[ 306 ]

الانزجار عن القبيح، إذ نالهم تلك النقم لكفرانهم النعم. (هذا نذير من النذر الاولى) أشار إلى رسول الله (ص) عن قتادة. والنذر الاولى. الرسل قبله. وقيل: هو إشارة إلى القرآن. والنذر الاولى: صحف إبراهيم، وموسى، عن أبي مالك. وقيل: معناه هذه الأخبار التي أخبر بها عن إهلاك الامم الأولى نذير لكم، عن الجبائي. (أزفت الازفة) أي دنت القيامة، واقتربت الساعة. وإنما سميت القيامة آزفة أي دانية، لأن كل ما هو آت قريب (ليس لها من دون الله كاشفة) أي إذا غشيت الخلق شدائدها وأهوالها، لم يكشف عنهم أحد، ولم يردها، عن عطاء والضحاك وقتادة. وتأنيث كاشفة على تقدير نفس كاشفة، أو جماعة كاشفة، ويجوز أن يكون مصدرا كالعافية، والعاقبة، والواقية، والخائنة. فيكون المعنى. ليس لها من دون الله كاشف، أي لا يكشف عنها غيره، ولا يظهرها سواه، كقوله: إلا يجليها لوقتها إلا هو). (أفمن هذا الحديث) يعني بالحديث ما قدم من الإخبار عن الصادق (ع). وقيل: معناه أفمن هذا القرآن ونزوله من عند الله على محمد (ص) وكونه معجزا (تعجبون) أيها المشركون (وتضحكون) استهزاء (ولا تبكون) انزجارا لما فيه من الوعيد (وأنتم سامدون) أي غافلون لاهون معرضون، عن ابن عباس ومجاهد. وقيل: هو الغناء، كانو إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء، ليشغلوا الناس عن استماعه، عن عكرمة (فاسجدوا لله واعبدوا) أمرهم سبحانه بالسجود له، والعبادة خالصا مخلصا. وفي الاية دلالة على أن السجود فهنا واجب، على ما ذهب إليه أصحابنا، لأن ظاهر الأمر يقتضي الوجوب.

[ 307 ]

 

54 –  سورة القمر

عدد آيها: وهي خمس وخمسون آية

بالإجماع. فضلها: أبي بن كعب عن النبي (ص) قال: (ومن قرأ سورة اقتربت الساعة في كل غب، بعث يوم القيامة، ووجهه على صورة القمر، ليلة البدر، ومن قرأها كل ليلة، كان أفضل، وجاء يوم القيامة، ووجهه مسفر على وجوه الخلائق). وروى يزيد بن خليفة، عن أبي عبد الله (ع) قال: من قرأ سورة اقتربت الساعة، أخرجه الله من قبره على ناقة من نوق الجنة. تفسيرها. ختم الله سبحانه تلك السورة، بذكر أزوف الآزفة، وافتتح هذه السورة بمثلها فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (أقتربت الساعة وأنشق القمر (1) وإن يرواء ايه يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا وأتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3) ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر (4) حكمة بلغة فما تغن النذر (5) فتول عنهم يوم يدع الداع الى شئ نكر (6) خشعا أبصرهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين الى الداع يقول الكفرون هذا يوم عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أني مغلوب فأنتصر (10).

[ 308 ]

القراءة: قرأ أبو جعفر: (وكل أمر مستقر) بالجر والباقون بالرفع. وقرأ ابن كثير ونافع: (يوم يدع الداع) بغير ياء، و (مهطعين إلى الداعي، بياء في الوصل. وروي عن ورش. (يوم يدع الداعي) بياء في الوصل. وقرأهما أبو جعفر وأبو عمرو بإثبات الياء في الوصل. والباقون بغير ياء في وصل، ولا وقف. وقد تقدم القول في هذا النحو. وقرأ ابن كثير: (إلى شئ نكر) بالتخفيف. والباقون: (نكر) بضمتين. وقرأ أهل العراق، غير عاصم: (خاشعا أبصارهم). والباقون. (خشعا). وفي الشواذ قراءة حذيفة: (وقد انشق القمر)، وقراءة مجاهد والجحدري وأبي قلابة (إلى شئ نكر). الحجة: من قرأ (مستقر) بالجر جعله صفة لأمر. ومن قرأه بالرفع، جعله خبرا لكل أمر. وأما قراءة نكر، فإنه على فعل، وهو أحد الحروف التي جاءت صفة على هذه الزنة، ومثله ناقة أجد، ومشية سجح صفة، قال حسان: دعوا التحاجز، وامشوا مشية سجحا، إن الرجال ذوو عضب، وتذكير (1) ومن قرأ (نكر) خففه مثل رسل وكتب. والضمة في تقدير الثبات. ومن قرأ (خاشعا أبصارهم) فإنه كما لم يلحق علامة التأنيث، لم يجمع. وحسن أن لا يؤنث، لأن التأنيث ليس بحقيقي. ومن قال (خشعا) فقد أثبت ما يدل على الجمع، وهو على لفظ الإفراد. ودل لفظ الجمع على لفظ ما يدل عليه التأنيث الذي ثبت في نحو قوله في الآية الأخرى. (خاشعة أبصارهم) و (خشعت الأصوات للرحمن). قال الزجاج. ولك في الإفراد، ودل لفظ الجمع ما يدل عليه التأنيث الذي ثبت في نحو قوله في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد، نحو قوله. (خاشعا أبصارهم). ولك التوحيد والتأنيث نحو (خاشعة أبصارهم)، ولك الجمع نحو (خشعا أبصارهم)، تقول: مررت بشباب حسن أوجههم، وحسان وجوههم، وحسنة أوجههم. قال: وشباب حسن أوجههم، من إياد بن نزار بن معد قال ابن جني: قراءة حذيفة. (وقد انشق القمر) يجري مجرى الموافقة على إسقاط العذر ورفع التشكك أي: قد كان انشقاق القمر متوقعا، دلالة على قرب

________________________________________

(1) التحاجز: التمانع. والسجح: اللين السهل. والعضب. السيف القاطع. وذكر الفأس، وغيره: جعل على رأسه القطعة من الفولاذ. (*)

[ 309 ]

الساعة. فإذا كان قد انشق وانشقاقه من أشراطها، وقد يوكد الأمر في قرب وقوعها، وذلك أن قد إنما هو جواب وقوع أمر كان متوقعا. اللغة: في (اقتربت) زيادة مبالغة على قرب، كما أن في اقتدر زيادة مبالغة على قدر، لأن أصل افتعل إعداد المعنى بالمبالغة، نحو: اشتوى إذا اتخذ شواء بالمبالغة في إعداده. والأهواء. جمع الهوى، وهو رقة القلب بميل الطباع، كرقة هواء الجو. يقال. هوي يهوى هوى، فهو هو إذا مال طبعه إلى الشئ. والمزدجر: المتعظ، مفتعل من الزجر، إلا أن التاء أبدلت دالا، لتوافق الزاي بالجهر. ويقال: أنكرت الشئ فهو منكر، ونكرته فهو منكور. وقد جمع الأعشى بين اللغتين فقال: وأنكرتني، وما كان الذي نكرت، من الحوادث، إلآ الشيب، والصلعا (1) والنكر والمنكر: الشئ الذي تأباه ا النفس، ولا تقبله من جهة نفور الطبع عنه، وأصله من الإنكار الذي هو نقيض الإقرار. والأجداث: القبور جمع جدث. والجدف بالفاء لغة فيه. والإهطاع: الإسراع في المشي. الاعراب: (فما تغني النذر). يجوز أن يكون ما للجحد، فيكون حرفا. ويجوز أن يكون استفهاما، فيكون إسما. والتقدير في الأول: فلا تغني النذر. وفي الثاني: فأي شئ تغني النذر. قال الزجاج: قوله (فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شئ نكر) وقف التمام: فتول عنهم. ويوم: منصوب بقوله: (يخرجون من الأجداث). وأما حذف الواو من (يدعو) في الكتاب، فلأنها تحذف في اللفظ، لالتقاء الساكنين، فاجريت في الكتاب على ما يلفظ بها. وأما (الداعي) فإثبات الياء فيه أجود. ويجوز حذفها لأن الكسرة تدل عليها. وقوله: (خشعا أبصارهم) منصوب على الحال من الواو في (يخرجون) وفيه تقديم وتأخير تقديره: يخرجون خشعا أبصارهم من الأجداث. وإن شئت كان حالا من الضمير المجرور في قوله (فتول عنهم). و (مهطعين) أيضا منصوب على الحال. و (أني مغلوب): تقديره دعا ربه بأني مغلوب. وقرأ عيسى بن عمر (إني) بالكسر على إرادة القول أي: فدعا ربه قالى إني مغلوب. ومثله (والذين أتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا) التقدير. قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا.

________________________________________

(1) الصلع: انحسار شعر مقدم الرأس. (*)

[ 310 ]

المعنى. (اقتربت الساعة) أي قربت الساعة التي تموت فيها الخلائق، وتكون القيامة والمراد: فاستعدوا لها قبل هجومها (وانشق القمر) قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله (ص) فقالوا. إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين. فقال لهم رسول الله (ص). إن فعلت تؤمنون ؟ قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر. فسال رسول الله (ص) ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله ينادي: يا فلان ! يا فلان ! اشهدوا. وقال ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله (ص) شقتين، فقال لنا رسول الله (ص): اشهدوا، اشهدوا. وروي أيضا عن ابن مسعود أنه قال. والذي نفسي بيده، لقد رأيت حراء بين فلقي القمر. وعن جبير بن مطعم قال: إنشق القمر على عهد رسول الله (ص) حتى صار فرقتين، على هذا الجبل، وعلى هذا الجبل، فقال ناس. سحرنا محمد. فقال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلهم. وقد روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وابن عباس، وجبير بن مطعم، وعبد الله بن عمر، وعليه جماعة المفسرين، إلا ما روي عن عثمان بن عطاء، عن أبيه أنه قال: معناه وسينشق القمر. وروي ذلك عن الحسن، وأنكره أيضا البلخي. وهذا لا يصح لأن المسلمين أجمعوا على ذلك، فلا يعتد بخلاف من خالف فيه، ولأن اشتهاره بين الصحابة يمنع من القول بخلافه. ومن طعن في ذلك بانه لو وقع انشقاق القمر في عهد رسول الله (ص)، لما كان يخفى على أحد من أهل ألأقطار، فقوله باطل، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى قد حجبه عن ممثرهم، بغيم وما يجري مجراه، ولأنه قد وقع ذلك ليلا، فيجوز أن يكون الناس كانوا نياما، فلم يعلموا بذلك. على أن الناس ليس كلهم يتأملون ما يحدث في السماء وفي الجو، من آية وعلامة، فيكون مثل انقضاض الكواكب، وغيره مما يغفل الناس عنه. وإنما ذكر سبحانه اقتراب الساعة مع انشقاق القمر، لأن انشقاقه من علامة نبوة نبينا (ص) ونبوته وزمانه، من أشراط اقتراب الساعة. (وإن يروا آية يعرضوا) هذا إخبار من الله تعالى عن عناد كفار قريش، وأنهم إذا رأوا معجزة، أعرضوا عن تأملها، والإنقياد لصحتها، عنادا وحسدا (ويقولوا سحر مستمر) أي قوي شديد، يعلو كل سحر، عن الضحاك، وأبي العالية،

[ 311 ]

وقتادة، وهو من إمرار الحبل، وهو شدة فتله. واستمر الشئ إذا قوي واستحكم. وقيل: معناه سحر ذاهب مضمحل لا يبقى، عن مجاهد، وهو من المرور. وقال المفسرون: لما انشق القمر، قال مشركو قريش: سحرنا محمد. فقال الله سبحانه: (وإن يروا آية يعرضوا) عن التصديق والإيمان بها قال الزجاج. وفي هذا دلالة على أن ذلك قد كان ووقع. وأقول: ولأنه تعالى قد بين أن يكون آية على وجه الإعجاز وإنما يحتاج إلى الاية المعجزة في الدنيا، ليستدل الناس بها على صحة النبوة، ويعرف صدق الصادق، لا في حال انقطاع التكليف، والوقت الذي يكون الناس فيه ملجئين إلى المعرفة، ولأنه سبحانه قال: (ويقولوا سحر مستمر) وفي وقت الإلجاء لا يقولون للمعجز إنه سحر. (وكذبوا) أي بالأية التي شاهدوها (واتبعوا أهواءهم) في التكذيب، وما زين لهم الشيطان من الباطل الذي هم عليه. (وكل أمر مستقر) فالخير يستقر باهل الخير، والشر يستقر باهل الشر، عن قتادة. والمعنى: إن كل أمر من خير وشر، مستقر ثابت، حتى يجازى به صاحبه. إما في الجنة، أو في النار. وقيل. معناه لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا، فسيظهر. وما كان منه في الأخرة، فسيعرف، عن الكلبي. (ولقد جاءهم) أي ولقد جاء هؤلاء الكفار أمن الأنباء) يعني الأخبار العظيمة في القرآن بكفر من تقدم من الأمم، وإهلاكنا إياهم (ما فيه مزدجر) أي متعظ، وهو بمعنى المصدر أي وازدجار عن الكفر، وتكذيب الرسل (حكمة بالغة) يعني القرآن حكمة (1) تامة قد بلغت الغاية والنهاية. (فما تغني النذر) أي: أي شئ تنفع النذر مع تكذيب هؤلاء وإعراضهم، وهو جمع النذير. وقيل: معناه فلا تغني النذر شيئا أي: إن الأنبياء الذين بعثوا إليهم، لا يغنون عنهم شيئا من عذاب الله الذي استحقوه بكفرهم، لأنهم خالفوهم، ولم يقبلوا منهم، - عن الجبائي. وقيل: النذر هي الزواجر المخوفة، وآيات الوعيد. ثم أمره سبحانه بالإعراض عنهم فقال: (فتول عنهم) أي أعرض عنهم، ولا تقابلهم على سفههم. وههنا وقف تام. (يوم يدع الداع إلى شئ نكر) أي منكر غير معتاد، ولا معروف، بل أمر فظيع لم يروا مثله، فينكرونه استعظاما. واختلف في

________________________________________

(1) (بالغة).

[ 312 ]

الداعي فقيل. هو إسرافيل يدعو الناس إلى الحشر قائما على صخرة بيت المقدس، عن مقاتل. وقيل: بل الداعي يدعوهم إلى النار، ويوم ظرف ليخرجون أي. في هذا اليوم يخرجون من الأجداث. ويجوز أن يكون التقدير في هذا اليوم يقول الكافرون. وقوله: (خشعا أبصارهم) يعني خاشعة أبصارهم أي ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب. وإنما وصف الأبصار بالخشوع، لأن ذلة الذليل، أو عزة العزيز، تتبين في نظره، وتظهر في عينه. (يخرجون من الأجداث) أي من القبور (كأنهم جراد منتشر) والمعنى أنهم يخرجون فزعين، يدخل بعضهم في بعض، ويختلط بعضهم ببعض، لا جهة لأحد منهم، فيقصدها، كما أن الجراد لا جهة لها فتكون أبدا متفرقة في كل جهة. قال الحسن: الجراد يتلبد حتى إذا طلعت عليها الشمس، انتشرت. فالمعنى: إنهم يكونون ساكنين في قبورهم، فإذا دعوا خرجوا وانتشروا. وقيل: إنما شبههم بالجراد لكثرتهم. وفي هذه الآية دلالة على أن البعث إنما يكون لهذه البنية، لأنها الكائنة في الأجداث، خلافا لمن زعم أن البعث يكون للأرواح. (مهطعين إلى الداعي) أي مقبلين إلى صوت الداعي، عن قتادة. وقيل: مسرعين إلى إجابة الداعي، عن أبي عبيدة. وقيل: ناظرين قبل الداعي، قائلين: هذا يوم عسمر، عن الفراء وأبي علي الجبائي. وهو قوله (يقول الكافرون هذا يوم عسر) أي صعب شديد. وقد قيل أيضا في قوله (فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شئ نكر) أقوال أخر أحدها: إن المعنى فأعرض عنهم إذا تعرضوا لشفاعتك يوم يدع الداعي، وهو يوم القيامة، فلا تشفع لهم ذلك اليوم، كما لم يقبلوا منك اليوم وثانيها: إن معناه فتول عنهم، فإنهم يرون ما ينزل بهم من العذاب، يوم يدع الداعي، وهو يوم القيامة. فحذف الفاء من جواب الأمر وثالثها: إن معناه فتول عنهم، فإنهم يوم يدعو الداعي صفتهم كذا وكذا، وهي ما بينه إلى قوله أيوم عسر). ورابعها. فتول عنهم، واذكر يوم يدع الداعي إلى اخره، عن الحسن. (كذبت قبلهم) أي قبل كفار مكة (قوم نوح فكذبوا عبدنا) نوحا كما كذبك يا محمد هؤلاء الكفار، وجحدوا نبوتك. (وقالوا مجنون) أي هو مجنون قد غطي على عقله (وازدجر) أي: زجر بالشتم، والرمي بالقبيح، عن ابن زيد. وقيل: معناه زجر بالوعيد وتوعد بالقتل، فهو مثل قوله: (لئن لم تنته يا نوح لتكونن من

[ 313 ]

المرجومين) (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) أي فقال. يا رب قد غلبني هؤلاء الكفار بالقهر، لا بالحجة، فانتصر أي. فانتقم لي منهم بالإهلاك والدمار، نصرة لدينك ونبيك. وفي هذا دلالة على وجوب الإنقطاع إلى الله تعالى، عند سماع الكلام القبيح من أهل الباطل. (ففتحنا أبواب السماء بماء منه مر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (12) وحملنة على ذات ألوح ودسر (13) تجرى باعيننا جزاء لمن كان كفر (14) ولقد تركنها ءاية فهل من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16) ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (17) كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر (18) إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابي ونذر (21)) القراءة: قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (ففتحنا) بالتشديد. والباقون بالتخفيف. الحجة: وجه التخفيف أن فعلنا بالتخفيف، يدل على القليل والكثير. ووجه التثقيل أنه يخص الكثير (1)، ويقويه قوله. (مفتحة لهم الأبواب). اللغة: الهمر: صب الدمع والماء بشدة. والإنهمار. الإنصباب. قال امرؤ القيس. راح تمريه الصبا، ثم انتحى فيه شؤبوب جنوب منهمر (2) والتفجير. تشقيق الأرض عن الماء. والعيون: جمع عين الماء، وهو ما يفور من الأرض مستديرا كاستدارة عين الحيوان. فالعين مشتركة بين عين الحيوان، وعين

________________________________________

(1) في نسختين: (الكثير بالكثير). وفي نسخة: (الكثير بالتكثير). (2) مرت الريح السحاب: اسدرته واستخرج ما فيها من الماء. وانتحى البعير: اعتمد في سيره على أيسره. والشؤبوب: الدفعة من المطر وشدة دفع الشئ. والجنوب: يحتمل ريح الجنوب، أو نقطة الجنوب.

[ 314 ]

الماء، وعين الذهب (1)، وعين السحاب، وعين الركبه. والدسر: المسامير التي تشد بها السفينة، واحدها دسار ودسير. ودسرت السفينة أدسرها دسرا إذا شددتها. وقيل: إن أصل الباب الدفع، يقال. دسره بالرمح إذا دفعه بشدة. والدسر: صدر السفينة، لأنه يدسر به الماء أي يدفع، ومنه الحديث في العنبر: (هو شئ دسره البحر). ومدكر: أصله مذتكر، فقلبت التاء دالا، لتواخي الذال بالجهر، ثم أدغمت الذال فيها. والنذر: إسم من الإنذار، يقوم مقام المصدر، يقال: أنذره نذرا بمعنى إنذارا، ومثله: أنزله نزلا، بمعنى إنزالا. ويجوز أن يكون جمع نذير. والصرصر: الريح الشديدة الهبوب حتى يسمع صوتها، وهو مضاعف صر، يقال: صر وصرصر، وكمت وكبكب، ونة ونهنه. والمستمر: الجاري على طريقة واحدة. وأعجاز النخل: أسافله. والنخل يذكر ويؤنث. والمنقعر: المنقكع عن أصله، لأن قعر الشئ قراره. وتقعر في كلامه تقعرا إذا تعمق. الاعراب: (عيونا): نصب على التمييز، أو الحال. والأصل وفجرنا عيون الأرض، والمعنى: وفجرنا جميع الأرض عيونا. ويجوز أن يكون تقديره: بعيون، فحذف الجار. ويجوز أن يكون التقدير: وفجرنا من الأرض عيونا. وقوله (على أمر) (2): في موضع نصب على الحال. وقوله: (باعيننا) في موضع نصب بانه ظرف مكان. (جزاء): منصوب بانه مفعول له. ويجوز أن يكون مصدرا وضع موضع الحال، والمعنى: فعلنا ذلك مجازين جزاء. و (آية). منصوية على الحال من الهاء قي (تركناها). المعنى: ثم بين سبحانه إجابته لدعاء نوح (ع) فقال. (ففتحنا أبواب السماء) فهنا حذف معناه: فاستجبنا لنوح دعاءه، ففتحنا أبواب السماء أي: أجرينا الماء من السماء كجريانه إذا فتح عنه باب كان مانعا له، وذلك من صنع اللة الذي لا يقدر عليه سواه. وجاز ذلك على طريق البلاغة (بماء منهمر) أي منصب انصبابا شديدا لا ينقطع (وفجرنا الأرض عيونا) أي شققنا الأرض بالماء عيونا، حتى جرى الماء على وجه الأرض (فالتقى الماء) يعني فالتقى الماء ان. ماء السماء وماء الأرض. وأنما لم يثن لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير.

________________________________________

(1) في نسخة: " عين الذهب، وعين الميزان " وفي نسخة. (الميزاب). (2) في المخطوطة: " على أمر قد قدر ". (*)

[ 315 ]

(على أمر قد قدر) فيه هلاك القوم أي: على أمر قد قدره الله تعالى، وهو هلاكهم. وقيل: على أمر قد قدره الله تعالى، وعرف مقداره. فلا زيادة فيه، ولا نقصان. وقيل: معناه أنه كان قدر ماء السماء، مثل (1) ما قدر ماء الأرض، عن مقاتل. وقيل: معناه على أمر قدر عليهم في اللوح المحفوظ (وحملناه على ذات ألواح) أي: وحملنا نوحا على سفينة ذات ألواح مركبة (2) بعضها إلى بعض، وألواحها خشباتها التي منها جمعت. (ودسر) أي مسامير شدت بها السفينة، عن ابن عباس وقتادة وابن زيد. وقيل: هو صدر السفينة يدسر بها الماء، عن الحسن وجماعة. وقيل: هي أ ضلاع السفينة، عن مجاهد. وقيل: الدسر طرفاها، وأصلها. والألواح جانباها، عن الضحاك. (تجري) السفينة في الماء (باعيننا) أي بحفظنا وحراستنا، وبمرأى منا. ومنه قولهم: عين الله عليك. وقيل: معناه باعين أوليائنا ومن وكلناهم بها من الملائكة. وقيل: معناه تجري باعين الماء التي أتبعناها (جزاء لمن كان كفر) أي فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه لاغراقهم، ثوابا لمن كان قد كفر به، وجحد أمره، وهو نوح (ع). والتقدير. لمن جحد نبوته، وأنكر حقه، وكفر بالله فيه. (ولقد تركناها) أي تركنا هذه الفعلة التي فعلناها (أية) أي علامة يعتبر بها. وقيل: معناه تركنا السفينة، ونجاة من فيها، لاهلاك الباقين دلالة باهرة على وحدانية الله تعالى، وعبرة لمن اتعظ بها، وكانت السفينة باقية حتى رآها أوائل هذه الأمة، عن قتادة. وقيل في كونها آية أنها كانت تجري بين ماء السماء، وماء الأرض. وقد كان غطاها على ما أمر الله تعالى. (فهل من مذكر) أي متذكر يعلم أن ذلك حق فيعتبر به، ويخاف. وقيل: معناه فهل من طالب علم، فيعان عليه، عن قتادة. (فكيف كان عذابسي ونذر) هذا استفهام عن تلك الحالة، ومعناه التعظيم لذلك العذاب أي: كيف رأيتم انتقامي منهم، لانذاري إياهم. وقال الحسن: النذر جمع نذير، وإنما كرر سبحانه هذا القول في هذه السورة، لأنه سبحانه لما ذكر أنواع الإنذار والعذاب، عقد التذكير بشئ منه على التفضيل.

________________________________________

(1) ليس في سائر النسخ لفظة " ما ". (2) في سائر النسخ: (جمع بعضها). (*)

[ 316 ]

(ولقد يسرنا القرآن للذكر) أي سهلناه للحفظ والقراءة حتى يقرأ كله ظاهرا، وليس من كتب الله المنزلة كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن، عن سعيد بن جبير. والتيسير للشئ هو تسهيله بما ليس فيه كثيرمشقة على النفس، فمن سهل له طريق العلم، فهو حقيق باخذ الحظ الجزيل منه، لأن التسهيل أكبر داع إليه، وتسهيل القرآن للذكر هو خفة ذلك على النفس، بحسن البيان، وظهور البرهان في الحكم السنية، والمعاني الصحيحة الموثوق بها، لمجيئها من قبل الله تعالى. وإنما صار الذكر من أجل ما يدعى إليه، ويحث عليه، لأنه طريق العلم، لأن الساهي عن الشئ، أو عن دليله، لا يجوز أن يعلمه في حال سهوه، فإذا تذكر الدلائل عليه، والطرق المؤدية إليه، تعرض لعلمه من الوجه الذي ينبغي له. (فهل من مذكر) أي متعظ معتبر به ناظر فيه. ثم قال سبحانه: (كذبت عاد) أي بالرسول الذي بعثه الله إليهم، وهو هود (ع) فاستحقوا الهلاك فاهلكهم. (فكيف كان عذابي) لهم (ونذر) أي وإنذاري إياهم. ثم بين كيفية إهلاكهم فقال: (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا) أي شديدة الهبوب، عن ابن زيد. وقيل: باردة، عن ابن عباس وقتادة. من الصر وهو البرد. (في يوم نحس) أي: في يوم شؤم (مستمر) أي دائم الشؤم استمر عليهم بنحوسته سبع ليال وثمانية أيام، حتى أتت عليهم. ومستمر من صفة اليوم أي: يوم مستمر ضرره، عاتم هلاكه. وقيل: هو نعت للنحس أي: استمر بهم العذاب، والنحس في الدنيا، حتى اتصل بالعقبى. قال (1) الزجاج. وقيل إنه كان في يوم الأربعاء في آخر الشهر لا تدور. رواه العياشي بالإسناد عن أبي جعفر (ع). (تنزع الناس) أي تقتلع هذه الريح الناس، ثم ترمي بهم على رؤوسهم، فتدق رقابهم، فيصيرون (كأنهم أعجاز نخل منقعر) أي أسافل نخل منقلع، لأن رؤوسهم سقطت عن أبدانهم، عن مجاهد. وقيل: معناه تنزع الناس من حفر حفررها، ليمتنعوا بها عن الريح. وقيل. معناه تنزع أرواح الناس، عن الحسن. (فكيف كان عذاى ونذر) وهو تعظيم العذاب النازل بهم، وتخويف لكفار مكة. (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا

________________________________________

(1) في نسخة: " قاله ". (*)

[ 317 ]

منا واحدا نتبعة إنا إذا لفى ضلل وسعير (24) أءلقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) إنا مرسلون الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم أن اماء قسمة كل شرب محتصر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف كان عذابي ونذر (30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر (31) القراءة: قرأ ابن عامر وحمزة: (ستعلمون) بالتاء. والباقون بالياء. وفى الشواذ قراءة أبي السماك: (أبشر منا) بالرفع، (واحدا نتبعه) بالنصب وقراءة أبي قلابة: (الكذاب الأشر) بالتشديد. وقراءة مجاهد: (الأشر) بضم الشين خفيفة. وقراءة الحسن: (كهشيم المحتظر) بفتح الظاء. الحجة: قال أبو علي: وجه الياء أن قبله غيبة، وهو قوله: (فقالوا أبشرا منا (1) سيعلمون) ووجه التاء على أنه قيل لهم: ستعلمون. وقال ابن جني. قوله (أبشر) عندي مرفوع بفعل يدل عليه قوله: (القي الذكر عليه) فكأنه قال: أيبعث بشر منا. فأما انتصاب (واحدا) فإن شئت جعلته حالا من الضمير في قوله (منا) أي: ينبا بشر كائن منا. والناصب لهذه الحال الظرف، كقولك: زيد في الدار جالسا. وإن شئت جعلته حالا من الضمير في قوله: (نتبعه) أي نتبعه واحدا أي. منفردا لا ناصر له. وقوله (الأشر) بتشديد الراء هو الأصل المرفوض، لأن أصل قولهم: هذا خير منه (2) وشرمنه، هذا أخير منه، وهذا أشر منه. فكثر استعمال هاتين الكلمتين، فحذفت الهمزة منهما. وأما (الأشر) فإنه مما جاء على فعل، وفعل من الصفات كحذر وحذر، ويقظ ويقظ، ووطف ووطف، وعجز وعجز. وأما (المحتظر) فإنه مصدر أي. كهشيم الإحتظار، كقولك: كآجر البناء، وخشب النجارة. ويجوز أن يكون (المحتظر) الشجر أي: كهشيم الشجر المتخذة منه الحظيرة أي: كما تتهافت من الشجر المجعول حظيرة. والهشيم ما تهشم منه وانتثر. اللغة: السعر: جمع سعير، وهو النار المسعرة. والسعر. الجنون، يقال.

________________________________________

(1) في نسخة: (فقيل). (2) (هذا). (*)

[ 318 ]

ناقة مسعورة إذا كانت كأن بها جنونا. وسعر (1) فلان جنونا. وأصله إلتهاب الشئ. والتعاطي. التناول. والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة على بستانه أو غنمه (2): وهو المنع من الفعل. الاعراب: (أبشرا): منصوب بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره، وتقديره: أنتبع بشرا منا. وقوله (منا) صفة أي: أبشرا كائنا منا. و (واحدا): صفة بعد صفة. والبشر يقع على الواحد والجمع وقوله: (من بيننا) في محل النصب على الظرف. و (فتنة): منصوب بانه مفعول له. ويجوز أن يكون مصدرا وضع موضع الحال أي: فاتنين لهم. المضى: ثم أقسم سبحانه فقال: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر) قد فسرناه. وقيل: إنه سبحانه إنما أعاد ذكر التيسير، لينبئ أنه يسره على كل حال، وكل وجه من وجوه التيسير، فس الوجوه التي يسر الله تعالى بها القرآن، هو أن أبان عن الحكم الذي يعمل عليه، والمواعظ التي يرتدع بها، والمعاني التي تحتاج إلى التنبيه عليها، والحجج التي يميز بها بين الحق والباطل، عن علي بن عيسى. (كذبت ثمود بالنذر) أي بالإنذار الذي جاءهم به صالح. ومن قال: إن النذر جمع نذير قال: معناه أنهم كذبوا الرسل بتكذيبهم صالحا، لأن تكذيب واحد من الرسل، كتكذيب الجميع، لأنهم متفقرن في الدعاء إلى التوحيد، وإن اختلفوا في الشرائع. (فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه) أي أنتبع آدميا مثلنا، وهو واحد (إنا إذا لفي ضلال) أي: نحن إن فعلنا ذلك، في خطأ وذهاب عن الحق (وسعر) أي: وفي عناء وشدة عذاب، فيما يلزمنا من طاعته، عن قتادة. وقيل: في جنون، عن ابن عباس في رواية عطاء. والفائدة في الأية بيان شبهتهم الركيكة التي حملوا أنفسهم على تكذيب الأنبياء من أجلها، وير أن الأنبياء ينبغي أن يكونوا جماعة. وذهب عليهم أن الواحد من الخلق يصلح لتحمل أعباء الرسالة، لان لم يصلح له غيره من جهة معرفته بربه، وسلامة ظاهره وباطنه، وقيامه بما كلف من الرسالة. (أالقي الذكر

________________________________________

(1) وفي نسختين: (واستعر). (2) (وهو من الحظر). (*)

[ 319 ]

عليه من بيننا) هذا استفهام إنكار وجحود أي. كيف ألقي الوحي عليه، وخص بالنبوة من بيننا، وهو واحد منا. (بل هو كذاب) فيما يقول (أشر) أي بطر متكبر، يريد أن يتعظم علينا بالنبوة. ثم قال سبحانه: (سيعلمون غدا من الكذاب الأشر) وهذا وعيد لهم أي سيعلمون يوم القيامة إذا نزل بهم العذاب، أهو الكذاب أم هم في تكذيبه، وهو الأشر البطر أم هم. فذكر مثل لفظهم مبالغة في توبيخهم وتهديدهم. لانما قال (غدا) على وجه التقرير على عادة الناس في ذكرهم الغد، والمراد به العاقبة. قالوا: إن مع اليوم غدا. (إنا مرسلو الناقة فتنة لهم) أي نحن باعثو الناقة بإنشائها على ما طلبوها معجزة لصالح، وقطعا لعذرهم، وامتحانا واختبارا لهم. وههنا حذف، وهو أنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء، تضع. ثم ترد ماءهم فتشربه. ثم تعود عليهم بمثله لبنا. فقال سبحانه إنا باعثوها كما سألوها (فتنة لهم) عن ابن عباس. (فارتقبهم) أي: انتظر أمر الله فيهم. وقيل: فارتقبهم أي انتظر ما يصنعون. (واصطبر) على ما يصيبك من الأذى حتى يأتي أمر الله فيهم. (ونبئهم) أي أخبرهم (أن الماء قسمة بينهم) يوم للناقة، ويوم لهم (كل شرب محتضر) أي كل نصيب من الماء يحضره أهله، لا يحضر آخر معه، ففي يوم الناقة تحضره الناقة، وفي يومهم يحضرونه هم. وحضر واحتضر بمعنى واحد. وإنما قال (قسمة بينهم) تغليبا لمن يعقل. والمعنى: يوم لهم ويوم لها. وقيل: إنهم كانوا يحضرون الماء إذا غابت الناقة، ويشربونه.. أذا حضرت حضروا اللبن، وتركوا الماء لها، عن مجاهد. (فنادوا صاحبهم) أي دبروا في أمر الناقة بالقتل، فدعوا واحدا من أشرارهم، وهو قدار بن سالف، عاقر النافة (فتعاطى فعقر " أي تناول الناقة بالعقر فعقرها. وقيل. إنه كمن لها في أصل صخرة، فرماها بسهم، فانتظم (1) به عضلة ساقها. ثم شد عليها بالسيف، فكشف عرقوبها. وكان يقال له أحمر ثمود، وأحيمر ثمود. قال الزجاج: والعرب تغلط فتجعله أحمر عاد، فتضرب به المثل في الشؤم. قال زهير:

________________________________________

(1) انتظم الصيد: طعنه، أو رماه حتى ينفذه. (*)

[ 320 ]

وتنتج لكم غلمان أشأم، كلهم، كأحمر عاد، ثم ترضع فتفطم (فكيف كان عذابي ونذر) أي: فانظر كيف أهلكتهم، وكيف كان عذابي لهم، وإنذاري إياهم. (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة) يريد صيحة جبرائيل (ع) عن عطاء. وقيل: الصيحة العذاب (فكانوا كهشيم المحتظر) أي فصاروا كهشيم، وهو حطام الشجر المنقطع بالكسر والرض الذي يجمعه صاحب الحظيرة الذي يتخذ لغنمه حظيرة تمنعها من برد الريح. والمعنى. إنهم بادوا وهلكوا، فصاروا كيبيس الشجر المفتت (1) إذا تحطم، عن ابن عباس. وقيل. معناه صاروا كالتراب الذي يتناثر من الحائط، فتصيبه الرياح، فيتحظر مستديرا، عن سعيد بن جبير. (ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنآ أرسلنا عليهم حاصبا إلا ءال لوط نجيناهم بسحر (34) نعمة من عندنا كذلك نجزى من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (37) ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر (37) ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابي ونذر (39) ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر (40) ولقد جاء ءال فرعون النذر (41) كذبوا بأيتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (52) الاعراب: (سحر) إذا كان نكرة، يراد به سحر من الأسحار، يقال: رأيت زيدا سحرا من الأسحار، فإذا أردت سحر يومك قلت: أتيته بسحر، وأتيته سحر. وقوله: (نعمة) مفعول له. وقوله: (بكرة) ظرف زمان، فإذا كان معرفة بأن تريد بكرة يومك، تقول: أتيته بكرة وغدوة، لم تصرفهما. فبكرة هنا نكرة. المعنى: ثم أقسم سبحانه فقال: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) قال قتادة: أي فهل من طالب علم يتعلم (كذبت قوم لوط بالنذر) أي بالإنذار. وقيل: بالرسل على ما فسرناه (إنا أرسلنا عليهم حاصبا) أي ريحا حصبتهم أي: رمتهم بالحجارة والحصباء. قال ابن عباس: يريد ما حصبوا به من السماء من الحجارة في الريح. قال الفرزدق.

________________________________________

(1) وفي نسخة. " المتفتت ". (*)

[ 321 ]

مستقبلين شمال الشام، تضربنا بحاصب كنديف القطن منثور (1) ثم استثنى آل لوط فقال: (إلا آل لوط نجيناهم، أي خلصناهم (بسحر) من ذلك العذاب الذي أصاب قومه (نعمة من عندنا) أي إنعاما. فيكون مفعولا له. ويجوز أن يكون مصدرا، وتقديره: أنعمنا عليهم بذلك نعمة. (كذلك) أي كما أنعمنا عليهم (نجزي من شكر) قال مقاتل. يريد من وحد الله تعالى لم يعذب مع المشركين (ولقد أنذرهم) لوط. (بطشتنا) أي أخذنا إياهم بالعذاب (فتماروا بالنذر) أي تدافعوا بالإنذار على وجه الجدال بالباطل. وقيل: معناه فشكوا ولم يصدقوه، وقالوا. كيف يهلكنا وهو واحد منا، وهو تفاعلوا من المرية. (ولقد راودوه عن ضيفه) أي طلبوا منه أن يسلم إليهم أضيافه (فطمسنا أعينهم) أي محوناها. والمعنى: عميت أبصارهم، عن الحسن وقتادة. وقيل: معناه أزلنا تخطيط وجوههم حتى صارت ممسوحة، لا يرى أثر عين، وذلك أن جبرائيل (ع) صفق أعينهم بجناحه صفقة، فاذهبها. والقصة مذكورة فيما مضى، وتم الكلام. ثم قال: (فذوقوا عذابي ونذر) أي: فقلنا لقوم لوط، لما أرسلنا عليهم العذاب. ذوقوا عذابي ونذري (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) أي أتاهم صباحا عذاب نازل بهم، حتى هلكوا جميعا. (فذوقوا عذابي ونذر) ووجه التكرار أن الأول عند الطمس، والثاني عند الائتفاك (2). فكلما تجدد العذاب، تجدد التقريع (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) مر معناه (ولقد جاء آل فرعون) النذر أي متابعي فرعون بالقرابة والدين (النذر) أي الإنذار. وقيل: هو جمع نذير يعني الأيات التي أنذرهم بها موسى (كذبوا باياتنا كلها) وهي الأيات التسع التي جاءهم بها موسى. وقيل: بجميع الأيات، لأن التكذيب بالبعض، تكذيب بالكل (فاخذناهم) بالعذاب (أخذ عزيز) أي قادر لا يمتنع عليه شئ فيما يريد (مقتدر) على ما يشاء.

________________________________________

(1) الضمير في (تضربنا) راجع إلى الشمال، والمراد. ريح الشمال أي: كانت ريح الشمال تضربنا بالحصباء منثورة فيها كالقطن المندوف. ومر البيت في ج 6. (2) ائتفكت البلدة باهلها: انقلبت. (*)

[ 322 ]

(أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر (53) أم يقولون نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) إن المجرمين في ضلل وسعر (47) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) إنا كل شئ خلقنه بقدر (49) وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر (50) ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر (51) وكل شئ فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) إن المتقين في جنت ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55) القراءة: قرأ يعقوب عن (1) رويس: (سنهزم الجمع). والباقون. (سيهزم الجمع). وفي الشواذ قراءة أبي السماك. (إنا كل شئ) بالرفع. وقراءة زهير (2) والقرقني والأعمش: (ونهر) بضمتين. الحجة. قال ابن جني: الرفع في قوله (إنا كل شئ خلقناه) أقوى من النصب. وإن كانت الجماعة على النصب، وذلك أنه من مواضع الإبتداء، فهو كقولك: زيد ضربته، وهو مذهب صاحب الكتاب، لأنها جملة وقعت في الأصل خبرا عن المبتدأ في قولك: نحن كل شئ خلقناه بقدر، فهو كقولك. زيد هند ضربها. ثم دخلت أن فنصبت الإسم وبقي الخبر على تركيبه الذي كان عليه. واختيار محمد بن يزيد النصب، لأن تقديره: إنا فعلنا كذا، قال. والفعل منتظر بعد إنا. فلما دل عليه ما قبله حسن إضماره. قال ابن جني: وهذا ليس بشئ، لأن الأصل في خبر المبتدأ، أن يكون إسما، لا فعلا جزاء (3) منفردا، فما معنى تبرقير الفعل هنا. وخبر إن وأخواتها كاخبار المبتدأ. وقوله (نهر) جمع نهر، فيكون كاسد وأسد، ووثن ووئن. وبجوز أن يكون جمع (نهر) كسقف وسقف، ورهن ورهن.

________________________________________

(1) وفي نسختين: (غير رويس)، بدل " عن رويس ". (2) وفي نسختين: (زهير الفرقني) وفي نسخة. " والقرقبي ". (3) وفي نسخة. (خبرا منفردا). وفي اخرى: " لا خبرا منفردا ". (*)

[ 323 ]

المعنى. ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال. (أكفاركم خير) وأشد وأقوى (من أولئكم) الذين ذكرناهم، وقد أهلكناهم. وهذا استفهام إنكار أي: لستم أفضل من فوم نوح وعاد وثمود، لا في القوة، ولا في الثروة، ولا في كثرة العدد والعدة. والمراد بالخير: ما يتعلق باسباب الدنيا، لا أسباب الدين. والمعنى: إنه إذا هلك أولئك الكفار، فما الذي يؤمنكم أن ينزل بكم ما نزل بهم. (أم لكم براءة في الزبر) أي: ألكم براءة من العذاب في الكتب السالفة أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية. (أم يقولون نحن جميع منتصر) أي: أم يقول هؤلاء الكفار نحن جميع أمرنا، ننتصر من أعدائنا، عن الكلبي، والمعنى. إنهم يقولون نحن يد واحدة على من خالفنا، ننتصر ممن عادانا، فيدلون بقوتهم واجتماعهم. ووحد منتصر للفظ الجميع، فإنه واحد في اللفظ، وإن كان إسما للجماعة، كالرهط والجيش أي. كما أنهم ليسوا بخير من أولئك، ولا لهم براءة، فكذلك لاجمع لهم يمنع عنهم عذاب الله، وينصرهم، وإن قالوا نحن مجتمعون متناصرون، فلا نرام، ولا نفصد، ولا يطمع أحد في غلبتنا. ثم قال سبحانه: (سيهزم الجمع) أي جمع كفار مكة (ويولون الدبر) أي ينهزمون فيولونكم أدبارهم في الهزيمة. ثم أخبر سبحانه نبيه (ص) أنه سيظهره عليهم، ويهزمهم، فكانت هذه الهزيمة يوم بدر، فكان موافقة الخبر للمخبر من معجزاته. ثم قال سبحانه: (بل الساعة موعدهم) أي: إن موعد الجميع للعذاب يوم القيامة (والساعة أدهى وأمر) فالأدهى الأعظم في الدهاء. والدهاء: عظم سبب الضرر مع شدة انزعاج النفس. وهو من الداهية أي البلية التي ليس في إزالتها حيلة. والمعنى: إن ما يجري عليهم من القتل والأسر يوم بدر وغيره، لا يخلصهم من عقاب الأخرة، بل عذاب الأخرة أعظم في الضرر، وأقطع، وأمر أي. أشد مرارة من القتل والأسر في الدنيا. وقيل: الأمر الأشد في استمرار البلاء، لأن أصل المر النفوذ. ثم بين سبحانه حال القيامة فقال. (إن المجرمين في ضلال وسعر) أي في ذهاب عن وجه النجاة، وطريق الجنة في نار مسعرة، عن الجبائي. وقيل: في ضلال أي في هلاك وذهاب عن الحق، وسعر أي عناء وعذاب (يوم يسحبون) أي يجرون (في النار على وجوههم) يعني. إن هذا العذاب يكون لهم في يوم يجرهم

[ 324 ]

الملائكة فيه على وجوههم في النار، ويقال لهم: (ذوقوا مس سقر) يعني إصابتها إياهم بعذابها وحرها، وهو كقولهم: " وجدت مس الحمى " وسقر: جهنم. وقيل: هي باب من أبوابها. وأصل السقر التلويح، يقال: سقرته الشمس وصقرته إذا لوحته. وإنما لم ينصرف للتعريف والتانيث. (إنا كل شئ خلقناه بقدر) أي خلقنا كل شئ خلقناه مقدرا بمقدار توجبه الحكمة، لم نخلقه جزافا، ولا تخبيتا (1)، فخلقنا العذاب أيضا على قدر الإستحقاق، وكذلك كل شئ في الدنيا والأخرة، خلقناه مقدرا بمقدار معلوم، عن الجبائي. وقيل: معناه خلقنا كل شئ على قدر معلوم، فخلقنا اللسان للكلام، واليد للبطش، والرجل للمشي، والعين للنظر، والأذن للسمامع، والمعدة للطعام. ولو زاد أو نقص عما قدرناه، لما تم الغرض، عن الحسن. وقيل: معناه جعلنا لكل شئ شكلا يوافقه، ويصلح له كالمرأة للرجل، والأتان للحمار، وثياب الرجال للرجال، وثياب النساء للنساء، عن ابن عباس. وقيل: خلقنا كل شئ بقدرمقدر، وقضاء محتوم في اللوح المحفوظ. (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) أي: وما أمرنا بمجئ الساعة في السرعة، إلا كطرف البصر، عن ابن عباس والكلبي. ومعنى اللمح: النظر بالعجلة، وهو خطف البصر. والمعنى: إذا أردنا قيام الساعة أعدنا الخلق، وجميع المخلوقات (2) في قدر لمح البصر، في السرعة. وقيل: معناه وما أمرنا إذا أردنا أن نكون شيئا إلا مرة واحدة، لم نحتج فيه إلى ثانية. وإنما نقول له: كن فيكون، كلمح البصر في سرعته، من غير إبطاء ولا تأخير، عن الجبائي. (ولقد أهلكنا أشياعكم) أي أشباهكم ونظائركم في إلكفر من الأمم الماضية، عن الحسن. وسماهم أشياعهم لما وافقوهم في الكفر، وتكذيب الأنبياء. (فهل من مدكر) أي فهل من متذكر لما يوجبه هذا الوعظ من الإنزجار عن مثل ما سلف من أعمال الكفار، لئلا يقع به ما وقع بهم من الإهلاك (وكل شئ فعلوه في الزبر) أي في الكتب التي كتبها الحفظة. وهذه إشارة إلى أنهم غير مغفول عنهم، عن

________________________________________

(1) وفي نسخة. تنحيتا، ولا معنى مناسب لهما. وفي نسخة: تعبثا ولعله يناسب المورد. (2) وفي المخطوطة. الحيوانات. (*)

[ 325 ]

الجبائي. وقيل. معناه إن جميع ذلك مكتوب عليهم في الكتاب المحفوظ، لأنه من أعظم العبرة في علم ما يكون قبل أن يكون، على التفصيل. (وكل صغير وكبير مستطر) أي: وما قدموه من أعمالهم من صغير وكبير، مكتوب عليهم، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. وقيل: معناه كل صغير وكبير من الأرزاق، والأجال، والموت والحياة، ونحوها مكتوب في اللوح المحفوظ (إن المتقين في جنات ونهر) أي أنهار يعني أنهار الجنة من الماء والخمر والعسل (1). وضع نهر في موضع أنهار، لأنه إسم جنس يقع على الكثير والقليل. والأولى أن يكون إنما وحد لوفاق الفواصل. والنهر هو المجرى الواسع من مجاري الماء (في مقعد صدق) أي في مجلس حق، لا لغو فيه ولا تاثيم. وقيل: وصفه بالصدق لكونه رفيعا مرضيا. وقيل: لدوام النعيم به. وقيل: لأن الله صدق وعد أوليائه فيه (عند مليك مقتدر) أي عند) لسبحانه، فهو المالك القادر الذي لا يعجزه شئ، وليس المراد قرب المكان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، بل المراد أنهم في كنفه وجواره وكفايته، حيث تنالهم غواشي رحمته وفضله.

________________________________________

(1) في المخطوطة: الخمر، واللبن، والعسل. (*)

[ 326 ]

55 –  سورة الرحمن

ألايه مدنية واياتها ثمان وسبعون

وقيل: مكية غير آية نزلت بالمدينة (يسأله من في السماوات والأرض) عن عطاء وقتادة وعكرمة، واحدى الروايتين عن ابن عباس. وقيل: مدنية عن الحسن وهمام عن قتادة وأبي حاتم. عد د آيها: ثمان وسبعون آية كوفي شامي، سبع حجازي، ست بصري. اختلافهما: خمس آيات الرحمن كوفي شامي، خلق الإنسان الأول غير المدني، وضعها للأنام غير المكي، المجرمون غير البصري، شواظ من نار حجازي. فضلها: أبي بن كعب قال: قال رسول (ص): (من قرأ سورة الرحمن، رحم الله ضعفه وأدى شكر ما أنعم الله عليه). وروي عن موسى بن جعفر عن آبائه (ع)، عن النبي (ص) قال: (لكل شئ عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن جل ذكره) أبو بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: لا تدعوا قراءة الرحمن، والقيام بها، فإنها لا تقر في قلوب المنافقين، وتاتي ربها يوم القيامة في صورة آدمي في أحسن صورة، وأطيب ريح، حتى تقف من الله موقفا، لا يكون أحد أقرب إلى الله سبحانه منها، فيقول لها. من الذي كان يقوم بك في الحياة الدنيا، ويدمن قراءتك ؟ فتقول. يا رب فلان، وفلان، رفلان، فتبيض وجوههم، فيقول لهم: إشفعوا فيمن أحببتم. فيشفعون حتى لا يبقى لهم غاية ولا أحد يشفعون له، فيقول لهم. أدخلوا الجنة، واسكنوا فيها حيث شئتم. حماد بن عثمان قال: قال الصادق (ع): يجب أن يقرأ الرجل سورة الرحمن يوم الجمعة، فكلما قرأ (فباي آلاء ربكما تكذبان " قال: لا بشئ من آلائك يا رب (1) أكذب. وعنه (ع) قال:

________________________________________

(1) وفي نسختين: ربنا نكذب. (*)

[ 327 ]

من قرأ سورة الرحمن ليلا، يقول عند كل (فبأي آلاء ربكما تكذبان) لا بشئ من آلائك يا رب أكذب، وكل الله به ملكا، إن قرأها في أول الليل يحفظه حتى يصبح، وإن قرأها حين يصبح، وكل الله به ملكا يحفظه حتى يمسي. تفسيرها: ختم الله سبحانه سورة القمر باسمه، وافتتح هذه السورة أيضا باسمه فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (الرحمن (1) علم القرءان (2) خلق الإنسان (3) علمه البيان (4) الشمس والقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسماء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (9) والارض وضعها للأنام (10) فيها فكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو العصف والريحان (12) فبأئ الاء ربكما تكذبان (13)) القراءة: قرأ ابن عامر: (والحب ذا العصف والريحان، بالنصب فيهما جميعا. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: (والحب ذو العصف) بالرفع (والريحان) بالجر. والباقون بالرفع في الجميع. وفي الشواذ قراءة أبي السماك. (والسماء رفعها) بالرفع. وقرأ بلال بن أبي بردة: (ولا تخسروا) بفتح التاء والسين، وبكسر السين أيضا. الحجة: قال أبو علي: قال أبو عبيدة العصف الذي يعصف فيؤكل من الزرع، وهي العصيفة. قال علقمة بن عبدة: تسقي مذانب قد مالت عصيفتها، حدودها من أتي الماء مطموم (1)

________________________________________

(1) المذنب: مسيل الماء إلى الأرض. ومسيل في الحضيض إذا لم يكن واسعا. وطم الماء: غمر. وطم فلان الإناء. ملأه والأتي: السيل الغريب وبضم الألف مصدر (أتى) يصف عبرته، وكثرة بكائه. (*)

[ 328 ]

والريحان: الحب الذي يؤكل، يقال. سبحانك وريحانك أي ورزقك. قال النمر بن تغلب (1): سلأم الإله، وريحانه ورحمته، وسماء درر وقيل: العصف والعصيفة: ورق الزرع. وعن قتادة: العصف التبن. ومن قرأ (والحب ذا العصف): حمله على وخلق الحب وخلق الريحان، وهو الرزق. ويقوي ذلك قوله. (فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى). ومن رفع (الريحان) فالتقدير: فيها فاكهة والريحان الحب ذو العصف. ومن جر فالتقدير: فالحب ذو العصف، وذو الريحان أي: من الحب الرزق. فإن قلت: فإن العصف والعصيفة رزق أيضا، فكأنه قال: ذو الرزق، وذو الرزق ؟ قيل: هذا لا يمتنع، لأن العصيفة رزق غير الرزق الذي أوقع الريحان عليه، ؟ كان الريحان أريد به الحب إذا خلص من لفائفه، فاوقع عليه الرزق لعموم المنفعة به، وأنه رزق للناس وغيرهم. ويبعد أن يكون الريحان المشموم في هذا الموضع إنما هو قوت الناس والأنعام، كما قال: (فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم). وقوله: (والسماء رفعها) قال ابن جني: الرفع هنا أظهر من قراءة الجماعة، وذلك أنه صرفه إلى الإبتداء، لأنه عطفه على الجملة المركبة من المبتدأ والخبر، وهي قوله: (والنجم والشجر يسجدان). فاما قراءة العامة بالنصب، فإنها معطوفة على (يسجدان) وحدها، وهي جملة من فعل وفاعل. والعطف يقتضي التماثل في تركيب الجمل. فيصير تقديره: يسجدان ورفع السماء. فلما أضمر رفع فسره بقوله (رفعها) كقولك. قام زيد وعمرا ضربته أي وضربت عمرا، لتعطف جملة من فعل وفاعل، على أخرى مثلها. وأما قوله (تخسروا) بفتح التاء، فإنه على حذف حرف الجر أي: لا تخسروا في الميزان. فلما حذف حرف الجر، أفضى إليه الفعل، فنصبه كقوله: (واقعدوا لهم كل مرصد) أي في كل مرصد، أو على كل مرصد. وأما (تخسروا) بفتح التاء، وكسر السين فعلى خسرت الميزان. وإنما المشهور أخسرته، تقول: خسر الميزان وأخسرته. ويشبه أن يكون خسرته لغة في أخسرته، نحو: أجبرت الرجل

________________________________________

(1) وفي نسخة: التولب. (*)

[ 329 ]

وجبرته، وأهلكته وهلكته. اللغة: الرحمن هو الذي وسعت رحمته كل شئ، فلذلك لا يوصف به إلا الله تعالى. وأما راحم ورحيم فيجوز أن يوصف بهما العباد. والبيان هو الأدلة الموصلة إلى العلم. وقيل البيان إظهار المعنى للنفس بما يتميز به من غيره، كتميز معنى رجل من معنى فرس، ومعنى قادر من معنى عاجز، ومعنى عام من معنى خاص. والحسبان. مصدر حسبته أحسبه حسابا وحسبانا، نحو السكران والكفران. وقيل: هو جمع حساب كشهاب وشهبان. والنجم: من النبات ما لم يقم عنى ساق، نحو العشب والبقل والشجر. ما قام على ساق، وأصله الطلوع، يقال: نجم القرن والنبات إذا طلعا، وبه سمي نجم السماء لطلوعه. والأكمام: جمع كم، وهو وعاء ثمرة النخل، تكمم في وعائه إذا اشتمل عليه. والآلاء: النعم واحدها إلى، على وزن معى، وألى على وزن قفا، عن أبي عبيدة. الاعراب: (الرحمن): آية مع أنه ليس بجملة، لأنه في تقدير الله الرحمن، حتى تصح الفاصلة، فهو خبر مبتدأ محذوف نحو قوله. (سورة أنزلناها) أي: هذه سورة. (الا تطغوا): تقديره لأن لا تطغوا، فهو في محل نصب بانه مفعول له، ولفظه نفي، ومعناه نهي، ولذلك عطف عليه بقوله: (واقيموا الوزن). وقوله: (فيها فاكهة) مبتدأ وخبر في موضع نصب على الحال. المعنى: (الرحمن) افتتح سبحانه هذه السورة بهذا الإسم، ليعلم العباد أن جميع ما وصفه يعد من أفعاله الحسنى، إنما صدرت من الرحمة التي تشمل جميع خلقه، وكأنه جواب لقولهم: وما الرحمن في قوله: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن) قالوا: وما الرحمن ؟ وقد روي أنه لما نزل قوله (قل ادعوا الله أو أدعوا الرحمن) قالوا: ما نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة. فقيل لهم الرحمن (علم القرآن) أي: علم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم القرآن، وعلمه محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمته، عن الكلبي. وقيل: هو جواب لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر. فبين سبحانه أن الذي علمه القرآن هو الرحمن. والتعليم هو تبيين ما به يصير من لم يعلم عالما. والإعلام: إيجاد ما به يصير عالما. ذكر سبحانه النعمة فيما علم من الحكمة بالقرآن الذي احتاج إليه الناس في دينهم، ليؤدوا ما يجب عليهم، ويستوجبوا الثواب بطاعة ربهم. قال الزجاج: معنى علم القرآن يسره لأن يذكر.

[ 330 ]

(خلق الإنسان) أي أخرجه من العدم إلى الوجود، والمراد بالإنسان هنا آدم عليه السلام، عن ابن عباس وقتادة. (علمه البيان) أي أسماء كل شئ، واللغات كلها. قال الصادق عليه السلام: البيان الإسم الأعظم الذي به علم كل شئ. وقيل: الإنسان اسم الجنس. وقيل (1) معناه: الناس جميعا. (علمه البيان) أي النطق والكتابة والخط والفهم والإفهام، حتى يعرف ما يقول، وما يقال له، عن الحسن وأبي العالية وابن زيد والسدي. وهذا هو الأظهر الأعم. وقيل: البيان هو الكلام الذي يبين به عن مراده، وبه يتميز من سائر الحيوانات، عن الجبائي. وقيل: (خلق الإنسان): يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، (علمه البيان): يعني ما كان، وما يكون، عن ابن كيسان. (الشمس والقمر بحسبان) أي. يجريان بحسبان ومنازل لا يعدوانها، وهما يدلان على عدد الشهور والسنين، والأوقات، عن ابن عباس وقتادة. فاضمر يجريان، وحذفه لدلالة الكلام عليه. وتحقيق معناه. إنهما يجريان على وتيرة واحدة وحساب متفق على الدوام، لا يقع فيه تفاوت. فالشمس تقطع بروج الفلك في ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وشئ، والقمر في ثمانية وعشرين يوما. فيجريان أبدا على هذا الوجه. وإنما خصهما بالذكر لما فيهما من المنافع الكثيرة للناس من النور والضياء، ومعرفة الليل والنهار، ونضج الثمار، إلى غير ذلك. فذكرهما لبيان النعمة بهما على الخلق. (والنجم والشجر يسجدان) يعني بالنجم: نبت الأرض الذي ليس له ساق، وبالشجر. ما كان له ساق يبقى في الشتاء، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وسفيان الثوري. وقيل: أراد بالنجم نجم السماء، وهو موحد، والمراد به جميع النجوم، والشجر، يسجدان لله بكرة وعشيا، كما قال في موضع آخر: والشجر والدواب، عن مجاهد، وقتادة. وقال أهل التحقيق: إن المعنى في سجودهما هو ما فيهما من الآية الدالة على حدوثهما، وعلى أن لهما صانعا أنشاهما، وما فيهما من الصنعة والقدرة التي توجب السجود. وقيل: سجودهما سجود ظلالهما كقوله: (يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون) عن الضحاك، وسعيد بن

________________________________________

(1) ليس في المخطوطة لفظة (قيل). (*)

[ 331 ]

جبير. والمعنى فيه: إن كل جسم له ظل، فهو يقتضي الخضوع بما فيه من دليل الحدوث، وإثبات المحدث المدبر. وقيل: معنى سجودهما أنه سبحانه يصرفهما على ما يريده من غير امتناع، فجعل ذلك خضوعا. ومعنى السجود: الخضوع كما في قوله. (ترى الأكم فيها سجدا للحوافر)، عن الجبائي. (والسماء رفعها) أي: ورفع السماء رفعها فوق الأرض. دل سبحانه بذلك على كمال قدرته. (ووضع الميزان) يعني آلة الوزن للتوصل إلى الإنصاف والإنتصاف، عن الحسن وقتادة. قال قتادة: هو الميزان المعهود ذو اللسانين. وقيل: المراد بالميزان العدل، والمعنى: إنه أمرنا بالعدل، عن الزجاج. ويدل عليه قوله: (ألا تطغوا في الميزان) أي: لا تتجاوزوا فيه العدل والحق، إلى البخس والباطل. تقديره: فعلت ذلك لئلا تطغوا. ويحتمل أيضا أن يكون: لا تطغوا نهيا منفردا، وتكون (أن) مفسرة بمعنى أي. وقيل: إن المراد بالميزان القران الذي هو أصل الدين، فكأنه تعالى بين أدلة العقل، وأدلة السمع. وإنما أعاد سبحانه ذكر الميزان من غير إضمار، ليكون الثاني قائما بنفسه في النهي عنه، إذا قيل لهم لا تطغوا في الميزان. (وأقيموا الوزن بالقسط) أي أقيموا لسان الميزان بالعدل، إذا أردتم الأخذ والإعطاء (ولا تخسروا الميزان) أي لا تنقصوه بالبخس والجور، بل سووه بالإنصاف والعدل. قال سفيان بن عيينة: الإقامة باليد، والقسط بالقلب. (والأرض وضعها للأنام) لما ذكر السماء ذكر الأرض في مقابلتها أي: وبسط الأرض، ووطأها للناس. وقيل: الأنام كل شئ فيه روح، عن ابن عباس. وقيل: الأنام الجن والإنس، عن الحسن. وقيل: جميع الخلق من كل ذي روح، عن مجاهد. وعبر عن الأرض بالوضع، لما عبر عن السماء بالرفع. وفي ذلك بيان النعمة على الخلق، وبيان وحدانية الله تعالى كما في رفع السماء. (فيها فاكهة) أي في الأرض ما يتفكه به من ألوان الثمار المأخوذة من الأشجار (والنخل ذات اكمام) أي الأوعية والغلف، وثمر النخل يكون في غلف ما لم ينشق. وقيل: الأكمام ليف النخل الذي تكم فيه، عن الحسن. وقيل: معناه ذات الطلع، لأنه الذي يتغطى بالأكمام، عن ابن زيد. (والحب) يريد جميع الحبوب مما يحرث في الأرض من الحنطة والشعير غيرهما. (ذو العصف) أي ذو الورق

[ 332 ]

فإذا يبس وديس صار تبنا، عن مجاهد والجبائي. وقيل: العصف التبن لأن الريح تعصفه أي تطيره، عن ابن عباس وقتادة والضحاك. وقيل: هو بقل الزرع، وهو أول ما ينبت منه، عن السدي والفراء. (والريحان) يعني الرزق في قول الأكثرين. وقال الحسن، وابن زيد: هو ريحانكم الذي يشم. وقال الضحاك: الريحان الحب المأكول. والعصف: الورق الذي لا يؤكل، فهو رزق الدواب. والريحان رزق الناس. فذكر سبحانه قوت الناس والأنعام. ثم خاطب الإنس والجن بقوله: (فباي ألاء ربكما تكذبان) أي: فبأي نعم ربكما من هذه الأشياء المذكورة تكذبان، لأنها كلها منعم عليكم بها. والمعنى: أنه لا يمكن جحد شئ من هذه النعم. فأما الوجه لتكرار هذه الآية في هذه السورة فإنما هو التقرير بالنعم المعدودة، والتأكيد في التذكير بها. فكلما ذكر سبحانه نعمة أنعم بها قرر عليها ووبخ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغيره. أما أحسنت إليك حين أطلقت لك مالا ؟ أما أحسنت إليك حين ملكتك عقارا ؟ أما أحسنت إليك حين بنيت لك دارا ؟ فيحسن فيه التكرار لاختلاف ما يقرره به، ومثله كثير من كلام العرب وأشعارهم. قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليبا: على أن ليس عدلا من كليب * إذا طرد اليتيم عن الجزور علن أن ليس عدلا من كليب * إذا ماضيم جيران المجير على أن ليس عدلا من كليب * إذا رجف العضاة من الدبور على أن ليس عدلا من كليب * إذا خرجت مخبأة الخدور على أن ليس عدلا من كليب * إذاما أعلنت نجوى الصدور وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير: لنعم الفتى ياتوب، كنت، ولم تكن، * لتسبق يوما كنت فيه تجاول ونعم الفتى ياتوب، كنت إذا التقت * صدور العوالي، واستشال (1) الأسافل ونعم الفتى يا توب، كنت لخائف * أتاك لكي تحمي، ونعم المجامل ونعم الفتى يا توب، جارا، وصاحبا، * ونعم الفتى يا توب، حين تناضل لعمري لأنت المرء أبكي لفقده، * ولو لام فيه ناقص الرأي، جاهل

________________________________________

(1) استشال: ارتفع. (*)

[ 333 ]

لعمري لأنت المرء أبكي لفقده * إذا كثرت بالملجمين التلاتل (1) أبى لك ذم الناس ياتوب، كلما * ذكرت أمور محكمات كوامل أبى لك ذم الناس ياتوب، كلما * ذكرت سماح حين تأوي الارامل فلا يبعدنك الله ياتوب، إنما * كذاك المنايا عاجلات، وآجل ولا يبعدنك الله يا توب، إنما * لقيت حمام الموت، والموت عاجل فخرجت في هذه الأبيات من تكرار إلى تكرار، لاختلاف المعاني التي عددتها. وقال الحارث بن عباد: قربا مربط النعامة مني * لقحت حرب وائل عن حيال (2) وكرر هذه اللفظة قربا مربط النعامة مني، في أبيات كثيرة. وفي أمثال هذا كثرة. وهذا هو الجواب بعينه عن التكرار لقوله. (ويل يومئذ للمكذبين) في المرسلات. (خلق الانسان من صلصل كالفخار (14) وخلق الجان من مارج من نار (15) فبأئ الاء ربكما تكذبان (16) رب المشرقين ورب المغربين (17) فبأئ الاء ربكما تكذبان (18) مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) فبأئ الآء ربكما تكذبان (21) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) فبأئ الآء ربكما تكذبان (23) وله الجوار المنشئات في البحر كالاعلام (24) فبأئ الاء ربكما تكذبان (25) كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلل والاكرام (27) فبأي ءالاء ربكما تكذبان (28) يسئله من في السموت والارض كل يوم هو في شأن (29) فبأي ءالآء ربكما تكذبان (30)). القراءة: قرأ أهل المدينة والبصرة: (يخرج منهما) بضم الياء، وفتح الراء. والباقون. (يخرج) بفتح الياء، وضم الراء. وقرأ حمزة ويحيى عن أبي بكر:

________________________________________

(1) التلاتل: الشدائد. (2) النعامة: اسم فرسه. ولقحت الناقة عن حيال أي: بعد أن لم تكن تلقح.

[ 334 ]

(المنشئات) بكسر الشين. والباقون بفتح الشين. الحجة: قال أبو علي. من قرأ (يخرج) كان قوله بينا، لأن ذلك إنما يخرج، ولا يخرج بنفسه. ومن قرأ (يخرج) جعل الفعل للؤلؤ والمرجان، وهو اتساع، لأنه إذا أخرج ذلك فقد خرج وقال: (يخرج منهما اللؤلؤ) ولم يقل من أحدهما، على حذف المضاف، كما قال: (على رجل من القريتين عظيم) على ذلك. وقال أبو الحسن. زعم قوم أنه يخرج من العذاب (1) أيضا. والمرجان: صغار اللؤلؤ واحدها مرجانة. قال ذو الرمة: كأن عرى المرجان منها، تعلقت * على أم خشف من ظباء المشاقر (2) والمنشآت: المجردات المرفوعات. فمن فتح الشين، فلأنها أنشئت وأجريت، ولم تفعل ذلك أنفسها. ومن قرأ (المنشئات) نسب الفعل إليها على الإتساع، كما يقال: مات زيد، ومرض عمرو، ونحو ذلك مما يضاف الفعل إليه إذا وجد فيه، وهو في الحقيقة لغيره. وكان المعنى المنشئات السير، فحذف المفعول للعلم به، وإضافة السير إليها، اتساع أيضا، لأن سيرها إنما يكون في الحقيقة بهبوب الريح، أو دفع الصراري (3). اللغة: الصلصال: الطين اليابس الذي يسمع منه صلصلة. والفخار: الطين الذي طبخ بالنار حتى صار خزفا. والمارج: المضطرب المتحرك. وقيل: المختلط يقال: مرج الأمر أي اختلط ومرجت عهود القوم وأماناتهم، قال الشاعر: مرج الدين، فأعددت له * مشرف الخارك، محبوك الكتد (4) ومرج الدابة في المرعى إذا خلاها لترعى. والبرزخ. الحاجز بين الشيئين. والجواري: السفن لأنها تجري في الماء، واحدتها جارية. ومنه الجارية: للمرأة

________________________________________

(1) وفي نسخة: (العذب). (2) يصف امرأة. وعرى المرجان أي: أطواقها. والخشف: ولد الظباء. المشاقر من الرمل: المنصوب في الأرض. واسم موضع. (3) الصراري: الملاح. (4) الحارك: أعلى الكاهل. والمحبوك: المحكم الخلق والصنعة. والكتد والكتد مجتمع الكتفين من الإنسان والفرس. (*)

[ 335 ]

الشابة، لأنها يجري فيها ماء الشباب. والأعلام: الجبال واحدها علم. قالت الخنساء: وإن صخرا لتأتم الهداة به، * كأنه علم في رأسه نار وقال جرير. " إذا قطعن علما بدا (1) علما " والفناء: انتفاء الأجسام. والصحيح أنه معنى يضاد الجواهر (2) باق لا ينتفي إلا بضد، أو ما يجري مجرى الضد، وضده الفناء. المعنى: ثم قال سبحانه عاطفا على ما تقدم من الأدلة على وحدانيته، والإبانة عن نعمه على خلقه فقال: (خلق الإنسان) يعني به آدم. وقيل: جميع البشر، لأن أصلهم ادم عليه السلام. (من صلصال) أي. طين يابس. وقيل: حمأ منتن ويحتمل الوجهين جميعا، لأنه كان حما مسنونا، ثم صار يابسا. (كالفخار) أي كالاجر الخزف (وخلق الجان) أي أبا الجن. قال الحسن. هو إبليس أبو الجن، وهو مخلوق من لهب النار، كما أن آدم عليه السلام مخلوق من طين (من مارج من نار) أي من نار مختلط، أحمر وأسود وأبيض، عن مجاهد. وقيل: المارج الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه. (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فبأي نعمه تكذبان أيها الثقلان أي: أبأن خلقكما من نفس واحدة، ونقلكما من التراب والنار إلى الصورة التي أنتم عليها تكذبان. (رب المشرقين ورب المغربين) يعني مشرق الصيف، ومشرق الشتاء، ومغرب الصيف، ومغرب الشتاء. وقيل: المراد بالمشرقين مشرق الشمس والقمر، وبالمغربين مغرب الشمس والقمر. بين سبحانه قدرته على تصريف الشمس والقمر، ومن قدر على ذلك قدر على كل شئ (فبأي آلاء ربكما تكذبان مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبنيان) ذكر سبحانه عظيم قدرته حيث خلق البحرين العذب والمالح، يلتقيان، ثم لا يختلط أحدهما بالأخر، وهو قوله (بينهما برزخ) أي حاجز من قدرة الله فلا يبغي الملح على العذب فيفسده، ولا العذب على الملح فيفسده، ويختلط به. ومعنى مرج أرسل، عن ابن عباس. وقيل: المراد بالبحرين بحر السماء،

________________________________________

(1) وفي المخطوطة: أبدا علم. وفي أخرى: علم بدا علم. (2) [ لان الجوهر ]. (*)

[ 336 ]

وبحر الأرض، فإن في السماء بحرا يمسكه الله بقدرته، ينزل منه المطر فيلتقيان في كل سنة، وبينهما حاجز يمنع بحر السماء من النزول، وبحر الأرض من الصعود، عن ابن عباس والضحاك ومجاهد. وقيل: إنهما بحر فارس، وبحر الروم، عن الحسن وقتادة. فإن آخر طرف هذا يتصل بآخر طرف ذلك. والبرزخ بينهما الجزائر. وقيل: مرج البحرين خلط طرفيهما عند التقائهما من غير أن يختلط جملتهما، لا يبغيان أي لا يطلبان أن لا يختلطا (1). (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) اللؤلؤ. كبار الدر. والمرجان: صغاره، عن ابن عباس والحسن، وقتادة والضحاك. وقيل: المرجان خرز أحمر كالقضبان، يخرج من البحر، وهو البسذ، عن عطاء الخراساني، وأبي مالك، وبه قال ابن مسعود، لأنه قال حجر. وإنما قال منهما، وإنما يخرج من الملح دون العذب، لأن الله ذكرهما وجمعهما، وهما بحر واحد. فإذا خرج من أحدهما فقد خرج منهما، عن الزجاج. قال الكلبي: وهو مثل قوله (وجعل القمر فيهن نورا) وإنما هو واحدة منهن. وقوله: (يا معشر الجن والإنس ألم ياتكم رسل منكم) والرسل من الإنس دون الجن. وقيل: يخرج منهما أي من ماء السماء، ومن ماء البحر، فإن القطر إذا جاء من السماء تفتحت الأصداف، فكان من ذلك القطر اللؤلؤ، عن ابن عباس، ولذلك حمل البحرين على بحر السماء، وبحر الأرض. وقيل: إن العذب والملح يلتقيان فيكون العذب كاللقاح للملح، ولا يخرج اللؤلؤ إلا من الموضع الذي يلتقي فيه الملح والعذب، وذلك معروف عند الغواصين. وقد روي عن سلمان الفارسي، وسعيد بن جبير، وسفيان الثوري: إن البحرين علي وفاطمة عليهما السلام، بينهما برزخ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين عليهما السلام. ولا غرو أن يكونا بحرين، لسعة فضلهما، وكثرة خيرهما. فإن البحر إنما يسمى بحرا لسعته. وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لفرس ركبه وأجراه فأحمده. " وجدته بحرا " أي: كثير المعاني الحميدة. (وله الجوار) أي السفن الجارية في الماء، تجري بأمر الله (المنشئات في البحر) أي المرفوعات، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض، وركب، حتى ارتفعت وطالت. وقيل: هي المبتدآت للسير، مرفعة القلاع. قال مجاهد. ما رفع

________________________________________

(1) وفي نسختين: (أن يختلطا). (*)

[ 337 ]

له القلاع فهو منشأ، وما لم ترفع قلاعه، فليس بمنشأ. والقلاع: جمع قلع، وهو شراع السفينة (كالأعلام) أي كالجبال. قال مقاتل: شبه السفن في البحر بالجبال في البر. وقيل: المنشئات بكسر الشين، وهي أن ينشئ الموج بصدرها حيث تجري، فيكون الأمواج كالأعلام من الله سبحانه على عباده، بان علمهم اتخاذ السفن ليركبوها، وأن جعل الماء على صفة تجري السفن عليه لأجلها. (كل من عليها فان) أي كل من على الأرض من حيوان، فهو هالك يفنون ويخرجون من الوجود إلى العدم. كنى عن الأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقول أهل المدينة: (ما بين لابتيها) أي لابتي المدينة. وإنما جاز ذلك لكونه معلوما (ويبقى وجه ربك) أي ويبقى ربك الظاهر بادلته، ظهور الإنسان بوجهه. (ذو الجلال) أي العظمة والكبرياء، واستحقاق الحمد والمدح، بإحسانه الذي هو في أعلى مراتب الإحسان، وإنعامه الذي هو أصل كل إنعام. (واكرام) يكرم أنبياءه وأولياءه بالطافه وأفضاله، مع عظمته وجلاله. وقيل: معناه أنه أهل أن يعظم وينزه، عما لا يليق بصفاته، كما يقول الإنسان لغيره: أنا أكرمك عن كذا، وأجلك عنه، كقوله. (أهل التقوى) أي: أهل أن يتقى. وتقول العرب: هذا وجه الرأي، وهذا وجه التدبير، بمعنى: إنه الرأي والتدبير. قال الأعشى: وأول الحكم على وجهه * ليس قضائي بالهوى الجائر أي: قرر الحكم كما هو. وقيل: إن المراد بالوجه ما يتقرب به إلى الله تعالى، وأنشد: أستغفر ألله ذنبا لست محصيه، * رب العباد إليه الوجه، والعمل ومتى قيل: وأي نعمة في الفناء ؟ فالجواب: إن النعمة فيه التسوية بين الخلق فيه. وأيضا فإنه وصلة إلى الثواب، وتنبيه على أن الدنيا لا تدوم. وأيضا فإنه لطف للمكلف، لأنه لو عجل الثواب لصار ملجا إلى العمل، ولم يستحق الثواب، ففصل بين الثواب والعمل، ليفعل الطاعة لحسنها فيستحق الثواب. (يسأله من في السماوات والأرض) أي لا يستغني عنه أهل السماوات والأرض، فيسألونه حوائجهم، عن قتادة. وقيل: يساله أهل الأرض الرزق والمغفرة، وتسأل الملائكة لهم أيضا الرزق وإلمغفرة، عن مقاتل.

[ 338 ]

(كل يوم هو في شأن) اختلف في معناه فقيل: إن شانه سبحانه إحياء قوم، وإماتة آخرين، وعافية قوم، ومرض اخرين، وغير ذلك من الإهلاك والإنجاء، والحرمان والإعطاء، والأمور الأخر التي لا تحصى. وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (كل يوم هو في شأن) قال: (من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين). وعن ابن عباس أنه قال. إن مما خلق الله تعالى لوحا من درة بيضاء، دواته ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابه نور، ينظر الله فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء. فذلك قوله (كل يوم هو في شان). وقال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله يقضي يوم السبت شيئا. وقيل: إن الدهر كله عند الله يومان: أحدهما مدة أيام الدنيا، والآخر: يوم القيامة. فالشأن الذي هو فيه، في اليوم الذي هو مدة الدنيا، الإختبار بالأمر والنهي، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع. وشأن يوم القيامة الجزاء والحساب، والثواب والعقاب، عن سفيان بن عيينة. وقيل: شانه جل ذكره، أن يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر: عسكرا من أصلاب الآباء إلى الأرحام، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا، وعسكرا من الدنيا إلى القبر. ثم يرتحلون جميعا إلى الله تعالى. وقيل: شانه إيصال المنافع إليك، ودفع المضار عنك، فلا تغفل عن طاعة من لا يغفل عن برك، عن أبي سليمان الداراني. (سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأئ الاء ربكما تكذبان (32) يمعشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموت والارض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطن (33) فبأئ الاء ربكما تكذبان (34) يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) فبأئ الاء ربكما تكذبان (36) فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (37) فبأئ الاء ربكما تكذبان (38) فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان (39) فبأئ الاء ربكما تكذبان (40) يعرف المجرمون بسيمهم فيؤخذ بالنوصى والاقدام (41) فبأئ الاء ربكما تكذبان (42) هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون (43) يطوف بينها وبين حميم ءان (44) فبأئ الاء ربكما تكذبان (45).

[ 339 ]

القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم: (سيفرغ) بالياء. والباقون بالنون. وقرأ ابن كثير: (شواظ) بكسر الشين. والباقون بضمها. وقرأ ابن كثير، وأهل البصرة، غير يعقوب: (ونحاس) بالجر. والباقون بالرفع وفي الشواذ قراء قتادة والأعمش: (سنفرغ) بفتح النون، والراء. وقراءة الأعرج: (سيفرغ) بفتح الياء والراء. ورواية أبي حاتم، عن الأعمش: (سيفرغ) وقراءة عيسى الثقفي: (سنفرغ) بكسر النون، وفتح الراء. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام: (هذه جهنم التي كنتما بها تكذبان إصلياها فلا تموتان فيها ولا تحييان). الحجة: قال أبو علي: وجه الياء في (سيفرغ) أن الغيبة قد تقدم في قوله: (وله الجوار)، وقوله: (هو في شان). ويقال فرغ يفرغ، وفرغ يفرغ، وليس الفراغ هنا فراغا عن شغل، ولكن تأويله القصد، كما قال جرير: الآن فقد فرغت إلى نمير، * فهذا حين صرت لهم عذابا وقرأ ابن عامر: (أيه الثقلان) بضم الهاء. وقد مضى الوجه فيه. والشواظ والشواظ فيه لغتان. أبو عبيدة: هو اللهب لا دخان فيه. قال رؤبة: إن لهم من حربنا أيقاظا (1)، * ونار حرب تسعر الشواظا والنحاس: الدخان. قال الجعدي: تضئ كضوء سراج السليط (2) * لم يجعل الله فيه نحاسا قال أبو علي: إذا كان الشواظ اللهب لا دخان فيه، ضعفت قراءة من قرأ (ونحاس) بالجر، ولا يكون على تفسير أبي عبيدة، إلا الرفع في (نحاس) على تقدير: يرسل عليكما شواظ، ويرسل نحاس أي: يرسل هذا مرة، وهذا اخرى. وقد يجوز من وجه آخر على أن تقديره: يرسل عليكما شواظ من نار، وشئ من نحاس. فتحذف الموصوف، وتقيم الصفة مقامه، كقوله: (ومن آياته يريكم البرق)، (ومن الذين هادوا يحرفون الكلم)، (وان من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به)، (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)، فحذف الموصوف في ذلك كله، فكذلك في الاية. فإن قلت: هذا فاعل والفاعل لا يحذف فقد جاء.

________________________________________

(1) وفي بعض النسخ. اقياظا. (2) السليط: الزيت وكل دهن عصر من حب جيد. (*)

[ 340 ]

فما راعنا إلا يسير بشرطة * وعهدي به قينا يفش بكير (1) على أن هذا الحذف قد جاء في المبتدأ في الآية التي تلونا (2)، أو بعضها. وقد قالوا. (تسمع بالمعيدي لا أن تراه) فإذا حذف الموصوف بقي بعده، من نحاس، الذي هو صفة لشئ محذوف، وحذف من لأن ذكره قد تقدم في قوله (من نار)، فحسن لذلك حذفها، كما حسن حذف الجار من قولهم: على من تنزل أنزل، وكما أنشده أبو زيد من قول الشاعر: وأصبح من أسماء قيس كقابض * على الماء لا يدري بما هو قابض أي: بما هو قابض عليه. فحذف لدلالة الكلام المتقدم عليه، وكما حذف الجار عند الخليل في قوله. (إن لم يجد يوما على من يتكل) يريد: عنده من يتكل عليه. فحذف الجار لأنه جرى ذكره قبل، فيكون انجرار نحاس على هذا بمن المضمرة، لا بالإشراك في من التي جرت في قوله (من نار) فإذا انجر بمن لم يكن للشواظ الذي هو اللهب قسط من الدخان. اللغة: الثقلان: أصله من الثقل، وكل شئ له وزن وقدر، فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعامة: ثقل. قال: فتذكرا ثقلا رثيدا بعدما * ألقت ذكاء يمينها في كافر (3) وإنما سميت الإنس والجن ثقلين لعظم خطرهما، وجلالة شانهما، بالإضافة إلى ما في الأرض من الحيوانات، ولثقل وزنهما بالعقل والتمييز، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي) سماهما ثقلين لعظم خطرهما، وجلالة قدرهما. وقيل: إن الجن والإنس سميا ثقلين لثقلهما على الأرض، أحياء وأمواتا. ومنه قوله: (وأخرجت الأرض أثقالها) أي: أخرجت ما فيها من الموتى. والعرب تجعل السيد الشجاع ثقلا على الأرض، قالت الخنساء: أبعد ابن عمرو من آل الشريد * حلت به الأرض أثقالها

________________________________________

(1) فش الوطب: أخرج ما فيه من الريح، وذلك بان يحل وكائه، وبفتح فاه، فتخرج منه الريح التي كان قد نفخها فيه. (2) في نسخة: تلوتها. (3) فتذكرا أي الظليم والنعامة والرثيد ما رثد أي نضد ووضع بعضه فوق بعض. (*)

[ 341 ]

والمعنى. إنه لما مات حل عنها ثقل بموته لسؤدده ومجده. وقيل: إن المعنى زينت موتاها به من التحلية. والأقطار: جمع القطر، وهو الناحية، يقال: طعنه فقطره إذا ألقاه على أحد قطريه، وهما جانباه. والسيما: مشتق من السوم، وهو رفع الثمن عن مقداره. والعلامة ترفع بإظهارها لتقع المعرفة بها. والناصية: شعر مقدم الرأس، وأصله الإتصال من قول الشاعر: (قي تناصيها بلادقي) (1) أي: تتصل بها. فالناصية متصلة بالرأس. والأقدام: جمع قدم، وهو العضو الذي يقدم صاحبه للوطء به على الأرض. والآني: الذي بلغ نهاية حره: أنى يأني أنيا. المعنى: لما ذكر سبحانه الفناء والإعادة، عقب ذلك بذكر الوعيد والتهديد، فقال: (سنفرغ لكم أيه الثقلان) أي سنقصد لحسابكم أيها الجن والإنس، عن الزجاج، قال: والفراغ في اللغة على ضربين أحدهما: القصد للشئ يقال سأفرغ لفلان أي: ساجعله قصدي والآخر: الفراغ من شغل، والله عز وجل لا يشغله شأن عن شان. وقيل: معناه سنعمل عمل من يفرغ للعمل فيجوده من غيرتضجيع فيه. وقيل: سنفرغ لكم من الوعيد بتقضي أيامكم المتوعد فيها، فشبه ذلك بمن فرغ من شئ، وأخذ في آخر. والشغل والفراغ من صفات الأجسام التي تحلها الأعراض، وتشغلها عن الأضداد في تلك الحال، ولذلك وجب أن يكون في صفة القديم تعالى، مجازا. ويدل على أن الثقلين المراد بهما الجن والإنس قوله (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا) أي تخرجوا هاربين من الموت، يقال: نفذ الشئ من الشئ إذا خلص منه، كالسهم ينفذ من الرمية. (من أقطار السماوات والأرض) أي جوانبهما ونواحيهما، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت. (فانفذوا) أي فاخرجوا فلن تستطيعوا أن تهربوا منه (لا تنفذون إلا بسلطان) أي حيث توجهتم، فثم ملكي، ولا تخرجون من سلطاني فانا آخذكم بالموت، عن عطاء. ومعنى السلطان: القوة التي سلط (2) بها على الأمر، ثم الملك والقدرة والحجة، كلها سلطان. وقيل: لا تنفذون إلا بسلطان أي: لا تخرجون إلا بقدرة من الله وقوة، يعطيكموها بأن يخلق لكم مكانا اخر، سوى السماوات والأرض، ويجعل لكم قوة تخرجون بها إليه. فبين سبحانه بذلك أنهم في

________________________________________

(1) القي بالكسر: قفر الأرض. (2) في المخطوطة: يتسلط. (*)

[ 342 ]

حبسه، وأنه مقتدر عليهم لا يفوتونه، وجعل ذلك دلالة على توحيده وقدرته، وزجرا لهم عن معصيته ومخالفته. وقيل: إن المعنى في الأية إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض، فاعلموا فإنه لا يمكنكم ذلك، لا تنفذون إلا بسلطان أي: لا تعلمونه إلا بحجة وبيان، عن ابن عباس. وقيل: لا تنفذون إلا بسلطان معناه: حيث ما شاهدتم حجة الله وسلطانه الذي يدل على توحيده، عن الزجاج. (فباي ألاء ربكما تكذبان) أي باي نعمه تكذبان ؟ أبإخباره عن تحيركم لتحتالوا له بعمل الطاعة، واجتناب المعصية، أو بإخباره عنكم أنكم لا تنفذون إلا بحجة، لتستعدوا لذلك اليوم. (يرسل عليكما شواظ من نار) وهو اللهب الأخضر المنقطع من النار (ونحاس) وهو الصفر المذاب للعذاب، عن مجاهد وابن عباس وسفيان وقتادة. وقيل: النحاس الدخان، عن ابن عباس في رواية أخرى، وسعيد بن جبير. وقيل: النحاس المهل، عن ابن مسعود والضحاك. والمعنى: لا تنفذون ولو جاز أن تنفذوا، وقدرتم عليه، لأرسل عليكم العذاب من النار المحرقة. وقيل: معناه أنه يقال لهم ذلك يوم القيامة (يرسل عليكما) أي يرسل على من أشرك منكما. وقد جاء في الخبر: يحاط على الخلق بالملائكة (1) بلسان من نار، ينادون (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من) إلى قوله. (يرسل عليكما شواظ من نار). وروى مسعدة بن صدقة عن كليب قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام، فانشأ يحدثنا فقال: إذا كان يوم القيامة، جمع الله العباد في صعيد واحد، وذلك أنه يوحي إلى السماء الدنيا أن اهبطي بمن (2) فيك، فيهبط أهل السماء الدنيا بمثلي من في الارض من الجن والإنس، والملائكة. ثم يهبط أهل السماء الثانية بمثل الجميع مرتين، فلا يزالون كذلك حتى يهبط أهل سبع سماوات، فيصير الجن والإنس في سبع سرادقات من الملائكة. ثم ينادي مناد: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم) الاية. فينظرون فإذا قد أحاط بهم سبعة أطواق من الملائكة. وقوله (فلا تنتصران) أي فلا تقدران على دفع ذلك عنكما وعن غيركما. وعلى هذا فيكون فائدة الاية. إن عجز الثقلين عن الهرب من الجزاء، كعجزهم عن النفوذ من الاقطار. وفي ذلك اليأس من رفع الجزاء بوجه من الوجوه. (فبأي آلاء

________________________________________

(1) في نسخة: وبلسان. (2) في نسخة. (بما). (*)

[ 343 ]

ربكما تكذبان) أي بإخباره إياكم عن هذه الحالة، لتتحرزوا عنها، أم بغيره من النعم، فإن وجه النعمة في إرسال الشواظ من النار والنحاس على الثقلين، هو ما في ذلك لهم من الزجر في دار التكليف، عن مواقعة القبيح، وذلك نعمة جزيلة. (فإذا انشقت السماء) يعني يوم القيامة إذا تصدعت السماء، وانفك بعضها من بعض (فكانت وردة) أي: فصارت حمراء كلون الفرس الورد، وهو الابيض الذي يضرب إلى الحمرة، أو الصفرة، فيكون في الشتاء أحمر، وفي الربيع أصفر، وفي اشتداد البرد أغبر، سبحان خالقها، والمصرف لها كيف يشاء. والوردة: واحدة الورد. فشبه السماء يوم القيامة في اختلاف ألوانها بذلك. وقيل: أراد به وردة النبات، وهي حمراء وقد تختلف ألوانها، ولكن الاغلب في ألوانها الحمرة، فتصير السماء كالوردة في الإحمرار. ثم تجري (كالدهان) وهو جمع الدهن عند انقضاء الامر، وتناهي المدة. قال الحسن: هي كالدهان التي يصب بعضها على بعض، بالوان مختلفة. قال الفراء: شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن، واختلاف ألوانه، وهو قول مجاهد، والضحاك، وقتادة. وقيل: الدهان الاديم الاحمر، وجمعه أدهنة، عن الكلبي. وقيل: هو عكر الزيت، يتلون ألوانا، عن عطاء بن أبي رياح. (فباي آلاء ربكما تكذبان) وجه النعمة في انشقاق السماء حتى وقع التقرير بها، هو ما في الإخبار به من الزجر والتخويف في دار الدنيا (فيومئذ) يعني يوم القيامة (لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) أي لا يسأل المجرم عن جرمه في ذلك الموطن لما يلحقه من الذهول الذي تحار له العقول، وإن وقعت المسالة في غير ذلك الوقت، بدلالة قوله (وقفوهم أنهم مسؤولون) وتقدير الآية. فيومئذ لا يسال إنس عن ذنبه، ولا جان عن ذنبه. وقيل: معناه فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، سؤال استفهام، ليعرف ذلك بالمسالة من جهته، لان الله تعالى قد أحصى الاعمال، وحفظها على العباد. وإنما يسالون سؤال تقريع وتوبيخ للمحاسبة. وقيل: إن أهل الجنة حسان الوجوه، وأهل النار سود الوجوه، فلا يسالون من أي الحزبين هم، ولكن يسالون عن أعمالهم سؤال تقريع. وروي عن الرضا عليه السلام أنه قال: (فيومئذ لا يسال) منكم (عن ذنبه إنس ولا جان) والمعنى: إن من اعتقد الحق، ثم أذنب،

[ 344 ]

ولم يتب في الدنيا عذب عليه في البرزخ، ويخرج يوم القيامة، وليس له ذنب يسال عنه. (يعرف المجرمون بسيماهم) أي بعلامتهم، وهي سواد الوجوه، وزرقة العيون، عن الحسن، وقتادة. وقيل: بإمارات الخزي. (فيؤخذ بالنواصي والاقدام) فتأخذهم الزبانية فتجمع بين نواصيهم وأقدامهم بالغل، ثم يسحبون في النار، ويقذفون فيها، عن الحسن، وقتادة. وقيل: تأخذهم الزبانية بنواصيهم وبأقدامهم، فتسوقهم إلى النار، والله أعلم. (هذه جهنم) أي: ويقال لهم هذه جهنم (التي يكذب بها المجرمون) الكافرون في الدنيا قد أظهرها الله تعالى حتى زالت الشكوك، فادخلوها. ويمكن أنه لما أخبر الله سبحانه أنهم يؤخذون بالنواصي والاقدام، قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون من قومك، فسير دونها، فليهن عليك أمرهم. (يطوفون بينها وبين حميم آن) أي يطوفون مرة بين الجحيم، ومرة بين الحميم. فالجحيم النار، والحميم الشراب، عن قتادة. وقيل: معناه أنهم يعذبون بالنار مرة، ويتجرعون من الحميم، يصب عليهم ليس لهم من العذاب أبدا فرج، عن ابن عباس. والاني الذي انتهت حرارته. وقيل: الاني الحاضر (فباي آلاء ربكما تكذبان) الوجه في ذلك أن التذكير بفعل العقاب والإنذار به، من أكبر النعم، لان في ذلك زجرا عما يستحق به العذاب، وحثا وبعثا على فعل ما يستحق به الثواب. (ولمن خاف مقام ربه جنتان (46) فبأئ الآء ربكما تكذبان (47) ذواتا أفنان (48) فبأئ الآء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان تجريان (50) فبأئ الآء ربكما تكذبان (51) فيهما من كل فكهة زوجان (52) فبأئ الآء ربكما تكذبان (53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (54) فبأئ الآء ربكما تكذبان (55) فيهن قصرت الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولاجان (56) فبأئ الآء ربكما تكذبان (57) كأنهن الياقوت والمرجان (58) فبأئ الآء ربكما تكذبان (59) هل جزاء

[ 345 ]

الاحسن إلا الاحسن (60) فبأئ الآء ربكما تكذبان (61) القراءة: قرأ الكسائي وحده: (لم يطمثهن) بكسر الميم في إحداهما، وضمها في الاخرى. والباقون بكسر الميم في الحرفين معا. الحجة: قال أبو علي: يطمث ويطمث لغتان. وقال أبو عبيدة: (لم يطمثهن) أي لم يمسهن، يقال: ما طمث هذا البعير حبل قط أي ما مسه. قال رؤبة: (كالبيض لم يطمث بهن طامث). اللغة: الافنان: جمع فنن، وهو الغصن الغض الورق، ومنه قولهم: (هذا فن آخر) أي: نوع آخر. ويجوز أن يكون جمع فن. والإتكاء: الإستناد للتكرمة والإمتاع. والتكأة تطرح للإنسان في مجالس الملوك للإكرام والإجلال، وهو من وكأت السقاء: إذا شددته. والفرش: جمع فراش، وهر الموطا الممهد للنوم عليه. والبطائن: جمع بطانة، وهو باطن الظهارة. والجنى: الثمرة التي قد أدركت على الشجرة، وهو صلح أن يجنى. ومنه قول عمرو بن عدي: هذا جناي، وخياره فيه، * إذ كل جان يده إلى فيه وتمثل به علي عليه السلام. وأصل الطمث: الدم، يقال: طمثت المرأة إذا حاضت. وطمثت إذا دميت بالإفتضاض. وبعير لم يطمث إذا لم يمسه حبل، ولا رحل. قال الفرزدق. دفعن إلي لم يطمثن قبلي، * وهن أصح من بيض النعام الاعراب: (متكئين) حال من المجرورة باللام أي: لهم جنتان في هذه الحالة. وما بين قوله (جنتان) إلى قوله (متكئين): صفات لجنتين. (بطائنها من استبرق): إبتداء وخبر في موضع الجر وصف لفرش. وقوله: (وجنى الجنتين دان) إعتراض. وقوله: (فيهن قاصرات الطرف) صفة أخرى لفرش. وقوله: (كأنهن الياقوت والمرجان): حال لقاصرات الطرف أي مشابهات للياقوت والمرجان. وقوله: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) إعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، والتقدير: ولهم من دونهما جنتان. المعنى: ثم عقب سبحانه الوعيد بالوعد فقال: (ولمن خاف مقام ربه) أي

[ 346 ]

مقامه بين يدي ربه للحساب، فترك المعصية والشهوة. قال مجاهد: وهو الذي يهم بالمعصية، فيذكر الله تعالى فيدعها. وقيل: هذا لمن راقب اللة تعالى في السر والعلانية، جملة، فما عرض له من محرم تركه من خشية الله، وما عرض له من خير عمله وأفضى به إلى الله تعالى، لا يطلع عليه أحد. وقال الصادق عليه السلام: من علم أن الله يراه، ويسمع ما يقول، من خير وشر، فيحجزه ذلك عن القبيح من الاعمال. فله (جنتان) أي جنة عدن، وجنة النعيم، عن مقاتل. وقيل: بستانان من بساتين الجنة: إحداهما داخل القصر، والاخرى خارج الفصر، كما يشتهي الإنسان في الدنيا. وقيل: إحدى الجنتين منزله، والاخرى منزل أزواجه وخدمه، عن الجبائي. وقيل: جنة من ذهب، وجنة من فضة. ثم وصف الجنتين فقال: (ذواتا أفنان) أي ذواتا ألوان من النعيم، عن ابن عباس. وقيل: ذواتا ألوان من الفواكه، عن الضحاك. وقيل: ذواتا أغصان، عن الاخفش والجبائي ومجاهد أي: ذواتا أشجار، لان الاغصان لا تكون إلا من الشجر. فدل بكثرة أغصانها على كثرة أشجارها، وبكثرة أشجارها على تمام حالها، وكثرة ثمارها، لان البستان إنما يكمل بكثرة الاشجار. والاشجار لا تحسن إلا بكثرة الاغصان. (فيهما عينان تجريان) أي: في الجنتين عينان من الماء تجريان بين أشجارهما. وقيل: عينان إحداهما السلسبيل، والاخرى التسنيم، عن الحسن. وقيل: إحداهما من ماء غير آسن، والاخرى من خمر لذة للشاربين، عن عطية العوفي. (فيهما من كل فكهة زوجان) أي: في كلتا الجنتين من كل ثمرة نوعان، وضربان متشاكلان، كتشاكل الذكر والانثى. فلذلك سماهما زوجين، وذلك كالرطب واليابس من العنب والزبيب، والرطب واليابس من التين، وكذلك سائر الانواع لا يقصر يابسه عن رطبه في الفضل والطيب. وقيل: معناه فيهما من كل نوع من الفاكهة ضربان، ضرب معروف، وضرب من شكله غريب، لم يعرفوه في الدنيا. (متكئين) حال ممن ذكروا في قوله: (ولمن خاف مقام ربه) أي قاعدين كالملوك (على فرش بطائنها من استبرق) أي من ديباج غليظ. ذكر البطانة، ولم يذكر الظهارة، لان البطانة تدل على أن لها ظهارة، والبطانة دون الظهارة. فدل على أن الظهارة فوق الإستبرق. وقيل: إن الظهائر من سندس، وهو الديباج الرقيق،

[ 347 ]

والبطانة من استبرق. وقيل: الإستبرق الحرير الصيني وهو بين الغليظ والرقيق. وروي عن ابن مسعود أنه قال: هذه البطائن فما ظنكم بالظهائر ؟ وقيل لسعيد بن جبير. البطائن من استبرق فما الظهائر ؟ قال: هذا مما قال لله تعالى (فلا تعلم ئفس ما أخفي لهم من قرة أعين). (وجنى الجتعين دان) الجنى الثمر المجتنى أي: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما، لان شاء قاعدا، عن ابن عباس. وقيل: ثمار الجنتين دانية إلى أفواه أربابها، فيتناولونها متكئين، فإذا اضطجعوا نزلت بإزاء أفواههم، فيتناولونها مضطجعين، لا يرد أيديهم عنها بعد، ولا شوك، عن مجاهد. (فيهن) أي: في الفرش التي ذكرها. ويجوز أن يريد في الجنان، لانها معلومة، وإن لم تذكر (قاصرات الطرف) قصرن طرفهن على أزواجهن، لم يردن غيرهم، عن قتادة. وقال أبو (1) ذر: إنها تقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلني زوجتك، وجعلك زوجي ! والطرف: جفن العين، لانه طرف لها ينطبق عليها تارة، وينفتح تارة. (لم يطمثهن) أي لم يفتضهن. والإفتضاض: النكاح بالتدمية، والمعنى: لم يطاهن، ولم يغشهن (إنس قبلهم ولا جان) فهن أبكار، لانهن خلقن في الجنة. فعلي هذا القول هؤلاء من حور الجنة. وقيل: هن من نساء الدنيا، لم يمسسهن منذ انشئن خلق، عن الشعبي، والكلبي. أي لم يجامعهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه، إنس ولا جان. قال الزجاج: وفي هذه الاية دليل على أن الجني يغشى كما يغشى الإنسي. وقال ضمرة بن حبيب: وفيها دليل على أن للجن ثوابا وأزواجا من الحور، فالإنسيات للإنس، والجنيات للجن. قال البلخي المعنى: إن ما يهب الله لمؤمني الإنس من الحور، لم يطمثهن إنس، وما يهب الله لمؤمني الجن من الحور، لم يطمثهن جان. (كانهن الياقوت والمرجان) أي: هن على صفاء الياقوت في بياض المرجان، عن الحسن، وقتادة. وقال الحسن: المرجان أشد اللؤلؤ بياضا، وهو صغاره. وفي الحديث: (إن المرأة من أهل الجنة يرى مخ ساقها (2) من وراء سبعين

________________________________________

(1) وفي نسخة: ابن زيد بدل أبو ذر. (2) وفي نسخة: ساقيها. (*)

[ 348 ]

حلة من حرير)، عن ابن مسعود، كما يرى السلك من وراء الياقوت. (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) أي ليس جزاء من أحسن في الدنيا، إلا أن يحسن إليه في الاخرة. وقيل: هل جزاء من قال (لا إك إلا الله) وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا الجنة، عن ابن عباس. وجاءت الرواية عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية فقال: هل تدرون ما يقول ربكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن ربكم يقول. (هل جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة). وقيل: معناه هل جزاء من أحسن إليكم بهذه النعم، إلا أن تحسنوا في شكره وعبادته. وروى العياشي بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن علي بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: آية في (1) كتاب الله مسجلة. قلت: ما هي. قال. قول الله تعالى: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) جرت في الكافر والمؤمن، والبر والفاجر، ومن صنع إليه معروف، فعليه أن يكافئ به، وليس المكافاة أن تصنع كما صنع، حتى يربي، فإن صنعت كما صنع كان له الفضل بالإبتداء. (ومن دونهما جنتان (62) فبأئ الآء ربكما تكذبان (63) مدهامتان (64) فبأئ الآء ربكما تكذبان (65) فيها عينان نضاختان (66) فبأئ الآء ربكما تكذبان (67) فيهما فكهة ونخل ورمان (68) فبأئ الآء ربكما تكذبان (69) فيهن خيرت حسان (70) فبأئ الآء ربكما تكذبان (71) حور مقصورات في الخيام (72) فبأئ الآء ربكما تكذبان (73) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) فبأى ءالآء ربكما تكذبان (75) متكئين على رفرف خضر وعبقرى حسان (76) فبأى ءالآء ربكما تكذبان (77) تبرك اسم ذى الجلل والاكرام (78) القراءة: قرأ ابن عامر: (ذو الجلال) بالرفع. والباقون بالجر. وفي الشواذ قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والجحدري، ومالك بن دينار، وابن محيصن، والحسن، وزهير

________________________________________

(1) وفي نسخة: من.

[ 349 ]

القرقبي: (على رفارف خضر وعباقري حسان). وقراءة الاعرج: (خضر) بضمتين. قال أبو علي: من قرأ (ذي الجلال) فجر، جعله صفة لربك. وزعموا أن ابن مسعود قرأ (ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام) بالياء في كلتيهما. وقال الاصمعي. لا يقال (الجلال) إلا في الله تعالى، فهذا يقوي الجر إلا أن (الجلال) قد جاء في غير اللة، قال: فلا ذا جلال هبنه لجلاله، * ولا ذا ضياع هن يتركن للفقر ومن رفع أجراه على الإسم. قال ابن جني. روى قطرب (عباقري) بكسر القاف غير مصروف. ورويناه عن أبي حاتم (عباقري) بفتح القاف غير مصروف أيضا. قال أبو حاتم: ولا يشبه إلا أن يكون عباقر بفتح (1) القاف على ما تتكلم به العرب. قال: ولو قالوا (عباقري) بكسر القاف وصرفوا، لكان أشبه بكلام العرب، كالنسب إلى مداين مدايني. والرفارف: رياض الجنة، عن سعيد بن جبير. وعبقر موضع. قال امرؤ القيس: كأن صليل المروحين تشده * صليل زيوف ينتقدن بعبقرا (2) وقال زهير: بخيل عليها جنة عبقرية (3) * جديرون يوما أن ينالوا، أو يستعلوا وأما ترك صرف عباقري فشاذ في القياس، ولا يستنكر شذوذه في القياس مع استمراره في الإستعمال، كما جاء عن الجماعة: إستحوذ عليهم الشيطان، فهو شاذ في القياس، مطرد في الاستعمال. وليس لنا أن نتلقى قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بقبولها. وأما (خضر) بضم الضاد فقليل وهو من مواضع الشعر، كما قال طرفة: (وراد أو شقر).

________________________________________

(1) وفي نسختين: بكسر القاف. (2) الصليل: صوت وقع الحديد بعضه على بعض. والمرو: الحجارة الصلبة. والزيف: الدرهم الردي. وانتقد الدرهم: أخرج منه الزيف. يصف فرسه بان وقع الحجارة بعضها على بعض حين شدة عدوه، بمنزلة وقع الدراهم الزائفة بعضها على بعض، حين ينتقدها النقاد في قرية بعبقر. (3) المراد من عبقر في هذا البيت: هو الموضع الذي كانت العرب تزعم أنه كثير الجن. (*)

[ 350 ]

اللغة: الدهمة: السواد. وادهام الزرع إذا علاه السواد ريا. ومنه الدهماء، وتصغيره الدهيماء للداهية، سميت بذلك لظلامها. والدهماء: القدر. والنضخ بالخاء المعجمة، أكثر من النضح بالحاء غير المعجمة، لان النضح الرش، وبالخاء كالبزل. والنضاخة: الفوارة التي ترمي بالماء صعدا. والرمان: مشتق من رم يرم رما، لان من شانه أن يرم الفؤاد بجلائه له. والخيرات: جمع خيرة. والرجل خير، والرجال خيار وأخيار. قال: ولقد طعنت مجامع الربلات، * ربلات هند، خيرة الملكات (1) وقال الزجاج: أصل خيرات خيرات، فخفف. والخيام: جمع خيمة، وهي بيت من الثياب على الاعمدة والاوتاد، مما يتخذ للاصحار. والرفوف: رياض الجنة من قولهم. رف النبات يرف أي: صار غضا نضرا. وقيل: الرفوف المجالس. وقيل: الوسائد. وقيل: إن كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف. قال ابن مقبل: وإنا لنزالون تغشى نعالنا * سواقط من أصناف ريط، ورفرف (2) والعبقري: عتاق الزرابي، والطنافس المخملة الموشمة، وهو اسم الجنس واحدته عبقرية، قال أبو عبيدة: كل شئ من البسط عبقري، وكل ما بولغ في وصفه بالجودة نسب إلى عبقر، وهو بلد كان يوشى فيه البسط وغيرها. المعنى: ثم قال سبحانه (ومن دونهما جنتان) أي: ومن دون الجنتين اللتين ذكرناهما لمن خاف مقام ربه جنتان أخريان، دون الجنتين الأوليين، فإنهما أقرب إلى قصره، ومجالسه في قصره، ليتضاعف له السرور بالتنقل من جنة إلى جنة، على ما هو معروف من طبع البشر، من شهوة مثل ذلك. ومعنى (دون) هنا: مكان قريب من الشئ بالإضافة إلى غيره، مما ليس له مثل قربه. وهو ظرف مكان. وإنما كان التنقل من جنة إلى جنة أخرى، أنفع لأنه أبعد من الملل الذي طبع عليه البشر. وقيل: إن المعنى أنهما دون الجنتين الأوليين في الفضل. فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما).

________________________________________

(1) الربلة والربلة: كل لحمة غليظة. وقيل: أصول الأفخاذ. والمراد من مجامع الربلات: الفرج. ومن الطعن: الجماع. (2) الريط: جمع الريطة، وهي كل ملاءة ليست ذات قطعتين متشامتين، بل كلها نسج واحد، وقطعة واحدة. (*)

[ 351 ]

وروى العياشي بالإسناد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك أخبرني عن الرجل المؤمن، تكون له امرأة مؤمنة، يدخلان الجنة، يتزوج أحدهما الأخر ؟ فقال: يا أبا محمد ! ان الله حكم عدل، إذا كان هو أفضل منها خيره، فإن اختارها كانت من أزواجه، وإن كانت هي خيرا منه خيرها، فإن اختارته كان زوجا لها. قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: لا تقولن الجنة واحدة، إن الله يقول (ومن دونهما جنتان)، ولا تقولن درجة واحدة، إن الله يقول: (درجات بعضها فوق بعض) إنما تفاضل القوم بالأعمال. قال: وقلت له: إن المؤمنين يدخلان الجنة، فيكون أحدهما أرفع مكانا من الاخر، فيشتهي أن يلقى صاحبه ؟ قال: من كان فوقه فله أن يهبط، ومن كان تحته لم يكن له أن يصعد، لأنه لا يبلغ ذلك المكان، ولكنهم إذا أحبوا ذلك، واشتهوه، التقوا على الأسرة. وعن العلاء بن سيابة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ان الناس يتعجبون منا إذا قلنا يخرج قوم من جهنم (1)، فيدخلون الجنة، فيقولون لنا: فيكونون مع أولياء الله في الجنة ؟ فقال: يا علاء ! إن اللة يقول (ومن دونهما جنتان) لا والله لا يكونون مع أولياء الله ! قلت: كانوا كافرين ؟ قال عليه السلام: لا والله لو كانوا ما دخلوا الجنة ! قلت: كانوا مؤمنين ؟ قال: لا والله لو كانوا مؤمنين ما دخلوا النار ! ولكن بين ذلك، وتاويل هذا لو صح الخبر أنهم لم يكونوا من أفاضل المؤمنين وأخيارهم. ثم وصف الجنتين فقال: (مدهامتان) أي: من خضرتهما قد اسودتا من الري. وكل نبت اخضر فتمام خضرته أن يضرب إلى السواد، وهو على أتم ما يكون من الحسن. وهذا على قول من قال: إن الجنات الأربع لمن خاف مقام ربه، وهو قول ابن عباس. وقيل: الأوليان للسابقين، والأخريات للتابعين، عن الحسن. (فيهما عينان نضاختان) أي فوارتان بالماء ينبع من أصلهما، ثم يجريان، عن الحسن. قال ابن عباس: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور. وقيل: تنضخان بانواع الخيرات. (فيهما فكهة) يعني ألوان الفاكهة (ونخل ورمان) وحكى الزجاج عن يونس النحوي، وهو من قدماء النحويين أن النخل والرمان من أفضل الفواكه، وإنما فصلا

________________________________________

(1) وفي نسخة: من النار. (*)

[ 352 ]

بالواو لفضلهما. قال الأزهري: ما علمت أن أحدا من العرب قال في النخل والكرم وثمارها، أنها ليست من الفاكهة، وإنما قال ذلك من قال لقلة علمه بكلام العرب، وتاويل القرآن العربي المبين. والعرب تذكر الأشياء جملة، ثم تختص شيئا منها بالتسمية، تنبيها على فضل فيه، كما قال سبحانه: (من كان عدوا لله وملائكته وكتبه ورسله وجبرائيل وميكائيل). (فيهن) يعني في الجنات الأربع (خيرات حسان) أي: نساء خيرات الأخلاق، حسان الوجوه، روته أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: خيرات فاضلات في الصلاة والجمال، عن الحسن. حسان في المناظر والألوان. وقيل: إنهن نساء الدنيا، ترد عليهم في الجنة، وهن أجمل من الحور العين. وقيل: خيرات مختارات، عن جرير بن عبد الله. وقيل. لسن بذربات، ولا زفرات، ولا بخرات، ولا متطلعات، ولا متسوفات (1)، ولا متسلطات، ولا طماخات، ولا طوافات في الطرق، ولا يغرن، ولا يؤذين. وقال عقبة بن عبد الغفار: ونساء أهل الجنة ياخذ بعضهم بايدي بعض، ويتغنين باصوات لم يسمع الخلائق مثلها: نحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، ونحن خيرات حسان، حبيبات الأزواج كرام. وقالت عائشة: إن الحور العين إذا قلن هذه المقالة، أجابتهن المؤمنات من نساء الدنيا: نحن المصليات، وما صليتن، ونحن الصائمات وما صمتن، ونحن المتوضئات وما توضاتن، ونحن المتصدقات وما تصدقتن. فغلبتهن والله. (حور) أي بيض حسان البياض، عن ابن عباس، ومجاهد، ومنه الدقيق الحواري لشدة بياضه. والعين الحوراء إذا كانت شديدة بياض البياض، شديدة سواد السواد، وبذلك يتم حسن العين. (مقصورات في الخيام) أي محبوسات في الحجال، مستورات في القباب، عن ابن عباس، وأبي العالية، والحسن. والمعنى: إنهن مصونات مخدرات، لا يبتذلن (2). وقيل: مقصورات أي قصرن على أزواجهن، فلا يردن بدلا منهم، عن مجاهد والربيع. وقيل: إن لكل زوجة خيمة طولها ستون ميلا، عن ابن مسعود. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: الخيمة

________________________________________

(1) وفي المخطوطة: المتشوقات. والمتشوق: من يظهر الشوق تكلفا. (2) وفي المخطوطة: (لا يتبدلن). (*)

[ 353 ]

درة واحدة طولها في السماء ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل للمؤمن، لا يراه الأخرون. وعن ابن عباس قال: الخيمة درة مجوفة، فرسخ في فرسخ، فيها أربعة آلاف مصراع، عن وهب (1). وعن انس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (مررت ليلة أسري بي بنهر، حافتاه قباب المرجان، فنوديت منه السلام عليك يا رسول الله ! فقلت. يا جبرائيل من هؤلاء ؟ قال: هؤلاء جوار (2) من الحور العين، استاذن ربهن عز وجل أن يسلمن عليك، فاذن لهن. فقلن: نحن الخالدات، فلا نموت، ونحن الناعمات، فلا نياسن (3)، أزواج رجال كرام. ثم قرأ صلى الله عليه وآله وسلم: (حور مقصورات في الخيام). (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) مر معناه. والوجه في التكرير الإبانة عن أن صفة الحور المقصورات في الخيام، كصفة القاصرات الطرف (متكئين على رفرف خضر) أي على فرش مرتفعة، عن الجبائي. وقيل: الرفرف رياض الجنة، والواحدة رفرفة، عن سعيد بن جبير. وقيل: هي المجالس، عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك. وقيل: هي المرافق يعني الوسائد، عن الحسن (وعبقري حسان) أي وزرابي حسان، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وهي الطنافس. وقيل: العبقري الديباج، عن مجاهد. وقيل: هي البسط، عن الحسن قال القتيبي: كل ثوب موشى فهو عبقري، وهو جمع، ولذلك قال: (حسان). ثم ختم السورة بما ينبغي أن يبجل به ويعظم فقال: (تبارك اسم ربك) أي تعاظم وتعالى اسم ربك، لأنه استحق أن يوصف بما لا يوصف به غيره، من كونه قديما، وإلها، وقادرا لنفسه، وعالما لنفسه، وحيا لنفسه، وغير ذلك. (ذي الجلال) أي ذي العظمة والكبرياء (والاكرام) يكرم أهل دينه وولايته، عن الحسن. وقيل: معناه عظمة البركة في اسم ربك، فاطلبوا البركة في كل شئ بذكر اسمه. وقيل: إن إسم صلة لمعنى (تبارك ربك) قال لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما، * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر وقيل: إن المعنى أن اسمه منزه عن كل سوء له الأسماء الحسنى. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (انطقوا بياذا الجلال والاكرام) أي: داوموا عليه.

________________________________________

(1) وفي سائر النسخ: (عن ذهب). (2) في نسخة: (حور). (3) وفي نسخة: (لانبئس) وفي أخرى: (لا نيبس). (*)

[ 354 ]

56 - سورة الواقعة

مكية وآياتها ست وتسعون

وقال ابن عباس وقتادة، إلا آية منها نزلت بالمدينة، وهي: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) وقيل: إلا قوله. (ثلة من الأولين)، وقوله: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون) نزلت في سفره إلى المدينة. عدد آيها: تسع وتسعون آية حجازي شامي، سبع بصري، ست كوفي. اختلاف: أربع عشرة آية: فأصحاب الميمنة، وأصحاب المشئمة، وأصحاب الشمال ثلاثهن غير الكوفي. والمدني الأخير أنشاناهن غير البصري، في سموم وحميم غير المكي، وكانوا يقولون مكي، وأباريق مكي، والمدني الأخير. موضونة حجازي كوفي، وحور عين كوفي. والمدني الأول، تأثيما عراقي شامي. والمدني الأخير، والآخرين غير شامي والمدني الأخير، لمجموعون شامي. والمدني الأخير فروح وريحان شامي. فضلها: أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قرأ سورة الواقعة، كتب ليس من الغافلين) لما وعن مسروق قال: من أراد أن يعلم نبا الأولين (1)، ونبا أهل الجنة، ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا، ونبأ الاخرة، فليقرأ سورة الواقعة. وروي أن عثمان بن عفان، دخل على عبد الله بن مسعود، يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال له. ما تشتكي ؟ قال: ذنوبي. فال: ما تشتهي ؟ قال: رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب ؟ قال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك ؟ قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا مستغن عنه ؟ قال: يكون لبناتك. قال: لا حاجة لهن فيه، فقد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من قرأ سورة الواقعة كل ليلة، لم تصبه فاقة أبدا) وروى العياشي بالإسناد، عن زيد

________________________________________

(1) [ والاخرين ].

[ 355 ]

الشحام، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من قرأ سورة الواقعة قبل أن ينام، لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر. وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قرأ في كل ليلة جمعة، الواقعة، أحبه الله، وحببه إلى الناس أجمعين، ولم ير في الدنيا بؤسا أبدا، ولا فقرا، ولا آفة من آفات الدنيا، وكان من رفقاء أمير المؤمنين. تمام الخبر. تفسيرها: ختم الله سبحانه سورة الرحمن بصفة الجنة، وافتتح هذه السورة أيضا بصفة القيامة والجنة، فاتصلت إحداهما بالأخرى اتصال النظير للنظير، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) إذا رجت الارض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هباء منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلثة (7) فأصحب الميمنة ما أصحب الميمنة (8) وأصحب المشئمة ما أصحب المشئمة (9) والسبقون السبقون (10) أولئك المقربون (11) في جنت النعيم (12) ثلة من الأولين (13) وقليل من الاخرين (14) على سرر موضونة (15) متكئين عليها متقبلين (16) القراءة: في الشواذ قراءة الحسن والثقفي وأبي حيوة: (خافضة رافعة) بالنصب. الحجة: (هذا) منصوب على الحال. قال ابن جني: وقوله (ليس لوقعتها كاذبة) حال أخرى قبلها أي: (ذا وقعت الواقعة، صادقة الوقعة، خافضة رافعة، فهذه ثلاثة أحوال. ومثله مررت بزيد جالسا متكئا ضاحكا. وإن شئت أن تأتي باضعاف ذلك، جاز وحسن، كما أن لك أن تاتي للمبتدأ من الأخبار بما شئت، فتقول: زيد عالم جميل فارس كوفي بزاز، ونحو ذلك. ألا ترى أن الحال زيادة في الخبر، وضرب منه. اللغة: الكاذبة: مصدر مثل العافية والعاقبة. والرج: التحريك باضطراب واهتزاز، ومنه قولهم ارتج السهم عند خروجه من القوس. والبس: الفت، كما يبس

[ 356 ]

السويق أي يلت. قال الشاعر: (لا تخبزا خبزا وبسا بسا). والبسيس: السويق أو الدقيق يتخذ زادا. وبست أيضا: سيقت، عن الزجاج. قال الشاعر: (وانبس حبات الكثيب الأهيل). والهباء: غبار كالشعاع في الرقة، وكثيرا ما يخرج مع شعاع الشمس، من الكوة النافذة. والانبثاث: افتراق الأجزاء الكثيرة في الجهات المختلفة. والأزواج: الأصناف التي بعضها مع بعض، كما يقال للخفين زوجان، والثلاثة: الجماعة وأصله القطعة من قولهم: ثل عرشه إذا قطع ملكه، بهدم سريره. والثلة. القطعة من الناس. والموضونة: المنسوجة المتداخلة كصفة الدرع المضاعفة. قال الأعشى: ومن نسج داود موضونة * تساق إلى الحي عيرا فعيرا ومنه: وضين الناقة، وهو البطان من السيور (1): إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا. الاعراب. (إذا وقعت الواقعة): ظرف من معنى ليس، لأن التقدير لا يكون لوقعتها كاذبة. وليس: نفي الحال، فلا يكون إذا ظرفا منه. ويجوز أن يكون العامل في (إذا) محذوفا لدلالة الموضع عليه، كانه قال: إذا وقعت الواقعة، كذلك فاز المؤمنون، وخسر الكافرون. وقال أبو علي: تقديره فهي خافضة رافعة، فأضمر المبتدأ مع الفاء، وجعلها جواب إذا أي: خفضت قوما ورفعت قوما إذ ذاك، فخافضة رافعة: خبر المبتدأ المحذوف. وقوله: (إذا رجت الأرض رجا): بدل من قوله (إذا وقعت الواقعة)، ويجوز أن يكون ظرفا من يقع أي: يقع في ذلك الوقت. ويجوز أن يكون خبرا عن إذا الأولى، ونظيره إذا تزورني إذا أزور زيدا أي: وقت زيارتك إياي، وقت زيارتي زيدا. قال ابن جني: ويجوز أن يفارق إذا الظرفية، كقول لبيد: حتى إذا ألقت يدا في كافر، * وأجن عورات الثغور ظلامها وقوله سبحانه (حتى إذا كنتم في الفلك) فإذا مجرورة عند أبي الحسن بحتى، وذلك يخرجها من الظرفية. وأقول: فعلى هذا لا يكون قوله إذا ظرفا في الموضعين، بل كل واحد منهما في موضع الرفع، لكونهما مبتدأ وخبرا بخلاف ما ظنه بعض

________________________________________

(1) السيور: جمع السير، وهو قطعة مستطيلة من جلد غير مدبوغ، يخصف به النعل. (*)

[ 357 ]

المجودين من محققي زماننا في النحو. فإنه قال: قال عثمان - يعني ابن جني - العامل في (إذا وقعت) قوله (إذا رجت). وهذا خطأ فاحش. فأصحاب الميمنة: رفع بالابتداء والتقدير فأصحاب الميمنة ما هم أي: أي شئ هم. وأصحاب المشئمة أي: أي شئ هم. وهذه اللفظة مجراة مجرى التعجب. ومتكئين ومتقابلين: نصب على الحال. المعى: (إذا وقعت الواقعة) أي إذا قامت القيامة عن ابن عباس. والواقعة: إسم القيامة كالازفة وغيرها. والمعنى: إذا حدثت الحادثة، وهي الصيحة عند النفخة الأخيرة، لقيام الساعة. وقيل: سميت بها لكثرة ما يقع فيها من الشدة، أو لشدة وقعها، وتقديره: اذكروا إذا وقعت الواقعة. وهذا حث على الإستعداد لها (ليس لوقعتها كاذبة) أي ليس لمجيئها وظهورها كذب، ومعناه: إنها تقع صدقا وحقا، فليس فيها ولا في الإخبار عنها ووقوعها كذب. وقيل: معناه ليس لوقوعها قضية كاذبة أي: ثبت وقوعها بالسمع والعقل. (خافضة رافعة) أي تخفض ناسا، وترفع آخرين، عن ابن عباس. وقيل: تخفض أقواما إلى النار وترفع أقواما إلى الجنة، عن الحسن والجبائي. والمعنى الجامع للقولين أنها تخفض رجالا كانوا في الدنيا مرتفعين، وتجعلهم أذلة بإدخالهم النار، وترفع رجالا كانوا في الدنيا أذلة، وتجعلهم أعزة بإدخالهم الجنة. (إذا رجت الأرض رجا) أي حركت حركة شديدة. وقيل: زلزلت زلزالا شديدا، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد. أي: رجفت بإماتة من على ظهرها من الأحياء. وقيل: معناه رجت بما فيها كما يرج الغربال بما فيه، فيكون المراد ترج بإخراج من في بطنها من الموتى. (وبست الجبال بسا) أي فتت (1) فتا، عن ابن عباس ومجاهد ومقاتل. وقيل: معناه كسرت كسرا، عن السدي (2)، عن سعيد بن المسيب. وقيل: قلعت من أصلها، عن الحسن. وقيل: سيرت عن وجه الأرض تسييرا، عن الكلبي. وقيل: بسطت بسطا كالرمل والتراب، عن ابن عطية. وقيل: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة، عن ابن كيسان. (فكانت هباء منبثا) أي غبارا متفرقا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل من

________________________________________

(1) فت الشئ: دقه وكسره. (2) في المخطوطة: وسعيد بن المسيب. (*)

[ 358 ]

الكوة. ثم وصف سبحانه أحوال الناس بأن قال. (وكنتم أزواجا ثلاثة) أي أصنافا ثلاثة. ثم فسرها فقال: (فأصحاب الميمنة) يعني اليمين، وهم الذين يعطون كتبهم بايمانهم، عن الضحاك والجبائي. وقيل: هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة. وقيل: هم أصحاب اليمن والبركة على أنفسهم، والثواب من الله سبحانه بما سعوا من الطاعة، وهم التابعون بإحسان، عن الحسن والربيع. ثم عجب سبحانه رسوله من حالهم، تفخيما لشانهم فقال: (ما أصحاب الميمنة) أي: أئ شئ هم، كما يقال: هم ما هم. (وأصحاب المشئمة) وهم الذين يعطون كتبهم بشمالهم. وقيل: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل: هم المشائيم على أنفسهم بما عملوا من المعصية. ثم عجب سبحانه رسوله من حالهم، تفخيما لشانهم في العذاب فقال: (ما أصحاب المشئمة). ثم بين سبحانه الصنف الثالث فقال: (والسابقون السابقون) أي والسابقون إلى اتباع الأنبياء الذين صاروا أئمة الهدى، فهم السابقون إلى جزيل الثواب عند الله، عن الجبائي. وقيل. معناه السابقون إلى طاعة الله، وهم السابقون إلى رحمته، والسابق إلى الخير، إنما كان أفضل لأنه يقتدى به في الخير، وسبق إلى أعلى المراتب قبل من يجئ بعده. فلهذا يميز (1) بين التابعين. فعلى هذا يكون السابقون الثاني، خبرا عن الأول. ويجوز أن يكون الثاني تأكيدا للأول، والخبر: (أولئك المقربون) أي: والسابقون إلى الطاعات يقربون إلى رحمة الله في أعلى المراتب، وإلى جزيل ثواب الله في أعظم الكرامة. ثم أخبر تعالى أين محلهم فقال: (في جنات النعيم) لئلا يتوهم متوهم أن التقريب يخرجهم إلى دار أخرى. فاعلم سبحانه أنهم مقربون من كرامة الله في الجنة، لأن الجنة درجات ومنازل بعضها أرفع من بعض. وقد قيل في السابقين: إنهم السابقون إلى الإيمان، عن مقاتل وعكرمة. وقيل: السابقون إلى الهجرة، عن ابن عباس. وقيل: إلى الصلوات الخمس، عن علي عليه السلام. وقيل: إلى الجهاد، عن الضحاك. وقيل: إلى التوبة وأعمال البر، عن سعيد بن جبير. وقيل: إلى كل ما دعا الله إليه، عن ابن كيسان. وهذا أولى، لأنه يعم الجميع. وكان عروة بن الزبير يقول: تقدموا تقدموا. وعن أبي جعفر عليه السلام قال: السابقون أربعة: ابن آدم

________________________________________

(1) في المخطوطة: (من التابعين). (*)

[ 359 ]

المقتول، وسابق في (1) أمة موسى عليه السلام وهو مؤمن آل فرعون، وسابق في أمة عيسى عليه السلام وهو حبيب النجار، والسابق في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام. (ثلة من الأولين) أي هم ثلة يعني جماعة كثيرة العدد من الأولين، من الأمم الماضية. (وقليل من الأخرين) من أمة محمد، لأن من سبق إلى إجابة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قليل، بالإضافة إلى من سبق إلى إجابة النبيين قبله، عن جماعة من المفسرين. وقيل: معناه جماعة من أوائل هذه الأمة، وقليل من أواخرهم ممن قرب حالهم من حال أولئك. قال مقاتل: يعني سابقي الأمم، وقليل من الآخرين من هذه الامة (على سرر موضونة) أي: منسوجة كما يوضن حلق الدرع، فيدخل بعضها في بعض. قال المفسرون: منسوجة بقضبان الذهب، مشبكة بالدر والجواهر. (متكئين عليها) أي مستندين جالسين جلوس الملوك. (متقابلين) أي متحاذين كل واحد منهم بإزاء الأخر، وذلك أعظم في باب السرور، والمعنى: إن بعضهم ينظر إلى وجه بعض، لا ينظر في قفاه، لحسن معاشرتهم، وتهذب أخلاقهم. (يطوف عليهم ولدن مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) وحور عين (22) كأمثل اللؤلو المكنون (23) جزاء بما كانوا يعملون (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلما سلما (26) القراءة: قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي: (وحور عين) بالجر. والباقون بالرفع. وفي الشواذ قراءة ابن أبي إسحاق: (ولا ينزفون) بفتح الياء، وكسر الزاي. وقراءة أبي بن كعب وابن مسعود: (وحورا عينا). الحجة: قال أبو علي. وجه الرفع في (وحور عين) أنه لما قال (يطوف عليهم ولدان مخلدون) دل هذا الكلام، وما ذكر بعد، على أن لهم فيها كذا وكذا، ولهم فيها حور عين، وكذلك من نصب حمل على المعنى، لأن الكلام دل على

________________________________________

(1) فيها أيضا سابق أمة.... بدون لفظة (في). (*)

[ 360 ]

يمنحون ويملكون، وهذا مذهب سيبويه. ويجوز أن يحمل الرفع على قوله (على سرر موضونة) والتقدير: وعلى سرر موضونة حور عين، أو وحور عين على سرر موضونة، لأن الوصف قد جرى عليهن فاختصصن، فجاز أن يرفع بالإبتداء ولم يكن كالنكرة إذا لم يوصف نحو: (فيها عين)، وقوله (على سرر موضونة) خبر لقوله تعالى (ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين). فكذلك يجوز أن يكون خبرا عنهن، ويجوز في ارتفاع (وحور عين) أن يكون عطفا على الضمير في (متكئين)، ولم يؤكد لكون طول الكلام بدل من التأكيد. وبجوز أيضا أن يعطفه على الضمير في (متقابلين)، ولم يؤكد لطول أئلام أيضا. وقد جاء: (ما أشركنا ولا آباؤنا) فهذا أجدر. وقال الزجاج: الرفع أحسن الوجهين، لأن معنى (يطوف عليهم ولدان مخلدون) بهذه الأشياء أنه قد ثبت لهم ذلك، فكأنه قال: ولهم حور عين، ومثله مما حمل على هذا (1) المعنى، قول الشاعر. بادت وغير آيهن مع البلى، * إلا رواكد جمرهن هباء ثم قال بعده: ومشجج أما سواء قذاله * فبذا، وغير ساره المعزاء (2) لأنه لما قال (إلا رواكد) كان المعنى بها رواكد، فحمل (ومشجج) على المعنى. وقال غيره: تقديره وهناك حور عين. قال أبو علي: وجه الجر أن يكون يحمله على قوله (أولئك المقربون في جنات النعيم) التقدير: أولئك المقربون في جنات النعيم، وفي حور عين أي: وفي مقاربة حور عين، أو معاشرة حور عين، فحذف المضاف. فإن قلت: فلم لا تحمله على الجار في قوله تعالى (يطوف عليهم ولدان مخلدون) بكذا، وبحور عين، فهذا يمكن أن يقال إلا أن أبا الحسن قال: في ذا بعض الوحشة. قال ابن جني (3): نزف البئر ينزفها نزفا إذا استقى ماءها، وأنزفت الشئ إذا أفنيته. قال الشاعر: لعمري لئن أنزفتم، أو صحوتم، * لبئس الندامى كنتم آل أبحرا (4)

________________________________________

(1) ليس في المخطوطة هذا. (2) مر البيت ومعناه في هذا الجزء. (3) في المخطوطة: قال ابن جني يقال.. (4) الندامى: جمع ندمان، وهو المنادم على الشرب أي: بئس المصاحبون أنتم في حال السكر، والصحو. (*)

[ 361 ]

المعنى: ثم أخبر سبحانه أنه (يطوف عليهم ولدان) أي وصفاء وغلمان للخدمة (مخلدون) أي باقون لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يتغيرون، عن مجاهد. وقيل: مقرطون. والخلد: القرط. يقال: خلد جاريته إذا حلاها بالقرطة، عن سعيد بن جبير والفراء. واختلف في هذه الولدان فقيل: إنهم أولاد أهل الدنيا، لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها، ولا سيئات فيعاقبوا (1)، فأنزلوا هذه المنزلة، عن علي عليه السلام والحسن. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سئل عن أطفال المشركين فقال: (هم خدم أهل الجنة). وقيل: بل هم من خدم الجنة على صورة الولدان، خلقوا لخدمة أهل الجنة. (بأكواب) وهي القداح الواسعة الرؤوس، لا خراطيم لها، عن قتادة (وأباريق) وهي التي لها خراطيم وعرى، وهو الذي يبرق من صفاء لونه. (وكاس من معين) أي ويطوفون أيضا عليهم بكاس خمر معين أي: ظاهر للعيون جار. (لا يصدعون عنها) أي لا ياخذهم من شربها صداع. وقيل: لا يتفرقون عنها. (ولا ينزفون) أي لا تنزف عقولهم بمعنى: لا تذهب بالسكر، عن مجاهد وقتادة والضحاك. ومن قرأ (ينزفون) حمله على أنه لا تفنى خمرهم. (وفاكهة مما يتخيرون) أي: ويطوفون عليهم بفاكهة مما يختارونه ويشتهونه. يقال: تخيرت الشئ أخذت خيره. (ولحم طير مما يشتهون) أي: وبلحم طير مما يتمنون، فإن أهل الجنة إذا اشتهوا لحم الطير، خلق الله سبحانه لهم الطير نضيجا، حتى لا يحتاج إلى ذبح الطير وإيلامه. قال ابن عباس يخطر على قلبه الطير، فيصير (2) ممثلا بين يديه على ما اشتهى. (وحور عين) قد مر بيانه (كامثال اللؤلؤ المكنون) أي الدر المصون المخزون في الصدف، لم تمسه الأيدي. قال عمر بن أبي ربيعة: وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا * ص، ميزت من جوهر مكنوث (جزاء بما كانوا يعملون) أي: نفعل ذلك لجزاء أعمالهم وطاعاتهم التي عملوها في دار التكليف الدنيا. (لا يسمعون فيها) أي في الجنة (لغوا) أي ما لا فائدة فيه من الكلام، لأن كل ما يتكلمون به فيه فائدة (ولا تاثيما) أي لا يقول بعضهم لبعض: أثمت، لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم، عن ابن عباس. وقيل:

________________________________________

(1) في نسخة: فيعاقبوا عليها. (2) وفي نسختين: فيطير.

[ 362 ]

معناه لا يتخالفون على شرب الخمر، كما يتخالفون في الدنيا، ولا يأثمون بشربها، كما يأثمون في الدنيا. (إلآ قيلا سلاما سلاما) أي لا يسمعون إلا قول بعضهم لبعض على وجه التحية: سلاما سلاما. والمعنى: إنهم يتداعون بالسلام على حسن الآداب، وكريم الأخلاق، اللذين يوجبان التواد. ونصب (سلاما) على تقدير سلمك الله سلاما، بدوام النعمة، وكمال الغبطة (1). ويجوز أن يعمل سلام في (سلاما) لأنه يدل على عامله، كما يدل قوله تعالى (والله أنبتكم من الأرض نباتا) على العامل في نبات، فإن المعنى: أنبتكم فنبتم نباتا. ولجوز أن يكون (سلاما) نعتا لقوله (قيلا). ويجوز أن يكون مفعول قيل. فالوجوه الثلاثة تحتملها الاية. (وأصحب اليمين ما أصحب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح منضود (29) وظل ممدود (30) وماء مسكوب (31) وفكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنا أنشأنهن إنشاء (35) فجعلنهن أبكارا (36) عربا أترابا (37) لاصحب اليمين (38) ثلة من الاولين (39) وثلة من الاخرين (40) القراءة: قرأ إسماعيل وحمزة وحماد ويحيى، عن أبي بكر وخلف: (عربا) ساكنة الراء. والباقون: (عربا) بضمتين. الحجة: العروب: الحسنة التبعل. قال لبيد: وفي الحدوج عروب، غير فاحشة، * ريا الروادف، يعشى دونها البصر (2) والفعول يجمع على فعل، وفعل، فمن التثقيل قوله: (فاصبري إنك من قوم صبر) والتخفيف في ذلك شائع مطرد. اللغة: السدر: شجر النبق. وأصل الخضد: عطف العود اللين. فمن ههنا المخضود الذي لا شوك له. لأن الغالب أن الرطب اللين لا شوك له. والطلح قال أبو

________________________________________

(1) في نسخة: العطية. (2) الحدج: مركب من مراكب النساء، نحو الهودج والمحفة. والريا: مؤنث الريان، وهر الأخضر الناعم من الأغصان وغيرها. ووجه ريان: كثير اللحم. والروادف: الأعجاز، جمع ردف أو الرادفة. (*)

[ 363 ]

عبيدة: هو كل شجر عظيم، كثير الشوك. قال بعض الحداة: بشرها دليلها وقالا: * غدا ترين الطلح، والجبالا وقال الزجاج: الطلح شجر أم غيلان. فقد يكون على أحسن حال. والمنضود: من نضدت المتاع إذا جعلت بعضه على بعض. والبكر: التي لم يفترعها الرجل، فهي على خلقتها الأولى من حال الإنشاء. ومنه البكرة: لاول النهار. والباكورة لأول الفاكهة. والبكر: الفتي من الإبل، وجمعه بكار وبكارة. وجاء القوم على بكرتهم وبكرة أبيهم، عن الأزهري. والأتراب: جمع ترب، وهو اللدة الذي ينشأ مع مثله في حال الصبا، وهو مأخوذ من لعب الصبي بالتراب أي: هم كالصبيان الذين هم على سن واحد. قال ابن (1) أبي ربيعة: أبرزوها مثل المهاة، تهادي * بين عشر، كواعب، أتراب (2) المعنى: ثم ذكر سبحانه أصحاب اليمين، وعجب من شأنهم فقال: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين) هو مثل قوله: (ما أصحاب الميمنة) وقد مر معناه. (في سدر مخضود) أي (3) في نبق مخضود، أي منزوع الشوكة قد خضد شوكه أي قطع، عن ابن عباس وعكرمة وقتادة. وقيل: هو الذي خضد بكثرة حمله، وذهاب شوكه. وقيل: هو الموقر حملا، عن الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان. وقال الضحاك: نظر المسلمون إلى وج، وهو واد مخصب بالطائف، فاعجبهم سدره وقالوا: يا ليت لنا مثل هذا. فنزلت هذه الآية. (وطلح منضود) قال ابن عباس وغيره: هو شجر الموز وقيل: ليس بالموز، ولكنه شجر له ظل بارد رطب، عن الحسن. وقيل: هو شجر يكون باليمن وبالحجاز، من أحسن الشجر منظرا. وإنما ذكر هاتين الشجرتين، لأن العرب كانوا

________________________________________

(1) في المخطوطة: عمر بن أبي ربيعة. (2) المهاة: الشمس... والبقرة الوحشية. وقيل: نوع من البقر الوحشي، وهي أشبه بالمعز الأهلية. وقرونها صلاب جدا تشبه بها المرأة في سمنها وجمالها، وحسن عينيها. وفلان يهادي بين اثنين أي: يتمايل، أو بالبناء للمفعول أي: يمشي بينهما معتمدا عليهما، لضعفه. والمراد: مشية المتبختر. (3) وقي المخطوطة: (في سدر) أي: في نبق (مخضود) أي: منزوع.. (*)

[ 364 ]

يعرفون ذلك، فإن عامة أشجارهم أم غيلان ذات أنوار ورائحة طيبة. وروت العامة عن علي عليه السلام أنه قرأ عنده رجل (وطلح منضود) فقال: ما شان الطلح ؟ إنما هو وطلع كقوله.: (ونخل طلعها هضيم) فقيل له: ألا تغيره ؟ فقال: إن القرآن لا يهاج اليوم، ولا يحرك. رواه عنه ابنه الحسن، وقيس بن سعد (1)، ورواه أصحابنا عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام (وطلح منضود) قال: لا (وطلع منضود)، والمنضود: الذي نضد بعضه على بعض، نضد بالحمل من أوله إلى آخره، فليست له سوق بارزة، فمن عروقه إلى أفنانه ثمر كله. (وظل ممدود) أي دائم لا تنسخه الشمس، فهو باق لا يزول. والعرب تقول لكل شئ طويل لا ينقطع: ممدود. قال لبيد: غلب البقاء، وكان غير مغلب، * دهر طويل ذائم، ممدود وقد ورد في الخبر أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرؤا إن شئتم (وظل ممدود). وروي أيضا أن أوقات الجنة كغدوات الصيف، لا يكون فيه حر، ولا برد. (وماء مسكوب) أي مصبوب يجري الليل والنهار، ولا ينقطع عنهم، فهو مسكوب بسكب الله إياه في مجاريه. وقيل: مسكوب مصبوب على الخمر، ليشرب بالمزاج. وقيل: مسكوب يجري دائما في غير أخدود، عن سفيان وجماعة. وقيل: مسكوب ليشرب على ما يرى من حسنه وصفائه، لا يحتاجون إلى تعب في استقائه. (وفكهة كثيرة) أي وثمار مختلفة كثيرة، غير قليلة. والوجه في تكرير ذكر الفاكهة: البيان عن اختلاف صفاتها، فذكرت أولا بأنها متخيرة، وذكرت هنا بأنها كثيرة. ثم وصفت بقوله: (لا مقطوعة ولا ممنوعة) أي لا تنقطع كما تنقطع فواكه الدنيا في الشتاء، وفي أوقات مخصوصة، ولا تمتنع ببعد متناول، أو شوك يؤذي اليد، كما يكون ذلك في الدنيا. وقيل: إنها غير مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان، لا يتوصل إليها إلا بالثمن. (وفرش مرفوعة) أي بسط عالية كما يقال: بناء مرفوع. وقيل: مرفوع بعضها فوق بعض، عن الحسن، والفراء. وقيل: معناه ونساء مرتفعات القدر في عقولهن وحسنهن وكمالهن، عن الجبائي، قال: ولذلك

________________________________________

(1) قيل أيضا: قيس بن سعيد. (*)

[ 365 ]

عقبه بقوله (إنا أنشأناهن إنشاء) ويقال لامرأة الرجل: هي فراشه، ومنه قول النبي: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر). (إنا أنشأناهن إنشاء) أي خلقناهن خلقا جديدا. قال ابن عباس: يعني النساء الآدميات. والعجز: الشمط. يقول. خلقتهن بعد الكبر والهرم في الدنيا، خلقا اخر. وقيل: معناه أنشأنا الحور العين، كما هن عليه على هيئاتهن، لم ينتقلن من حال إلى حال، كما يكون في الدنيا. (فجعلناهن أبكارا) أي عذارى، عن الضحاك. وقيل: لا يأتيهن أزواجهن إلا وجدوهن أبكارا. (عربا) أي: متحننات على أزواجهن، متحببات إليهبم. وقيل: عاشقات لأزواجهن، عن ابن عباس. وقيل: العروب اللعوب مع زوجها انسا به، كأنس العرب بكلام العربي. (أترابا) أي متشابهات مستويات في السن، عن ابن عباس وقتادة، ومجاهد. وقيل: أمثال أزواجهن في السن. (لأصحاب اليمين) أي هذا الذي ذكرناه لأصحاب اليمين جزاء وثوابا على طاعاتهم. (ثلة من الأولين وثلة من الأخرين) أي: جماعة من الأمم الماضية التي كانت قبل هذه الأمة، وجماعة من مؤمني هذه الأمة. قال الحسن: سابقو الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة، وتابعو الأمم الماضية مثل تابعي هذه الأمة. إن أصحاب اليمين منهم مثل أصحاب اليمين منا، وإنما نكر سبحانه الثلة، ليدل على أنه ليس لجميع الأولين والاخرين، وإنما هو لجماعة منهم، كما يقال: رجل من جملة الرجال. وهذا الذي ذكرناه قول مقاتل وعطاء وجماعة من المفسرين. وذهب جماعة منهم أن الثلتين جميعا من هذه الأمة، وهو قول مجاهد والضحاك، واختيار الزجاج. وروي ذلك مرفوعا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (جميع الثلتين من أمتي). ومما يؤيد القول الأول، ويعضده من طريق الرواية، ما رواه نقلة الأخبار بالإسناد عن ابن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة حتى أكثرنا الحديث، ثم رجعنا إلى أهلنا. فلما أصبحنا غدونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: عرضت علي الأنبياء الليلة بأتباعها من أممها، فكان النبي تجئ معه الثلة من أمته، والنبي معه العصابة من أمته، والنبي معه النفر من أمته، والنبي معه الرجل (1) من أمته، والنبي ما

________________________________________

(1) وفي المخطوطة: رجل. (*)