(127)

28 - سورة القصص مكية في قول قتادة والحسن وعطاء وعكرمة ومجاهد ليس فيها ناسخ ولا منسوخ وقال ابن عباس آية منها نزلت بالمدينة وقيل بالجحفة وهي قوله " ان الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " وهي ثمانون وثمان آيات بلا خلاف في جملتها واختلفوا في رأس آيتين سأذكرها عند كتابتها بسم الله الرحمن الرحيم * (طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلو عليك من نبا موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) * (5).

 

===============

(128)

خمس آيات كوفي وأربع فيما عداه. عد الكوفي " طسم " آية ولم يعدها الباقون.

قد بينا معنى هذه الحروف في أوائل السور في عدة مواضع، فلا فائدة في إعادته، وقوينا قول من قال: إنها اسماء للسور.

وقوله " تلك آيات الكتاب " أي تلك آيات الكتاب التي وعدتم بانزالها. وقيل معناه هذا القرآن هو الكتاب المبين - ذكره الحسن - وقيل: في معنى " المبين " قولان: احدهما - قال قوم: المبين أنه من عند الله. وقال قتادة: المبين الرشد من الغي. والمبين هو البين أيضا. وأضاف الآيات إلى الكتاب، وهي الكتاب كما قال " انه لحق القين " (1)

ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال " نتلو عليك " يا محمد طرفا من اخبار " موسى وفرعون بالحق " على حقيقة البيان وهو اظهار المعنى للنفس بما تميزه من غيره مشتق من أبنت كذا من كذا إذا فصلته منه. والبرهان إظهار المعنى للنفس بما يدعو إلى انه حق مما هو حق في نفسه. والتلاوة الاتيان بالثاني بعد الاول في القراءة بما يتلوه تلاوة، فهو تلل لمقدم، والمقدم والتالي مثل الاول والثاني.

والنبأ الخبر عما هو أعظم شأنا من غيره. والحق هو ما يدعو اليه العقل، ونقيضه الباطل، وهو ما صرف عنه العقل.

وقوله " لقوم يؤمنون " معناه إنا نتلو عليك هذه الاحبار لقوم يصدقون بالله، وبما أنزل عليك، لانهم المنتفعون به، والايمان الصديق بفعل ما يؤمن من العقاب.

ثم اخبر تعالى فقال " ان فرعون علا في الارض " أي تجبر وبغي - في

ــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 96 الحاقة آية 51 (*)

 

===============

(129)

قول قتادة وغيره - ببغيه واستعباده بني إسرائيل، وقتل أولادهم. وقيل:

بقهره وادعائه الربوبية. وقيل: بشدة سلطانه " وجعل اهلها شيعا " أي قوما يستضعف طائفة منهم " فيستعبدهم و " يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم " أي يستبقي بناتهم فلا يقتلهن، وقيل: إنه كان يأمر باخراج أحيائهن الذي فيه الولد والاول هو الصحيح.

ثم اخبر تعالى وحكم بأن فرعون " كان من المفسدين " في الارض والعلملين بمعاصي الله. ثم وعد تعالى فقال " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض " وهو عطف على قوله " يستضعف طائفة منهم " ونحن نريد أن نمن.

وقال قتادة: يعنى من بني اسرائيل " ونجعلهم أئمة " يقتدى بهم " ونجعلهم الوارثين " لمن تقدمهم من قوم فرعون.

وروى قوم من أصحابنا أن الآية نزلت في شأن المهدي (ع) وأن الله تعالى يمن عليه بعد أن استضعف. ويجعله إماما ممكنا، ويورثه ما كان في ايدي الظلمة.

قال السدي: إن فرعون رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني اسرائيل فسأل علماء قومه، فقالوا: يخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك مصر على يده، فامر بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم، وأسرع الموت في شيوخ بني إسرائيل، فقالت القبط لفرعون: ان شيوخ بني إسرائيل قد فنوا، وصغارهم قد قتلتهم فاستبقهم لعملنا وخدمتنا، فأمرهم أن يستحيوا في عام، ويقتلوا في عام، فولد في عام الاستحياء هارون، وولد في عام القتل موسى، قال الضحاك: عاش فرعون

 

===============

(130)

أربع مئة سنة، وكان قصيرا وسيما، وهو أول من خضب بالسواد. وعاش موسى مئة وعشرين سنة. وقيل: ان فرعون كان من أهل الاصطخر.

قوله تعالى:

* (ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (6) وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فاذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (8) وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) * (10) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ اهل الكوفة إلا عاصما " وحزنا " بضم الحاء، واسكان الزاي.

الباقون بفتحهما، وهما لغتان. يقال: حزن وحزن مثل نجل ونجل. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " ويري فرعون وهامان " بالياء ورفع (فرعون، وهامان)

باسناد الرؤية اليهما. الباقون بالنون، ونصب (فرعون وهامان) باسناد الفعل إلى الله، وكونهما مفعولين.

 

===============

(131)

لما اخبر الله تعالى أنه يريد ان يمن على الذين استضعفوا في الارض ويجعلهم ائمة، أخبر في هذه الآية أنه يريد أن يمكنهم في الارض، والتمكين هو فعل جميع مالا يصح الفعل ولا يحصل إلا معه: من القدرة والآلة واللطف وغير ذلك.

وقال الرماني: اللطف لا يدخل في التمكين، لانه لو دخل فيه لكان من لا لطف له لم يكن ممكنا، ولكن يقال: انه من باب ازاحة العلة. ثم بين انه تعالى " يري فرعون وهامان وجنودهما منهم " يعني من بني اسرائيل " ما كانوا يحذرون " من زوال ملكهم على يد رجل من بني اسرائيل، ولذلك ذبح فرعون أبناءهم.

ومن قال: ان الآية في شأن المهدي (ع) حمل فرعون وهامان على فرعون هذه الامة وهامانها، والكناية في " منهم " عائدة على أنصار المهدي (ع) قالوا: وهذه أولى، لانه بلفظ الاستقبال، لان في أوله النون او الياء على اختلاف القراءتين وهما للمضارعة.

والحذر توقي ما فيه المضرة، فهؤلاء الذين طلبوا الحذر في غير وجهه، اذ قتلوا الاطفال ظلما لاجله، ولو طلبوه بالرجوع إلى الله، ودعائه ليكشف عنهم لكانوا طالبين له من وجهه.

وقوله " وأوحينا إلى أم موسى " أي ألهمناها، وقذفنا في قلبها، وليس

 بوحي نوم، ولا نبوة - في قول قتادة وغيره - وقال الجبائي: كان الوحي رؤيا منام عبر منه مؤمن به من علماء بني إسرائيل. وقوله " أن ارضعيه " أي الهمناها إرضاع موسى " فاذا خفت عليه فألقيه في اليم " فالخوف توقع ضرر لا يؤمن به.

وقال الزجاج: معنى " أوحينا إلى أم موسى " اعلمناها، وقوله " فالقيه في اليم " أمر من الله تعالى لام موسى انها إذا خافت على موسى من فرعون أن ترضعه وتطرحه في اليم. واليم البحر، ويعني به النيل " ولا تخافي ولا تحزني " نهي من الله تعالى

 

===============

(132)

لها من الخوف والحزن، فانه تعالى أراد أن ينزيل خوف أم موسى بما وعدها الله من سلامته على أعظم الامور في القائه في البحر الذي هو سبب الهلاك في ظاهر التقدير، لولا لطف الله تعالى بحفظه حتى يرده إلى أمه. ووعدها بأنه يرده عليها بقوله " انا رادوه اليك " ووعدها أيضا بان يجعله من جملة الانبياء المرسلين بقوله " وجاعلوه من المرسلين ".

ثم اخبر ان آل فرعون التقطوه، وفي الكلام حذف، لان تقديره ان أم موسى طرحته في البحر ومضى في البرح إلى أن بلغ قصر فرعون فالتقطه آل فرعون. والالتقاط هو اصابة الشئ من غير طلب، ومنه اللقطة قال الراجز:

ومنهل وردته التقاطا * لم ألق اذ وردته فراطا (1)

وقوله " ليكون لهم عدوا وحزنا " اللام لام العاقبة، لانهم لم يلتقطوه لان يصير لهم عدوا وحزنا، بل التقطوه ليكون قرة عين لهم، ومثله قول الشاعر:

لدوا للموت وابنوا للخراب (2)

ومنه قوله " ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا " (3). ثم اخبر تعالى " إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين " عاصين لله في أفعالهم، ثم حكى تعالى أن امرأة فرعون لما جيئ بموسى اليها ورأته وعطف الله بقلبها عليه جاءت به إلى فرعون، وقالت " قرة عين لي ولك " أي قرة عين هذا الولد لي ولك " لا تقتلوه عسى ان ينفعنا أو نتخذه ولدا " إذا ربيناه وكبر " وهم لا يشعرون " بأن هلاكهم على يديه، في قول قتادة.

ثم قال " واصبح فؤاد ام موسى فارغا " قال ابن عباس وقتادة والضحاك:

 

ــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 20 / 19 والقرطبي 13 / 252 (2) مر في 3 /؟ 6 و 5 / 43 (3) سورة 7 الاعراف آية 178 (*)

 

===============

(133)

معناه فارغا من كل شئ إلا من ذكر موسى. وقال الحسن وابن زيد وابن اسحاق: فارغا من وحينا بنسيانه، فانها نسيت ما وعدها الله به. وقيل: فارغا من الحزن لعلمها بأن ابنها ناج سكونا إلى ما وعد الله وقبلت به. وقوله " إن كادت لتبدي به " قال ابن عباس وقتادة والسدي: معناه كادت لتبدي بذكر موسى. وتقول: يا ابناه. وقيل: ان كادت لتبدي بالوحي. وقوله " لولا أن ربطنا على قلبها " فالربط على القلب تقويته على الامر حتى لا يخرج منه إلى مالا يجوز. وجواب (لولا) محذوف، وتقديره لولا أن ربطنا على قلبها لاظهرته. وقوله " لتكون من المؤمنين " معناه فعلنا ذلك بها لتكون من جملة المؤمنين المصدقين بتوحيد الله وعدله.

قوله تعالى:

* (وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (11) وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلوله لكم وهم له ناصحون (12)

فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان

 

===============

(134)

هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين) * (15) خمس آيات بلا خلاف.

حكى الله تعالى عن أم موسى أنها قالت لاخت موسى: قصيه أي اتبعي اثره، يقال قصه يقصه قصا إذ اتبع اثره، ومنه القصص، لانه حديث يتبع بعضه بعضا يتبع الثاني للاول، والاقتصاص اتباع الجاني في الاخذ بمثل جنايته في النفس " فبصرت به عن جنب " معنى (فبصرت به) رأته، وهو لا يتعدى إلا بحرف الجر. والرؤية تتعدى بنفسها، وقال مجاهد: معناه عن بعد، ومثله أبصرته عن جنابة قال الاعشى:

أتيت حريثا زائرا عن جنابة * فكان حريث عن عطائي جامدا (1)

أي عن بعد، وقيل: معنى " عن جنب " عن مكان جنب، وهو الجانب لان الجنب صفة وقعت موقع الموصوف لظهور معناه، وكان ذلك احسن واوجز " وهم لا يشعرون " قال قتادة: معناه وآل فرعون لا يشعرون انها اخته.

وقوله " وحرمنا عليه المواضع " وهي جمع مرضعة ومعناه منعناه منهن وبغضناهن اليه، فكان ذلك كالمنع والنهي، لا أن هناك نهيا عن الفعل، قال الشاعر:

جاءت لتصرعني فقلت لها اقصري * اني امرء صرعي عليك حرام (2)

اي ممتنع فاني فارس امنعك من ذلك، ومثله قولهم: فلان حرم على

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه * (دار بيروت) * 43 (2) مر هذا البيت في 3 / 489 (*)

 

===============

(135)

نفسه كذا بالامتناع منه، كالامتناع بالنهي. وقوله " من قبل " أي من قبل رده على أمه " فقالت هل أدلكم على اهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون " معناه يضمنونه برضاعه والقيام عليه، وينصحونه في ذلك، فقيل لاخته من أين قلت: انهم ناصحون له أعرفت أهله، فقالت: إنما عنيت ناصحون للملك. والنصح اخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش: نصح ينصح نصحا، فهو ناصح في عمله، وناصح في نفسه في توبته إذا اخلصها. وقوله " فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن " قيل: ان فرعون سأل أمه كيف يرتضع منك، ولم يرتضع من غيرك؟ ! قالت: لاني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا اكاد أؤتى بصبي إلا ارتضع مني. وبين تعالى انه إنما فعل ذلك " كي تقر عينها " يعني عين أمه، فرده عليها " ولتعلم ان وعد الله حق " لابد من كونه. ثم قال " ولكن اكثرهم " اى الخلق " لا يعلمون " حقيقة ما يراد بهم. وقيل: من قوم فرعون ما علمته أم موسى، ومن لطيف تدبير الله تسخير فرعون لعدوه حتى تولى تربيته.

وقوله " ولما بلغ أشده واستوى " قال قتادة: اشده ثلاث وثلاثون سنة، واستوائه اربعون سنة. وقيل استواء قوته * (آتيناه) * يعني أعطيناه * (حكما وعلما) * قال السدى: يعني النبوة. وقال عكرمة: يعني العقل.

وقال مجاهد: الفرقان. والحكم الخبر بما تدعو اليه الحكمة. والمعنى علمناه من الحكمة ما تقتضي المصلحة، واوحينا اليه بذلك. ثم قال: ومثل ما فعلنا به نجزي أيضا من فعل الاحسان. وفعل الطاعات والافعال الحسنة.

ثم اخبر تعالى ان موسى * (دخل المدينة) * يعني مصر، وقيل: غيرها * (على حين غفلة من اهلها) * قيل: إنه كان وقت القائلة. وقيل: لانهم

 

===============

(136)

غفلوا عن ذكره لبعد عهدهم به. وقيل: انه كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم. وقوله * (فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه) * قال مجاهد: يعني من شيعته إنه كان اسرائيليا، والآخر إنه كان قبطيا. وقال ابن اسحاق: كان احدهما مسلما، والآخر كافرا * (فاستغاثه الذى من شيعته على الذي من عدوه) * أى استنصره لينصره * (فوكزه موسى) * اى دفع في صدره، وجميع كفه (ولكزه) مثل وكزه ولهزه * (فقضى عليه) * اى مات، فقال عند ذلك موسى * (هذا من عمل الشيطان) * اى من اغوائه حتى زدت من الايقاع به، وإن لم اقصد قتله. وقيل: ان الكناية عن المقتول، فكأنه قال: ان المقتول من عمل الشيطان اي عمله عمل الشيطان. ثم وصف الشيطان بأنه * (عدو) * للبشر ظاهر العداوة. وقوله * (هذا من شيعته وهذا من عدوه) * إشارة إلى الرجلين اللذين احدهما من شيعة موسى، والآخر من عدوه إنما هو على وجه الحكاية للحاضر إذا نظر اليهما الناظر قال هذا من شيعته وهذا من عدوه.

قوله تعالى:

* (قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فاذا الذي استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدوه لهما قال

 

===============

(137)

يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين) * (20) خمس آيات بلا خلاف.

حكى الله تعالى عن موسى انه حين قتل القبطي ندم على ذلك وقال يا " رب إني ظلمت نفسي " بقتله وسأله ان يغفر له، فحكى الله تعالى انه " غفر له " لان " الله هو الغفور " لعباده " الرحيم " بهم المنعم عليهم. وعند أصحابنا أن قتله القبطي لم يكن قبيحا، وكان الله أمره بقتله، لكن كان الاولى تأخيره إلى وقت آخر لضرب من المصلحة، فلما قدم قتله كان ترك الاولى والافضل.

فاستغفر من ذلك لا أنه فعل قبيحا. وقال جماعة: ان ذلك كان منه صغيرة غير انها وقعت مكفرة لم يثبت عليها عقاب، ويكون قوله " رب إني ظلمت نفسي " على الوجه الاول أي بخست نفسي حقها بأن لم أفعل ما كنت أستحق به ثوابا زائدا. وعلى المذهب الثاني مذهب من يقول بالموازنة يقول: لانه نقص من ثوابه، وكان بذلك ظالما لنفسه. فأما من قال: إن ذلك كان كبيرة منه وظلما فخارج عما نحن فيه، لان ادلة العقل دلت على أن الانبياء لا يجوز عليهم شي من القبائح، لا كبيرها ولا صغيرها. ومن قال: إنه كان ذلك صغيرة، قال:

كان دفعه له المؤدي إلى القتل صغيرة، لا أنه قصد القتل وكان صغيرة.

 

===============

(138)

وقوله " قال رب بما أنعمت علي فلن اكون ظهيرا للمجرمين " معناه إن أنعمت علي فلن اكون، فهو مشبه بجواب الجزاء، ولذلك دخلت الفاء في الجواب، وإذا وقع الانعام قيل لما أنعمت، فلن اكون، لانها في كلا الموضعين تدل على أن الثاني وقع من أجل الاول. ويحتمل أن يكون ذلك قسما من موسى بنعم الله عليه، بمغفرته، وفنون نعمه بأن لا يكون معينا على خطيئة، ولا يكون ظهيرا. والظهير المعين لغيره بما به يصير كالظهر له الذي يحميه من عدوه.

وقوله " فأصبح في المدينة خائفا يترقب " معناه إن موسى أصبح خائفا من قتل القبطي، يترقب الاخبار - في قول ابن عباس - والترقب التوقع.

وقوله " فاذا الذي استنصره بالامس يستصرخه " يعني رأى من كان استنصره بالامس، بأن طلب نصرته على عدوه " يستصرخه " أي يطلب نصرته ايضا.

وقيل: يطلب الصراخ على العدو بما يردعه عن الايقاع بمن قد تعرض له " قال له موسى انك لغوي مبين " أي عادل من الرشد، ظاهر الغواية، ومعناه انك لغوي في قتالك من لا تطيق دفع شره عنك، من أصحاب فرعون، خائب فيما تقدر أن تفعله.

وقوله " فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما " قيل: إن موسى هم أن يدفع العدو عن نفسه وعن صاحبه، ويبطش به " قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس " قال الحسن: هو من قول الفرعوني، لانه كان قد اشتهر أمر القتل بالامس أنه قتله بعض بني إسرائيل. وقال ابن عباس واكثر اهل العلم انه من قول الاسرائيلي، لانه قال له موسى انك لغوي مبين، خاف على نفسه فظن أنه يريد الايقاع به، فقال ما قال. وقوله " إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض " اي لست تريد بقتل من قتلته

 

===============

(139)

بالامس إلا أن تكون جبارا متكبرا في الارض " وما تريد " اي ولست تريد " أن تكون من " جملة " المصلحين ".

وقوله " وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى " قيل هو مؤمن آل فرعون " قال يا موسى ان الملا يأتمرون بك ليقتلوك " أي يأمر بعضهم بعضا بقتلك.

وقيل: يأتمرون معناه يرتاؤن، قال نمر بن تولب:

أرى الناس قد احدثوا شيمة * وفى كل حادثه يؤتمر (1)

أي يرتاء، وقال آخر:

ما تأثمر فينا فأم * - رك في يمينك أو شمالك

 فقوله " فاخرج اني لك من الناصحين " حكاية ما قال الرجل لموسى، وانه ناصح له بقوله، يحذره من اعدائه. وقال الزجاج: وقوله " اني لك " ليست من صلة " الناصحين " لان الصلة لا تقدم على الموصول، لكن تقديره: إني من الناصحين الذين ينصحون لك، يقال: نصحت لك ونصحتك، والاول اكثر.

قوله تعالى:

* (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل * ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون (22) ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 20 / 31 والقرطبي 13 / 266 (*)

 

===============

(140)

لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) فجاءته إحديهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين) * (25).

خمس آيات كوفي، وست فيما عداه، عد الكل " يسقون " آية إلا الكوفيبن فانهم عدوها وما بعدها إلى " كبير " آية. قرأ ابوعمرو، وابن عامر، وابو جعفر " حتى يصدر " بفتح الياء وضم الدال. الباقون - بضم الياء وكسر الدال - والصدر الانصراف عن الماء: صدر يصدر صدرا وأصدره غيره إصدارا، ومنه والصدر، لان التدبير يصدر عنه، والمصدر لان الافعال تصدر عنه. فمن فتح الياء أسند الفعل إلى الرعاء، ومن ضمه أراد اصدارهم عنه ومواشيهم.

حكى الله تعالى ان موسى لما انذره مؤمن آل فرعون، وأن اشراف قومه ورؤساءهم قد ائتمروا على قتله، وأمره بالخروج من المدينة خرج (ع) " خائفا يترقب " أي يطلب ما يكون ويتوقعه، والترقب طلب ما يكون من المعنى على حفظه للعمل عليه، ومثله التوقع وهو طلب ما يقع من الامر متى يكون. وقال قتادة وخرج منها خائفا من قتله النفس يترقب الطلب. وقيل خرج بغير زاد وكان لا يأكل الاحشاش الصحراء إلى أن بلغ ماء مدين.

وقوله " قال رب نجني من القوم الظالمين " حكاية ما دعا به موسى ربه، وانه سأله أن يخلصه من القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، وذلك يدل على أن خوفه كان من القتل.

 

===============

(141)

وقوله " ولما توجه تلقاء مدين " فالتوجه صرف الوجه إلى جهة من الجهات، ويقال: هذا المعنى يتوجه إلى كذا أي هو كالطالب له بصرف وجهه اليه، وتلقاء الشئ حذاه، ويقال: فعل ذلك من تلقاء نفسه أي من حذا داعي نفسه،. و (مدين) لا ينصرف، لانه إسم بلدة معرفة، قال الشاعر:

رهبان مدين لو رأوك تنزلوا * والعصم من شعف العقول الغادر (1)

الشعف أعلى الجبل، والغادر الكبير. وقال ابن عباس: بين مصر ومدين ثمان ليال، نحو ما بين الكوفة والبصرة.

وقوله " عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " حكاية ما قال موسى في توجهه، فانه قال: عسى أن يدلني ربي على سواء السبيل، وهو وسط الطريق المؤدي إلى الجاة، لان الاخذ يمينا وشمالا يباعد عن طريق الصواب، ويقرب منه لزوم الوسط على السنن، فهذا هو المسعى في الهداية، وقال الشاعر:

حتى اغيب في سواء الملحد اي في وسطه، وقال عطاء: عرضت له أربع طرق لم يدر أيها يسلك، فقال ما قال. ثم أخذ طريق مدين حتى ورد على شعيب، وهو قول عكرمة. ثم حكى تعالى أن موسى " لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة " يعني جماعة " من الناس يسقون " بهائمهم ويستسقون الماء من البئر " ووجد من دونهم " يعني دون الناس " امرأتين تذودان " أي يحبسان غنمهما ويمنعانها من الورود إلى الماء يقال: ذاذ شاته وإبله عن الشئ يذودها ذودا إذا احبسها عنه بمنعها منه، قال سويد بن كراع:

 

ــــــــــــــــــــــ

(1) مر تخريجه في 3 / 601 (*)

 

===============

(142)

أبيت على باب القوا في كأنما * أذود بها سربا من الوحش شرعا (1)

وقال الآخر:

وقد سلبت عصاك بن تميم * فما تدري بأي عصا تذود (2)

وقال الفراء: لا يقال: ذدت الناس، وإنما قالوا ذلك في الغنم والابل، وقال قتادة: كانتا تذودان الناس عن شائهما. وقال السدي: تحبسان غنمهما فقال لهما موسى " ما خطبكما " أي ما شأنكما؟ في قول ابن اسحاق، قال الراجز:

يا عجبا ما خطبه وخطبي (3)

والخطب الامر الذي فيه تفخيم، ومنه الخطبة، لانها في الامر المعظم، ومن ذلك خطبة النكاح والخطاب، كل ذلك فيه معنى العظم، فأجابتاه بأننا لا نسقي غنمنا حتى يصدر الرعاء وواحد الرعاء راع، ويجمع ايضا رعاة ورعيانا، والمعنى انا لا نسقي حتى ينصرف الرعاء - فيمن فتح الياء - أو يصرفون غنمهم - فيمن ضم الياء - لانا لا قوة بنا على الاسقاء، وإنما ننظر فضول الماء في الحوض - في قول ابن عباس وقتادة وابن اسحاق - " وابونا شيخ كبير " لا يقدر على أن يتولى ذلك بنفسه، وقوله " فسقى لهما " قال شريح: رفع لهما حجرا عن بئر لا يقدر على رفعه إلا عشرة رجال ثم استقى لهما. وقال ابن اسحاق: إنه زحم الناس عن الماء حتى آخرهم عنه حتى سقى لهما. وقوله " ثم تولى إلى الظل فقال رب اني لما أنزلت الي من خير فقير " معناه إني إلى ما أنزلت فاللام بمعنى إلى، و (ما)

بمعنى الذي وما بعده من صلته و (لما) متعلق بقوله (فقير) وتقديره أي فقير

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 20 / 33 والقرطبي 13 / 266 (2) تفسير الطبري 20 / 33 والقرطبى 13 / 268 (3) قالمه رؤبة. تفسير القرطبى 13 / 268 والطبري 20 / 33 (*)

 

===============

(143)

إلى ما أنزلت الي من خير. قال ابن عباس: أدرك موسى جزع شديد، فقال " رب اني لما انزلت الي من خير فقير " وفى الكلام حذف، لان التقدير إن المرأتين عادتا إلى أبيهما وشكرتا فعله، فقال أبوهما لاحداهما ادعية لي لاجزيه على فعله " فجاءت احداهما تمشي على استحياء " قيل: معناه متسترة بكم درعها أو قميصها، فقالت له " ان ابي يدعوك " ليكافبك على ما سقيت لنا وإن موسى مشى معها حتى وصل اليه " وقص عليه القصص " من اخباره وما مر عليه، فقال له الشيخ " لا تخف نجوت من القوم الظالمين " قال ابن عباس معناه ليس لفرعون سلطان بأرضنا. وقيل: كان الشيخ أبوهما شعيبا (ع) وقال الحسن: بل كان رجلا مسلما على دين شعيب اخذ الدين عنه، وشعيب مات قبل ذلك، وقال قوم: انه كان ابن اخي شعيب (ع).

قوله تعالى:

* (قالت إحديهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين (26) قال إني أريد أن أنكحك إحدي ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) قال ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل (28) فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لاهله

 

===============

(144)

امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) فلما أتيها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) * (30) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ عاصم * (جذوة) * بفتح الجيم، وقرأ حمزة وخلف بضمها. الباقون - بكسر الجيم - وفيه ثلاث لغات - فتح الجيم وضمها وكسرها. والكسر أكثر وافصح. والجذوة القطعة الغليظة من الحطب فيها النار، وهي مثل الحزمة من أصل الشجر، وجمعها جذي قال الشاعر:

كانت حواطب ليلى يلتمس لها * جزل الجذى غير خوار ولا ذعر (1)

وقال قتادة: الجذوة الشعلة من النار. حكى الله تعالى أن احدى المرأتين قالت لابيها " يا أبت استأجره " والاستئجار طلب الاجارة، وهي العقد على أمر بالمعاوضة، يقال: أجره أجرا، وآجره إجارة وايجارا، واستأجره استئجارا ومنه الاجير، والماجور. والاجر الثواب، وهو الجزاء على الخير. ثم حكى أنها قالت لابيها " ان خير من استأجرت القوي الامين " قال قتادة: عرفت قوته بأنه سقى الماشية بدلو واحد، وعرفت أمانته بغض طرفه، وامره إياها بأن تمشي خلفه. والقوي القادر العظيم المقدور، ومنه وصف الله تعالى بأنه القوي العزيز، وأصل القوة شدة الفتل من قوي الحبل، وهي طافاته التي يفتل عليها، ثم نقل إلى معنى القدرة على الفعل. والامانة خاصة للتأدية على ما يلزم فيها،

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي 13 / 281 والطبري 20 / 41 (*)

 

===============

(145)

وهي ضد الخيانة، والثقة مثل الامانة.

ثم حكى ما قال أبوالمرأتين لموسى (ع)، فانه قال له " إني اريد أن انكحك احدى ابنتي هاتين " أي ازوجك احداهما، فالانكاح عقد ولي المرأة على غيره الزوجية، وهو تزويجه اياها، والنكاح تزوج الرجل المرأة، يقال نكحها نكاحا إذا تزوجها. وقوله " على أن تأجرني ثماني حجج " معناه على أن تجعل أجري على تزويجي إياك ابنتي رعي ماشيتي ثماني سنين، لانه جعل صداق ابنته هذا الذي عقد عليه، وجعل الزيادة على المدة اليه الخيار فيها، فلذلك قال " فان أتممت عشرا فمن عندك " أي هبة منك غير واجب عليك.

ثم اخبر انه قال " وما اريد ان اشق عليك " بأن الزمك عشر سنين " ستجدني " فيما بعد * (ان شاء الله من) * جملة * (الصالحين) * الذين يفعلون الخيرات، وتعليق الصلاح بمشيئة الله في الآية يحتمل أمرين:

احدهما - ان يريد بها الصلاح في الدنيا من صحة الجسم وتمام القوة، فان الله تعالى يجوز ان يفعل بأنبيائه أمراضا امتحانا لهم ولطفا، فلذلك قال إن شاء الله.

والثاني - ان يكون أراد ان شاء الله تبقيتي، لانه يجوز أن يخترمه الله فلا يفعل الصلاح الديني، فلذلك علقه بمشيئة الله. ويحتمل أن يكون ذلك لاتفاق الكلام، ولا يكون خبرا قاطعا، فلا يكون بمشيئة الله شرط في فعل الصلاح وقال ابن عباس: ان موسى قضى أتما الاجلين وأوفاهما، وقيل: انه كان جعل لموسى كل سخلة تولد على خلاف شبه امها فأوحى الله (عزوجل) إلى موسى ان الق عصاك في الماء فولدت كلهن خلاف شبههن. وقيل: جعل له كل

 

===============

(146)

بلقاء فولدن كلهن بلقا.

ثم حكى تعالى ان موسى قال له * (ذلك بيني وبينك ايما الاجلين قضيت فلا عدوان علي) * أي لا تعدي علي لاني مخير في ذلك * (والله على ما نقول وكيل) * أي كاف وحسيب، وقيل: انه من قول الشيخ، ثم حكى تعالى ان موسى لما قضى الاجل تسلم زوجته وسار بها إلى أن * (آنس من جانب الطور نارا) * اي ابصر امرا يؤنس بمثله، والطور الجبل قال العجاج:

آنس جربان فضاء فانكدر * دانى جناحيه من الطور فمر (1)

فلما رأى ذلك قال لاهله: البثوا مكانكم، فاني ابصرت نارا، فامضي نحوها * (لعلي آتيكم منها بخبر) * يعرف منه الطريق، فانه روي انه كان قد ضل عن الطريق * (او جذوة من النار) * اى قطعة من الحطب غليظة فيها النار، وقيل الجذوة الشعلة من النار، لكي تصطلوا بها. وقيل: انهما كانا وجدا البرد، فلذلك قال ما قال.

ثم حكى تعالى ان موسى لما اتى النار بان قرب منها * (نؤدي من شاطئ الواد الايمن) * اى من جانبه وهو الشط، ويجمع شواطئ وشطانا * (من البقعة المباركة) * يقال: بقعة وبقعة بالضم والفتح، وجمعه بقاع، ووصفها بأنها مباركة لانه كلم الله فيها موسى * (من الشجرة) * قيل ان الكلام والنداء سمعه موسى من ناحية الشجرة، لان الله تعالى فعل الكلام فيها لا أن الله تعالى كان في الشجرة، لانه لا يحويه مكان، ولا يحل في جسم، فتعالى الله عن ذلك " أن يا موسى " أي ناداه بان قال له يا موسى * (اني أنا الله رب العالمين) *

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 20 / 40 وروايته " آنس جريان قض "، وقد مر قسم من هذا الرجز في 1 / 286 و 7 / 358 (*)

 

===============

(147)

الذي خلقت جميع الخلائق وأخرجتهم من العدم إلى الوجود.

قوله تعالى:

* (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31)

أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) * (35) خمس آيات بلا خلاف قرأ * (من الرهب) * بفتح الراء والهاء - ابن كثير ونافع وابوجعفر وابو عمرو. الباقون - بضم الراء وسكون الهاء - إلا حفصا، فانه قرأ - بفتح الراء وسكون الهاء - وقرأ ابن كثير وابوعمرو * (فذانك) * مشددة النون.

الباقون بالتخفيف. وقرأ نافع * (ردا) * بفتح الدال من غير همز منونا. وقرأه ابوجعفر بالف بعد الدال من غير همز وغير تنوين. الباقون بسكون الدال وبعدها همزة مفتوحة منونة. وقرأ عاصم وحمزة * (يصدقني) * بضم القاف.

 

===============

(148)

الباقون بالجزم.

الرهب والرهب لغتان مثل النهر والنهر، والسمع والسمع. وقيل في تشديد * (ذانك) * ثلاثة اقوال: احدها - للتوكيد، الثانى - للفرق بين النون التي تسقط للاضافة. وبين هذه النون. الثالث - للفرق بين بنية الاسم المتمكن وغير المتمكن. وروي عن ابن كثير انه قرأ * (فذانيك) * قال ابوعلي: وجه ذلك انه أبدل من احدى النونين ياء، كما قالوا: تظنيت وتظننت. ومن جزم * (يصدقني) * جعله جوابا للامر وفيه معنى الشرط. وتقديره: إن ارسلته صدقني ومن رفع جعله صفة للنكرة. وتقديره ردءا مصدقا لي. وقال مقاتل: الرهب الكم، ويقال وضعت الشئ في رهبي اي في كمي، ذكر الشعبي انه سمع ذلك من العرب. ومن شدد * (ذانك) * جعله تثنية (ذلك) ومن خفف جعله تثنية (ذاك).

اخبر الله تعالى انه لما قال لموسى * (اني انا الله رب العالمين) * أمره ايضا ان يلقي عصاه، وانه القاها أي طرحها واخرجها من يده إلى الارض فانقلبت باذن الله ثعبانا عظيما * (تهتز) * باذن الله * (كأنها جان) * في سرعة حركته، وشدة اهتزازه، فعلم موسى عند ذلك ان الذي سمعه من الكلام صادر من الله، وان الله هو المكلم له دون غيره، لان ذلك إنما يعلمه بضرب من الاستدلال.

وقوله * (ولى مدبرا، ولم يعقب) * اي لم يرجع، اي خاف بطبع البشرية وتأخر عنها ولم يقف، فقال الله تعالى له * (يا موسى اقبل ولا تخف انك من الآمنين) * من ضررها. والعصا عود من خشب كالعمود، وفي انقلابه حية دليل على ان الجوهر من جنس واحد، لانه لا حال ابعد إلى الحيوان من حال الخشب. وما جرى مجراه من الجماد، وذلك يقتضي صحة قلب الابيض إلى

 

===============

(149)

حال الاسود، والاهتزاز شدة الاضطراب في الحركة، والحيوان له حركة تدل عليه إذا رإي عليها لا يشك في انه حيوان بها. وهي التصرف بالنفس من غير ريح، ولا سبب يولد التصرف مع كونه على البنية الحيوانية. وقيل:

ان الله امره ان يدخل يده في فيها، ففعل فعادت عصا كما كانت. ثم امره الله ان يسلك يده في جيبه، أي بأن يدخلها فيه، وكانت سمرة شديدة السمرة فلما اخرجها خرجت بيضاء نقية * (من غير سوء) * اى من غير برص.

وقوله * (واضمم اليك جناحك) * قال ابن عباس ومجاهد: يعني يدك * (من الرهب) * يعني من الرعب، والفرق الذي لحقه لاجل الحية - في قول مجاهد، وقتادة - وقال قوم: ان معناه امر له بالعزم على ما اريد له مما امر به، وحثه على الجد فيه، ويمنعه ذلك من الخوف الذي لحقه، ولا يستعظم ذلك، فيكون ذلك مانعا مما امر به، كما قال * (سنشد عضدك بأخيك) * ولم يرد خلاف الحل فكذلك الضم ليس يراد به الضم المزيل للفرجة. ومثله قول الشاعر:

اشدد حياز يمك للموت فان الموت لاقيك * ولا تجزع من الموت إذا حل يواديك (1)

وانما يريد تاهب له. ثم قال " فذانك " يعني قلب العصا حية واخراج اليد البيضاء " برهانان " أي دليلان، واضحان من الله في ارسالك إلى فرعون واشراف قومه.

ثم اخبر تعالى أن فرعون وقومه " كانوا قوما فاسقين " خارجين من طاعة الله إلى معاصيه. ثم حكى تعالى ما قال موسى، فانه قال يا رب " اني قتلت منهم نفسا " يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه " فأخاف ان يقتلوني " بدله.

 

ــــــــــــــــــــــ

(1) اللسان (حزم) نسبه إلى علي (ع) (*)

 

===============

(150)

وقال ايضا " وأخي هارون هو افصح مني لسانا " لان موسى كان في لسانه عقدة ولم يكن كذلك هارون، وسأل الله تعالى أن يرسل هارون معه " ردءا " أي عونا، والردء العون الذي يدفع السوء عن صاحبه، ومنه ردء الشئ يردأه رداءا فهو ردئ، فالرد المعين في دفع الردا عن صاحبه. ويقال: ردأته اردأه ردءا إذا أعنته. واردأته ايضا لغتان. وقوله " يصدقني " من جزمه جعله جوابا للامر، ومن رفعه جعله صفة للنكرة، وتقديره ردءا مصدقا " إني اخاف أن يكذبون " في ادعاء النبوة والرسالة، وقيل: ان موسى ما سأل ذلك إلا باذن الله، لانه لا يجوز ان يسأل نبي أن يرسل معه إنسانا آخر نبيا، وهو لا يعلم أنه يصلح لذلك، فلا يجاب اليه، فان ذلك ينفر عنه. فقال الله تعالى " سنشد عضدك باخيك " أي سنقويك به بأن نقرنه اليك في الرسالة لنقوي بعضكما ببعض.

" ونجعل لكما سلطانا " يعني حجة وقوة، وهي التي كانت لهما بالعصا. والسلطان القوة التي يدفع بها على الامر. والسلطان الحجة الظاهرة، وتقديره ونجعل لكما سلطانا ثابتا " فلا يصلون اليكما " فيه تقديم وتأخير.

ثم قال تعالى " فلا يصلون اليكما " يعني فرعون، وقومه لا يتمكنون من قتلكما، ولا أذا كما، ثم قال " بآياتيا " أي بحججنا وبراهيننا " انتما ومن اتبعكما " من بني إسرائيل وغيرهم " الغالبون " لفرعون، فعلى هذا يكون " أنتما " مبتدءا، " ومن اتبعكما " عطفا عليه " والغالبون " خبره " وبآياتنا " متعلق بقوله " الغالبون ". وعلى الوجه الآخر يكون " بآياتنا " متعلقا بقوله " ويجعل لكما سلطانا.... بآياتنا " قال الزجاج: يجوز أن يكون " بآياتنا " متعلقا بقوله " فلا يصلون اليكما " بآياتنا وحججنا، وكل ذلك محتمل.

 

===============

(151)

قوله تعالى:

* (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون يا أيها الملا ما علمت لكم من آله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى آله موسى وإني لاظنه من الكاذبين (38) واستكبر هو وجنوده في الارض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39)

فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) * (40) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ ابن كثير " قال موسى " بلا واو، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة. الباقون - بالواو - وكذلك هو في المصاحف.

وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " من يكون " بالياء. الباقون بالتاء من قرأ بالياء فلان تأنيث العاقبة ليس بحقيقي. ومن قرأ بالتاء، فلان لفظه مؤنث. وتقدير الكلام إن موسى مضى إلى فرعون " فلما جاءهم موسى بآياتنا " أي حججنا " بينات " أي ظاهرات " قالوا " يعني فرعون وقومه ليس " هذا " الذي يدعيه " إلا سحر مفترى " أي مختلق مفتعل. والفرق

 

===============

(152)

بين (لو) و (لما) أن (لو) لتقدير وقوع الثاني بالاول، و (لما) للايجاب في وقوع الثاني بالاول. وقولك: ولو جاءهم موسى بآياتنا قالوا، ليس فيه دليل انهم قالوا وفي (لما) دليل على انهم قالوا عقيب مجئ الآيات. وقوله * (سحر مفترى) * اي سحر مختلق لم يبن على اصل صحيح، لانه حيلة موهم خلاف الحقيقة، فوصفوا الآيات بالسحر والاختلاق، على هذا المعنى جهلا منهم وذهابا عن الصواب.

وقوله * (ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين) * أي لم نسمع ما يدعيه ويدعو اليه في آبائنا الذين كانوا قبلنا، وانما قالوا * (ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين) * مع شهرة قصة قوم نوح وصالح وغيرهم من النبيين الذين دعوا إلى توحيد الله واخلاص عبادته لاحد امرين:

احدهما - للفترة التي دخلت بين الوقتين وطول الزمان جحدوا أن تقوم به حجته.

والآخر - إن آباءهم ما صدقوا بشئ من ذلك، ولا دانوا به، ووجه الشبهة في أنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الاولين أنهم الكثير الذين لو كان حقا لادركوه، لانه لا يجوز أن يدرك الحق الانقص في العقل والرأي، ولا يدركه الافضل منهما، وهذا غلط، لان ما طريقه الاستدلال قد يصيبه من سلك طريقه ولا يصيبه من لم يسلك طريقه.

ثم حكى ما قال موسى بأنه قال * (ربي اعلم بمن جاء بالهدى) * أي بالدين الواضح والحق المبين من عنده، ووجه الاحتجاج بقوله * (ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده) * أنه عالم بما يدعو إلى الهدى مما يدعو إلى الضلال، فلا يمكن من مثل ما أتيت به من يدعو إلى الضلال، لانه عالم بما في ذلك من فساد العباد

 

===============

(153)

ثم بين هذا بقوله * (انه لا يفلح الظالمون) * وان عاقبة الصلاح لاهل الحق والانصاف، وهو كما تقول على طريق المظاهرة بحمل الخطاب: الله أعلم بالمحق منا من المبطل وحجتي ظاهرة، فاكسرها ان قدرت على ذلك * (ومن تكون له عاقبة الدار) * يعني الجنة والثواب في الآخرة * (انه لا يفلح) * أي لا يفوز بالخير من ظلم نفسه وعصى ربه وكفر نعمه.

ثم حكى تعالى ما قال فرعون عند سماع كلام موسى لقومه فانه قال لهم * (يا ايها الملاء ما علمت لكم من إله غيري) * فلا تصغوا إلى قوله، حين أعياه الجواب وعجز عن محاجته. ثم قال لهامان * (اوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا) * قال فالصرح البناء العالي كالقصر، ومنه التصريح شدة ظهور المعنى قال الشاعر:

بهن نعام بناها الرجا * ل تحسب اعلامهن الصروحا (1)

جمع صرح وهي القصور، وقال قتادة: اول من طبخ الآجر وبنى به فرعون ويقال: الآجر بالتخفيف، والتثقيل والآجور ثلاث لغات.

وقوله * (لعلي اطلع إلى اله موسى) * فالاطلاع الظهور على الشئ من عل، وهو الاشراف عليه. وقوله * (واني لاظنه من الكاذبين) * حكاية ما قال فرعون فانه قال: أظن موسى من جملة الذين يكذبون، ثم اخبر تعالى ان فرعون استكبر، وكذلك جنوده، واستكبروا * (في الارض بغير الحق، وظنوا انهم الينا لا يرجعون) * إلى الله وإلى ثوابه وعقابه. وقوله * (فاخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) * اخبار منه تعالى انه اخذ فرعون وجنوده أي جمعهم وطرحهم في البحر، وغرقهم. والنبذ الالقاء، قال ابوالاسود الدؤلي:

 

ــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي 13 / 209 والطبري 20 / 41 (*)

 

===============

(154)

نظرت إلى عنوانه فنبذته * كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا (1)

وقال قتادة: البحر الذى غرق فيه فرعون يقال له: اسناد، على مسيرة يوم من مصر.

قوله تعالى:

* (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيمة لا ينصرون (41)

وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة هم من المقبوحين (42)

ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الاولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين) * (45) خمس آيات بلا خلاف.

اخبر الله تعالى انه جعل فرعون وقومه * (أئمة يدعون إلى النار) * وقيل في معناه قولان:

احدهما - انا عرفنا الناس انهم كانوا كذلك، كما يقال: جعله رجل شر بتعريفه حاله. والثاني - انا حكمنا عليهم بذلك، كما قال * (ما جعل الله

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر تخريجه في 1 / 367 (*)

 

===============

(155)

من بحيرة ولا سائبة) * (1) وكما قال * (وجعلوا لله شركاء الجن) * (2) وانما قال ذلك، واراد انهم حكموا بذلك، وسموه. والجعل على اربعة اقسام:

احدها - بمعنى الاحداث، كقوله * (وجعلنا الليل والنهار آيتين) * (3)

وقوله * (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) * (4)

الثاني - بمعنى قلبه من حال إلى حال كجعل النطفة علقة إلى ان تصير انسانا الثالث - بمعنى الحكم انه على صفة، كما قال انه جعل رؤساء الضلالة يدعون إلى النار اى حكم بذلك.

الرابع - بمعنى اعتقد انه على حال كقولهم جعل فلان فلانا راكبا إذا اعتقد فيه ذلك. والامام هو المقدح للاتباع يقتدون به، فرؤساء الضلالة قدموا في المنزلة لاتباعهم فيما يدعون اليه من المغالبة. وانما دعوهم إلى فعل ما يؤدي بهم إلى النار، فكان ذلك كالدعاء إلى النار. والداعي هو الطالب من غيره ان يفعل إما بالقول او ما يقوم مقامه، فداعي العقل بالاظهار الذى يقوم مقام القول. وكذلك ظهور الارادة يدعو إلى المراد.

وقوله * (ويوم القيامة لا ينصرون) * معناه: إنهم كانوا يتناصرون في الدنيا، وهم لا ينصرون في الآخرة بنصر بعضهم لبعض، ولا غيره ولا احد ينصرهم.

وقوله * (واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة) * معناه الحقنا بهم في هذه الدنيا لعنة بأن لعناهم وابعدناهم من رحمتنا. وقال ابوعبيدة معناه ألزمناهم بأن امرنا بلعنهم، قوما بعد قوم * (ويوم القيامة هم من المقبوحين) * مع اللعنة.

 

ــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 5 المائدة آية 106 (2) سورة 6 الانعام آية 100 (3) سورة 17 الاسرى آية 12 (4) سورة 21 الانبياء آية 32 (*)

 

===============

(156)

والاتباع إلحاق الثاني بالاول، فهؤلاء الدعاة إلى الضلالة ألحقوا اللعنة تدور معهم حيث ما كانوا، وفى ذلك أعظم الزجر عن القبيح. وقيل: المقبوح المشوه بخلقته لقبيح عمله، ويقال: قبحه الله يقبحه قبحا، فهو مقبوح إذا جعله قبيحا وقال ابوعبيدة: معنى (المقبوحين) المهلكين.

ثم اخبر تعالى انه أعطى موسى الكتاب يعني التوراة من بعد ان اهلك القرون الاولى من قوم فرعون وغيرهم، وانه فعل ذلك " بصائر للناس " وهي جمع بصيرة يتبصرون بها ويعتبرون بها وجعل ذلك هدى يعني ادلة وبيانا ورحمة اي ونعمة عليهم لكي يتذكروا ويتفكروا فيعتبروا به. وقوله " وما كنت بجانب الغربى إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين " معناه ما كنت بجانب الغربي أي الجبل - في قول قتادة - حين قضينا اليه الامر اى فصلنا له الامر بما ألزمناه وقومه وعهدنا اليه فيهم، فلم تشهد انت ذلك " ولكنا انشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في اهل مدين " أى مقيما فالثاوي المقيم قال الاعشى:

أثوى وقصر ليلة ليزودا * ومضى وأخلف من قتيلة وموعدا (1)

" تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين " والمعنى انك لم تشهد احساننا إلى إلى عبادنا بارسال الرسل ونصب الآيات وانزال الكتب بالبيان والهدى وما فيه الشفاء للعمى كأنه يقول لم تراي شئ كان هناك، تفخيما لشأنه مع إنك انما تخبر به عنا، ولولا ما أعلمناك منه لم تهتد له.

قوله تعالى:

* (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه * (دار بيروت) * 54 (*)

 

===============

(157)

لتنذر قوما ما أتيهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46)

ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47)

فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فان لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هويه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) * (50) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ اهل الكوفة " سحران " بغير الف. الباقون " ساحران " وقيل في معناه قولان:

احدهما - قال مجاهد اراد موسى وهارون، والثاني - قال ابن عباس: أراد موسى ومحمدا " تظاهرا ": اي تعاونا.

ومن قرأ " سحران " قال ابن عباس: أراد التوراة والقرآن. وقال الضحاك: اراد الانجيل والقرآن. وقال عكرمة: أراد التوراة والانجيل. ومن اختار " ساحران " فلانه قال تظاهرا وذلك إنما يكون بين الساحرين دون

 

===============

(158)

السحرين. ومن قرأ " سحران " قال: في ذلك ضرب من المجاز، كما قال " بكتاب من عند الله هو اهدى " (1) والكتاب يهتدى به، ولا يهدي.

وانما يقال ذلك مجازا.

يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) " ما كنت بجانب الطور " الذي كلم الله عليه موسى حين ناداه وكلمه. وقال له " إنني أنا الله " (2) " يا موسى أقبل ولا تخف انك من الآمنين " (3) " فخذها بقوة " (4) وقيل: إن هذه المرة الثانية التي كلم الله فيها موسى " ولكن رحمة من ربك " ومعناه لكن آتيناك علم ذلك رحمة من ربك، ونعة عليك، لما فيه من العبرة والموعظة، وإن سبيلك لسبيل غيرك من النبيين في التأييد والمعجزة الدالة على النبوة.

وقوله " لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك " فالانذار الاعلام بموضع المخافة ليتقى، فالنبي (صلى الله عليه وآله) نذير لانه معلم بالمعاصي، وما يستحق عليها من العقاب، لتتقى بالطاعات، والنذر العقد على ضرب من البر بالسلامة من الخوف والمعنى إنا أعلمناك لتخوف قوما لم يأتهم مخوف قبلك ليتذكروا ويعتبروا، وينزعوا عن المعاصي. و (التذكر) طلب الذكر بالفكر والنظر.

وقوله " ولولا ان تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم " أي لولا أن تلحقهم مصيبة جزاء على ما كسبت ايديهم فيقولوا حينئذ " لولا ارسلت الينا رسولا " اي هلا ارسلت الينا من ينهانا عن المعاصي ويدعونا إلى الطاعات * (فنتبع آياتك) * أي ادلتك وبيناتك * (ونكون من المؤمنين) * بوحدانيتك لما أهلكناهم عاجلا بكفرهم، فجواب (لولا) محذوف لدلالة الكلام عليه، لان

ـــــــــــــــــــــــ

(1) آية 49 من هذه السورة (2) سورة 20 طه آية 14 (3) آية 31 من هذه السورة (4) سورة 7 الاعراف آية 144 (*)

 

===============

(159)

معنى الكلام الامتنان عليهم بالامهال حتى يتذكروا ما أتى به الرسول (صلى الله عليه وآله) .

وقال قوم جواب (لولا) * (ارسلت الينا رسولا) *.

وفي الآية دلالة على وجوب فعل اللطف، لانه لو لم يكن فعله واجبا لم يكن للآية معنى صحيح. ثم اخبر تعالى انه * (فلما جاءهم) * يعني الكفار * (الحق من عندنا) * من عند الله من القرآن والادلة الدالة على توحيده * (قالوا) * عند ذلك: هلا أوتى محمد من المعجزات * (مثل ما أوتي موسى) * من قبل: من فلق البحر وقلب العصا حية وغير ذلك. فقال الله تعالى * (اولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل) * قال الجبائي معنى * (اولم يكفروا) * اي او لم يكفر من كان في عصر موسى وهارون، ونسبوهما إلى السحر ف * (قالوا ساحران تظاهرا) * اي موسى ومحمد - في قول ابن عباس، وفي قول مجاهد: موسى وهارون. ومن قرأ (سحران) أراد التوراة والقرآن او التوراة والانجيل او الانجيل والقرآن. على ما حكيناه بخلاف فيه وأنهم قالوا مع ذلك * (انا بكل كافرون) * اي بكل ما امر به، وذكر انه من عند الله. ويحتمل ان يكون المراد بموسى وهارون. وقال الحسن: المعني بقوله * (إنا بكل كافرون) * مشركوا العرب الذين كفروا بالتوراة والانجيل والقرآن.

ثم امر تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يقول لكفار قومه * (فأتوا بكتاب من عند الله هو اهدى منهما) * يعني من كتاب موسى وكتاب محمد - في قول ابن زيد - " اتبعه ان كنتم صادقين " فيما تدعونه، ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) " فان لم يستجيبوا لك " مع ظهور الحق " فاعلم انما يتبعون اهواءهم " أي ما تميل طباعهم اليه، لان الهوى ميل الطبع إلى المشتهى. وما عمل على انه حسن للهوى فلا يجوز أن يكون طاعة لكنه أبيح أن يفعله على هذا الوجه، كما أبيح أن

 

===============

(160)

يفعله للذة والشهوة، والاستمتاع به. وانما يكون طاعة لله ما عمل على أنه حسن لان الحكم دعا اليه او لان الحكمة دعت اليه إذ كلما دعت اليه الحكمة بالترغيب فيه فالحكم داع اليه.

ثم اخبر تعالى فقال " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ان الله لا يهدي القوم الظالمين " أي لا يهديهم إلى طريق الجنة. ويجوز ان يكون المراد لا يحكم بهدايتهم، لانهم عادلون عن طريق الحق.

قوله تعالى:

* (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) ألذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53)

أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) * (55) خمس آيات بلا خلاف.

يقول الله تعالى إنا " وصلنا " لهؤلاء الكفار " القول " وقيل في معناه قولان:

احدهما - قال ابن زيد " وصلنا لهم القول " في الخبر عن أمر الدنيا والآخرة الثاني - قال الحسن البصري " وصلنا لهم القول " بما أهلكنا من القرون

 

===============

(161)

قرنا من قرن فأخبرناهم أنا أهلكنا قوم نوح بكذا، وقوم هود كبذا، وقوم صالح بكذا " لعلهم يتذكرون " فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن كان قبلهم.

واصل التوصيل من وصل الحبال بعضها بعض. ومنه قول الشاعر:

فقل لبني مروان ما بال ذمة * وحبل ضعيف ما يزال يوصل (1)

والمعنى انا اتبعنا القرآن بعضه بعضا. وقيل: معناه فصلنا لهم القول.

وقوله " الذين آتيناهم الكتاب " يعني التوراة * (من قبله) * يعني من قبل القرآن وقد تقدم ذكره في قوله " فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ".

وقوله " هم به يؤمنون " أي هم بالقرآن يصدقون من قبل نزوله وبعد نزوله. ويحتمل أن تكون الكناية عن النبي (صلى الله عليه وآله) ، وتقديره الذين آتيناهم الكتاب من قبل محمد هم بمحمد يؤمنون، لانهم كانوا يجدون صفته في التوراة ثم قال * (وإذا يتلى عليهم) * يعني القرآن " قالوا آمنا به " أي صدقنا به " انه الحق من ربنا انا كنا " من قبل نزوله " مسلمين " به مستمسكين بما فيه.

ثم اخبر تعالى ان هؤلاء الذين وصفهم يعطيهم الله أجرهم اي ثوابهم على ما صبروا في جنب الله " مرتين " إحداهما - لفعلهم الطاعة، والثانية للصبر عليها لما يوجبه العقل من التمسك بها، والصبر حبس النفس عما تنازع اليه فيما لا يجوز أن يتخطأ اليه، ولذلك مدح الله الصابرين. والصبر على الحق مر إلا أنه يؤدي إلى الثواب الذي هو أحلى من الشهد، فهؤلاء صبروا على الامتناع من المعاصي، وعلى فعل الطاعات. وقيل: صبروا على الاذى في جنب الله.

 

ــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبى 13 / 295 والطبري 20 / 51 مع اختلاف قليل في الرواية (*)

 

===============

(162)

ثم وصف الصابرين الذين ذكرهم فقال " ويدرؤن بالحسنة السيئة " يعني يدفعون بالتوبة المعاصي، لان الله تعالى يسقط العقاب عندها. وقيل: معناه يدفعون بالكلام الجميل اللغو من كلام الكفار. وقيل: ان ذلك قبل الامر بقتالهم، ولا يمتنع أن يؤمروا، بالاعراض عن مكالمتهم مع الامر بقتالهم، ولا تنافي بينهما على حال.

ثم قال " ومما رزقناهم ينفقون " أي جعلنا لهم التصرف فيها، وملكناهم إياها ينفقون في طاعة الله، وفي سبيل الخير، وإذا سمعوا لغوا من الكلام، ورأوا لغوا من الفعل أعرضوا عنه، ولم يخاصموا فيه فقالوا لفاعل اللغو " لنا أعمالنا ولكم اعمالكم " أي لنا جزاء اعمالنا ولكم جزاء اعمالكم " سلام عليكم " أي ويقولون لهم قولا يسلمون منه. ويقولون " لا نبتغي الجاهلين " أي لا نطلبهم ولا نجازيهم على لغوهم. واللغو الفعل الذي لا فائدة فيه، وانما يفعله فاعله على توهم فاسد، واللغو واللغا بمعنى واحد. قال الشاعر:

عن اللغا ورفث التكلم (1)

ومن احسن الادب الاعراض عن لغو الكلام. وقيل: ان هذه الآيات نزلت في عبدالله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العبدي، وسلمان الفارسي لما اسلموا نزلت فيهم هذه الآيات - على ما ذكره قتادة - وقال غيره: انها نزلت في أربعين رجلا من أهل الانجيل كانوا مسلمين بالنبي (صلى الله عليه وآله) قبل مبعثه:

اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن ابي طالب وقت قدومه، وثمانية قدموا من الشام: منهم بحيرا، وابرهه، والاشرف، وعامر، وايمن وإدريس، ونافع، قال قتادة: آتاهم الله أجرهم مرتين، لايمانهم بالكتاب

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مر تخريجه في 2 / 132، 164، 230 من هذا الكتاب (*)

 

===============

(163)

الاول وإيمانهم بالكتاب الثاني.

قوله تعالى:

* (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (58) وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون) * (60) خمس آيات بلا خلاف.

قرأ اهل المدينة ورويس " يجبي " بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابوعمرو إلا السوسي " يعقلون " بالياء.

يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) " إنك " يا محمد " لا تهدي من احببت " هدايته. وقيل: معناه من احببته لقرابته. والمراد بالهداية - ههنا - اللطف

 

===============

(164)

الذي يحتاج اليه ليختار عنده الايمان، وذلك لا يقدر عليه غير الله لانه إما أن يكون من فعله خاصة أو باعلامه، لانه لا يعلم، ما يصلح العبد في دينه إلا الله تعالى، فاذا دبر الامور على ما فيه صلاحه كان لاطفا له، وهذا التدبير لا يتأتى من أحد سوى الله تعالى، فلذلك نفى الله ذلك عن نبيه، ويؤيد ما قلناه قوله " وهو أعلم بالمهتدين " ومعناه هو أعلم بمن يهتدي باللطف ممن لا يهتدي، فهو تعالى يدبر الامور على ما يعلم من صلاح العباد، على التفصيل من غير تعليم.

وهذه الآية نزلت لان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يحرص على إيمان قومه ويؤثر أن يؤمنوا كلهم، ويجب أن ينقادوا له ويقروا بنبوته، وخاصة أقاربه. فقال الله تعالى له: إنك لا تقدر على ذلك، وليس في مقدورك ما تلطف بهم في الايمان ذلك بل في مقدور الله يفعله بمن يشاء إذا علم أنهم يهتدون عند شئ فعله بهم فلا ينفع حرصك على ذلك. وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم أنها نزلت في أبي طالب. وعن ابي عبدالله وابي جعفر إن أبا طالب كان مسلما وعليه اجماع الامامية، لا يختلفون فيه، ولهم على ذلك أدلة قاطعة موجبة للعلم ليس هذا موضع ذكرها.

ثم قال تعالى حاكيا عن الكفار انهم قالوا: إن نتبع محمدا وما يدعونا اليه ونقول انه هدى وموصل إلى الحق " نتخطف من ارضنا " وقيل: انها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف، فانه قال للنبي (صلى الله عليه وآله) انا لنعلم أن قولك حق ولكن يمنعنا أن نتبع الذي معك، ونؤمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا يعني مكة، ولا طاقة لنا بالعرب فقال الله تعالى * (أو لم نمكن لهم حرما آمنا) * فالتخطف اخذ الشئ على الاستلاب من كل وجه: تخطف تخطفا واختطف اختطافا وخطفه ويخطفه خطفا قال امرؤ القيس:

 

===============

(165)

نخطف خزان الشربة بالضحى * وقد حجرت منها ثعالب أورال (1)

فقال الله تعالى لهم " أو لم نمكن لهم حرما آمنا " وقيل في وجه جعله الحرم آمنا وجهان:

احدهما - بما طبع النفوس عليه من السكون إليه بترك النفور مما ينفر عنه في غيره كالغزال مع الكلب، والحمام مع الناس وغيرهم.

والوجه الآخر - بما حكم به على العباد وأمرهم أن يؤمنوا من يدخله ويلوذ به، ولا يتعرض له، وفائدة الآية إنا جعلنا الحرم آمنا لحرمة البيت مع أنهم كفار يعبدون الاصنام حتى أمنوا على نفوسهم وأموالهم، فلو آمنوا لكان أحرى بأن يؤمنهم الله، وأولى بأن يمكنهم من مراداتهم.

وقوله " يجبى اليه ثمرات كل شئ " أي يجلب إلى هذا الذي جعلناه حرما ثمرات كل شئ.

فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الثمرات. ومن قرأ بالياء، فلان التأنيث غير حقيقي.

وقوله " رزقا من لدنا " نصب على المصدر، وتقديره رزقا رزقناه من عندنا " ولكن أكثرهم لا يعلمون " ما أنعمنا به عليهم. ثم قال " وكم أهلكنا من قرية " اي من أهل قرية استحقوا العقاب " بطرت معيشتها " قال الفراء:

معناه أبطرتها معيشتها، كقولهم ابطرك مالك، فذكرت المعيشة، لان الفعل كان لها في الاصل فحول إلى ما أضيفت اليه فنصبت كما قال " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا " (2) فالبطر والاشر واحد، وهو شق العصا بتضييع حق نعم

ـــــــــــــــــــــــ

(1) شرح ديوانه 166 (حسن السندوبى)

(2) سورة 4 النساء آية 3 (*)

 

===============

(166)

الله، والطغيان فيها بجحدها، والكفر بها.

ثم اخبر تعالى فقال " فتلك مساكنهم " يعني مساكن الذين أهلكهم الله " لم تسكن من بعدهم إلا قليلا " من الزمان. ثم هلكوا وورث الله تعالى مساكنهم لانه لم يبق منهم احد. ثم خاطب نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال " وما كان ربك " يا محمد " مهلك القرى، حتى يبعث في أمها رسولا " وقيل في معنى " أمها " قولان:

احدهما - في أم القرى، وهي مكة.

والآخر في معظم القرى في سائر الدنيا " يتلو عليهم آياتنا " اي يقرأ عليهم حجج الله وبيناته " وما كنا مهلكي القرى إلا واهلها ظالمون " لنفوسهم بارتكاب المعاصي، وكفران نعمه.

ثم خاطب خلقه فقال " وما أوتيتم من شئ " اي ما اعطيتم من شئ " فمتاع الحياة الدنيا " اي هو شئ تنتفعون به في الحياة الدنيا، وتتزينون فيها * (وما عند الله) * من الثواب ونعيم الجنة * (خير وأبقى) * من هذه النعم، لانها باقية، وهذه فانية * (افلا تعقلون) * ذلك وتتفكرون فيه.

وقوله * (ثمرات كل شئ) * قيل: ان (كل) ههنا البعض، لانا نعلم انه ليس يجبى إلى مكة كثير من الثمرات. وقال قوم: ظاهر ذلك يقتضى انه يجبى اليه جميع الثمرات إما رطبا او يابسا، ولا مانع يمنع منه.

ومن قرأ * (تعقلون) * بالتاء فلقوله * (وما أوتيتم) * ومن قرأ بالياء فتقديره * (أفلا يعقلون) * يا محمد.

قوله تعالى:

* (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع

 

===============

(167)

الحيوة الدنيا ثم هو يوم القيمة من المحضرين (61) ويوم يناديهم فيقول أين شركاءي الذين كنتم تزعمون (62) قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) * (65) خمس آيات بلا خلاف.

يقول الله تعالى منبها لخلقه على عظيم ما انعم به عليهم ورغبهم فيه من ثواب الجنه " أفمن وعدناه وعدا حسنا " يعني من ثواب الجنة جزاء على طاعاته يكون بمنزلة من متعناه متاع الحيا الدنيا؟ ! وقال السدي المعني بقوله " أفمن وعدناه " حمزة بن عبدالمطلب، وعلي بن ابي طالب (عليه السلام)وعدهما الله الجنة.

وقيل: النصر في الدنيا والجنة في الآخرة - ذكره الضحاك ومجاهد - " كمن متعناه متاع الحياة الدنيا " يعني به أبا جهل " ثم هو يوم القيامة من المحضرين " في النار. وقيل للجزاء. وقيل: نزلت في النبي (صلى الله عليه وآله) وابي جهل والمتعة هي المنفعة. وقد فرق بينهما بأن المتعة منفعة توجب الالتذاذ في الحال، والنفع قد يكون بألم يؤدي إلى لذة في العاقبة، فكل متعة منفعة، وليس كل منفعة متعة. والمتاع على وجهين:

احدهما - كالادوات التي يتمتع بها من نحو الفرس، والاثاث والثياب وغيرها

 

===============

(168)

والثاني - يكون بمعنى المتعة. والمراد - ههنا - متعة الحياة الدنيا.

وقوله - " ثم هو يوم القيامة من المحضرين " يعني من المحضرين للجزاء بالعقاب، لانه تعالى ذكر من وعد وعدا حسنا، فدل ذلك على أهل الثواب ثم ذكر انه لا يستوي أهل الثواب وغيرهم، فدل على اهل العقاب، لبعد حال كل فريق من الفريقين عن الآخر. والاحضار إيجاد ما به يكون الشئ بحيث يشاهد، فلما كان هؤلاء القوم يوجدون يوم القيامة ما به يكرهون بحيث يشاهدهم الخلائق، كانوا محضرين. ثم قال " ويوم يناديهم " وتقديره: واذكر يوم ينادي الله الكفار، وهو يوم القيامة " فيقول " لهم على وجه التوبيخ لهم والتقريع " اين الذين " اتخذتموهم شركائي فعبدتموهم معي على قولكم وزعمكم والزعم القول في الامر عن ظن أو علم، ولذلك دخل في باب العلم، واخواته قال الشاعر:

فان تزعميني كنت أجهل فيكم * فاني شريت الحلم بعدك بالجهل (1)

ثم حكى ان " الذين حق عليهم القول " بالعقاب: من الشياطين والانس والذين أغووا الخلق من الانس يقولون في ذلك اليوم " ربنا هؤلاء " يعني من ضل بهم من الناس واتخذوا شركاء من دون الله هم " الذين اغوينا اغويناهم كما غوينا تبرأنا اليك ما كانوا ايانا يعبدون " اي تبرأ بعضهم من بعض، وصاروا أعداء. ويقولون لم يكن الانس يعبدوننا. ثم حكى الله فقال " وقيل " لهم " ادعوا شركاءكم " الذين عبدتموهم من دون الله. ثم حكى انهم يدعونهم " فلا يستجيبون لهم ويرون العذاب لو انهم كانوا يهتدون " وقيل في معناه قولان:

 

ــــــــــــــــــــــ

(1) الكتاب لسيبويه 1 / 61 (*)

 

===============

(169)

احدهما - لو أنهم كانوا يهتدون ما رأوا العذاب.

والثاني - لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب.

ثم قال " ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين " فيما دعوكم اليه من توحيد الله وعدله واخلاص العبادة له.

قوله تعالى:

* (فعميت عليهم الانباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66)

فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله لا آله إلا هو له الحمد في الاولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون) * (70) خمس آيات بلا خلاف.

لما حكى الله تعالى أنه ينادي الكفار يوم القيامة ويقررهم عما أجابوا به المرسلين، أخبر انهم تعمى عليهم الحجج، فهم لا يسأل بعضهم بعضا. والعمى آفة تنافي صحة البصر " وعميت عليهم الانباء " فيه تشبيه بالعمى عن الابصار لانسداد طريق الاخبار عليهم، كما تنسد طرق الارض على الاعمى، ومعنى " فهم لا يتساءلون " أي هم لانسداد طرق الاخبار عليهم لم يجيبوا عما سئلوا

 

===============

(170)

عنه، ولا يسأل بعضهم بعضا عنه، لانقطاعهم عن الحجة، ولا ينافي قوله " فهم لا يتساءلون " قوله في موضع آخر " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " (1) لان يوم القيامة مواطن يختلف فيها حالهم، فمرة تطبق عليهم الحيرة، فلا يتساءلون، ومرة يفيقون فيتساءلون. وقال الحسن: لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل عنه شيئا كما كانوا في الدنيا.

ثم اخبر تعالى " ان من تاب " من المعاصي ورجع عنها إلى الطاعات، واضاف إلى ذلك الاعمال الصالحات " فعسى أن يكون من المفلحين " وانما أدخل (عسى) في اللفظ مع انه مقطوع بفلاحه، لانه على رجاء أن يدوم على ذلك، فيفلح، وقد يجوز أن يزول فيما بعد، فيهلك، فلهذا قال " فعسى " على انه قيل: إن عسى من الله في جميع القرآن واجبة.

ثم اخبر تعالى فقال " وربك " يا محمد " يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " قيل في معناه قولان:

احدهما - يختار الذي كان لهم فيه الخيرة، فدل بذلك على شرف اختياره لهم.

الثاني - أن تكون (ما) نفيا أي لم يكن لهم الخيرة على الله بل لله الخيرة عليهم، لانه مالك حكيم في تدبيرهم، فيكون على هذا الوجه الوقف على قوله " ويختار " وهو الذي اختاره الزجاج. وقال الحسن: معناه " ما كان لهم الخيرة " اي أن يختاروا الانبياء، فيبعثوهم. وقال مجاهد " لا يتساءلون " بالانساب والقرابات. وقيل " لا يتساءلون " بما فيه حجج لهم، وقوله " سبحانه وتعالى عما يشركون " معناه ما عظم الله حق عظمته من اشرك في عبادته، لان من تعظيمه اخلاص الالهية له، وانه الواحد فيما تفرد به على

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 37 الصافات آية 27 وسورة 52 الطور آية 25 (*)

 

===============

(171)

استحقاق العبادة، وانه لا يجوز أن يستغنى عنه بغيره، فمن اشرك في عباته فما عظمه حق تعظيمه، فهذا قد قبح فيما أتى وضيع حق نعمه.

ثم قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) " وربك يا محمد يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون " أي عالم بما يخفونه وما يظهرونه. يقال: اكننت الشئ في صدري أي أخفيته و (كننته) بغير ألف صنته. وقيل: كننت الشئ واكننته لغتان.

ثم اخبر تعالى انه إلاله الذي لا إله سواه، ولا يستحق العبادة غيره في جميع السموات والارض، وانه يستحق الثناء والحمد والمدح والتعظيم، على ما انعم به على خلقه في الدنيا والاخرة " وله الحكم " بينهم بالفصل بين المختلفين بما يميز به الحق من الباطل. وان جميع الخلق يرجعون اليه يوم القيامة الذي لا يملك احد الحكم غيره. وقيل قوله " وربك يخلق ما يشاء ويختار " ذلك في الوليد بن المغيرة حين قال " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " (1) فبين الله تعالى أن له أن يختار ما يشاء لنبوته ورسالته بحسب ما يعلم من يصلح لها.

قوله تعالى:

* (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيمة من آله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيمة من إله غير الله ياتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72)

 

ــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 43 الزخرف آية 31 (*)

 

===============

(172)

رحمته ومن جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) ويوم يناديهم فيقول أين شركاءي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون) * (75) خمس آيات بلا خلاف.

يقول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله) " قل " يا محمد لهؤلاء الكفار الذين عبدوا معي آلهة تنبيها لهم على خطئهم * (أرايتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا) * أي دائما * (إلى يوم القيامة) * بلا نهار ولا ضياء * (من إله غير الله يأتيكم بضياء) * كضياء النهار تبصرون فيه، فانهم لا يقدرون على الجواب عن ذلك إلا بأنه لا يقدر على ذلك سوى الله تعالى، فحينئذ يلزمهم الحجة بأنه لا يستحق العبادة غير الله وهذا تنبيه منه لنبيه (صلى الله عليه وآله) ولخلقه على وجه الاستدلال على توحيده ويبطل ذلك قول من قال: المعارف ضرورية. لانه لو كان تعالى معلوما ضرورة لما احتاج الامر إلى ذلك، لان كونه معلوما ضرورة يغني عن الاستدلال عليه، وما لا يعلم ضرورة من أمر الدين، فلا يصح معرفته إلا ببرهان يدل عليه.

وقوله * (افلا تسمعون) * معناه أفلا تقبلونه وتتفكرون فيه؟ وفى ذلك تبكيت لهم على ترك الفكر فيه، لانهم إذا لم يفكروا فيما يسمعونه من حجج الله فكأنهم ما سمعوه. وقيل في قوله * (أفلا تسمعون) * قولان:

احدهما - افلا تسمعون هذه الحجة فتتدبرونها وتعملون بموجبها إذ كانت بمنزلة الناطقة بأن ما انتم عليه خطأ وضلال يؤدي إلى الهلاك.

 

===============

(173)

والثاني - ان معناه أفلا تقبلون. ثم نبههم ايضا فقال * (أرايتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا) * أي دائما * (إلى يوم القيامة) * بلا ليل تسكنون فيه، فانهم لا يقدرون على الجواب عن ذلك إلا بما يدل على فساد معتقدهم، وهو انه لا يقدر على ذلك غير الله، فحينئذ تلزمهم الحجة بأنه لا يستحق العبادة سواه.

وقوله * (افلا تبصرون) * معناه أفلا تتفكرون فيما ترونه، لان من لا يتدبر بما يراه من الحجج والبراهين فكانه لم يرها. وقيل معناه ألا تعلمون ثم قال * (ومن رحمته) * أي من نعمه عليكم أن * (جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا) * في الليل * (ولتبتغوا من فضله) * بالنهار بالسعي فيه، ولكي تشكروا هذه النعم التي أنعم بها عليكم، والهاء في قوله * (لتسكنوا فيه) * يحتمل وجهين احدهما - ان يعود إلى الليل خاصة، ويضمر مع الابتغاء هاء أخرى، الثاني - ان يعود الضمير اليهما إلا انه وحد، لانه يجري مجرى المصدر في قولهم: اقبالك وادبارك يؤذيني، والاول أصح، لان الليل للسكون فيه، والنهار للتصرف والحركة، ولكنه يحتمل ليكونوا في هذا على التصرف وفي ذاك على الهدوء وقطع التصرف، وانما كان الفساد في ادامة النهار في دار التكليف، ولم يكن في دار النعيم، لان دار التكليف لابد فيها من التعب والنصب الذي يحتاج معه إلى الاستجمام والراحة، وليس كذلك دار النعيم، لانه انما يتصرف فيها بالملاذ. وقوله " اين شركائي الذين كنتم تزعمون " قد مضى تفسيره، وانما كرر النداء ب " أين شركائي الذين كنتم تزعمون " لان النداء الاول للتقرير بالاقرار على اليقين بالغي الذي كانوا عليه ودعوا اليه.

والثاني - للتعجيز عن اقامة البرهان لما طولبوا به بحضرة الاشهاد مع

 

===============

(174)

تقريع حاصل به بالاشراك بعد تقريع.

ثم اخبر تعالى انه نزع " من كل أمة " من الامم " شهيدا " يشهد على تلك الامة بما كان فيها، ومعنى * (نزعنا) * أخرجنا وأحضرنا يقال:

فلان ينزع إلى وطنه بأن يحن اليه حنينا يطالبه بالخروج اليه. قال قتادة ومجاهد:

شهيدها نبيها الذي يشهد عليها بما فعلوه، وقيل هؤلاء الشهود: هم عدول الآخرة الذين لا يخلو زمان منهم يشهدون على الناس بما عملوا من عصيانهم.

وقوله * (هاتوا برهانكم) * حكاية عما يقول الله تعالى للكفار في الآخرة فانه يقول لهم هاتوا حجتكم على ما ذهبتم اليه * (إن كنتم صادقين) * ثم اخبر تعالى انهم عند ذلك يعلمون * (أن الحق لله) * أي ان التوحيد لله والاخلاص في العبادة له دون غيره لان معارفهم. ضرورة * (وضل عنهم ما كانوا يفترون) * أي بطل ما عبدوه من دون الله، وافتراءهم هو ادعاءهم الالهية مع الله تعالى قوله تعالى:

* (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) وابتغ فيما آتيك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين (77) قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله

 

===============

(175)

قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78) فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحيوة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقيها إلا الصابرون) * (80) خمس آيات بلا خلاف.

هذا اخبار من الله تعالى * (أن قارون كان من قوم موسى) * قال ابن اسحاق: كان موسى ابن أخيه، وقارون عمه. وقال ابن جريج: كان ابن عمه لابيه وأمه * (فبغى عليهم) * قال قتادة: إنما بغى عليهم بكثرة ماله. والبغي طلب العلو بغير حق. ومنه قيل لولاة الجور: بغاة، يقال: بغى يبغي بغيا، فهو باغ وابتغى كذا ابتغاء إذا طلبه، ويبتغي فعل الحسن أي يطلب فعله بدعائه إلى نفسه. و (قارون) اسم أعجمي لا ينصرف. وروي أنه كان عالما بالتوراة فبغى على موسى وقصد إلى تكذيبه، والافساد عليه. وقوله * (وآتيناه من الكنوز) * أي اعطيناه كنوز الاموال والكنز جمع المال بعضه على بعض، وبالعرف عبارة عما يخبأ تحت الارض، ولا يطلق اسم الكنوز في الشرع الا على مال لا يخرج زكاته، لقوله تعالى * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم) * (1) فوجه الوعيد عليه منه تعالى

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 9 التوبة آية 35 (*)

 

===============

(176)

على فعلهم يدلك على صحة ما قلناه.

وقوله * (ما ان مفاتحه) * المفتاح عبارة عما يفتح به الاغلاق، وجمعه مفاتيح ومفاتيح جمع مفتح، ومعناهما واحد، وقال قوم: كانت مفاتيحه من جلود وقال آخرون: مفاتحه خزائنه. قال الزجاج: وهو الاشبه.

وقوله * (لتنوء بالعصبة) * أي ليثقل في حمله، يقال: ناء بحمله ينوء نوءا إذا نهض به مع ثقله عليه، ومنه أخذت الانواء، لانها تنهض من المشرق على ثقل نهوضها. وقال ابوزيد: ناءني الحمل إذا اثقلني. والعصبة الجماعة الملتفة بعضها ببعض. وقال قتادة: العصبة ما بين العشرة إلى الاربعين. وقال ابن عباس: قد يكون العصبة ثلاث. وانما قال لتنوء بالعصبة والمعني العصبة تنوء بها، لان المعنى تميل بها مثقلة. وقيل: هو يجري مجرى التقديم والتأخير كما قال الشاعر:

ونركب خيلا لا هوادة بينها * وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر (1)

وانما تشقى الضياطرة بالرماح، وقال آخر:

فديت بنفسه نفسي ومالي * وما آلوه إلا ما يطيق (2)

والمعنى بنفسي ومالي نفسه، وقال الفراء: كان الاصل ان يقول لتنؤ العصبة أي يثقلهم، بحذف الياء ومثله قوله، وهو مقلوب:

إن سراجا لكريم مفخرة * تحلى به العين إذا ما تجهره (3)

فالوجه ان الرجل يعجب العين وكان ينبغي ان يقول يحلى بالعين، كقوله:

 

ــــــــــــــــــــــ

(1) قائله خداش بن زهير امالي الشريف المرتضى 1 / 466 واللسان (ضطر)

(2) قائله عباس بن مرداس أمالي الشريف المرتضى 1 / 217 (3) مر تخريجه في 2 / 79، 196 (*)

 

===============

(177)

حليت بعينك ريطة مطويه قال الرماني - التأويل الاول هو الصحيح، لانه ليس من باب التقديم والتأخير لما في ذلك من قلب المعنى وليس كالذي تبنيه الاعراب. وقوله * (إذ قال له قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين) * حكاية عما قال قوم قارون لقارون حين خوفوه بالله ونهوه عن الفرح بما آتاه الله من المال، وأمروه بالشكر عليه. والفرح المرح الذي يخرج إلى الانس، وهو البطر. ولذلك قال تعالى * (ان الله لا يحب الفرحين) * لانه إذا اطلقت صفة فرح فهو الخارج بالمرح إلى البطر، فأما قوله " فرحين بما آتاهم الله من فضله " (1) فحسن جميل بهذا التقييد، وقال مجاهد: الفرحين هو فرح البطر. وقال الشاعر:

ولست بمفراح إذا الدهر سرني * ولا جازع من صرفه المتقلب (2)

وقال آخر:

ولا ينسيني الحدثان عرضي * ولا أرخي من الفرح الازارا (3)

وقوله " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة " حكاية عما قال لقارون قومه المؤمنون بموسى وبتوحيد الله. وقال قوم: إن المخاطب له كان موسى وإن ذكر بلفظ الجمع ومعناه اطلب فيما أعطاك الله من الاموال " الدار الآخرة " بأن ينفقها في وجوه البر وسبيل الخير " ولا تنس نصيبك من الدنيا " قال ابن عباس: منعاه أن يعمل فيها بطاعة الله، وقال الحسن معناه: أن يطلب الحلال

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 3 آل عمران آية 170 (2) تفسير القرطبي 13 / 313 ويروى (المتحول) بدل (المتقلب) ومجاز القرآن 2 / 178 (3) قائله ابن احمر، مجاز القرآن 2 / 111 (*)

 

===============

(178)

" وأحسن " اي افعل الجميل إلى الخلق. وتفضل عليهم، كما تفضل الله عليك " ولا تبغ الفساد في الارض " أي لا تطلب الفساد بمنع ما يجب عليك من الحقوق، وانفاق الاموال في المعاصي " ان الله لا يحب المفسدين " أي لا يريد منافع من يفسد في الارض، ولا يريد أن يفعل بهم ثواب الجنة.

وقوله " قال إنما أوتيته على علم عندي " حكاية عما قال قارون في جواب قومه، فانه قال لهم: أوتيت هذه الاموال على علم بأني مستحق لذلك، لعلمي بالتوراة، وقال قوم: لاني أعمل الكيمياء، وقال قوم لعلمي بوجوه المكاسب، وبمالا يتهيأ لاحد أن يسلبني إياه، فقال الله تعالى موبخا على هذا القول " او لم يعلم " قارون " ان الله قد أهلك من قبله من القرون من هو اشد منه قوة واكثر جمعا " كقوم عاد، وثمود، وقوم لوط وغيرهم، فما اغنى عنهم جمعهم ولا قوتهم حين أراد الله إهلاكهم، فكيف ينفع قارون ماله وجمعه.

وقوله " ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون " قال الفراء تقديره: لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم، فالهاء والميم للمجرمين، كما قال تعالى " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه انس ولا جان " (1) وقال الحسن لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون لنعلم ذلك من قبلهم، وإن سئلوا سؤال تقريع وتوبيخ.

ثم حكى تعالى أن قارون " خرج على قومه في زينته " التي كان يتزين بها. وقيل: إنه كان خرج مع قومه عليهم في الديباج الاحمر على الخيل، فلما رآه الذين يريدون الحياة الدنيا من الكفار والمنافقين والضعيفي الايمان بما للمؤمنين عند الله من ثواب الجنة قالوا " يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون " تمنوا

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 55 الرحمان آية 39 (*)

 

===============

(179)

مثل منزلته، ومثل ماله وإنهم قالوا ان قارون " لذو حظ " من الدنيا ونعيمها " عظيم ". ثم حكى ما قال المؤمنون بثواب الله المصدقون بوعده في جوابهم " ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا " مما أوتي قارون، وحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله " ولا يلقاها إلا الصابرون " أي ما يلقى مثل هذه الكلمة إلا الصابرون على أمر الله. وقيل: وما يلقى نعمة الله من الثواب إلا الصابرون.

فان قيل: أليس عندكم أن الله لا يؤتي الحرام أحدا؟ وقد قال - ههنا - " وابتغ فيما آتاك الله " فأخبر انه آتاه.

قيل: لا يعلم أن ذلك المال كان حراما، ويجوز أن يكون حلالا ورثه أو كسبه بالمكاسب والمتاجر، ثم لم يخرج حق الله منه وطغى فسخط الله عليه وعاقبه لطغيانه وعصيانه لا على كسب المال.

قوله تعالى:

* (فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (82) تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (83)

 

===============

(180)

من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيآت إلا ما كانوا يعملون (84) إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين (85) وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون) * (88) ثمان آيات بلا خلاف.

روي عن الكسائي الوقف على " وي " من قوله تعالى " وي كان الله " ومن قوله " وي كأنه " وروي عن ابن عمر الوقف على الكاف منهما قال ابوطاهر: الاختيار اتباع المصحف، وهما فيه كلمة واحدة، وقرأ حفص ويعقوب " لخسف بنا " بفتح الخاء والسين. الباقون بضم الخاء وكسر السين على ما لم يسم فاعله.

حكى الله تعالى أن خسف بقارون وبداره الارض، فمر يهوي فيها حتى زهقت نفسه على اسوء حالها، والخسف ذهاب في الارض في جهة السفل.

ثم اخبر تعالى انه لم يكن لقارون * (فئة) * أي جماعة منقطعة اليه. والفئة

 

===============

(181)

مشتق من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته، وتصغيرها فئية * (ينصرونه من دون الله) * أي يمنعونه من عذاب الله الذي نزل به، وانما ذكر امتناع النصرة من الله مع أنه معلوم أنه كذلك، لان المراد أنه لم يكن الامر على ما قدره من امتناعه بحاشيته وجنده، لان الذي غره قوته وتمكنه حتى تمرد في طغيانه. ثم اخبر انه كما لم يكن له من ينصره لم يكن هو ايضا ممن ينتصر بنفسه لضعفه عن ذلك وقصوره عنه. ثم حكى أن * (الذين تمنوا مكانه بالامس) * حين خرج عليهم على زينته لما رأوه خسف الله به، أصبحوا يقولون * (ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر) * أي يوسع رزقه على من يشاء ويضيق على من يشاء، اعترفوا بذلك. ومعنى * (وي) * التنبيه على أمر من الامور، وهي حرف مفصول من (كأن) - في قول الخليل وسيبويه - واختاره الكسائي. وذلك انهم لما رأوا الخسف تنبهوا فتكلموا على قدر علمهم عند التنبيه لهم، كما يقول القائل إذا تبين له الخطأ: وي كنت على خطأ، وقال زيد بن عمرو بن نفيل:

سألتاني، الطلاق إذ رأتاني * قل مالي قد جئتماني بنكر وي كأن من يكن له نشب يح * بب ومن بفتقر يعيش عيش ضر (1)

وقيل (وي كأنه) بمنزلة (ألا كأنه، وأما كانه) وقيل هي: ويك إن الله، كأنه قال ينبهك بهذا إلا انه حذف، قال عنترة:

ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها * قيل الفوارس ويك عنتر أقدم (2)

وقال قوم: هي بمنزلة (ويلك) إلا انه حذف اللام تخفيفا، ونصب انه بتقدير اعلم انه لا يفلح، وهذا ضعيف، لان العلم لا يضمر ويعمل. وقال

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي 13 / 318 (2) ديوانه 30 من معلقته (*)

 

===============

(182)

الفراء: سألت امرأة زوجها عن أبيه فقال ويك إنه وراء الحائط، ومعناه ألا ترينه وراء الحائط. وقيل المعنى إن * (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) * لا لكرامة عليه، كما بسط لقارون * (ويقدر) * أي يضيق لا لهوانة عليه، كما ضيق على أنبيائه.

ثم قالوا * (لولا أن من الله علينا) * وعفى عنا لخسف بنا، كما خسف بقارون * (ويك أنه لا يفلح الكافرون) * أي لا يفوز بثوابه وينجو من عقابه من يجحد نعم الله ويعبد معه سواه. وقيل: إن قارون جعل لبغي جعلا على أن ترمي موسى بالفاحشة، فلما حضرت في الملا كذبت قارون واخبرت بالحق فخر موسى ساجدا يبكي، فأوحى الله اليه ما يبكيك قد سلطتك على الارض فمرها بما شئت، فقال موسى يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم. ثم قال يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى حقرويهم ثم قال يا ارض خذيهم، فاخذتهم إلى اعناقهم وهم في كل ذلك ينادون يا موسى يا موسى ارحمنا - ذكره ابن عباس - وروي أن الله تعالى قال: لو قالوا مرة واحدة يا الله ارحمنا لرحمتهم. ثم قال تعالى * (تلك الدار الآخرة) * يعني الجنة * (نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض) * وانما قبح طلب العلو في الارض، لانه ركون اليها، وترك لطلب العلو في الآخرة، ومعاملة لها بخلاف ما أراده الله بها من أن تكون دار ارترحال لا دار، مقام فيها * (ولا فساد) * أي ولا يريدون فسادا في الارض بفعل المعاصي * (والعاقبة للمتقين) * اخبار منه تعالى بأن العاقبة الجميلة من الثواب للذين يتقون معاصي الله ويفعلون طاعاته. وقيل: علوا في الارض معناه تكبرا عن الحق.

ثم اخبر تعالى ان من جاء بطاعة من الطاعات وحسنة من الحسنات

 

===============

(183)

* (فله خير منها) * ثوابا عليها وجزاء عليها، لان له بالواحدة عشرا * (ومن جاء بالسيئة) * يعني بالمعصية * (فلا يجزى الذين عملوا السيئات) * يعني الذين عملوا المعاصي إلا على قدر استحقاقهم على ما فعلوه من غير زيادة. كما قال * (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) * (1).

وقوله * (إن الذي فرض عليك القرآن) * خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) يقول الله له إن الذي أوجب عليك الامتثال بما يضمنه القرآن وأنزله عليك * (لرادك إلى معاد) * قال الحسن: معناه إلى المرجع يوم القيامة. وقال مجاهد: إلى الجنة.

وقال ابن عباس: إلى الموت. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: إلى مكة.

والاظهر من الاقوال: لرادك إلى معاد في النشأة الثانية إلى الجنة. واكثر أقوال المفسرين انه أراد إلى مكة قاهرا لاهلها.

ثم قال له * (قل) * يا محمد * (ربي أعلم من جاء بالهدى) * الذي يستحق به الثواب ممن لم يجئ به، وضل عنه، لا يخفى عليه المؤمن من الكافر، ولا من هو على الهدى، ولا من هو ضال عنه.

ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله) * (وما كنت) * يا محمد * (ترجو أن يلقى اليك الكتاب إلا رحمة من ربك. فلا تكونن ظهيرا للكافرين) * قال الفراء: تقديره إلا أن ربك رحمك. فانزله عليك، فهو استثناء منقطع. ومعناه وما كنت ترجو أن تعلم كتب الاولين وقصصهم تتلوها على أهل مكة، ولم تشهدها ولم تحضرها بدلالة قوله * (وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو) * (2) أي انك تتلو على أهل مكة قصص مدين وموسى ولم تكن هناك ثاويا مقيما فتراه فتسمعه وكذلك

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 6 الانعام آية 160 (2) سورة 28 القصص آية 45 (*)

 

===============

(184)

قوله * (وما كنت بجانب الغربي) * (1) فها أنت تتلو قصصهم وأمرهم، فهذه رحمة من ربك. ومعنى * (فلا تكونن ظهيرا) * اي لا تكونن معينا لهم * (ولا يصدنك) * يعني هؤلاء الكفار أي لا يمنعك " عن " اتباع * (آيات الله) * وحججه * (بعد إذا أنزلت اليك) * على ما بينها في القرآن * (وادع إلى ربك) * الذي خلقك وأنعم عليك * (ولا تكونن من المشركين) * الذين يتخذون مع الله معبودا سواه * (ولا تدع مع الله إلها آخر) * فتستدعي حوائجك من جهته * (لا إله إلا هو) * اخبار منه تعالى أنه لا معبود إلا الله وحده لا شريك له.

ثم اخبر أن كل من سوى الله هالك، فان * (كل شئ هالك إلا وجهه) * ومعناه إلا ذاته. وقيل: معناه كل شئ هالك إلا ما أريد به وجهه.

قال الشاعر:

استغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد اليه الوجه والعمل (2)

ثم قال * (له الحكم) * لانه ليس لاحد أن يحكم بشئ إلا بأمره الله تعالى.

ويجعل الحكم له عقليا كان او شرعيا و " اليه " إلى الله * (ترجعون) * يوم القيامة أي إلى الموضع الذي لا يملك أحد التصرف فيه سواه، لان الله تعالى قد ملك في الدنيا لكثير من البشر التصرف فيها.

 

ــــــــــــــــــــــ

(1) سورة 6 القصص آية 44 (2) تفسير القرطبي 13 / 328 (*)