(58)

وقوله " ألا بعدا لمدين " دعاء عليهم بانتفاء الرحمة عنهم كما أهلك الله تعالى ثمود، فلم يرحمهم، وجعل انتفاء الرحمة بعدا من الرحمة، لانه أظهر فيما يتصور فكأنهم يرونها حسرة لانها لاتصل اليهم منها منفعة لما يحصلون عليه من مضرة الحسرة، و (كأن) هذه يحتمل ان تكون مخففة من الثقيلة على ان يضمر فيها، كالاضمار في (ان) من قوله " وآخر دعواهم ان الحمدلله رب العالمين " (1) ويجوز ان تكون (ان) التي تنصب الفعل بمعنى المصدر. وبعدت وبعدت بالكسر والضم لغتان. وكانت العرب تذهب بالرفع إلى التباعد، وبالكسر إلى الدعاء، وهما واحدا. وقرأ ابوعبد الرحمن السلمي كما بعدت بضم العين. والآخر بعدا فنصب على المصدر، وتقديره ألا أهلكهم الله فبعدوا بعدا.

قوله تعالى:

(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (97) إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وماأمر فرعون برشيد) (98)

آيتان بلاخلاف.

اخبر الله تعالى واقسم انه ارسل موسى نبيا بالآيات، وهي الحجج والمعجزات الدالة على نبوته " وسلطان مبين " اي وحجة ظاهرة مخلصة من تلبيس وتمويه، على اتم مايمكن فيه. والسلطان والآيات إن كان معناهما الحجج، فأنما عطف احداهما على الاخرى، لاختلاف اللفظ، ولان معناهما مختلف، لان الآيات حجج من وجه الاعتبار العظيم بها، والسلطان من جهة القوة العظيمة على المبطل، وكل علم له حجة يقهر بها شبهة من نازعه من اهل الباطل تشبهه، فله سلطان. وقد قيل إن سلطان الحجة انفذ من سلطان المملكة، والسلطان متى كان محقا حجة

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يونس آية. 1.

 

===============

(59)

وجب اتباعه، واذا كان بخلافة لايجب اتباعه.

وقال الزجاج. سمي السلطان سلطانا، لانه حجة الله في ارضه، واشتقاقه من السليط وهو مما يستضاء به، ومن ذلك قيل للزيت السليط.

وقوله " إلى فرعون وملائه " معناه انه ارسل موسى إلى فرعون واشراف قومه الذين تملا الصدور هيبتهم.

وقوله " فاتبعوا أمر فرعون " فالاتباع طلب الثاني للتصرف بتصرف الاول في اي جهة اخذ، ولامر هو قول القائل لمن دونه: (افعل). وفيه أخبار ان قوم فرعون اتبعوه على ماكان يأمرهم به. ثم اخبر تعالى ان أمر فرعون لم يكن رشيدا. والرشيد هوالذي يدعو إلى الخير ويهدي اليه فأمر فرعون بضد هذه الحال، لانه يدعو إلى الشر ويصد عن الخير.

واستدل قوم بهذه الآية على ان لفظة الامر مشتركة بين القول والفعل، لانه قال " وماأمر فرعون برشيد " يعني وما فعل فرعون برشيد، وهذا ليس بصحيح، لانه يجوز ان يكون اراد بذلك الامر الذي هو القول، او يكون مجازا.

قوله تعالى:

(يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود) (99) آية بلاخلاف.

هذا اخبار من الله تعالى ان فرعون يوم القيامة يقدم قومه، ومعناه يمشي على قدمه يقودهم إلى النار، ولو قال يسبق، لجاز ان يوجده الله (عزوجل) قبلهم في النار. والقيامة هو وقت قيام الناس من قبورهم للجزاء والحساب باعمالهم.

وقوله " فاوردهم النار " معناه اوجب ورودهم إلى النار، والايراد ايجاب الورود إلى الماء او ما يقوم مقامه. قال ابوعلي: انما لم يقل يوردهم النار، لانه

 

===============

(60)

ذكر ليوم القيامة انه يقدمهم فيه، يدل على انه فعل مستقبل فأجرى الماضي مجرى المستقبل لدلالة الكلام عليه.

وقوله " وبئس الورد المورود " قال ابوعلي: انه مجاز، والمعنى بئس وارد النار. وقال البلخي: بل هو حقيقة، لانه تعالى وصف النار بانها بئس الورد المورود، وهي كذلك. والورد الماء الذي ترده الابل، والورد الابل التي ترد الماء، والورد مايجعله عادة لقراءة أو تلاوة للقرآن. والورد ورد الحمى، كل ذلك بكسر الواو، وحكي عن ابن عباس ان الورد الدخول. والمعنى ان ما ورودوه من النار هو المورود بئس الورد لمن ورده. ويقال إنهم اذا وردوه عطاشا فيردون على الحميم والنيران ولايزيدون بذلك إلا عذابا وعطشا. وانما وصف بأنه بئس، وان كان عدلا حسنا لما فيه من الشدة مجازا.

قوله تعالى:

(وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) (100) آية بلاخلاف.

معنى قوله " واتبعوا في هذه لعنة " ان الله لعنهم والملائكة والمؤمنون، فاختصر على وجه ماذكرنا على مالم يسم فاعله، لان الايجاز لايخل بهذا المعنى. واللعن من العباد الدعاء والمسألة لله تعالى بالابعاد من الرحمة - في قولهم لعنة الله - والذم الوصف بالقبيح على وجه التحقير.

ومعنى الآية انهم كيف تصرفوا، وحيث كانوا، فاللعنة تتبعهم. واللعنة من الله الابعاد من رحمته بان يحكم بذلك، فمن لعنه الله فقد حكم بابعاده من رحمته و انه لايرحمه.

وقوله " ويوم القيامة بئس الرفد " والرفد العون على الامر، وانما قيل

 

===============

(61)

ههنا - رفد، لان اللعنة جعلت بدلا من الرفد بالعطية، ويقال: رفده وهو يرفده رفدا، ورفد - بفتح الراء وكسرها - قال الزجاج كل شئ جعلته عونا لشئ واسندت به شيئا فقد رفدته، يقال عهدت الحائط ورفدته بمعنى واحد، والرفد القرح العظيم، وروي - بفتح الراء - في الاية وهي لغة شاذة.

قوله تعالى:

(ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد)

(101) آية بلاخلاف.

قوله " ذلك " اشارة إلى النبأ كأنه قال النبأ من انباء القرى، وقد تقدم ذكره. ثم وقعت الاشارة اليه، والانباء جمع نبأ كالاخبار جمع خبر الا انه لايقال نبأالا في خبر عظيم، يقال لهذا الامر نبأ اي خبر عظيم.

قوله " نقصه عليه " فالقصص الخبر عن الامور التي يتلو بعضها بعضا، يقال قص قصصا وهو يقص اثره اي يتبع اثره، واقتص منه اي يتبعه بجنايته.

وقوله " منها قائم وحصيد " فالقائم المعمور، والحصيد الخراب من تلك الديار، لان الاهلاك قد اتى عليها ولم تعمر فيها بعد. وقيل " منها قائم " على بنائه وان كان خاليا من اهله، والحصد قطع الزرع من الاصل، فالحصيد منهم كالزرع المحصود، وحصدهم بالسيف اذا قتلهم.

قوله تعالى:

(وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شئ لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب) آية بلاخلاف.

 

===============

(62)

اخبر الله تعالى انه بمافعله بالامم التي أهلكها لم يظلم احدا منهم، ولكن ظلموا هم انفسهم بأن ارتكبوا المعاصي التي استحقوا بها الهلاك فكان ذلك ظلمهم لانفسهم، وبين انه " ماأغنت عنهم آلهتهم " يعني الاوثان التي كانوا يعبدونها من دون الله مادفعت عنهم ولااعانتهم بشئ لماجاء امر الله واهلاكه وعذابه " ومازادوهم غير تتبيب " بمعنى غير تخسير - في قول مجاهد وقتادة - مأخوذ من تبت يده أي خسرت، ومنه تباله، وقال جرير:

عرادة من بقية قوم لوط * ألا تبا لما فعلوا تبابا (1)

وانما قال يدعون من دون الله، لانهم كانوا يسمونها آلهة ويطلبون الحوائج منها، كما يطلب الموحدون من الله. ومعنى " من دون الله " من منزلته ادنى من منزلة عبادة الله، لانه من الادون، وهو الاقرب إلى جهة السفلى.

قوله تعالى:

(وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (103) آية بلاخلاف.

وجه التشبيه في قوله " وكذلك اخذ ربك " ان اخذه الظالم الذي يساوي من تقدمه في ظلمه وحاله في بطلان الفلاح ببقائه، كأخذه الذي قبله، لانه ليس هناك محاباة لاحد من خلقه. والاخذ نقل الشئ إلى جهة الآخذ، فلما نقلهم الله إلى جهة عقابه كان قد اخذهم به، والظالم الفاعل للظلم والعادل الفاعل للعدل.

ثم اخبر تعال ان اخذه للظالم مؤلم شديد، والشدة تجمع يصعب معه التفكك، ويقال للنقص شدة، وشدة الالم لجمعه على النفس بما يعسر زواله.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه: 72 من قصيدة في هجاء الراعي النميري، وهو في تفسير الطبرى 15: 472

 

===============

(63)

قوله تعالى:

(إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) (104) آية بلاخلاف.

أخبر الله تعالى ان فيما أخبر به - من إهلاك من ذكره على وجه العقوبة لهم على كفرهم - أية أي علامة عظيمة بمافيهامن البيان عن الامر الكثير قال الشاعر:

بآية تقدمون الخيل زورا * كأن على سنابكها مداما (1)

قوله " لمن خاف عذاب الاخرة " أي لمن خشي عقوبة الله يوم القيامة، والخوف انزعاج النفس بتوقع الشر ونقيضه الامن، وهو سكون النفس بتوقع الخير. والفرق بين العذاب والالم أن العذاب استمرار الالم قال عبيد:

فامرؤ ماعاش في تكذيب * طول الحياة له تعذيب (2)

وقوله " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " معناه ان يوم القيامة يوم يجمع فيه الناس ويشهده جميع الخلائق، وليس يوصف في هذه الصفة يوم سواه، والجمع ضم احد الشيئين إلى الآخر. وقيل هو جعل الشيئين فصاعدا في معنى، والقبض ضم الشئ إلى الوسط كقبض البساط، وهو نقيض بسطه من غير تبري اجزائه.

قوله تعالى:

(وما نؤخره إلا لاجل معدود (105) يوم يأت لاتكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد) (106) آيتان بلاخلاف.

قرأأهل الكوفة إلا الكسائي وابن عامر يوم (يأت) بغير ياء. الباقون بياء في

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) اللسان (أى) وروايته (شعثا) بدل (زورا)

(2) مر هذا البيت في 5: 216.

 

===============

(64)

الوصل دون الوقف، إلاابن كثير، فانه أثبت الياء في الحالين.

قال أبوعلي: من أثبت الياء في الوصل، فهو القياس البين، لانه لاشئ ههنا - يوجب حذف الياء في الوصل، ومن حذفها في الوقف شبهها بالفاصلة، وان لم يكن فاصلة، لان هذه الياء تشه الحركات المحذوفة بدلالة انهم قد حذفوها كما حذفوا الحركة، فكما ان الحركة تحذف في الوقف، فكذلك مايشبهها من هذه الحروف، فكان في حكمها، ومن اثبتها في الحالين فقد أحسن، لانها أكثر من الحركة في الصوت، فلاينبغي اذا حذفت الحركة للوقف ان تحذف الياء له، كما لا تحذف سائر الحروف، ومن حذف الياء في الحالين جعلها في الحالين بمنزلة مايستعمل محذوفا مما لم يكن ينبغي في القياس ان يحذف نحو (لم يك، ولاأدر)

وهي لغة هذيل، وقال الشاعر:

كفاك كفا لاتليق درهما * جوادا وأخرى تعط بالسيف الدما (1)

فحذف الياء في تعط، وليس هذا مايوجب حذفها.

والضمير في قوله " ومانؤخره " عائدعلى قوله " يوم مشهود " وهو يوم الجزاء. ومعناه الاخبار بأنه تعالى ليس يؤخر يوم الجزاء إلا ليستوفي الاجل المضروب لوقوع الجزاء فيه. وانما قال " لاجل " ولم يقل إلى اجل، لان قوله " لاجل " يدل على الغرض، وان الحكمة أقتضت تاخيره. ولو قال إلى اجل لمادل على ذلك. وقوله " يوم يأتي " يعنى يوم القيامة الذي تقدم ذكره بأنه مشهود والضمير في (ياتى) حين الجزاء، لانه قد تقدم الدليل عليه في قوله " يوم مشهود " واحسن الاضمار مايدل الكلام عليه، وانما أضاف (يوم) إلى الفعل، لانه اسم زمان فناسب الفعل للزمان من حيث انه لايخلو منه، وانه يتصرف بتصرفه. وانه لايكون حادثا الا وقتا، كما ان الزمان لايبقي.

ومعنى قوله " لاتكلم نفس إلا باذنه " أي لاتتكلم فحذف أحدى التائين.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبى 9: 98 واللسان (ليق)

 

===============

(65)

لدلالة الكلام عليه. وقيل في معنى " لاتكلم " قولان:

احدهما - ان فيه وقتا يمنعون من التكلم إلا بالحق فهو باذنه تعالى.

والاخر - انه لايتكلم بكلام ينفع إلا بإذنه: من شفاعة ووسيلة، بدلالة قولهم " والله ربنا ماكنا مشركين. انظر كيف كذبوا على انفسهم وضل عنهم ماكانوا يفترون (1) ".

وقال الجبائي: الاذن الجاؤهم إلى الحسن، لانه لايقع منهم ذلك اليوم قبيح.

وقوله " فمنهم شقي وسعيد " اخبا رمنه تعالى بأنهم ينقسمون قسمين منهم الاشقياء، وهم المستحقون للعقاب، ومنهم السعداء وهم المستحقون للثواب.

والشقاء قوة أسباب البلاء، والشقي من شقي بسوءعمله في معاصي الله، والسعيد من سعد بحسن عمله في طاعة الله، وانما وصف الاجل بأنه معدود، لانه متناه منقض، لان كل معدود قد وجد عدده، لا يكون ذلك الا متناهيا.

فان قيل كيف قال - ههنا - " يوم يأتي لاتكلم نفس إلاباذنه " وقال في موضع آخر " هذا يوم لاينطقون. ولايؤذن لهم فيعتذرون " (2) وقال في موضع آخر " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها " (3) وقال " وقفوهم انهم مسؤلون (4) وقال في موضع آخر فيومئذ لايسأل عن ذنبه انس ولاجان " (5)

وهل هذا إلا ظاهر التناقض؟ !.

قلنا: لاتناقض في ذلك لان معنى قوله " وقفوهم انهم مسؤلون " انهم يسألون سؤال توبيخ وتقرير وتقريع، لايجاب الحجة عليهم لاسؤال استفهام، لانه تعالى

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الانعام آية 24 - 25 (2) سورة المرسلات 35 - 36 (3) سورة النحل آية 111 (4) سورة الصافات آية 24 (5) سورة الرحمن آية 39

 

===============

(66)

عالم بذلك لنفسه. وقوله " فيومئذ لايسأل عن ذنبه انس ولاجان " (1) اي لا يسأل ليعلم ذلك منه حيث انه تعالى قد علم اعمالهم قبل ان يعملوها. وقيل ان معناه إنه لايسأل عن ذنب المذنب إنس ولاجان غيره، وانما يسأل المذنب لا غير، وكذلك قوله " يوم لاينطقون " (2) أي لاينطقون بحجة، وانما يتكلمون بالاقرار بذنوبهم ولوم بعضهم بعضا، وطرح بعضهم على بعض الذنوب، فاما المتكلم بحجة، فلا. وهذا كما يقول القائل لمن يخاطبه بخطاب كثير فارغ من الحجة: ماتكلمت بشئ، ومانطقت بشئ، فسمي من يتكلم بمالا حجة فيه له: غير متكلم، كما قال " صم بكم عمي فهم لايعقلون " (3) وهم كانوا يبصرون ويسمعون إلا انهم لايقبلون ولا يكفرون فيما يسمعون، ولايتأملون، فهم بمنزلة الصم، قال الشاعر:

أصم عما ساءه سميع (4)

وقال بعضهم ان ذلك اليوم يوم طويل له مواضع، ومواطن، ومواقف، في بعضها يمنعون من الكلام، وفي بعضها يطلق لهم ذلك بدلالة قوله " يوم يأتي لاتكلم نفس إلا باذنه " وكلاهما حسن والاول احسن.

قوله تعالى:

(فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (107)

خالدين فيها مادامت السموات والارض إلا ماشاء ربك إن ربك فعال لمايريد) (108) آيتان بلاخلاف.

أخبرالله تعالى في هذه الآية ان الذين شقوا باستحقاقهم عذاب النار جزاء بسوء اعمالهم داخلون في النار، وانما سمي الشقي شقيا قبل دخوله في النار، لانه

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الرحمن آية 39 (2) سورة المرسلات 35.

(3) سورة البقرة آية 171 (4) مر تخريجه في 2: 80، 4: 134، 5: 439

 

===============

(67)

على حال تؤديه إلى دخولها، من قبائح اعماله. فاما ماروي من قوله (ع) (إن الشقي شقي في بطن امه)، فجاز، لان المعنى ان المعلوم من حال انه سيشقى بارتكاب المعاصي التي تؤديه إلى عذاب النار، كما يقال لولد شيخ هرم هذا يتيم ومعناه انه سيتيتم.

وقوله " لهم فيها زفير وشهيق " قال أهل اللغة: الزفير أول نهاق الحمير، والشهيق آخر نهاقها، قال رؤبة:

حشرج في الجوف سحيلا أو شهق * حتى يقال ناهق ومانهق (1)

والزفير ترديد النفس مع الصوت من الحزن حتى تنتفخ الضلوع قال الجعدي:

خيط على زفيرة فتم ولم * يرجع إلى دقة ولاهضم (2)

وأصل الزفير الشدة من قولهم للشديد الخلق المزفور، والزفر الحمل على الظهر خاصة لشدته، قال الشاعر:

طوال انضية الاعناق لم يجدوا * ريح الاماء إذا راحت بأزفار (3)

والزفر السيد، لانه يطيق عمل الشدائد، وزفرت النار اذا سمع لها صوت في شدة توقدها، والشهيق صوت فظيع يخرج من الجوف عند النفس. واصله الطول المفرط من قولهم: جبل شاهق أي ممتنع طولا.

وقوله " خالدين فيها مادامت السموات والارض " فالخلود الكون في الامر أبدا، والدوام البقاء أبدا، ولهذا يوصف الله تعال بأنه دائم، ولايوصف بأنه خالد.

وقوله " إلا ماشاء ربك " اختلفوا في هذا الاستثناء على عدة أقوال:

فالذي نختاره - ويليق بمذهبنا في الارجاء - ان الله تعالى أخبر ان الاشقياء

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه 106 وتفسير القرطبي 9: 98 واللسان (حشرج) وتفسير الطبري 15: 479 (2) اللسان (زفر) (3) اللسان (زفر)

 

===============

(68)

المستحقين للعقاب يحصلون في النار ثم استثنى من أراد من فساق أهل الصلاة إذا أراد التفضل باسقاط عقابه، أو من يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم فانه عند ذلك لايدخله النار وتكون - على هذا - (ما) معناها (من) كأنه قال الا من شاء ربك، فلا يدخله النار، وهوقول ابن عباس وقتادة والضحاك، وجابر بن عبدالله، وابي سعيد الخدري وجماعة من المفسرين. ويجوز على هذا المذهب أن يكون استثناء من الخلود، فكأنه قال إلا ماشاء ربك بأن لايخلدهم في النار بل يخرجهم عنها.

وقال قتادة: ذكرلنا أن ناسا يصيبهم سفع من النار بذنوب اصابوا، ثم يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته يقال لهم الجهنميون، قال قتادة وحدثنا أنس ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يخرج قوم من النار. وقال قتادة: ولانقول ما يقول اهل حروراء.

وروي عن ابن عباس أنه قال قوله " لابثين فيها أحقابا " (1) وقوله " خالدين فيها إلا ماشاء ربك " في اهل التوحيد. وروي عن ابن مسعود أنه قال:

ليأتين على جهنم زمان تخفق ابوابها ليس فيها أحد. وذلك بعد أن يلبثوا فيها أحقابا. وقال الشعبي: جهنم أسرع الدارين عمرانا، واسرعهما خرابا.

ثانيها - قال ابن زيد وحكاه الرماني: إن المعنى خالدين فيها مادامت السموات سموات، والارض أرضا إلا ماشاء ربك، من الزيادة المضاعضة.

وثالثها - قال الجبائي: إن المعنى مادامت السموات لاهل الآخرة وأرضهم إلا ماشاء ربك مما كان قبل أن يدخلوها من أوقات وقوفهم في صدر يومهم في الموقف، لان الله تعالى قال " يوم تبدل الارض غير الارض والسموات ".

ورابعها - ماذكره كثير من أهل العربية كالفراء والزجاج وغيرهم: ان (إلا)

في الاية بمعنى (سوى) والتقدير مادامت السموات والارض سوى ماشاء ربك كما يقول القائل: لو كان معنا رجل إلا زيد أي سوى زيد، ولك عندي ألف درهم

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النبأ آية 23

 

===============

(69)

الا الالفين التي لك عندي، أي سوى الالفين ومثله قوله " ولا تنحكوا مانكح أباؤكم من النساء إلا ماقدم سلف " (1) أي سوى ماقد سلف، لان قوله " ولا تنكحوا " مستقبل " وإلا ماشاء ربك " ماض، والمعنى على هذا " خالدين فيها " مقدار دوام السموات والارض سوى " ماشاء ربك " من الخلود والزيارة.

وخامسها - ماقال الفراء: إن (الا) بمعنى الواو كما قال الشاعر:

وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك الا الفرقدان (2)

وعلى هذا لو قال القائل لك عندي ألف الا الفين لزمه ثلاثة آلاف درهم، لانه أستثناء الزائد من الناقص، فكأنه قال الاألفين منفردين. ولو قال مالك عندي الف الا الفين فانما أقر بألفين كأنه قال مالك عندي سوى الفين ولو قال لك عندي ألف الا ألفان بالرفع أقر بألف فقط، لانها صفة مثبتة، كأنه قال الف لا الفان.

وسادسها - أن ذلك تعليق لمالايكون بمالايكون، كأنه قال " الا ما شاء ربك " وهو لايشاء ان يخرجهم منها وتكون الفائدة أن لو شاء أن يخرجهم لقد ر، ولكنه قد أعلمنا انهم خالدون أبدا.

وسابعها - ذكره الزجاج: ان الاستثناء وقع على أن لهم زفيرا وشهيقا إلا ماشاء ربك من أنواع العذاب التي لم يذكرها.

وثامنها - ذكره البلخي: ان المراد بذلك الاما شاء ربك من وقت نزول الآية إلى دخولهم النار، ولولا هذا الاستثناء لوجب ان يكونوا في النار من وقت نزول الآية أر من يوم يموتون.

فان قيل كيف يستثنى من الخلود فيها ماقبل الدخول فيها؟ ! قلنا: يجوز ذلك إذا كان الاخبار به قبل دخولهم.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء آية 22.

(2) امالي السيد المرتضي 2: 88 وسيبويه 1: 371 وتفسير القرطبي 9: 101 وقد نسب إلى عمروبن معد كرب.

 

===============

(70)

وتاسعها - ماذكره قوم من اصحابنا في التفسير إن المعنى انهم فيها يعني في النار في حال كونهم في القبور دائمين فيها مادامت السموات والارض، فانها اذا عدمت انقطع عقابهم إلى أن يبعثهم الله للحساب.

وقوله " الا ماشاء ربك " مما يكون في الآخرة.

وقوله " إن ربك فعال لما يريد " معناه انه كلما أراد شيئا فعله، لانه لا يجوز عليه البداء بالرجوع عما أراده، ولاالمنع من مراده ولايتعذر عليه شئ منه مع كثرته بارادة من أفعاله.

قوله تعالى:

(وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها مادامت السموات والارض إلا ماشاء ربك عطاء غير مجذوذ) (109) آية بلاخلاف.

القراءة واللغة:

قرأ أهل الكوفة الا أبابكر " سعدوا " بضم السين. الباقون بفتحها.

قال ابوعلي: حكى سيبويه: سعد يسعد سعادة، فهو سعيد. وينبغي أن يكون غير متعد، كما أن خلافه الذي هو (شقي) كذلك، واذا لم يكن متعديا لم يجب أن يبني منه المفعول به، وإذا كان كذلك، ضم السين مشكل الا ان يكون سمع فيه لغة خارجة عن القياس أو يكون من باب (فعل وفعلته) نحو غاض الماء وغضته، وحزن وحزنته، ولعلهم استشهدوا على ذلك بقولهم (مسعود) فانه على سعد فهو مسعود، ولادلالة في ذلك، لانه يجوز ان يكون مثل أجنه الله فهو مجنون، واحبه فهو محبوب، فالمفعول جاء في هذا على أنه حذفت الزيادة منه، كما حذف من اسم الفاعل في نحو (ويكشف جمانة دلو الدالي) وانما هو المدلي،

 

===============

(71)

ومثله " وارسلنا الرياح لواقح " (1) يعني ملاقح فجاء على حذف الزيادة، فعلى هذا يكون أصله أسعدوا بحذف الزائد. وحكى البلخي انهما لغتان - ضم السين - لغة هذيل، وفتحها لغة سائر العرب.

المعنى:

لمااخبر الله تعالى أن الذين شقوا بفعلهم المعاصي واستحقوا الخلود في النار، اخبر ان الذين سعدوا بطاعات الله والانتهاء عن معاصيه يكونون في الجنة " ما دامت السموات والارض إلا ماشاء ربك، ومعنى مادامت السموات والارض المصدر، كأنه قال دوام السموات والارض الا مشيئة ربك، وفيه حسن التقابل، وفيه جميع ماذكرنا ه في الاستثناء من الخلود في النار إلا الوجهين الذين ذكرناهما في جواز إخراج بعض الاشقياء ممن تناول الوعيد لهم وإخراجهم من النار بعد دخولهم فيها، فان ذلك لايجوز - ههنا - لاجماع الامة على أن كل مستحق للثواب لابد أن يدخل الجنة، ولايخرج منها بعد دخوله فيها.

وقيل فيه وجه آخر يوافق ماقلناه في الآية الاولى، وهو أن يكون المعنى " ان الذين سعدوا بطاعات الله يدخلون الجنة خالدين فيها، واستثنى من جملتهم من كان مستحقا للنار، واراد الله عقابهم. ثم إخراجهم منها فكأنه قال خالدين فيها الامدة ماكانوا معاقبين في النار، ذهب اليه الضحاك وهو يليق بقولنا في الارجاء.

وقوله " عطاء غير مجذوذ " يعني غير مقطوع - في قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك - يقال جذه يجذه جذا فهو جاذ، وجذ الله أثرهم قال النابغة:

يجذ السلوقي المضاعف نسجه * ويوقد بالصفاح نار الحباحب (2)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحجر آية 22.

(2) ديوانه: 44 وتفسير القرطبي 9: 103 واللسان (حبحب)، (سلق)، (صفح)

وروايته (تقد) بدل (يجذ) و (توقد) بدل (يوقد).

 

===============

(72)

ويقال جذه الله جذ الصليانة، وهي نبات، وقوله (عطاء) نصب على المصدر بمايدل عليه الاول كأنه قال اعطاهم النعيم عطاء غير مجذوذ.

قوله تعالى:

(فلاتك في مرية مما يعبد هؤلاء مايعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص) (110)

آية بلاخلاف.

نهى الله تعالى نبيه - والمراد به أمته - ان يكونوا في شك من عبادة هؤلاء يعني الكفار الذين تقدم ذكرهم، وانه باطل. و (المرية) - بكسر الميم وضمها - الشك مع ظهور الدلالة البينة. وأصله مري الضرع ليدر بعد دروره، فلا معنى له إلا العبث بفعله.

وقوله " مايعبدون إلا كما يعبد اباؤهم من قبل " أنهم مقلدون في عبادتهم الاوثان، كما كان آباؤهم كذلك.

وقوله " وانا لموفوهم نصيبهم غير منقوص " أخبار منه تعالى انه يعطيهم - على جهة الوفاء - قسمتهم من خير أو شر على قدر استحقاقهم - في قول ابن عباس - وقال ابن زيد: ما يستحقونه من العذاب من غير ان ينقص منه شئ على وجه العقوبة بعد أو يوفوا ماحكم لهم به من الخير في الدنيا.

و (النصيب) القسم المجعول لصاحبه ومنه انصباء الورثة. والنصيب الحظ والنقص البخس والمنقوص المبخوس.

قوله تعالى:

(ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة

 

===============

(73)

سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (111)

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى أنه أعطى موسى الكتاب يعني التوراة وإن قومه اختلفوا فيه يعني في صحة الكتاب الذي انزل اليه، وأراد بذلك تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه إياه وجحدهم للقرآن المنزل عليه، فبين له أنه كذلك فعل قوم موسى بموسى، فلا تحزن لذلك، ولاتغتم له. ثم قال " ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم " معناه ولولا خبر الله السابق بأنه يؤخر الجزاء إلى يوم القيامة لمافي ذلك من المصلحة، لجعل الثواب والعقاب لاهله. (والكلمة) واحدة الكلم ولذلك، يقال للقصيدة: كلمة. ثم أخبر عن حال كفار قوم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لفي شك مما اخبرناك به مريب، و (الريب) أقوى الشك. (والاختلاف) ذهاب كل واحد إلى جهة غير جهة الآخر، وهو على ثلاثة أوجه:

احدها - اختلاف النقيضين فهذا لايجوز أن يصحا معا، فاحدهما مبطل لصاحبه.

والآخر اختلاف الجنسين، كاختلاف المجتهدين في جهة القبلة، فهذا يجوز أن يصحا، لانه تابع للمصلحة ولاتناقض في ذلك، ومنه اختلاف المجتهدين في الفروع على مذهب من قال بجوازه.

قوله تعالى:

(وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير)

(112) آية بلاخلاف.

القراءة:

اختلف القراء في قوله " وان كلا لما " على اربعة اوجه:

قرأ ابن كثير ونافع بتخفيف (إن) وتخفيف (لما) وقرأ ابن عامر وحمزة

 

===============

(74)

وحفص عن عاصم بتشديدهما معا. وقرأ أبوعمرو والكسائي بتشديد الاولى وتخفيف الثانية.

وقرأ أبوبكر عن عاصم بتخفيف الاولى وتشديد الثانية.

اللغة والاعراب والمعنى:

وقيل في معنى (لما) بالتشديد خمسة أوجه:

أولها - قول الفراء إنها بمعنى (لمن ما) فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت واحدة ثم ادغمت الاولى في الثانية، كماقال الشاعر:

واني لماأصدر الامر وجهه * اذا هو أعيا بالسبيل مصادره (1)

ثم تخفف، كماقرأ بعض القراء: " والبغي يعظكم " (2) فحذف احدى اليائين ذكره الفراء.

والثاني - ما اختاره الزجاج: أن (لما) بمعنى (إلا) كقولهم سألتك لما فعلت، ومثله " إن كل نفس لما عليها حافظ " (3) لانه دخله معنى ماكلهم إلا لنوفينهم.

وقال الفراء هذا لايجوز إلا في التمييز، لانه لوجاز ذلك لجاز ان تقول جاءني القوم لما زيدا بمعنى الا زيدا، هذا لايحوز بلاخلاف.

الثالث - اختاره المازني: أنها هي المخففة شددت للتأكيد. قال الزجاج:

هذا لايجوز، لانه انمايجوز تخفيف المشددة عند الضرورة، فأما تشديد المخففة، فلايجوز بحال.

الرابع - حكاه الزجاج: إنها من لممت الشئ ألمه لما إذا جمعته إلا أنها

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قائله العجاج تفسير الطبري 15: 494 وتفسير القرطبي 9: 105 ومجمع البيان 3: 200 (2) سورة النحل آية 90.

(3) سورة الطارق آية 4.

 

===============

(75)

بنيت على (فعلى) فلم تصرف نحو (تترى) كأنه قال وإن كلا جميعا ليوفينهم.

الخامس قراءة الزهري (لما) بالتنوين بمعنى شديدا، كقوله " وتأكلون التراث اكلا لما " (1).

واللام في قوله (لما) يحتمل أن تكون لام القسم دخلت على (ما) التي للتوكيد، ويحتمل أن تكون لام الابتداء دخلت على (ما) بمعنى الذي، كقوله " فانكحوا ماطاب لكم من النساء " (2) ومثله " وان منكم لمن ليبطئن " (3) قال الشاعر فلو ان قومي لم يكونوا أعزة * لبعد لقد لاقيت لابد مصرعا (4)

وحكي عن العرب اني لبحمد الله لصالح قال أبوعلي من قرأ من قرأ بتشديد (إن)

وتخفيف (لما) فوجهه بين، وهو انه نصب (كلا) ب (إن) و (إن) تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام، فدخلت هذه اللام وهي لام الابتداء على الخبر في قوله " وان كلا لما " وقد دخلت الخبر لام اخرى وهي التي يتلقى بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل ويلزمها في اكثر الامر النونين، فلما اجتمعت اللامان واتفقا في تلقى القسم، واتفقا في اللفظ فصل بينهما، كما فصل بين (إن)

واللام، فدخلت (ما) لهذا المعنى، وان كانت زائدة للفصل، كما جاءت النون - وإن كانت زائدة - في قوله " فاما ترين من البشر " (5) وكما صارت عوضا من الفعل في قولهم: أمالي، فهذا بين، ويلي هذا الوجه في البيان قول من خفف (ان) ونصب (كلا) وخففت (لما)، كما قال الشاعر:

كأن ثدييه حقان (6)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الفجر آية 19 (2) سورة النساء آية 3 (3) سورة النساء آية 72 (4) تفسير الطبري 15: 498 (5) سورة مريم آية 26 (6) الكتاب لسيبويه 1: 280 والفية ابن عقيل 1: 334 الشاهد 108 وتفسير الطبري 15: 497 وتمام البيت:

وصدر مشرق النحر * كأن ثدياه حقان

 

===============

(76)

وأراد (كأن) المشددة، فخفف، واعمل، لان سيبويه حكى عمن يثق به أنه سمع من العرب من يقول: ان عمرا لمنطلق، قال وأهل المدينة يقرؤن " وان كلا لما جميع لدينا محضرون " (1) يخفون وينصبون، ووجه النصب بها مع التخفيف ان (ان) مشبهة في نصبها بالفعل، والفعل يعمل محذوفا كما يعمل غير محذوف في نحو (لم يك زيد منطلقا، فلا تك منطلقا) وكذلك " فلاتك في مرية " فاما من خفف (ان) ونصب (كلا) وشدد (لما) فقراءته مشكلة لان (أن)

اذا نصب بها وكانت مخففة كانت بمنزلة الثقيلة و (لما) اذا شددت كانت بمنزلة (إلا)

فكذلك قراءة من شدد (لما) وثقل (ان) مشكلة، لانه كما لايحسن أن تقول: ان زيد إلا منطلقا فكذلك لايحسن تثقيل (ان) وتخفيفها ويراد الثقيلة مع تثقيل (لما)

فاما قولهم: نشدتك الله لما فعلت، والا فعلت، فقال الخليل: معناه لتفعلن، كما تقول: أقسمت عليه لتفعلن وإنما دخل (إلا ولما) لان المعنى الطلب، فكأنه قال: ما أسألك إلا فعل كذا، فلم يذكر حرف النفي في اللفظ، وإن كان مرادا، وليس في الآية معنى نفي ولا طلب، وضعف ابوعلي. الوجه الذي حكيناه من ان اصله (لمن ما) فادغم النون في الميم بعد ما قلبت ميما. قال: لان الحرف المدغم، إذا كان قبله ساكن نحو (يوم مالك) لم يقو الادغام فيه على أن يحرك الساكن الذي قبل الحرف المدغم، فاذا لم يجز ذلك فيه، وكان التغيير أسهل من الحذف، فانه لايجوز الحذف الذي هو أجدر، في باب التغيير من تحريك الساكن على أن في هذه السورة ميمات أجتمعت في الادغام، أكثر مما اجتمعت في (لمن ما)

ولم يحذف منها شئ نحو قوله " وعلى امم ممن معك " (2) ولم يحذف شئ منها فبأن لايحذف - ههنا اجدر وحكي عن الكسائي أنه قال لاأعرف وجه التثقيل في (لما) قال ابوعلي: ولم يبعد في ذلك، قال أبوعلي: ولو خففت مخفف (ان)

ورفع (كلا) وثقل (لما) ويكون المعنى ماكل الا ليوفينهم، كما قال " وان كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا " (3) لكان ذلك أبين من النصب في (كل) وتثقيل

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يس آية 32 (2) سورة هود آية 48 (3) سورة الزخرف آية 35

 

===============

(77)

(لما) و (كل) في الآية معرفة، والمعنى وإن كل المكلفين ليوفينهم ربك أعمالهم أو كل المختلفين على ماتقدم ذكره كما يقولون: مررت بكل قائما، والتوفية بلوغ المقدار من غير نقصان، والتوفية مساواة المقدارفى معناه، لانه اذا ساواه في جنسه لم يجب به توفية.

المعنى أخبر الله تعالى في هذه الآية انه يوفي جميع المكلفين ما يستحقونه على اعمالهم من الثواب والعقاب، لانه عالم بما فعلوه خبير به، لا يخفى عليه شئ من ذلك ومن ليس بعالم لايمكنه ذلك، لانه يجوز ان يكون قد خفي عليه كثير منه، وهو تعالى لايخفى عليه خافية.

قوله تعالى:

(فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولاتطغوا إنه بما تعملون بصير) (113) آية بلا خلاف.

أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن يستقيموا كما أمرهم الله، وكذلك من رجع إلى الله والى نبيه " ولا تطغوا " يعني في الاستقامة، فيخرجوا عن حدها بالزيادة على ما أمرهم فرضا كان أو نفلا. وقيل: معناه لا تطغينكم النعمة، فتخرجوا من الاستقامة.

و (الاستقامة) الاستمرار في جهة واحدة، وان لا يعدل يمينا وشمالا.

و (الطغيان) تجاوز المقدار في الفساد. والطاغي كالباغي في صفة الذم، وطغى الماء مشبه بحال الطاغي، وانما خص من تاب دون ان أسلم من أول حاله للتغليب في الاكثر ويدخل فيه الاقل على وجه التبع.

وقوله " انه بما تعملون بصير " اخبار منه تعالى أنه عالم بأعمالهم لايخفى عليه شئ منها

 

===============

(78)

قوله تعالى:

(ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم تنصرون) (114) آية بلا خلاف.

نهى الله تعالى في هذه الآية عباده المكلفين عن أن يركنوا إلى الذين ظلموا نفوسهم وغيرهم. و (الركون) إلى الشئ هو السكون اليه بالمحبة اليه والانصات اليه، ونقيضه النفور عنه. وانما نهاهم عن الركون إلى الظلمة لما في ذلك من الاستئناس به " فتمسكم النار " جواب النهي وبيان، لانهم متى خالفوا هذا النهي، وسكنوا إلى الظالمين نالتهم النار، ولم يكن لهم ناصر من دون الله يدفع عنهم ثم لايجدون من ينصرهم، ويدفع عنهم على وجه المغالبة، والولي ضد العدو، وجمعه أولياء. وقال الجبائي معنى " ثم لاتنصرون " انكم إن ركنتم إلى الكفار والظالمين: وسكنتم اليهم مستكم النار في الآخرة ثم لا تنصرون في الدنيا على الكفار.

قوله تعالى:

(وأقم الصلوة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) (115) آية بلا خلاف.

قرأ أبوجعفر (زلفا) بضم اللام. أمر الله تعالى في هذه الآية نبيه صلى الله عليه وسلم وأمة نبيه باقامة الصلاة، واقامتها هو الاتيان بأعمال الصلاة على وجه التمام في ركوعها وسجودها وسائر فروضها. وقيل اقامة الصلاة هو عمل على استواء كالقيام الذي هو الانتصاب في الاستواء. وقيل هو الدوام على فعلها من قولهم:

قائم اي دائم واقف.

 

===============

(79)

وقوله " طرفي النهار " يريد بهما صلاة الفجر والمغرب - في قول ابن عباس والحسن وابن زيد الجبائي - وقال الزجاج يعنى الغداة الظهر والعصر، وبه قال مجاهد، ومحمد بن كعب القرطي، والضحاك. ويحتمل أن يريد بذلك صلاة الفجر والعصر، لان طرف الشئ من الشئ وصلاة المغرب ليست من النهار.

وقوله " وزلفا من الليل " قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: يريد العشاء الآخرة وقال الزجاج يعني المغرب والعشاء الآخرة. و (الزلفة) بمنزلة وجمعها زلف قال العجاج:

ناج طواه الاين مما وجفا * طي الليالي زلفا فزلفا (1)

قال الزجاج: ويجوز زلفا بضم اللام، ونصبه على الظرف وهو واحد مثل الحلم، ويجوز أن يكون جمع زليف مثل قريب وقرب، ومنه اشتقاق المزدلفة لان ازدلاف الناس اليها منزلة من عرفات.

ومن قال: المراد ب (طرفي النهار) الفجر والمغرب، قال ترك ذكر الظهر والعصر لاحد أمرين:

احدهما ترك ذكرهما لظهورهما في انهما صلاة النهار، والتقدير أم الصلاة طرفي النهار مع الصلاة المعروفة من صلاة النهار.

والآخر - انهما ذكرا على التبع للطرف الاخير، لانهما بعد الزوال، فهما أقرب اليه. وقد قال الله تعالى " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (2) ودلوكها زوالها.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه: 84 ومجاز القرآن 1 / 300 وسيبويه 1: 180 واللسان (زلف، حقف، سما، وجف) والصحاح، والتاج (زلف) يصف الشاعر بعيره. وبعده:

* سماوة الهلال حتى احقوقفا * والاين التعب، والوجف السرعة في السير. شبهه بالهلال. لعوجاجه، عند علوه وصعوده.

(2) سورة الاسرى آية 78.

 

===============

(80)

وقوله " ان الحسنات يذهبن السيئات " قيل فيه وجهان:

احدهما - تذهب به على وجه التكفير اذاكانت المعصية صغيرة.

والآخر - ان المراد بالحسنات التوبة تذهب بالسيئة أي تسقط عقابها، لانه لاخلاف في ان سقوط العقاب عند التوبة. وقد قيل ان الدوام على فعل الحسنات يدعو إلى ترك السيئات فكأنها اذهبت بها.

وقوله " ذلك ذكرى للذاكرين " يعني ماذكره من قوله " ان الحسنات يذهبن السيئات فيه تذكار لمن تذكر به وفكر فيه.

قوله تعالى:

(واصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين) (116) آية بلاخلاف.

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى قومه وتكذيبهم اياه، والتجلد عليه، وعلى القيام بما افترض عليه من اداء الواجب، والامتناع من القبيح، وبين له انه يضيع ولايهمل أجر المحسنين على احسانهم بل يكافيهم عليه أتم الجزاء وأكمل الثواب، و (الصبر) حبس النفس عن الخروج إلى مالايجوز من ترك الحق، وضده الجزع قال الشاعر:

فان تصبرا فالصبر خير مغبة * وان تجزعا فالامر ماتريان (3)

والصبر على الباطل مذموم، قال الله تعالى " وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم " (2) ويعين على الصبر شيئان:

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مرهذ البيت في 1: 202.

(1) سورة ص آية 6.

 

===============

(81)

احدهما - العلم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة النفس له.

والثاني - استشعار مافي لزوم الحق من العز والاجر بطاعة الله والصبر مأخوذ من الصبر المر، لانه تجرع مرارة الحق بحبس النفس عن الخروج إلى المشتهى.

قوله تعالى:

(فلو لاكان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين (117) آية بلاخلاف.

معنى " فلولا كان " هلاكان، ولم لا، وألا كان، ومعناه النفي وتقديره لم يكن من القرون من قبلكم، فهو تعجيب وتوبيخ لهؤلاء الذين سلكوا سبيل من كان قبلهم في الفساد نحو عاد وثمود، وسائر القرون الذين مر ذكرهم في القرآن، وأخبر الله بهلاكها " أولوا بقية ينهون عن الفساد في الارض " أي كان يجب أن يكون منهم قوم باقون في الارض ينهون عن الفساد في الارض مع إنعام الله عليهم بكمال العقل والقدرة، وبعثة الرسل اليهم، واقامة الحجج. وأولوا بقية هم الباقون، فعجب الله نبيه كيف لم يكن منهم بقية في الارض يأمرون فيها بالمعروف وينهون فيها عن المنكر، وكيف اجتمعوا على الكفر حتى استأصلهم الله بالعذاب والعقوبات لكفرهم بالله ومعاصيهم له ثم استثنا بقوله " الا قليلا " والمعنى انهم هلكوا جميعا الا قليلا ممن انجى الله منهم، وهم الذين آمنوا مع الرسل، ونجوا معهم من العذاب الذي نزل بقومهم.

وقوله " واتبع الذين ظلموا مااترفوا فيه وكانوا مجرمين " معناه أنهم اتبعوا تفسير التبيان ج 6 - م 6

 

===============

(82)

التلذذ والتنعم بالاموال والنعم التي أعطاهم الله اياها، وقضوا الشهوات وذلك من الحرام. وبين انهم كانوا بذلك مجرمين عاصين الله تعالى.

وقال الفراء والزجاج: ان قوله " الا قليلا " استثناء منقطع، لانه ايجاب لما تقدم فيه صيغة النفي وإنما تقدم تهجين لمخرج السؤال، ولورفع لجاز في الكلام.

ومعنى " اترفوا فيه " اي عودوا الترفة بالتنعيم واللذة، وذلك ان الترفة عادة النعمة قال الشاعر:

يهدي رؤس المترفين الصداد * إلى أمير المؤمنين الممتاد (1)

اي المسؤل، وأبطر بهم النعمة حتى طغوا وبغوا، وفي الآية دلالة على وجوب النهي عن المنكر، لانه تعالى ذمهم بترك النهي عن الفساد، وانه نجا القليل بنهيهم عنه، فلو نهى الكثير كما نهى القليل لما اهلكوا، ومعنى " أولوا بقية " اصحاب جماعة تبقى من نسلهم، والبقية ممدوحة يقال في فلان بقية أي فيه فضل وخير، كأنه قيل بقية خير من الخير الماضي.

قوله تعالى:

(وماكان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)

(118) آية بلاخلاف.

وأخبر الله تعالى انه لم يهلك أهل قرية فيما مضى، ممن ذكر إهلاكهم مع أن أهلها او اكثرهم يفعلون الصلاح، وانما اهلكهم اذا افسدوا كلهم او اكثرهم والاصلاح فعل الصلاح. وقوله " بظلم " فيه ثلاثة أوجه: اولها بظلم صغير، فيكون منهم لانه يقع مكفرا بما معهم من الثواب الكثير.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قائلة رؤبة وقد مر في 4 / 63 من هذا الكتاب؟ وهو تفسير الطبري 12 / 79 (الطبعة الاولى).

 

===============

(83)

الثاني - بظلم كثير من قليل منهم، مع أن اكثرهم المصلحون، لان القليل لا يعتد به في جنب الكثير.

الثالث - ان المعنى بظلم منا، كما قال الله تعالى " إن الله لايظلم الناس شيئا " (1).

قوله تعالى:

(ولوشاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين) (119) آيتان في الكوفي والبصري تمام الاولى عند قوله مختلفين وهي آية فيما سوى ذلك.

هذه الآية تتضمن الاخبار عن قدرته تعالى بأنه لو شاء تعالى لجعل الناس أمة واحدة أي على دين واحد، كماقال " إنا وجدنا آباءنا على أمة " (2) وقال " ولو لا ان يكون الناس أمة واحدة " (3) أي على دين واحد بأن يلجئهم إلى الاسلام بأن يخلق في قلوبهم العلم بأنهم لو داموا على غير ذلك لمنعوا منه، لكن ذلك ينافي التكليف ويبطل الغرض بالتكليف لان الغرض به استحقاق الثواب.

وقوله " ولايزالون مختلفين " معناه في الاديان كاليهود والنصارى والمجوس وغير ذلك من اختلاف المذاهب الباطلة في قول مجاهد وقتادة وعطا والاعمش والحسن في رواية، وفي رواية أخرى عن الحسن أنهم يختلفون بالارزاق والاحوال ويتحيز بعضهم لبعض والاول أقوى.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يونس آية 44. (2) سورة الزخرف آية 22، 23.

(3) سورة الزخرف آية 33.

 

===============

(84)

والاختلاف هو اعتقاد كل واحد نقيض مايعتقده الآخر، وهو مالايمكن أن يجتمعا في الصحة وان امكن ان يجتمعا في الفساد، ألاترى أن اليهودية والنصرانية لايجوز أن يكونا صحيحين مع اتفاقهما في الفساد، ويجوز ان يكون في اختلاف اهل املل المخالفة للاسلام حق، لان باعتقاد اليهودي ان النصرانية باطلة واعتقاد النصراني ان اليهودية فاسدة حق.

وقوله " الا من رحم ربك " استثناء منقطع، ولذلك جعل رأس آية، ولوكان متصلا لم يجز ذلك، وانما كان استثناء منقطعا، لان الاول على انهم يختلفون بالباطل، وليس كذلك من رحم لاجتماعهم على الحق. والمعنى " ولايزالون مختلفين " بالباطل " الا من رحم ربك " بفعل اللطف لهم الذي يؤمنون عنده ويستحقون به الثواب، فان من هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل.

وقوله " ولذلك خلقهم " قيل في معناه قولان:

احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك ان المراد وللرحمة خلقهم وليس لاحد ان يقول لو أراد ذلك لقال: ولتلك خلقهم لان الرحمة مؤنثة اللفظ وذلك ان تأنيث الرحمة ليس بتأنيث حقيقي، وماذلك حكمه جاز ان يعبر عنه بالتذكير، ولذلك قال الله تعالى " ان رحمة الله قريب من المحسنين " (1) ولم يقل قريبة على انه لايمتنع ان يكون المراد: ولان يرحم خلقهم، لان الرحمة تدل على ذلك، فعلى هذا يكون التذكير واقعا موقعه.

الثاني - ان يكون اللام لام العاقبة، والتقدير أنه خلقهم وعلم أن عاقبتهم.

تؤل إلى الاختلاف المذموم، كما قال " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " (2) وكما قلنا في قوله " ولقد ذرانا لجهنم " (3) وهو المروي عن ابن عباس والحسن وعطاء ومالك، وقد يكون اللام بمعنى (على) كقولك اكرمتك على

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الاعراف آية 56. (2) سورة القصص آية 8.

(3) سورة الاعراف آية 179.

 

===============

(85)

برك بي اي لبرك بي، فيكون التقدير، وعلى ذلك خلقهم، ولايجوز ان يكون اللام لام الغرض، ويرجع إلى الاختلاف المذموم، لان الله تعالى لايخلقهم ويريد منهم خلاف الحق، لانه صفة نقص يتعالى الله عن ذلك. وايضا فلو أراد منهم ذلك الاختلاف، لكانوا مطيعين له، لان الطاعة هي موافقة الارادة والامر، ولوكانوا كذلك لم يستحقوا عقابا. وقد قال تعالى " وماخلقت الجن والانس الا ليعبدون " (1) فبين تعالى انه خلقهم وأراد منهم العبادة، فكيف يجوز مع ذلك ان يكون مريدا لخلاف ذلك، وهل هذا الا تناقض؟ ! يتعالى الله عن ذلك.

على ان في اختلاف أهل الضلال مايريده الله، وهو اختلاف اليهود والنصارى في التثليث، واختلاف النصارى لليهود في تأبيد شرع موسى وقيل ان معنى الاختلاف ههنا هو مضي قوم ومجئ قوم آخرين، كماقال " هو الذي جعل الليل والنهار خلفة " (2) وهذا الاختلاف يجوز ان يريده الله.

وقال الحسن قوله " ولذلك خلقهم " مردود على قوله " وماكان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون " (3) والمعنى خلقهم ليكون عدله فيهم، هذا، لا أن يهلكهم وهم مصلحون.

وقوله " ولوشاء ربك الجعل الناس امة واحدة " على الايمان، وهذه مشيئة القدرة " ولذلك خلقهم " ان تكون مشيئته وقدرته عليهم، ولا يزالون مختلفين " الا من رحم ربك ولذلك خلقهم " قال ليخالف اهل الحق اهل الباطل، وهو كقوله " لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لاريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير " (4)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الذاريات آية 56. (2) سورة الفرقان آية 62.

(3) سورة هود آية 118. (4) سورة الشورى آية 7.

 

===============

(86)

ويقوي هذا التأويل قوله " وان كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وانا برئ مما تعملون " (1). وقوله " قل ياايها الكافرون لااعبد ما تعبدون ولاانتم عابدون مااعبد " (2)، فيكون الله خلقهم ليخالفوا الكافرين والمبطلين. وقال عمر عن الحسن: ان معنى " ولذلك خلقهم " ليكون أمر الكفار مختلفا بكفرهم وتكذيبهم. وقال البلخي: أخبر أنهم لايزالون مختلفين إلا من رحم، فانهم غير مختلفين، هذا معنى الآية، والا فلا معنى لها. ثم قال " ولذلك خلقهم " اي لان يكونوا أمة واحدة متفقين غير مختلفين.

وقوله " وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس اجمعين "، معناه التحذير لكل احد ان يكون ممن تملا جهنم به، وتمامها وقوع مخبرها على ماتقدم بها، وهذا يمين أقسم الله به، وتقديره يمينا لا ملان، كماتقول: حلفي لاضربنك، وبدا لي لاضربنك. وكل فعل كان تأويله كتأويل بلغني، أو قيل لي أو انتهى الي، فان (اللام) و (ان) يصلحان فيه، فتقول بدا لي لاضربنك، وبدا لي ان اضربك، فلو قيل وتمت كلمة ربك أن يملا جهنم من الجنة والناس كان صوابا.

قوله تعالى:

(وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) (120) آية بلا خلاف.

قوله " وكلا " نصب على المصدر، وتقديره، كل القصص نقص عليك. وقال قوم: نصب على الحال، فقدم الحال قبل العامل، كما تقول: كلا ضربت، ويجوز ان يكون نصبا على انه مفعول به، وتقديره: وكل الذي تحتاج اليه نقص عليك،

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة يونس آية 41.

(2) سورة الكافرون آية 1 - 2.

 

===============

(87)

ويكون " مانثبت به فؤادك " بدلا منه - في قول الزجاج - والقصص الخبر عن الامور بما يتلو بغضه بغضا، مأخوذا من قصه يقصه اذا اتبع أثره، ومنه قوله " قالت لاخته قصيه " (1) أي اتبعي اثره. والانباء جمع نبأ، وهو الخبر بما فيه عظم الشأن، وكذلك يقولون لهذا الامر نبأ، والتثبيت تمكين اقامة الشئ ثبته تثبيتا اذا مكنه، ومعنى " مانثبت به فؤادك " يحتمل ان يكون ذلك بتسكينه، ويحتمل ايضا ان يكون بالدلالة على وجوده. والفؤاد القلب مأخوذ من المفتاد، وهو المشوي قال النابغة:

كان خارجا من حيث صفحته * سفود شرب نسوه عند مفتأد (2)

ومعنى " وجاءك في هذه الحق " قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: يعني في هذه السورة. وقال الجبائي يعني جاءك في هذه الانباء. وقال الزجاج: يعني في هذه الازمان. وقال قتادة: معناه في هذه الدنيا. والاول أصح، والتقدير وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك في سائر السور.

ومعنى (الاية) الاعتبار بقصص الرسل لما فيه من حسن صبرهم على أمتهم واجتهادهم في دعائهم إلى عبادة الله مع الحق الذي من عمل عليه نجا، ومع الوعظ الذي يلين القلب لسلوك طريق الحق، ومع تذكر الخير والشر، ومايدعو اليه كل واحد منهما في عاقبة النفع أو الضرر.

وقوله " وموعظة " يعني جاءك موعظة تعظ الجاهلين بالله.

وقوله (وذكرى للمؤمنين " معناه تذكرة تذكر المؤمنين بالله ورسله كي لا يفعلوا غير الواجب.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة القصص آية 11.

(2) اللسان (فأد) ومجمع البيان 3 / 203

 

===============

(88)

قوله تعالى:

(وقل للذين لايؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون) (121) وانتظروا إنا منتظرون (122). آيتان في الكوفي والبصري، وإحدى المدينين تمام الاولى انا عاملون، وآية فيما سوى ذلك.

أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ان يقول للكفار الذين لايصدقون بتوحيد الله ولايعترفون بنبوة نبيه صلى الله عليه وسلم " اعملوا على مكانتكم " والمكانة الطريقة التي يتمكن من العمل عليها، ويقال: له مكانة عند السلطان - أي جاه، وقدر وهذا خرج مخرج التهديد، وهو مثل قوله " اعملوا ماشئتم " (1).

وقوله " إنا عاملون " معناه إنا عاملون على الايمان الذي أمرنا الله به ودعانا اليه.

وقوله " وانتظروا " أي توقعوا، وقد فرق بينهما بأن التوقع طلب مايقدر أنه يقع، لانه من الوقوع. والانتظار طلب ما يقدر النظر اليه، لانه من النظر.

والفرق بين الانتظار والترجي، أن الترجي للخير خاصة، والانتظار في الخير والشر. ولو دخلت الفاء في قوله " إنا " لافاد أن الثاني لاجل الاول وحيث لم تدخل لم تفد ذلك.

ومتعلق الانتظار يحتمل أمرين:

احدهما - انتظروا مايعدكم الشيطان من الغرور، فانا منتظرون مايعدنا ربنا من النصر والعلو، في قول ابن جريج.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة حم السجدة آية 40.

 

===============

(89)

الثاني - انتظروا مايعدكم ربكم على الكفر من العذاب، فانا منتظرون ما يعدنا على الايمان من الثواب.

قوله تعالى:

(ولله غيب السموات والارض وإليه يرجع الامر كله فاعبده وتوكل عليه وماربك بغافل عما تعملون) (123)

آية بلاخلاف.

قرأ نافع وحفص يرجع - بضم الياء وفتح الجيم - وقرأ أهل المدينة، وابن عامر، وحفص، ويعقوب (يعملون) بالياء - ههنا، وفي النمل. الباقون بالتاء.

من ضم الياء فلقوله " ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق " (1)، والمعنى رد أمرهم إلى الله.

ومن فتح الياء فلقوله " والامر يومئذ لله " (2)، والمعنيان متقاربان.

ومن قرأ بالتاء في " تعملون " جعل الخطاب للنبي ولامته، وهو أعم فائده ومن قرأ بالياء في " يعملون " جعل ذلك متوجها إلى من تقدم ذكره من الكفار، وفيه ضرب من التهديد.

أخبر الله تعالى في هذه الآية بأن له غيب السموات والارض، وخص الغيب بذلك لاحد امرين:

احدهما - لان ذلك يدل على ان له شهادة ايضا.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الانعام اية 62، وفي سورة يونس آية 30 " ورودوا إلى الله ".

(2) سورة الانفطار آية 19.

 

===============

(90)

الثاني - لعظم شأن الغيب الذي له. ومن كان له الغيب كان له الشهادة، والغيب كون الشئ بحيث لايلحقه الحس، ومنه " عالم الغيب والشهادة " (1).

أي عالم الموجود والمعدوم، ومايغيب عن احساس الناس ومايظهر لها، ومعنى " واليه يرجع الامر كله " أي يذهب إلى حيث ابتدأ منه، فرجوع الامر إلى الله بالاعادة بعد النشأة الاولى. وقيل ترجع الامور إلى ان لايملكها سواه تعالى - في قول أبي علي الجبائي.

وقوله " فاعبده " أي وجه عبادتك اليه وحده " وماربك بغافل عما تعملون " فالغفلة السهو، الا ان الغفلة يغلب عليها ان تكون بعد اليقظة، كالنوم بعد الانتباه، والسهو نقيض الذكر من غير علة في الصفة. والمعنى انه ليس ربك يامحمد صلى الله عليه وسلم بساه عن اعمال عباده، بل هو عالم بها ومجاز كلا على مايستحقه من ثواب أو عقاب، فلايحزنك إعراضهم عنك، وترك قبولهم منك. وقال كعب الاحبار خاتمه التوراة خاتمه هود.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة آية 95، 106 وسورة المؤمنون آية 93، وسورة الزمر آية 46، وسورة الجمعة آية 8.

 

===============

(91)

(12) سورة يوسف مكية في قول مجاهد، وقتادة، وهي مئة واحدى عشر آية بلاخلاف في ذلك بسم الله الرحمن الرحيم.

(آلر تلك آيات الكتاب المبين) (1) آية بلاخلاف.

لم يعدوا (الر) آية، لانه على حرفين، ولايشاكل رؤوس الآي، فيعد من الفواصل بالوجهين، لانه بالحرفين يجري مجرى الاسماء الناقصة، وإنما يؤم بالفواصل التمام، وانما يعد (طه) لانه يشبه رؤوس الآي. وقد بينا فيما تقدم اختلاف المفسرين في مبادئ السور بهذه الحروف (1). وقلنا أن أقوي الاقوال قول من قال إنها اسماء للسور، فلاوجه، لاعادة القول فيها.

قوله " تلك آيات " قال قوم: هو اشارة إلى ماتقدم من ذكره السورة في قول " الر " كأنه قال سورة يوسف " تلك آيات الكتاب المبين ".

الثاني - انه اشارة إلى مايأتي من ذكرها على وجه التوقع لها. وقال قوم:

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) انظر 1 / 47 - 50، 2 / 388، 4 / 367، 5 / 381، 511.

 

===============

(92)

معناه هذه تلك الآيات التي وعدتم بها في التوراة، كما قال " الم ذلك الكتاب " المبين " معناه المظهر لحلال الله وحرامه والمعاني المرادة به، وهوقول مجاهد وقتادة، ويروي عن معاذ أنه قال (المبين) قال بين الحروف التي سقطت عن السن الاعاجم، وهي ستة يعني حروف الحلق.

والبيان هو الدلالة. وقال الرماني البيان: إظهار المعنى من الطريق التي من جنسه. والبرهان إنما هو إظهار صحة المعنى بمايشهد به، وإنما سميت (آيات)

لمافيها من الدلالة القاطعة على صحة ماتضمنته الآية الدالة.

قوله تعالى:

(إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (2)

آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى أنه انزل هذا الكتاب قرآنا عربيا لكي يعقلوا معانيه وأغراضه، وسماه (قرآنا) لما تضمن مجموع خبر يوسف وغير ذلك. و (القرآن)

كلام في أعلا طبقة البلاغة، ووجه بلاغة القرآن كونه في نهاية التلاؤم المنافي للتنافر في تأليف اللفظ والمعنى: مع تشاكل المقاطع في الفواصل بمايقتضيه المعنى ومع تصريف القول على احسن ماتصرف به المعنى.

والعقل مجموعة علوم يتمكن معها من الاستدلال بالشاهدين على الغائب، ويفصل به بين الحسن والقبيح. ثم يجري على كل مايعقله الانسان في نفسه من المعانى.

وفي الآية دليل على ان كلام الله محدث، لانه وصفه بالانزال وبأنه عربي، ولا يوصف بذلك القديم.

وفيه دلالة على أن القرآن غير الله، لانه وصفه بأنه عربي، ومن يزعم أن الله عربي، فقد كفر، وماكان غير الله فهو محدث.

 

===============

(93)

والهاء في قوله " انا أنزلناه " كناية عن الكتاب الذي تقدم ذكره. قال الزجاج: ويجوز ان يكون المعنى إنا انزلنا خبر يوسف، وقصته، لان علماء اليهود، قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمدا صلى الله عليه وسلم لم انتقل يعقوب من الشام إلى مصر، وعن قصة يوسف، فانزل الله الآية ودليله قوله " لقد كان في يوسف واخوته آيات للسائلين.

قوله تعالى:

(نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) (3) آية بلاخلاف.

أخبر الله انه يقص على نبيه احسن القصص، و (القصص) يتعدى بحرف الجر في عليك لان معناه يتلو بعض الحديث بعضا، ولوقال: نخبرك، لتعدى بنفسه وقوله " أحسن القصص " يدل على ان الحسن يتفاضل ويتعاظم، لان لفظ أفعل حقيقتها ذلك، وانما يتعاظم بكثرة استحقاق المدح عليه.

وقوله " بماأوحينا اليك هذا القران " دخلت الباء في بما اوحينا، لتبيين أن القصص يكون قرآنا وغير قرآن، والقصص - ههنا - بالوحي: القرآن كأنه قال أوحينا اليك هذا القرآن، ونصب القرآن بايقاع الوحي عليه، وكان يجوز فيه الجر على البدل من (ما) والرفع على ان يكون جواب (ما) (هذا) في قول الزجاج، ولم يقرأ بغير النصب.

وقوله " وان كنت من قبله لمن الغافلين " بمعنى كنت يامحمد صلى الله عليه وسلم قبل وحينا اليك غافلا عن الاحكام التي ذكرناها في القرآن حتى أتيناك بها، ودللناك عليها، ولم تكن تهتدي اليها. وقيل معناه من الغافلين عن قصة يوسف وأخوته، حتى أخبرناك بها.

 

===============

(94)

قوله تعالى:

(إذ قال يوسف لابيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) (4) آية بلاخلاف.

قرأابن عامر وابوجعفر " ياأبت " بفتح التاء في جميع القرآن. الباقون بكسر التاء، وابن كثير يقف بالهاء. الباقون يقفون بالتاء، وقرأ ابوجعفر أحدعشر وتسعة عشر بسكون العين فيها. الباقون بفتحها.

العامل في (إذ) أحد أمرين: احدهما - اذكر " اذقال يوسف ". والثاني - نقص عليك " اذقال " في قول الزجاج، ولايكون على هذا الوجه ظرفا للقصص في معنى نذكره، ويجوز في " ياأبت " ثلاثة أوجه من الاعراب:

احدهما - الكسر على حذف ياء الاضافة.

الثاني - (ياأبت) بفتح التاء على حذف الالف المنقلبة عن ياء الاضافة، كأنه أراد ياأبتا، فحذف الالف كما تحذف الياء، فتبقى الفتحة دالة على الالف، كما ان الكسرة دالة على الياء، قال رؤبة:

* ياأبتا علك أو عساكا (1) *.

فلما كثرت هذه الكلمة في كلامهم ألزموه القلب، قال ابوعلي الفارسي:

ويحتمل ان يكون مثل ياطلحة اقبل، ووجهه ان الاسماء التي فيها تاء التأنيث أكثر ما ينادى مرخما، فلما كان كذلك رد التاء المحذوفة في الترخيم وترك الامر يجري على ماكان يجري عليه في الترخيم من الفتح، فلم يعتد بالهاء، واقحامها كماقالوا: واجمعت اليمامة يريدون أهل اليمامة، قالوا: أجمعت أهل اليمامة، فلم يعتدوا برد اهل.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي 9: 119 وصدره:

* تقول بنتي قد انى اناكا *

 

===============

(95)

الثالث - ياأبة بضم الهاء في قول الفراء ولم يجره الزجاج، قال: لان التاء عوض من ياء الاضافة. قال الرماني هذا جائز لان العوض لايمنع من الحذف، والوقف يجوز على التاء، لان الاضافة مقدرة بعدها، وان قدر على حذف الالف لم يجز الوقف، الا بالتاء وان قدر على الاقحام جاز الوقف كقول النابغة:

كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل اقاسيه بطئ الكواكب (1)

وانما دخلت الهاء في (ياأبت) للعوض من ياء الاضافة اذ يكثر في النداء، مع لزوم معنى الاضافة، فكان أحق بالعلامة لهذه العلة. وقال أبوعلي: إنما وقف ابن كثير بالهاء، فقال ياأبة، لان التاء التي للتأنيث تبدل منها الهاء في الوقف، ولم يجز على تقدير الاضافة، لانه اذا وقف عليها سكنت للوقف واذا سكنت كانت بمنزلة مالايراد به الاضافة فأبدل منها الهاء كما إذا قال ياطلحة أقبل بفتح التاء، واذا وقف عليها أبدل الهاء ياء.

وإنما - أعاد ذكر " رأيتهم " لامرين: احدهما - للتوكيد حيث طال الكلام.

الثاني - ليدل انه رآهم ورأى سجودهم، وفي معنى سجودهم قولان:

احدهما - هوالسجود المعروف على الحقيقة تكرمة له لاعبادة له.

الثاني - الخضوع - في قول ابي علي - كماقال الشاعر:

ترى الا كم فيه سجدا للحوافر (2)

وهو ترك للظاهر، وقال الحسن: الاحد عشر اخوته، والشمس والقمر أبواه، وانما قال ساجدين بالياء والنون، وهو جمع مالايعقل، لانه لما وصفها بفعل مايعقل من السجود أجرى عليها صفات مايعقل، كماقال " ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم " (3) لما أمروا امر من يعقل.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مرتخريجه في 5: 368.

(2) مر هذا الشعر في 1: 148، 263، 311، 4: 233، 383.

(3) سورة النمل آية 18.

 

===============

(96)

و (كوكبا) منصوب على التمييز و (أحد عشر) الاسمان جعلا اسما واحدا، وكذلك إلى تسعة عشر، واللغة الجيدة عند البصريين فتح العين، وحكي سكون العين، وحكى الزجاج احدى عشر وهي لغة ردية.

قوله تعالى:

(قال يابني لاتقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين) (5) آية بلاخلاف.

قرأ الكسائي الا أبا الحارث وقتيبة، والعبسي، وابن اليزيدي بامالة " رؤياك " والرؤيا في جميع القرآن، وروى ابوالحارث فتح " رؤياك " وامالة الباقي. وقرأ قتيبة امالة " الرؤيا " ونصب " رؤياك ".

وقرأ خلف في اختياره بامالة مافيه ألف ولام. الباقون بالتفخيم.

وخفف الهمزة في جميع ذلك أبوجعفر، وورش، والسموني، وشجاع والترمذي في الادراج، إلا ان أباجعفر يدغم الواو في الياء فتصير ياء مشددة، قال ابوعلي النحوي (الرؤيا) مصدر كالبشرى والسقيا والبقيا والشورى إلا انه لماصار اسما لهذا التخيل في المنام جرى مجرى الاسماء، كما أن (در) لماكثر في كلامهم في قولهم لله درك جرى مجرى الاسماء، وخرج من حكم الاعمال: فلا يعمل واحد منهما اعمال المصدر، ومما يقوي خروجه عن أحكام المصادر تكسيرهم لها (دري) فصادر بمنزلة (ظلم) والمصادر في الاكثر لاتكسر، والرؤيا على تحقيق الهمزة، فان حذفت قلبتها في اللفظ واوا ولم يدغم الواو في الياء، لان الواو في تقدير الهمزة فهي لذلك غير لازمة، فلايقع الاعتداد بها فلم تدغم، وقد كسر اولها قوم فقالوا (ريا) فهؤلاء قلبوا الواو قلبا لاعلى وجه التخفيف، ومن ثم كسروا الفاء، كما كسروا من قولهم: قرن لوى وقرون لي.

 

===============

(97)

في هذه الآية حكاية ماأجاب به يعقوب يوسف حين قص عليه رؤياه ومنامه، فقال له " يابني لاتقصص رؤياك على أخوتك " أي لا تخبرهم بها فانك إن أخبرتهم بذلك حسدوك وكادوك واحتالوا عليك، وانماقال ذلك لعلمه بأن تأويل الرؤيا أنهم يخضعون له.

وقوله " يابني " فيه ثلاث ياآت، الياء الاصلية، وياء الاضافة، وياء التصغير.

وحذفت ياء الاضافة اجتزاء بالكسرة وادغمت احدى اليائين في الاخرى. وفتح الياء وكسرها لغتان. وانما صغر (بني) مع عظم منزلته، لانه قصد بذلك صغر السن، ولم يقصد به تصغير الذم.

والرؤيا تصور المعنى في المنام على توهم الابصار، وذلك أن العقل مغمور بالنوم، فاذا تصور الانسان المعنى توهم أنه يراه.

والاخ المساوي في الولادة من أب او أم أو منهما، ويجمع أخوة وآخاء. والكيد طلب الغيظ بأذى الطالب لغيره كاده يكيد كيدا، فهو كائد.

وقوله " ان الشيطان للانسان عدو مبين " اخبا رمنه تعالى بأن الشيطان معاد للانسان، ويلقى العداوة بينهم، واللام في قوله (لك كيدا) لام التعدية، كما يقال قدمت له طعاما، وقدمت اليه طعاما. وقال قوم: هو مثل قولهم شكرته وشكرت له، لانه يقال كاده يكيده، وكادله.

وحكى الكسائي أن قوما يقولون: (الريا) بكسر الراء وتشديد الياء فيقلبون الهمزة واوا ويدعمون الواو في الياء. و (رؤيا) فيها أربع لغات بضم الراء مع الهمزة وبالواو بلا همزة. وقد قرئ بهما، وبضم الراء والادغام. وبكسر الراء، ولايقرأ بهاتين.

قوله تعالى:

(وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث تفسير التبيان ج 6 - م 7

 

===============

(98)

ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق إن ربك عليم حكيم) (6) آية بلاخلاف.

هذه حكاية ماقال يعقوب لابنه يوسف (ع) وقوله له ان الله يجتبيك، ويختارك، ويصطفيك ويكرمك بذلك، كما أكرمك بأن اراك في منامك هذه الرؤيا، فوجه التشبيه وهو اعطاء الرؤيا باعطاء الاجتباء مع ما انضاف اليه من الصفات الكريمة المحمودة التي ذكرها. والاجتباء إختيار معالي الامور للمجتبى مثل مااختاره الله تعالى ليوسف من الخصال الكريمة والامور السنية، وقال الحسن: اجتباه الله بالنبوة، وبشره بذلك. وأصله من جبيت الشئ اذا اخلصته لنفسك، ومنه جبيت الماء في الحوض.

وموضع الكاف من و (كذلك) نصب، والمعنى مثل مارأيت تأويله يجتبيك ربك.

" ويعلمك من تأويل الاحاديث " معناه أنه تعالى يعرفك عبارة الرؤيا في قول قتادة، ومجاهد - وذلك تأويل أحاديث الناس عما يرونه في منامهم، وقيل كان أعبر الناس للرؤيا، ذكره ابن زيد. وقال الزجاج، والجبائي: معناه يعلمك تأويل الاحاديث في آيات الله تعالى ودلائلة على توحيده، وغير ذلك من أمور دينه. والتأويل في الاصل هو المنتهى الذي يؤل اليه المعنى. وتأويل الحديث فقهه الذي هو حكمه، لانه اظهار مايؤل اليه أمره مما يعتمد عليه وفائدته.

وقوله " ويتم نعمته عليك " فاتمام النعمة هو أن يحكم بداومها على اخلاصها من شائب بها فهذه النعمة التامة بخلوصها مما ينغصها، ولاتطلب الا من الله تعالى لانه لايقدر عليها سواه. وقوله " كما اتمها على ابويك من قبل ابراهيم واسحاق " اخبار من يعقوب ليوسف أن الله تعالى يديم عليه هذه النعمة، كما أدامها على أبويه قبله: ابرهيم وإسحق، واصطفائه إياهما وجعله لهما نبيين رسولين إلى خلقه.

 

===============

(99)

ثم أخبر مع ذلك أن الله تعالى عليم بمن يصلح أن يجتبى، حكيم في اجتبائه من يجتبيه واضع للشئ في موضعه، وفي غير ذلك من افعاله. قال الفراء: قوله " وكذلك يجتبيك ربك " جواب لقوله إني رأيت أحد عشر كوكبا، فقيل له، وهكذا يجتبيك ربك (فكذلك، وهكذا) سواء في المعنى، وقال ابن اسحاق إنما قص الله تعالى قصة يوسف علي محمد (صلى الله عليه وسلم) ليعلمه أنه بغى عليه أخوته وحسدوه، فيسليه بذلك من بغي قومه عليه وحسدهم اياه.

قوله تعالى:

(لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين) (7)

آية بلاخلاف.

قرأ ابن كثير وحده " آية للسائلين " على التوحيد الباقون " آيات " على الجمع. قال أبوعلي النحوي من أفرد جعل شأنه كله آية. ويقوي ذلك قوله " وجعلنا ابن مريم وامه آية " (1) فأفرد، وكل واحد منهما على انفراده يجوز أن يقال آية، فافرد مع ذلك، ومن جمع جعل كل واحد من احواله آية، ومن جمع على ذلك على أن المفرد المنكر في الايجاب يقع دالا على الكثرة كمايكون ذلك في غير الايجاب قال الشاعر:

فقتلا بتقتيل وضربا بضربكم * جزاء العطاش لاينام من الثار (2)

اللام في قوله " لقد " هي اللام التي يتلقى بها القسم. أقسم الله تعالى في هذه الآية أنه كان في يوسف وفي اخوته آيات. والآية الدلالة على ماكان من الامور العظيمة.

والآية والعلامة والعبرة نظائر في اللغة. وقال الرماني: الفرق بين الآية والحجة:

أن الحجة معتمد البينة التي توجب الثقة بصحة المعنى. والآية تكشف عن المعنى

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) سورة المؤمنون آية 51 (2) مجمع البيان 3: 210

 

===============

(100)

الذي فيه أعجوبة. ووجه الآية في يوسف واخوته أنهم نالوه للحسد بالاذى مع أنهم أولاد الانبياء: يعقوب واسحاق وابراهيم، فصفح وعفا، وأحسن ورجع إلى الاولى، وكان ذلك خروجاعن العادات.

وقال الزجاج: معناه بصيرة للذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فانبأهم بقصة يوسف - وهو صلى الله عليه وسلم لم يقرأ كتابا، ولم يعلمه إلا من جهة الوحي - جوابا لهم حين سألوه.

وفي يوسف لغتان ضم السين وكسرها، وكذلك يونس بضم النون، وكسرها، والقراء على الضم فيهما، وحكى قطرب فتح النون في يونس وهي شاذة.

قوله تعالى:

(إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين) (8) آية بلاخلاف.

قرأ ابن كثير ونافع والكسائي " مبين اقتلوا " بضم التنوين. الباقون بكسره قال أبوعلي: من ضم التنوين اتبع حركة التنوين ضمة الهمزة بعده، لان تحريكه ملزم لالتقاء الساكنين، كماقالوا مذ به وفي ظلمات فاتبعوا الضمة وكذلك " مبين اقتلوا " " وقالت اخرج "، ومن كسر لم يتبع، وكسر على أصل الحركة لالتقاء الساكنين في الامر الاكثر.

والعامل في (اذا) اذكر، وتقديره اذكر إذ قالوا ليوسف. ويحتمل أن يكون العامل فيه ما في الآية الاولى من قوله " لقد كان في يوسف وأخوته آيات للسائلين. إذ قالوا ليوسف ".

وفي الآية اخبار عما قالت أخوة يوسف حين سمعوا منام يوسف وتأويل يعقوب إياه. وقولهم: ان يوسف وأخاه لابيه وأمه، وهو ابن يامين " احب إلى أبينا " يعقوب " منا " مع انا عصبه أي جماعة، والحب ضد البغض، والحب

 

===============

(101)

- بفتح الحاء - سمي به، لانه مما يحب، والحب بكسر الحاء - المفرط لما فيه من الحب، والاحباب ان يبرك البعير فلايثور، لانه يحب البروك والمحبة، على ضربين:

احدهما - المحبة التي هي ميل الطباع.

والثاني - ارادة المنافع.

والفرق بين المحبة والشهوة أن الانسان يحب الولد، ولا يشتهيه بأن يميل طبعه اليه ويرق عليه ويريد له الخير. والشهوة منازعة النفس إلى مافيه اللذة.

والعصبة الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض، وقولهم " ونحن عصبة " أي جماعة يعين بعضها البعض، وكانوا عشرة. والعصبة يقع على الجماعة من عشرة إلى خمسة عشر، ولاواحد له من لفظه، كالرهط والقوم والنفر.

وقوله " ان ابانا لفي ضلال مبين " معناه الاخبار عن قولهم ان ابانا في ذهاب عن طريق الحق والصواب الذي فيه التعديل بيننا في المحبة. وقيل: انهم أرادوا انه غلط في تدبير أمر الدنيا إذ كانوا انفع له من يوسف وأخيه من أمه وأبيه إذ كانوا يقومون بأمواله ومواشيه، ولم يريدوا الضلال في الدين، لانهم لو أرادوا ذلك، لكانوا كفارا، وذلك خلاف الاجماع.

واكثر المفسرين على ان اخوة يوسف كانوا انبياء، وقال قوم: لم يكونوا كذلك، وهو مذهبنا، لان الانبياء، لايجوز ان تقع منهم القبائح، وخاصة ما فعلوه مع أخيهم يوسف من طرحه في الجب، وبيعهم إياه بالثمن البخس، وادخالهم الغم به على أبيهم يعقوب، وكل ذلك يبين أنهم لم يكونوا أنبياء. وقال البلخي:

ذهب قوم إلى أنهم لم يكونوا في تلك الحال بلغوا الحلم، وقد يقع مثل ذلك ممن قارب البلوغ، وان لم يبلغ، ويعاتب عليه ويذم، ويضرب على فعله.

ومن قال: كانوا بالغين غير انهم لم يكونوا انبياء استدل على بلوغهم بقوله " وتكونوا من بعده قوما صالحين "، وقولهم " ياابانا استغفر لنا ذنوبنا " وقال الانبياء الاسباط من بني يعقوب غير هؤلاء.

 

===============

(102)

قوله تعالى:

(اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين) (9) آية بلاخلاف.

اخبر الله تعالى عن اخوة يوسف انهم قال بعضهم لبعض " اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم، وتكونوا من بعده قوما صالحين " ومعناه اطرحوه في أرض تأكله السباع او يهلك بغير ذلك من الامور. وقيل: معناه اطرحوه في أرض يبعد عن أبيه، ولايقدر عليه.

وقوله " يخل لكم وجه أبيكم " جواب الامر في قوله " اقتلوا يوسف " ولايجوز فيه غير الجزم، لانه ليس فيه ضمير، والمعنى انكم متى قتلتموه او طرحتموه في أرض اخرى خلا لكم أبوكم وحن عليكم " وتكونوا من بعده قوما صالحين " معناه إنكم اذا فعلتم ذلك وبلغتم أغراضكم تبتم مما فعلتموه، وكنتم من جملة الصالحين الذين يفعلون الخيرات، فيكفر عنكم عقاب ما فعلتموه. وقال الحسن: معناه تكونوا قوما صالحين في أمر دنياكم، ولم يريدوا أمر الدين.

قوله تعالى:

(قال قائل منهم لاتقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين) (10) آية بلاخلاف.

قرأ نافع وابوجعفر، " غيابات " على الجمع. الباقون " غيابة " على التوحيد، وقرأ الحسن تلتقطه بالتاء، كماقالوا ذهبت بعض اصابعه، قال ابوعلي: وجه قول من أفرد، أن الجب لا يخلوا ان يكون له غيابة واحدة او غيابات، فغيابة المفرد يجوز ان يعنى به الجمع، كما يعنى به الواحد، ووجه قول من جمع: انه يجوز ان

 يكون له غيابة واحدة، فجعل كل جزء منه غيابة، فجمع على ذلك، كقولهم

 

===============

(103)

شابت مفارقة، ويجوز ان يكون عنده للجب غيابات، فجمع على ذلك.

اخبر الله تعالى في هذه الآية عن واحد من جملة القوم أنه قال على وجه المشورة عليهم " لاتقتلوا يوسف " ولكن اطرحوه في جب عميق قليل الماء. وقيل إنه كان اسم القائل لذلك (روبيل) وكان ابن خالة يوسف - في قول قتادة وابن اسحاق - وقال الزجاج: كان يهوذا، والغيابة الموضع الذي يغيب فيه صاحبه وغيابة البئر شبه الجاف او طاف فوق الماء وضعوه فيها. وكلما غيب شئ عن الحس بكونه، فهو غيابة. وقال الحسن يعني في قعر الجب قال المنخل:

فان انا يوم غيبتني غيابتي * فسيروا بسيري في العشيرة والاهل (1)

والجب البئر التي لم تطو، لانه قطع عنها ترابها حتى طغى الماء من غير طي، ومنه المجبوب قال الاعشى:

لئن كنت في جب ثمانين قامة * ورقيت أسباب السماء بسلم (2)

و (السيارة) الجماعة المسافرون، لانهم يسيرون في البلاد. وقيل: هم مارة الطريق. و (الالتقاط) تناول الشئ من الطريق، ومنه اللقطة واللقيطة.

وقيل: انهم أشاروا عليه بأن يقعد في دلو المدلي إذا استسقى ليخرجه من البئر ففعل. ومعنى التقاطه أن يجدوه من غير ان يحسبوه، يقال وردت الماء التقاطا إذا وردته من غير ان تحسبه.

قوله تعالى:

(قالوا ياأبانا مالك لاتأمنا على يوسف وإنا له لناصحون)

(11) آية بلاخلاف.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الشاعر هو المنخل بن نسيع العنبري. تفسير القرطبي 9 / 132 والتاج (غيب) ومجاز القرآن 1 / 302 (2) ديوان (دار بيروت) 182 والصبح المنير 84 ومجاز القرآن 1 / 2. 3 وتفسير القرطبي 9 / 132 والكتاب لسيبويه 1 / 231.

 

===============

(104)

كلهم قرأ " تامنا " بفتح الميم وادغام النون الاولى في الثانية، والاشارة إلى اعراب النون المدغمة بالضم اتفاقا، قال ابوعلي وجه ذلك ان الحرف المدغم بمنزلة الموقوف عليه من حيث جمعهما السكون، فمن حيث اشموا الحرف الموقوف عليه إذا كان مرفوعا في الادراج اشموا النون المدغمة في (تامنا) وليس ذلك بصوت خارج إلى اللفظ، وانما هي هيئة العضو لاخراج ذلك الصوت به ليعلم بذلك أنه يريد ذلك المتهيأ له.

حكى الله تعالى عن أخوة يوسف لما تآمروا على مايفعلونه بيوسف أنهم، قالوا لابيهم لم " لاتأمنا على يوسف " قال الزجاج: يجوز في (تأمنا) أربعة أوجه:

تأمننا بالاظهار ورفع النون الاولى، لان النونين من كلمة، و " تأمنا " بالادغام وهي قراءة القراء لالتقاء المثلين، و (تأمنا) بالادغام والاشمام، وهو الذي حكاه ابن مجاهد عن الفراء، للاشعار بالضمة، و (تئمنا) بكسر التاء وهي قراءة يحيى ابن وثاب، لان ماضيه فعل، كماقالوا تعلم ونعلم إلا ان القراءة بالادغام والاشمام.

والامن سكون النفس إلى إنتفاء الشر، وضده الخوف، وهو انزعاج النفس لما يتوقع من الضر. وقوله " واناله لناصحون " تمام الحكاية عنهم أنهم قالوا إنا ليوسف لنا صحون مشفقون عليه. والنصح إخلاص العمل من فساد يتعمد.

ونقيضه الغش. والنصح في التوبة اخلاصها مما يفسدها. وذلك واجب فيها وهي التوبة النصوح.

قوله تعالى:

(أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون) (12)

آية بلاخلاف.

قرأابن كثير وابن عامر وأبوعمرو " نرتع ونلعب " بالنون فيهما. وكسر العين من " يرتع " من غير بلوغ إلى الياء أهل الحجاز، إلا المالكي. والعطار عن الزبيبي اثبات (ياء) في الوصل، والوقف بعد العين. الباقون بسكون العين، ولم

 

===============

(105)

يختلفوافي سكون الباء من ويلعب، وقرأ نافع يرتع، ويلعب بالياء فيهما، وكسر العين. وقرأ أهل الكوفة بالياء فيهما، وجزم العين والباء. قال ابوعلي: قراءة ابن كثير حسنة، لانه جعل الارتعاء القيام على المال لمن بلغ وجاوز الصغر، واسند اللعب إلى يوسف لصغره، ولالوم على الصغير في اللعب، ولاذم.

والدليل على صغر يوسف قول أخوته " واناله لحافظون " ولوكان كبيرا ما احتاج إلى حفظهم. وايضا قال يعقوب أخاف ان يأكله الذئب، ولولم يكن صغيرا ماخاف عليه، وانما يخاف الذئب على من لادفاع فيه، ولاممانعة له: من شيخ، فان اوصبي صغير قال الشاعر:

اصبحت لا أحمل السلاح ولا * املك رأس البعير ان نفرا

والذئب اخشاه ان مررت به * وحدي واخشى الرياح والمطرا (1)

فأما اللعب فمما لاينبغي ان ينسب إلى اهل النسك والصلاح، ألا ترى إلى قوله: " أجئتنا بالحق ام انت من اللاعبين " (2) فقوبل اللعب بالحق فدل على انه خلافه، وقال " ولئن سألتهم ليقولن انما كنا نخوض ونلعب " (3) وقال " وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا " فأما الارتعاء فهو افتعال من رعيت مثل سويت واستويت وكل واحد منهما متعد إلى مفعول به، قال الشاعر:

ترتعي السفح فالكثيب فذا قا * رفروض القطا فذات الرئال (4)

وقال ابوعبيدة: ويجوز ان يقال نرتع ويراد ترتع إبلهم ووجه ذلك انه كان الاصل ترتع إبلنا ثم حذف المضاف وأسند الفعل إلى المتكلمين، فصار نرتع وكذلك نرتعي على ترتعي إبلنا، ثم يحذف المضاف فيكون نرتعي. وقال أبو عبيدة: نرتع نلهو، وقد تكون هذه الكلمة على غير معنى النيل من الشئ كقولهم في المثل العبد والرتعة، فكان على هذا النيل والتناول مما يحتاج اليه الحيوان.

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قائله الربيع بن ضبيع الفزاري. سيبويه 1: 46 ومجمع البيان 3: 214.

(2) سورة الانبياء آية 55، (3) سورة التوبة 9 آية 65 (4) قائله الاعشى، ديوان: 163 واللسان (سفح)، (رأل).

 

===============

(106)

واما قراءة ابي عمرو، وابن عامر، فعلى أن معناه نرتع أبلنا، او على اننا ننال مانحتاج اليه ومعناه ننال. فأما قوله " ونلعب " فحكي ان ابا عمرو قيل له كيف يقولون نلعب، وهم انبياء؟ فقال لم يكونوا يومئذ أنبياء، فعلى هذا سقط الاعتراض ولايجوز ان يكون المراد به مثل ماقال الشاعر.

حدت حداد تلاعب وتقشعت * غمرات قالت ليسه حيران (1)

فكان اللعب ههنا الذي لم يتشمر في امره، فدخله بعض الهوينا، فهذا أسهل من الوجه الذي قوبل بالحق، وقدروي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لجابر: (فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك) وانما اراد بذلك التشاغل بالمباح والعمل بما يتقوى به على العبادة والطاعة. وقد روي عن بعض السلف انه كان اذا اكثر النظر في مسائل الفقه قال احمضونا، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ان هذا الدين متين فاوغلوا فيه برفق فان المبتت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. فليس هذا اللعب من الذين " قال انما كنا نخوض ونلعب " في شئ.

ومن قرأ بالياء فإن كان يرتع من اللهو، كما فسره ابوعبيدة، فلا يمتنع ان يخبر به عن يوسف لصغره، كما لايمتنع ان ينسب اليه اللعب كذلك إن كان " يرتع " من النيل من الشئ، فلذلك ايضا لايمتنع عليه ايضا، فوجهها بين، وهو أبين من قول من قال " ونلعب " بالنون، لانهم سألوا ارساله ليتنفس بلعبه، ولم يسألوا ارساله ليلعبواهم.

والرتع الاتساع في البلاد بالذهاب في جهاتها من اليمين والشمال، فلان يرتع في المال وغيره من ضروب الملاذ، واصل الرتعة التصرف في الشهوات رتع فلان في ماله اذا انفق في شهواته قال القطامي:

أكفرا بعد رد الموت عني * وبعد عطائك المائة الرتاعا (2)

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع البيان 3: 214 وروايته:

جدت جداد بلاعب وتقشعت * عمرات قالت ليسه حيران

(2) مر في 1 / 26 وتفسير الطبري (دار المعارف) 15: 569، والطبعة الاولى 12 / 88.

 

===============

(107)

وقال مجاهد معنى " نرتع " يحفظ بعضنا بعضا من الرعاية. واللعب يحتمل مايستهجن ويستر ذل لطلب الفرح من غير مراعاة شئ من الحلم كفعل الصبي اذا قصد هذا القصد.

أخبر الله تعالى عن اخوة يوسف انهم قالوا لابيهم ارسل يوسف معنا ينال الملاذ ويتفرح، ونحن حافظون له ومراعون لاحواله فلا تخشى عليه.

قوله تعالى:

(قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون) (13) آية بلاخلاف.

قرأ الكسائي وخلف في اختياره، وابوجعفر ووررش والاعشى واليزيدي في الادراج إلا سجادة، ومدين من طريق عبدالسلام " الذيب " بتخفيف الهمزة في المواضع الثلاثة. الباقون بالهمزة. والهمز وترك الهمز لغتان مشهورتان قال ابوعلي: والاصل فيه الهمزة، فان خفف جاز، وان وقع في مكان الردف قلب قلبا كما قال الشاعر:

كأن مكان الردف منه على رال (1)

فقلب الهمزة الفا.

أخبر الله تعالى حكاية عن يعقوب انه قال حين طلب اخوة يوسف انفاذ يوسف معهم، واحتيالهم في ذلك. واشفق من ذلك، قال " اني ليحزنني " اي يؤلم قلبي. يقال حزنتك وأحزنتك لغتان، والحزن ألم القلب بفراق المحب ويعظم اذا كان فراقه إلى مايبغض " أن تذهبوا به " اي ليحزنني اذهابكم به، والذهاب

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) قائله امرؤ القيس، ديوانه: 165 وامالي الشريف المرتضى 1: 229 وصدره:

وصم صلاب مايقين من الوجى وهو يصف حوافر الفرس بانها (صم) اي صلبة (لايقين) ليس فيها تجويف (من الوجى)

وهو الخفاء. و (مكان الردف) الموضع الذي يردف عليه الراكب. و (الرال) فرخ الغزال.

 

===============

(108)

والمرور والانطلاق نظائر وبين انه يخاف عليه الذئب ان يأكله لان الذئاب كانت ضارية في ذلك الوقت. والذئب سبع معروف، واشتقاقه من تذاءب الريح اذاجاءت من كل جهة، فالذئب يختل بالحيلة من كل وجه وقوله " وانتم عنه غافلون " جملة في موضع الحال وتقديره اخاف ان يأكله الذئب في حال كونكم ساهين عنه، والخوف والفزع والقلق نظائر ونقيضه الامن.

قوله تعالى:

(قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون)

(14) آية بلاخلاف.

لماقال لهم يعقوب ماذكره في الآية الاولى، قالوا في الجواب عن ذلك " لئن اكله الذئب ونحن جماعة متعاضدون متناصرون نرى الذئب قد قصده، فلا نمنع عنه " انا اذا لخاسرون " أي بمنزلة الخاسر الذي ذهب رأس ماله على رغم منه، والخسران ذهاب رأس المال، والربح زيادة على رأس المال. واللام في قوله " لئن " هي التي يتلقى بها القسم، فكأنهم أقسموا على ماقالوه. وأعظم الخسران مايذهب بالثواب، ويؤدي إلى العقاب، فلذلك أقسموا عليه، وقال المؤرج: معناه إنا اذا لمضيعون بلغة قيس عيلان.

قوله تعالى:

(فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لايشعرون) (15)

آية بلاخلاف.

 

===============

(109)

حكى الله تعالى انه لما أذن يعقوب ليوسف في المضي معهم، وذهبوابه " وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب " اي عزموا على فعل ذلك، ولايقال:

أجمع الا اذا قويت الدواعي إلى الفعل من غير صارف وأما من دعاه داع واحد، فلا يقال فيه أنه أجمع، فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي، ويجوز ان يكون المراد انهم اتفقوا على إلقائه في غيابة الجب، والجعل والتصيير والعمل نظائر في اللغة.

والغيابة البقعة التي يغيب فيها الشئ عن الحس. وقيل طلبوا بئرا قليلة الماء تغيبه ولاتغرقه. وقيل بل جعلوه في جانب جبها، وسمى البئر التي لم تطو جبا لانه جب ترابها عنها فقط، كأنه ليس فيها إلا قطع التراب. وجواب (لما) محذوف وتقديره عظمت فتنتهم أوكبر ماقصدوا له. وقال قوم: الواو في وأجمعوا مقحمة. والمعنى أجمعوا أن يجعلوه وهومذهب الكوفيين، وأنشدوا قول أمرئ القيس:

فلما اجزنا ساحة الحي وانتحى * بنابطن خبت ذي قفاف وعقنقل (1)

يريد، فلما اجزنا ساحة الحي انتحى، وقال آخر:

حتى اذا قملت بطونكم * ورأيتم ابناءكم شبوا

وقلبتم ظهر المجن لنا * ان اللئيم العاجز الخب (2)

يريد قلبتم، فادخل الواو. والبصريون لايجيزونه. وقوله " واوحينا اليه " يعني إلى يوسف، قال الحسن أعطاه الله النبوة، وهو في الجب " لتنبئنهم بأمرهم هذا " معناه ستخبرهم بذلك في المستقبل و " هم لايشعرون " قال ابن عباس والحسن وابن جريج لايشعرن بأنه يوسف. وقال مجاهد وقتادة: لايشعرون بأنه اوحي اليه.

والشعور ادراك الشئ بمثل الشعرة في الدقة، ومنه المشاعر في البدن. وقال

 

ـــــــــــــــــــــــ

(1) ديوانه: 149 من معلقته الشهيرة وتفسير الطبري 15: 575 وفي المعلقات العشر (حقاف) بدل (قفاف) وقال وروي (حقف ذي ركام).

(2) انظر 3: 19 تعليقة 4.

 

===============

(110)

قوم: معنى قوله " لتنبئنهم بأمرهم " لتجازينهم على فعلهم، تقول العرب للرجل:

تتوعده بمجازاة سوء فعله: لانبئنك، ولاعرفنك، يعني لاجازينك.

قوله تعالى:

(وجاؤا أباهم عشاء يبكون (16) قالوا ياأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وماأنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) (17) آيتان بلاخلاف.

في الكلام حذف، لان التقدير إنهم أجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب، وفعلوا ذلك، فلما فعلوه جاؤوا حينئذ " أباهم عشاء يبكون " والمجئ والمصير إلى الشئ واحد، وقد يكون المصير بالانقلاب، كمصير الطين خزفا، وقد يكون بمعنى الانتقال. والعشاء آخر النهار. ونصبه لانه من ظروف الزمان. ومنه اشتق (الاعشى) لانه يستضئ ببصر ضعيف. والبكاء جريان الدمع من العين عند حال الحزن، فكانوا يعلمون أن اباهم يحزن لما جاؤا من خبر يوسف، فبكوا مع بكائه عليه، وفي حال خبره لما تصوروا تلك الحال. وقيل: إنهم أظهروا البكاء ليوهموا أنهم صادقون فيما قالوه.

وقوله " إنا ذهبنا نستبق " قيل في معناه قولان:

احدهما - قال الزجاج: ذهبنا نتنصل مشتق من السباق في الرمي. وقال الجبائي: نستبق في العدو لنعلم اينا أسرع عدوا " وتركنا يوسف عند متاعنا " يعني تركناه عند الرحل ليحفظه.

وقوله " وماأنت بمؤمن لنا " أي لست بمصدق لنا " ولو كنا صادقين " وجواب (لو) محذوف، وتقديره: ولوكنا صادقين ماصدقتنا، لاتهامك لنافي أمر يوسف، ودل الكلام عليه. ولم يصفوه بأنه لايصدق الصادق، لان المعنى