا الأحاديث فهناك مئات الأحاديث بلغ بها بعض علمائنا إلى (ستة آلاف حديثاً)(4) ولكن حينما نتحدث عن الروايات لدى أهل السنة أيضاً نجد أنهم نقلوا مئات الروايات، في كتاب واحد لصاحب كتاب كنز العمال توجد (274) رواية في الإمام المهدي عليه السلام هذا في كتاب واحد وإذا أردنا أن نستعرض مجموعة الكتب سوف نجد شيئاً كثيراً جداً.

أحد علماء النجف الأشرف المعاصرين وهو العلامة الشيخ محمّد أمين زين الدين له كتاب(5) في الإمام المهدي عليه السلام يذكر إحصائية بسيطة، لكن من المفيد أن تطلعوا عليها يقول:

هناك أربعون حديثاً أخرجها الحافظ أبو نعيم من علماء الحديث عند أبناء العامة، وثمانية وثلاثون حديثاً ذكرها ابن خلدون.

وسبعون حديثاً أخرجها الحافظ محمّد بن يوسف الكنجي، ومائة وعشرة أحاديث رواها صاحب كتاب كشف المخفي في مناقب المهدي.

إذن هذه مئات الأحاديث ثم ينقل أسماءاً لخمسين صحابياً من صحابة الرسول ذكروا حديث المهدي ثم يذكر خمسين تابعياً _ تابعي يعني الجيل الذي جاء بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم _، خمسون صحابياً يروي حديث الإمام المهدي عليه السلام وخمسون تابعياً يروي أيضاً حديث الإمام المهدي عليه السلام، الأمر الذي يجعل القضية بدرجة من الوضوح واليقينية أنها صارت عند الفكر الإسلامي لدى الشيعة والسنة من القضايا الضرورية التي يجب الاعتقاد بها.

نظرية ابن خلدون:

سوف نناقش ابن خلدون في محاضرة لاحقة، ابن خلدون في الوقت الذي يذكر ثمانية وثلاثين رواية في الإمام المهدي عليه السلام ويتحدث بصحة بعضها من الناحية السنديّة، لكنه بعد ذلك يرفض فكرة الإمام المهدي لمجرد نظرية تحليلية عنده وحاول أن يحمّل الفكر الإسلامي اجتهاداته الشخصية.(6)

مثلاً في قضية الإمام المهدي هو يذكر أن بعض الروايات الواردة في الإمام المهدي هي روايات صحيحة لكن بعد ذلك واستناداً إلى  نظرية شخصية لديه في علم الاجتماع يقول فيها إن تأسيس الدولة يحتاج إلى  عصبية، وأهل البيت ليس لديهم عصبية، فإذا كان المهدي من ولد فاطمة من أهل البيت عليهم السلام فهو ليس لديه عصبية، وإذا لم يكن لديه عصبية فهو لا يستطيع أن يشّكل دولة، إذن قضية الإمام المهدي ليست صحيحة! بهذه الطريقة من الاستدلال! عجيب هذا الموقف، بعد أن ينقل روايات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الإمام المهدي يقول أنا اجتهادي في علم الاجتماع لا يجعلني أقبل أن إنساناً مثل الإمام المهدي عطوفاً رؤوفاً يحب المساكين يستطيع أن يشكل دولة، إن مثل هذا الإنسان لا يستطيع أن يشكل دولة! الدولة تحتاج إلى عصبية، وأهل البيت ليس لديهم عصبية، إذن لا يستطيعون أن يشكلوا دولة! هذا سوف نناقشه في ليلة من الليالي إن شاء الله.

خاتمية الإسلام وشهادة الأمّة الإسلاميّة:

هناك سؤال وهو لماذا احتلت قضية الإمام المهدي هذا الموقع الكبير بحيث أن من ينكره ينكر الإسلام وينكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما قرأت لكم في روايات سابقة متفق عليها لدى الشيعة والسنة؟

الجواب: إنَّ هذا أمر في غاية الأهمية، إننا نريد أن نقول أن الإسلام هو الذي يمثل نهاية الحضارات وليس الحضارة الغربية، وإن الأمّة الإسلامية تمثل الأمّة الشاهدة وليس الأمّة الغربية هي الشاهدة على العالم.

إن الإسلام يمثل الرسالة الإلهية الخاتمة ولا توجد رسالة بعد الإسلام كالرسالة التي يبشر بها الغرب اليوم باسم الديمقراطية.

الغرب اليوم يبشر بنظريات شمولية كبرى ومطلقة.

اليوم تعرفون ماذا يقول الغرب؟

الغرب يقول أنا اُمثّل الأمّة الشاهدة على العالم وليس أنتم، أنا اُمثَّل الأمّة القيَّمة على العالم هذا أوّلاً.

ثانياً: الديمقراطية الغربية هي التي تمثل الحضارة الخاتمة، والرسالة الخاتمة وليس الإسلام، التقدم المدني الغربي الأمريكي بالذات هو الذي يمثل نهاية الحضارات وليس الإسلام، هذا الأمر تماماً على خلاف رؤية الإسلام.

الفكر الإسلامي يقول شيئاً آخراً، هذا الذي تعكسه نظرية وعقيدة الإمام المهدي، هذه العقيدة تريد أن تقول أن الأمّة الإسلامية هي الأمّة الشاهدة على العالم، وأن الحضارة الإسلامية هي نهاية الحضارات، وأن الرسالة الإسلامية هي نهاية الرسالات، وأن رائد الحركة الإصلاحية في العالم ليس هم رؤساء الغرب إنما هم أئمّة الهدى من ولد فاطمة وأهل البيت عليهم السلام كما تقول الروايات، هؤلاء هم روّاد الحركة الإصلاحية في العالم.

مسألة الإمام المهدي ليست مسألة هامشية، هي مسألة في عمق حركتنا كشعب من الشعوب، مسألة في عمق حضارتنا كرسالة من الرسالات الإلهية، بدون قضية الإمام المهدي عليه السلام تكون الرسالة الإسلامية مبتورة، ومغلوبة، أو مقطوعة الذيل، هذه المخاطر ستتغلب عليها قضية الإمام المهدي عليه السلام، الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو المبشر بهذه الرسالة وهذا الإمام المهدي الذي تقول الروايات بالإجماع أنه من ولد فاطمة عليها السلام ومن أهل بيتي، أسمه اسمي، يملأ الأرض قسطاً وعدلا بعدما ملئت ظلماً وجوراً، هذا هو الذي يُكمّل مسيرة الرسالة الإلهية ويختمها على الأمّة الإسلامية عموماً وعلى يد شيعة أهل البيت خصوصاً كما سنتحدث عن ذلك مفصلاً إن شاء الله تعالى.

عناصر الاشتراك:

إذن نحن الليلة نكون قد سجلنا مقدمات في بداية بحثنا عن الحركة الإصلاحية من الحسين عليه السلام إلى المهدي عليه السلام وفي الليالي الآتية سوف نبحث أربعة عناصر اشتراك بين الحسين والمهدي عليهما السلام، اشتراك في الشخصية أوّلاً، واشتراك في الأهداف ثانياً، واشتراك في المنهج ثالثاً، واشتراك في التاريخ رابعاً.

الحسين يعود لنصرة المهدي عليه السلام:

سوف تكتشفون قضايا هي بالنسبة لكم جديدة لم تسمعوا بها لكن هي في غاية الروعة والتجلية للنظرية، حينما تسمع مثلاً أن أوّل من يخرج لنصرة الإمام المهدي عليه السلام هو الإمام الحسين عليه السلام،(7) وهو أوّل من يتولى الحكم بعده. ربما تكون هذه القضايا غير مسموعة لكم وبعضها قد شرحناه في نظرية الرجعة في محاضرات أخرى، لكن رواياتنا هكذا تقول أن الحسين عليه السلام يخرج ويعود وينصر المهدي عليه السلام حتى إذا اطمأنَّ الناس حينئذ يموت إمامنا المهدي عليه السلام ويأخذ الحركة وقيادتها الإمام الحسين عليه السلام وتقول الرواية يمتد العمر بالحسين عليه السلام حتى يقع حاجباه على عينيه أي يصبح شيخاً كبيراً، ثم يخرج الإمام علي عليه السلام، ثم يخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه نظرية الرجعة التي هي مكملة لنظرية الظهور.

على كل حال اليوم فقط أشرت لكم إلى  عناوين عناصر الاشتراك بين حركة الإمام الحسين عليه السلام وحركة الإمام المهدي عليه السلام وسوف نتحدث غداً إن شاء الله تعالى عن بعض النقاط تفصيلياً.

الاشتراك في الشخصية:

حديثنا الليلة على مستوى الإشارة العابرة لأن هذه الليلة هي ليلة تمهيد للبحث.

إن هناك اشتراكاً في الشخصية يعني أن الثورة التي قادها الحسين عليه السلام والثورة التي يقودها المهدي عليه السلام تشترك في شخصية القائد، ذلك هو الحسين عليه السلام في كربلاء وهذه ثورة المهدي عليه السلام يقودها الابن التاسع للحسين عليه السلام، هكذا تقول الروايات عندنا بالاتفاق وعند السنة على اختلاف في بعض الروايات عندهم أن المهدي من ولد الحسن عليه السلام وبعض رواياتهم أنه من ولد الحسين عليه السلام ولكن رواياتنا المشهورة تقول إنه من ولد الحسين عليه السلام فهو التاسع من ولده.

هذا الأمر قد يحتاج إلى تأمل لماذا؟ 

ان الذي يقود الثورة العالمية هو الإمام المهدي عليه السلام فهو يقود ثورة إصلاحية شمولية عالمية كما سنقف عند هذا الأمر.

لماذا صار قائد الثورة الإصلاحية الشمولية العالمية هو من ذرية الحسين عليه السلام وهو امتداد جسمي للحسين عليه السلام.

في الحقيقة هذا اشتراك في شخصية القيادة، هذا الأمر ينقلنا في ختام الحديث إلى  علاقة عاطفية ووشائج قلبية قوية بين المهدي والحسين عليه السلام كما سوف نتحدث عنه فيما بعد وسوف أحدثكم في الليالي الآتية عن علماء التقوا بالإمام المهدي عليه السلام، عن كيفية الانفتاح على هذا الأفق، أفق اللقاء بالإمام عليه السلام، أيضاً سوف أحدثكم في ليالي لاحقة أن هناك عاطفة بين المهدي والحسين عليهما السلام، هذه العاطفة تجسدها قصة من القصص يرويها التاريخ ويذكرها خطباء المنبر الحسيني وقد سمعتها من أستاذنا في المنبر الشيخ شاكر القرشي وهو مؤرخ أيضاً وعالم في التاريخ الإسلامي.

لقاء السيد حيدر الحلي بالإمام المهدي عليه السلام:

قصة لقاء السيد حيدر الحلي بالإمام المهدي عليه السلام، السيد حيدر الحلي من شعراء الطف وكربلاء والإمام الحسين عليه السلام، ومعروف بنظمه للشعر في الإمام الحسين عليه السلام ونجماً في سماء شعراء الطف الحوليين، أي الذين ينظمون قصيدة واحدة خلال السنة لكن هي من المعلَّقات ومن روائع القصائد وكان السيد حيدر الحلي إذا أكمل القصيدة يذهب ويلقيها عند ضريح الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء أوّلاً، السيد حيدر هذه المرة نظم قصيدة معروفة من القصائد الخالدة والتي خلدته أيضاً وهي قصيدة مطلعها:

الله يا حامي الشريعة   أتقرُّ وهي كذا مروعه بك تستغيث وقلبُها   لك عن جوىً يشكو صدوعه تنعى الفروع أصوله   وأصوله تنعى فروعه إلى أن يقول:

ماذا يهيُجك إن صـبرت   لــوقعة الطــف الفجيـعه هذه القصيدة من روائع القصائد في الإمام الحسين عليه السلام.

السيد حيدر الحلي عندما سافر إلى  كربلاء وكان السفر يستغرق أياماً وليالي مشياً على الأقدام أو على دابة، وعندما وصل إلى منطقة ليستريح في بستان من البساتين وإذا بأعرابي جاء إلى السيد حيدر وقال له يا سيد حيدر أنشدني القصيدة التي نظمتها أخيراً.

قلت له: أي قصيدة تقصد؟

قال: قصيدتك التي مطلعها:

الله يا حامي الشريعه   أتقرُّ وهي كذا مروعه هنا اندهش السيد حيدر لأنه لم يُطلع أحداً على هذه القصيدة التي ذكرها الأعرابي ولكنه تفاعل معه وسيطرت روح هذا الشخص العربي على روح السيد حيدر الحلي فأصبح ينشده القصيدة حتى وصل إلى قوله:

ماذا يهيجك إن صبرت   لوقعة الطــف الفـــجيعه يقول السيد حيدر هذا الشخص العربي بدأ بالبكاء والنحيب وأنا أقرء عليه:

ماذا يهيجك إن صبرت   لوقعة الطــف الفـــجيعه أتــــرى تجــيءُ فـــجيعـة   بأمضّ من تلك الفجيعه حيث الحسين على الثرى   خيلُ العدى طحنت ضلوعه يقول السيد حيدر: أنا أقرأ الأبيات وغافل عن المشهد كيف كان، وهذا السيد الأعرابي إلى جانبي ينحب بالبكاء من عسى أن يكون!؟ ثم قرأت:

ورضيعهُ بدم الوريد   مخضبٌ فأطلب رضيعه يقول السيد حيدر: التفت هذا الأعرابي وقال: يا سيد حيدر كفى، ليس عندي إجازة للخروج أنا منتظر الإجازة، إنا لله وإنا إليه راجعون.

اللهم اغفر لنا واعفُ عنا وتجاوز عن سيئاتنا اللهم اجعل محيانا محيى محمّد وآل محمّد ومماتنا ممات محمّد وآل محمّد وعجَّل فرجهم واحشرنا في زمرتهم واجعلنا من المستشهدين بين أيديهم.

والحمد لله رب العالمين

*   *   *

 
 

الهوامش


(1) البقرة: 275. (2) علامات القيامة الكبرى/ محمّد متولي الشعراوي. (3) كمال الدين: ص 412/ ح 8؛ بحار الأنوار/ المجلسي: ج 51/ ص 73. (4) بحث حول المهدي/ الشهيد السيد محمّد باقر الصدر. (5) مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية/ محمّد أمين زين الدين. (6) تاريخ ابن خلدون: ج 1/ ص 327 :

(والحق الذي ينبغي أن يتقرر لديك أنه لا تتم دعوة من الدين والملك إلا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع عنه من يدفعه حتى يتم أمر الله فيه وقد قررنا ذلك من قبل بالبراهين القطعية التي أريناك هناك وعصبية الفاطميين بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الآفاق ووجد أمم آخرون قد استعلت عصبيتهم على عصبية قريش إلاّ ما بقي بالحجاز في مكّة وينبع بالمدينة من الطالبين من بني حسن وبني حسين وبني جعفر وهم منتشرون في تلك البلاد وغالبون عليها وهم عصائب بدوية متفرقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم يبلغون آلافا من الكثرة فان صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته إلا بان يكون منهم ويؤلف الله بين قلوبهم في أتباعه حتى تتم له شوكة وعصبية وافية بإظهار كلمته وحمل الناس عليها وأما على غير هذا الوجه مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الأمر في أفق من الآفاق من غير عصبية ولا شوكة إلا مجرد نسبة في أهل البيت فلا يتم ذلك ولا يمكن لما أسلفناه من البراهين الصحيحة). (7) بحار الأنوار: ج 53/ ص 46/ ح 19:

عن المعلى بن خنيس قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (أوّل من يرجع إلى الدنيا، الحسين بن عليّ عليه السلام فيملك حتى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر)، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: في قول الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) قال: (نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم راجع إليكم).