next page

fehrest page

back page

والـجـواب على ذلك : ان عدم معرفة الناس بوقوع يوم القيامة وزمانها بضميمة كون القيامة لا تاتي الا بغتة ومع الالتفات الى هول يوم القيامة وعظمتها, هذا الامر يبعث على ان يتوقع الناس وقوع يوم الـقـيـامة في اي وقت ويترقبوها باستمرار, ويكونوا على اهبة الاستعداد والتهيؤ, لكي ينجوا من اهـوالـهـا. فـعـدم المعرفة هذا له اثر مثبت جلي في تربية النفوس والالتفات الى المسؤولية واتقاء الذنوب .

الاية 188:

قل لا املك لنفسى نفعا و لا ضرا الا ما شاء اللّه ولو كنت اءعلم الغيب لاستكثرت من الخيروما مسنى السوء ان اءنا الا نذير وبشير لقوم يؤمنون سبب النزول روى بـعـض المفسرين كالعلامة الطبرسي في مجمع البيان ان اهل مكة قالوا لرسول اللّه (ص ): اذا كـان لـك ارتباط باللّه , افلا يطلعك اللّه على غلاء السلع او زهادتها في المستقبل , لتهي ء عن هذا الـطريق ما فيه النفع والخيروتدفع عنك ما فيه الضرر والسوء, او يطلعك اللّه على السنة الممحلة الـقحط او العام المخصب العشب , فينتقل الى الارض الخصيبة ؟ فنزلت عندئذ الاية - محل البحث - وكانت جواب سؤالهم .
التفسير لا يعلم الغيب الا اللّه : بـالرغم من ان هذه الاية لها شان خاص في نزولها, الا ان ارتباطها بالاية السابقة واضح , لان الكلام كـان فـي الاية السابقة على عدم علم احد بقيام الساعة الا اللّه , والكلام في هذه الاية على نفي علم الغيب عن العباد بصورة كلية .
فـفـي الجملة الاولى من هذه الاية خطاب للنبي (ص )يقول : (قل لا املك لنفسي نفعا ولا ضرا الا ما شاء اللّه ).
ولا شك ان كل انسان يستطيع ان ينفع نفسه , او يدفع عنها الشر, ولكن على الرغم من هذه الحال فان الايـة -مـحـل الـبحث , كما نلاحظ - تنفي هذه القدرة عن البشر نفيا مطلقا. وذلك لان الانسان في اعـمـاله ليس له قوة من نفسه , بل القوة والقدرة والاستطاعة كلها من اللّه , وهو سبحانه الذي اودع فيه كل تلك القوة والقدرة وما شاكلهما.
وبتعبير آخر: ان مالك جميع القوى والقدرات وذو الاختيار المستقل -وبالذات - في عالم الوجود هـو اللّه عزوجل فحسب , والاخرون حتى الانبياء والملائكة يكتسبون منه القدرة ويستمدون منه القوة , وملكهم وقدرتهم هي بالغير لا بالذات ...
وجملة الا ما يشاء اللّه شاهد على هذا الموضوع ايضا.
وفـي كـثير من آيات القرآن الاخرى نرى نفي المالكية والنفع والضرر عن غير اللّه , ولذلك فقد نهت الايات عن عبادة الاصنام وما سوى اللّه سبحانه ...
ونقرا في الايتين (3) و (4) من سورة الفرقان (واتخذوا من دون اللّه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا) فكيف يملكون لغيرهم ؟ وهـذه هـي عقيدة المسلم , اذ لا يرى احدا بالذات رازقا ومالكا وخالقا وذا نفع او ضرر الا اللّه , ولـذا فـحين يتوجه المسلم الى احد طالبا منه شيئا فهو يطلبه مع التفاته الى هذه الحقيقة , وهي ان ما عند ذلك الشخص فهو من اللّه (فتامل بدقة ).
ويـتضح من هذا ان الذين يتذرعون بمثل هذه الايات لنفي كل توسل بالانبياء والائمة , ويعدون ذلك شـركـا, فـي خـطـا فاضح , حيث تصوروا بان التوسل بالنبي او الامام مفهومه ان نعد النبي او الامام مستقلا بنفسه في قبال اللّه -والعياذ باللّه - وانه يملك النفع والضرر ايضا.
ولـكـن من يتوسل بالنبي او الامام مع الاعتقاد بانه لا يملك شيئا من نفسه , بل يطلبه من اللّه , او انه يستشفع به الى اللّه , فهذا الاعتقاد هو التوحيد عينه والاخلاص ذاته . وهو ما اشار اليه القرآن في الاية محل البحث بقوله : (الا ما شاءاللّه ) او بقوله : (الا باذنه ) في الاية (من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه ).
فبناء على ذلك فان فريقين من الناس على خطا في مسالة التوسل بالنبي والائمة الطاهرين ...
الـفريق الاول : من يزعم ان النبي او الامام له قدرة وقوة مستقلة بالذات في قبال اللّه , فهذا الاعتقاد شرك باللّه .
والـفريق الاخر: من ينفي القدرة - بالغير - عن النبي (ص ) والائمة الطاهرين (ع ), فهذا الاعتقاد انحراف عن مفاد آيات القرآن الصريحة .
اذن : الـحـق هـو ان النبي والائمة يشفعون للمتوسل بهم باذن اللّه وامره , ويطلبون حل معضلته من اللّه .
وبـعـد بيان هذا الموضوع تشير الاية الى مسالة مهمة اءخرى ردا على سؤال جماعة منهم فتقول : (ولو كنت اعلم الغيب لا ستكثرت من الخير وما مسني السوء) ((163)) .
لان الذي يعرف اسرار الغيب يستطيع ان يختار ما هو في صالحه , وان يجتنب عما يضره .
ثم تحكي الاية عن مقام النبي الواقعي ورسالته , في جملة موجزة صريحة , فتقول على لسانه : (ان انا الا نذيروبشير لقوم يؤمنون ).
..
ملاحظة الم يكن النبي (ص ) يعلم الغيب ؟ يـحـكـم بعض السطحيين لدى قراءتهم لهذه الاية - وبدون الاخذ بنظر الاعتبار الايات القرآنية الاخـرى , بـل حتى القرائن الموجودة في هذه الاية ايضا - ان الاية آنفة الذكر دليل على نفي علم الغيب عن الانبياء نفيا مطلقا...
مع ان الاية - محل البحث - تنفي علم الغيب المستقل وبالذات عن النبي , كما انها تنفي القدرة على كل نفع وضر بصورة مستقلة . ونعرف ان كل انسان يملك لنفسه وللاخرين النفع او الضر.
فبناء على ذلك فان هذه الجملة المتقدمة شاهد واضح على ان الهدف ليس هو نفي مالكية النفع والضر او نفي علم الغيب بصورة مطلقة , بل الهدف نفي الاستقلال , وبتعبير آخر: ان النبي لا يعرف شيئا من نـفـسـه , بل يعرف ما اطلعه اللّه عليه من اسرار غيبه , كما تقول الايتان (26) و (27) من سورة الـجـن (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا).
واسـاسـا, فـان كـمـال مقام القيادة لا سيما اذا كان الهدف قيادة العالم باسره , وفي جميع المجالات الـمـادية والمعنوية , هو الاحاطة الواسعة بالكثير من المسائل الخفية عن سائر الناس , لا المعرفة باحكام اللّه وقوانينه فحسب ,بل المعرفة باسرار عالم الوجود, والبناء البشري , وقسم من حوادث الـمـسـتـقـبـل والماضي , فهذا القسم من العلم يطلعه اللّه على رسله , واذا لم يطلعهم عليه لم تكمل قيادتهم وبتعبير آخر: ان احاديث الانبياء والرسل وسيرتهم ستكون محدودة بظروف عصرهم ومحيطهم , لكن عندمايكونون عارفين بهذا القسم من اسرار الغيب فسيقومون ببناء حضارة على مستوى الاجيال القادمة , فتكون مناهجهم صالحة لمختلف الظروف والمتغيرات ...

الايات 189 - 193:

هو الذى خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها فلما تغشها حملت حملاخفيفا فمرت بـه فـلـما اءثقلت دعوا اللّه ربهما لئن ءاتيتنا صلحا لنكونن من الشكرين فلماءاتيهما صلحا جعلا له , شركاء فيما ءاتهما فتعلى اللّه عما يشركون اءيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطعون لـهـم نصرا ولا اءنفسهم ينصرون وان تدعوهم الى الهدى لا يتبعوكم سوآء عليكم اءدعوتموهم اءم اءنتم صمتون التفسير جحد نعمة عظمى : فـي هـذه الايـات اشـارة الـى جـانب آخر من حالات المشركين واءسلوب تفكيرهم , والرد على تـصـوراتـهم الخاطئة . لما كانت الاية السابقة تجعل جميع الوان النفع والضر وعلم الغيب منحصرا بـاللّه , وكـانـت في الحقيقة اشارة الى توحيد افعال اللّه . فالايات محل البحث تعد مكملة لها لان هذه الايات تشير الى توحيد افعال اللّه ايضا.
تـقول الاية الاولى من هذه الايات (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها) فجعل الحياة والسكن جنبا الى جنب (فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به ) ((164)) .
وبمرور الايام والليالي ثقل الحمل (فلما اثقلت ) كان كل من الزوجين ينتظر الطفل , ويتمنى ان يهبه اللّه ولـداصالحا, فلذلك (دعوا اللّه ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ) وعندما استجاب اللّه دعـاءهـمـا, ورزقهما الولدالصالح اشركا باللّه (فلما اتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما اتاهما فتعالى اللّه عما يشركون ).
الجواب على سؤال مهم هـنـاك بـين المفسرين كلام في المراد من الزوجين اللذين تكلمت عنهما الايتان الاوليان من الايات محل البحث ...
هـل ان المراد من النفس الواحدة وزوجها آدم وحواء؟ مع ان آدم من الانبياء وحواء امراة مؤمنة كريمة ,فكيف ينحرفان عن مسير التوحيد ويسلكان مسير الشرك ؟ واذا كان المراد من النفس الواحدة غير آدم وتشمل الاية جميع افراد البشر, فكيف ينسجم التعبير اذا وقوله تعالى (خلقكم من نفس واحدة )؟ ثم بعد هذا ما المراد من الشرك , واي عمل او تفكير قام به الزوجان فجعلا للّه شركاء؟ وفي الجواب على مثل هذه الاسئلة نقول : يـوجـد طـريـقان لتفسير الايتين هاتين وما بعدهما, ولعل جميع ما قاله المفسرون على اختلاف آرائهم يرجع الى هذين الطريقين ...
الاول : ان المراد من نفس واحدة . هو الواحد الشخصي كما ورد هذا المعنى في آيات اءخرى من القرآن اءيضا,ومنها اءول آية من سورة النساء.
والتعبير بالنفس الواحدة - اساسا - جاء في خمسة مواطن في القرآن المجيد, واحدة منها في الاية - مـحـل الـبـحـث - والاربعة الاخرى هي في سورة النساء (الاية الاولى ) وسورة الانعام , الاية (98), وسـورة لـقمان , الاية (28), وسورة الزمر, الاية (6), وبعض هذه الايات لا علاقة لها بـبحثنا هذا, وبعضها يشبه الاية محل البحث . فبناءعلى ذلك فالايات - محل البحث - تشير الى آدم وزوجه حواء فحسب وعـلى هذا فالمراد بالشرك ليس هو عبادة غيراللّه او الاعتقاد باءلوهية غيره , بل لعل المراد شي آخر من قبيل ميل الانسان لطفله , الميل الذي ربما يجعله غافلا عن اللّه احيانا.
والـتفسير الثاني : هو ان المراد من النفس الواحدة هو الواحد النوعي , اي ان اللّه خلقكم جميعا من نوع واحد كماخلق ازواجكم من جنسكم ايضا.
وبـذلـك فـان الايتين وما بعدهما من الايات - محل البحث - تشير الى نوع الناس , فهم يدعون اللّه وينتظرون الوالد الصالح في كمال الاخلاص للّه والانقطاع اليه , كمن يحدق بهم الخطر فيلتجؤوا الـى اللّه , ويـعاهدون اللّه على شكره بعد حل معضلاتهم . ولكن عندما يرزقهم اللّه الولد الصالح , او يـحل مشاكلهم ينسون جميع عهودهم فان كان الولد جميلا قالوا: انه اكتسب جماله من ابيه او اءمه , وهـذا هـو قـانون الوراثة . وتارة يقولون : ان غذاؤه والظروف الصحية تسببت في نموه وسلامته .
وتارة يعتقدون بتاثير الاصنام ويقولون : ان ولدنا كان من بركة الاصنام وعطائها وهـكـذا يـهـمـلـون الـتـاثـير الرباني بشكل عام , ويرون العلة الاصلية هي العوامل الطبيعية او المعبودات الخرافية ((165)) .
والـقرائن في الايات - محل البحث - تدل على ان التفسير الثاني اكثر انسجاما واكثر تفهما لغرض الاية , لانه : اولا: ان تـعـبـيـرات الاي تـحكي عن حال زوجين كانا يعيشان في مجتمع ما من قبل , ورايا الابناء الصالحين وغيرالصالحين فيه , ولهذا طلبا من اللّه وسالاه ان يرزقهما الولد الصالح . ولو كانت الايات تـتكلم على آدم وحواءفهو خلاف الواقع , لانه لم يكن يومئذ ولد صالح وغير صالح حتى يسالا اللّه الولد الصالح .
ثانيا: الضمائر الواردة في آخر الاية الثانية والايات التي تليها, كلها ضمائر جمع ويستفاد من هذا ان المرادمن ضمير التثنية هو اشارة الى الفريقين لا الى الشخصين .
ثالثا: ان الايات التي تلت الايتين الاوليين تكشف عن ان المقصود بالشرك هو عبادة الاصنام , لا محبة الاولادوالغفلة عن اللّه , وهذا الامر لا ينسجم والنبي آدم وزوجه فبملاحظة هذه القرائن يتضح ان الايات - محل البحث - تتكلم عن نوع الانسان وزوجه ليس الا.
وكما ذكرنا في الجزء الثاني من التفسير الامثل ان خلق زوج الانسان من الانسان ليس معناه ان جزءا من بدنه انفصل عنه وتبدل الى زوج له يسكن اليه كما ورد في رواية اسرائيلية ان حواء خلقت من ضلع آدم الايسر بل المراد ان زوج الانسان من نوعه وجنسه , كما نقرا في الاية (21) من سورة مريم قوله تعالى : (هو الذي خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها).
رواية مجعولة : جاء في بعض المصادر الحديثية لاهل السنة , وبعض كتب الحديث الشيعية غير المعتبرة , في تفسير الايات محل البحث , حديث لا ينسجم مع العقائد الاسلامية , ولا يليق بشان الانبياء ابدا. وهذا الحديث كما جاء في مسنداحمد هو: ان سمرة بن جندب روى عن النبي (ص ) انه قال : لما ولدت حواء طاف بـهـا ابـلـيـس وكان لا يعيش لها ولدفقال : سميه : عبد الحارث , فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وامره ((166)) الحارث اسم من اسماء الشيطان .
وجاء في بعض الروايات الوارد فيها هذا المضمون ذاته ان آدم رضي بهذا الامر وسـواء اكان راوي هذه الرواية سمرة بن جندب - الكذاب المشهور - ام غيره امثال كعب الاحبار او وهـب بـن مـنـبـه الـلـذين كانا من علماء اليهود ثم اسلما, ويعتقد بعضهم انهما ادخلا في الثقافة الاسلامية خرافات التوراة وبني اسرائيل . ومهما يكن الامر فالرواية بنفسها خير دليل على فسادها وبـطـلائها, لان آدم الذي هو خليفة اللّه في ارضه ونبيه الكبير, وكان يعلم الاسماء, بالرغم من كـونـه بـترك الاولى هبط الى الارض , الا انه لم يكن انسانا يختار سبيل الشرك ويسمي ولده عبد الشيطان , فهذا الامر يصدق في مشرك جاهل فحسب لا في آدم ...
والاعـجـب مـن ذلك ان الحدى انف الذكر يتضمن معجزة للشيطان او كرامة له , اذ بتسميته الولد بـاسمه عاش الولدخلافا للابناء الاخرين . وانه لمدعاة للاسف الشديد ان ينساق كثير من المفسرين تحت وطاة هذا الحديث المختلق واضرابه , فيجعلون مثل هذه الاباطيل تفسيرا للاي . وعلى كل حال , فان مثل هذا الكلام لما كان مخالفا للقرآن ,ومخالفا للعقل ايضا, فينبغي ان ينبذ في سلة المهملات .
وتعقيبا على هذا الامر يرد القرآن - باءسلوب بين متين - عقيدة المشركين وافكارهم مرة اءخرى , فيقول :(اءيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ).
وليس هذا فحسب , فهم ضعاف (ولا يستطيعون لهم نصرا ولا انفسهم ينصرون ).
والاوثان والاصنام في حالة لو ناديتموها لما استجابت لكم (وان تدعوهم الى الهدى لا يتبعوكم ).
فمن كان بهذه المنزلة وبهذا المستوى انى له بهداية الاخرين ويـحـتـمـل بـعـض الـمفسرين احتمالا آخر في تفسير الاية , وهو ان الضمير هم يرجع الى الـمشركين لا الى الاصنام , اي انهم الى درجة من الاصرار والعناد بحيث لا يسمعونكم ولا يذعنون لكم ولا يسلمون .
كـمـا ويحتمل ان المراد هو انكم لو طلبتم منهم الهداية , فلن يتحقق دعاؤكم وطلبكم على كل حال (سواء عليكم ادعوتموهم او انتم صامتون ).
وطبقا للاحتمال الثاني يكون معنى الجملة على النحو التالي : سواء عليكم اطلبتم من الاصنام شيئا, او لم تطلبواففي الحالين لا اثر لها, لان لا تقدر على اداء اي شي ء او التاثير في شي ء.
يـقـول الفخر الرازي في تفسيره : اذا المشركين اذا ابتلوا بمشكلة تضرعوا الى الاصنام ودعوها, واذا لم يصبهم اذى او سوء كانوا يسكتون عنها, فالقرآن يخاطبهم بالقول (سواء عليكم ادعوتموهم ام انتم صامتون ).

الايتان 194 - 195:

ان الـذيـن تدعون من دون اللّه عباد اءمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم ان كنتم صدقين اءلهم اءرجل يـمـشون بها اءم لهم اءيد يبطشون بها اءم لهم اءعين يبصرون بها اءم لهم ءاذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون التفسير هاتان الايتان - محل البحث - تواصلان الكلام على التوحيد ومكافحة الشرك , وتكملان ما عالجته الايات السابقة , فتعدان كل شرك في العبادة عملا سفيها و بعيدا عن المنطق والعقل والـتدفيق في مضمون هاتين الايتين يكشف انهما تبطلان منطق المشركين باربعة ادلة , والسر في كـون الـقرآن يعالج ابطال الشرك باستدلالات مختلفة , وكل حين ياتي ببرهان مبين , لان الشرك الد اعداء الايمان , واكبر عدولسعادة الفرد والمجتمع .
ولـمـا كـانت للشرك جذور مختلفة وافانين متعددة في افكار البشر, فان القرآن يستغل كل فرصة لقطع جذوره الخبيثة ... وافانينه التي تهدد المجتمع الانساني .
فتقول الاية الاولى من هاتين الايتين : (ان الذين تدعون من دون اللّه عباد امثالكم ).
فـبـنـاء عـلى ذلك لا معنى لان يسجد الانسان لشى ء مثله , وان يمد يد الضراعة والحاجة اليه , وان يجعل مقدراته ومصيره تحت يده وبتعبير آخر: ان مفهوم هذه الاية هو انكم - ايها المشركون - لو انعمتم النظر لرايتم معبودائكم ذات اجـسـام واسـيرة المكان والزمان , وتحكمها قوانين الطبيعة , وهي محدودة من حيث الحياة و الـعـمر والامكانات الاخرى .وخلاصة الامر: ليس لها امتياز عليكم , وانما جعلتم لها امتيازا عليكم بتصوراتكم وتخيلاتكم ثـم ان كـلـمة عباد جمع عبد ويطلق هذا اللفظ على الموجود الحي , مع ان الاية استعملته في الاصنام , فكانت لذلك تفاسير متعددة ...
الـتـفـسـير الاول : انه من المحتمل ان تشير الاية الى المعبودين من جنس الانسان او المخلوقات الاخرى ,كالمسيح اذ عبده النصارى , والملائكة اذ عبدتها جماعة من المشركين العرب .
والـتـفـسـير الثاني : ان الاية تنزلت وحكت ما توهمه المشركين في الاصنام بان لها القدرة , فكانوا يـكـلـمونهاويتضرعون اليها, فالاية - محل البحث - تخاطبهم بانه على فرض ان للاصنام عقلا و شعورا, فهي لا تعدو ان تكون عبادا امثالكم .
الـتفسير الثالث : ان العبد في اللغة يطلق احيانا على الموجود الذي يرزح تحت نيز الاخر ويخضع له , حتى لو لم يكن له عقل وشعور, ومن هذا القبيل ان العرب يطلقون على الطريق المطرق بالذهاب والاياب انه معبد.
ثـم تـضـيـف الايـة : انـكم لو تزعمون بان لهم عقلا وشعورا (فادعوهم فليستجيبوا لكم ان كنتم صادقين ).
وهـذا هـو الدليل الثاني على ابطال منطق المشركين , وهو كون الاصنام لا تستطيع ان تعمل شيئا, وهي ساكتة عاجزة عن الاجابة والرد ...
وفي البيان الثالث تبرهن الاية على ان الاصنام اضعف حتى من عبادها المشركين , فتساءل مستنكرة : (الـهـم ارجـل يـمـشون بها او لهم ايد يبطشون ((167)) بها ام لهم اعين يبصرون بها ام لهم آذان يسمعون بها).
وهكذا فان الاصنام من الضعة بمكان حتى انها بحاجة الى من يدافع عنها ويحامي عنها, فليس لها اعين تـبصربها, ولا آذان تسمع بها, ولا ارجل تمشي بها, ولا اي احساس آخر. واخيرا فان الاية تبين ضـمـن تعبير هو في حكم الدليل الرابع مخاطبة النبي (ص ) قائلة : (قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ).
اي اذا كـنـت كاذبا, وان الاصنام مقربات عنداللّه , وقد تجرات عليها فلم لا تعضب علي ؟ وليس لها ولا لـكـم ولمكائدكم اي تاثير علي . فبناء على ذلك فاعلموا ان هذه الاصنام موجودات غير مؤثرة , وانما تصوراتكم هي التي اضفت عليها ذلك التوهم

الايات 196 - 198:

ان ولى اللّه الذى نزل الكتب وهو يتولى الصلحين والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا اءنفسهم ينصرون وان تدعوهم الى الهدى لا يسمعوا وتريهم ينظرون اليك وهم لا يبصرون التفسير المعبودات التي لا قيمة لها: تعقيبا على الاية المتقدمة التي كانت تخاطب المشركين بالقول (على لسان النبي ): (ادعوا شركاءكم ثـم كـيـدون فـلا تنظرون ) منبهة اياهم انهم لا يستطيعون ان يصيبوا النبي بادنى ضرر, فان الاية الاولى - من الايات - محل البحث - تذكر الدليل على ذلك فتقول : (ان ولي اللّه الذي نزل الكتاب ).
وليس وليي وحدي فحسب , بل هو ولي جميع الصالحين (وهو يتولى الصالحين ).
ثـم يـؤكـد القرآن بالاية التالية على بطلان عبادة الاوثان مرة اءخرى فيقول : (والذين تدعون من دونه لايستطيعون نصركم ولا انفسهم ينصرون ).
بـل ابعد من ذلك (وان تدعوهم الى الهدى لا يسمعوا) وبالرغم من العيون المصنوعة لهم التي يخيل الى الرائي انهاتنظر: (وتراهم ينظرون اليك وهم لا يبصرون ).
وكـمـا اشرنا سابقا ايضا, فالاية - محل البحث - يحتمل ان تشير الى الاصنام كما يحتمل ان تشير الـى الـمـشـركـين . ففي الصورة الاولى مفهومها - كما قدمنا بيانه - اما في الصورة الثانية فيكون مـفهومها: انه لو دعاالمسلمون هؤلاء المشركين المعاندين الى طريق التوحيد الصحيح ما قبلوا ذلك منهم , وهم ينظرون اليك ويرون دلائل الصدق والحق فيك , الا انهم لا يبصرون الحقائق ومضمون الايتين الاخيرتين ورد في الايات السابقة ايضا, وهذا التكرار انما هو لمزيد التاكيد على مكافحة الشرك وقلع جذوره التي نفذت في افكار المشركين وارواحهم عن طريق التلقين والتقرير المتكرر.

الايات 199 - 203:

خذ العفو وامر بالعرف واءعرض عن الجهلين واما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ باللّه انه سميع عليم ان الذين اتقوا اذا مسهم طئف من الشيطن تذكروا فاذا هم مبصرون واخونهم يمدونهم فى الغى ثم لا يقصرون واذا لم تاتهم باية قالوا لولا اجتبيتها قل انمااءتبع ما يوحى الى من ربى هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون التفسير وساوس الشيطان : في هذه الايات يبين القرآن شروط التبليغ وقيادة الناس وامامتهم باءسلوب اخاذ رائق وجيز, وهي في الوقت ذاته تتناسب والايات المتقدمة التي كانت تشير الى مسالة تبليغ المشركين ايضا.
فـفـي الاية الاولى - من الايات محل البحث - اشارة الى ثلاث من وظائف القادة والمبلغين , فتوجه الخطاب للنبي (ص ) فتقول في البداية (خذ العفو).
العفو: قد ياتي بمعنى الزيادة في الشي ء احيانا, كما قد ياتي بمعنى الحد الوسط, كما ياتي بمعنى قبول العذروالصفح عن المخطئين والمسيئين , وتاتي احيانا بمعنى استسهال الامور.
والـقـرائن الـموجودة في الاية تدل على ان الاية محل البحث لا علاقة لها بالمسائل المالية واخذ الـمـقدارالاضافي من اموال الناس , كما ذهب اليه بعض المفسرين . بل مفهومها المناسب هو استسهال الامور, والصفح ,واختيار الحد الوسط ((168)) .
ومـن الـبـديـهـي انـه لو كان القائد او المبلغ شخصا فظا صعبا, فانه سيفقد نفوذه في قلوب الناس ويتفرقون عنه , كماقال القرآن الكريم : (ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك ) ((169)) .
ثـم تـعـقـيب الاية بذكر الوظيفة الثانية للنبي (ص ) وتامره بان يرشد الناس الى حميد الافعال التي يرتضيها العقل ويدعو اليها اللّه عزوجل قائلة : (وامر بالمعروف ).
وهي تشير الى ان ترك الشدة لا يعني المجاملة , بل هو ان يقول القائد او المبلغ الحق , ويدعو الناس الى الحق ولا يخفي شيئا.
اما الوظيفة الثالثة للنبي (ص ) فهي ان يتحمل الجاهلين , فتقول : (واعرض عن الجاهلين ).
فـالـقادة والمبلغون يواجهون في مسيرهم افرادا متعصبين جهلة يعانون من انحطاط فكري وثقافي وغيرمتخلقين بالاخلاق الكريمة , فيرشقونهم بالتهم , ويسيؤون الظن بهم ويحاربونهم .
فـطـريق معالجة هذه المعضلة لا يكون بمواجهة المشركين بالمثل , بل الطريق السليم هو التحمل والـجلد وعدم الاكثرات بمثل هذه الامور. والتجربة خير دليل على ان هذا الاسلوب هو الاسلوب الامثل لمعالجة الجهلة , واطفاءالنائرة , والقضاء على الحسد والتعصب , وما الى ذلك .
وفـي الايـة الـتـالـية دستور آخر, وهو في الحقيقة يمثل الوظيفة الرابعة التي ينبغي على القادة والـمبلغين ان يتحملوها, وهي ان لا يدعوا سبيلا للشيطان اليهم , سواء كان متمثلا بالمال ام الجاه ام المقام وما الى ذلك , وان يردعوا الشياطين او المتشيطنين ووساوسهم , لئلا ينحرفوا عن اهدافهم .
فالقرآن يقول : (واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باللّه انه سميع عليم ) ((170)) .
اجمع آية اخلاقية ...: روي عـن الامـام الـصادق (ع ) انه قال : لا آية في القرآن اجمع في المسائل الاخلاقية من هذه الاية ((171)) اي الاية الاولى من الايات محل البحث .
قـال بـعـض الـحـكـماء في تفسير هذا الحديث : ان اءصول الفضائل الاخلاقية وفقا لاصول القوي الانسانية العقل والغضب والشهوة تتلخص في ثلاثة اقسام : 1 - الفضائل العقلية : وتدعى بالحكمة , وتتلخص بقوله تعالى : (وامر بالعرف ).
2 - والفضائل النفسية في مواجهة الطغيان والشهوة , وتدعى بالعفة , وتتلخص ب خذ العفو.
3 - والـتـسـلـط عـلى القوة الغضبية , وتدعى بالشجاعة , وتتلخص في قوله تعالى (واعرض عن الجاهلين ).
وسـواء كـان الـحـديث الشريف يدل على ما فسره المفسرون واشرنا اليه آنفا, او كما عبرنا عنه بـشروط القائد اوالمبلغ , فهو يبين هذه الحقيقة , وهي ان هذه الاية القصيرة الوجيزة تتضمن منهجا جـامـعـا واسعا كليا في المجالات الاخلاقية والاجتماعية , بحيث يمكننا ان نجد فيها جميع المناهج الايـجـابـيـة البناءة والفضائل الانسانية . وكما يقول بعض المفسرين : ان اعجاز القرآن بالنسبة الى الايجاز في المبنى , والسعة في المعنى , يتجلى في الاية محل البحث تماما.
ويـنـبـغـي الالتفات الى ان الاية وان كانت تخاطب النبي نفسه الا انها تشمل جميع الامة والمبلغين والقادة .
كـمـا يـنـبـغـي الالـتـفـات الـى ان الايـات محل البحث ليس فيها ما يخالف مقام العصمة ايضا, لان الانـبـياءوالمعصومين ينبغي ان يستعيذوا باللّه من وساوس الشيطان , كما ان اي احد لا يستغني عن لطف اللّه ورعايته والاستعاذة به من وساوس الشياطين , حتى المعصومين .
وجـاء في بعض الروايات انه لما نزلت الاية (خذ العفو...) سال رسول اللّه (ص ) جبرئيل عن ذلك فـقال جبرئيل :لا ادري , حتى اسال العالم ثم اتاه فقال : يا محمد, ان اللّه يامرك ان تعفو عمن ظلمك , وتعطي من حرمك , وتصل من قطعك ((172)) .
وجـاء فـي حـديث آخر انه لما نزلت آية (خذ العفو وامر بالمعروف واعرض عن الجاهلين ) قال الـنـبـي : كـيف يا رب والغضب ؟ فنزل قوله (واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ باللّه انه سميع عليم ) ((173)) .
ويـنـبـغـي الاشـارة الى ان الاية الثانية هنا جاءت في سورة فصلت الاية (36) بتفاوت يسير بين الايتين , اذ وردالتعبير مكان قوله تعالى :(انه سميع عليم )(انه هو السميع العليم ).
وفي الاية التالية بيان للانتصار على وساوس الشيطان بهذا النحو (ان الذين اتقوا اذا مسهم طائف من الـشـيـطان تذكروا فاذا هم مبصرون ). اي يتذكرون ما انعم اللّه عليهم , ويفكرون في سوء عاقبة الذنب وعذاب الاخرة فيتضح لهم بذلك طريق الحق .
والـطـائف : هـو الذي يطوف ويدور حول الشي ء, فكان وساوس الشيطان تدور حول فكر الانسان وروحـه كالطائف حول الشي ء ليجد منفذا اليه , فاذا تذكر الانسان في مثل هذه الحالة ربه , واستعاذ من وساوس الشيطان وعاقبة امره , ابعدها عنه . والا اذعن لها وانقاد وراء الشيطان .
واساسا فان كل انسان في اية مرحلة من الايمان , او اي عمر كان , يبتلى بوساوس الشياطين . وربما احـس احيانا ان في داخله قوة مهيمنة تدفعه نحو الذنب وتدعوه اليه , ولا شك ان مثل هذه الحالة من الوساوس في مرحلة الشباب اكثر منها في اية مرحلة اءخرى , ولا سيما اذا كانت البيئة اءو المحي ط كـمـا هـو فـي الـعصر الحاضر من التحلل والحرية , لا الحرية بمعناها الحقيقي , بل بما يذهب اليه الـحـمـقـى مـن الانـسـلاخ من كل قيد والتزام اخلاقي اواجتماعي او ديني فتزداد الوساوس الشيطانية عندالشباب .
وطريق النجاة الوحيد من هذا التلوث والتحلل في مثل هذه الظروف , هو تقوية رصيد التقوى اولا, كـمـا اشـارت الـيـه الاية (ان الذين اتقوا...) ثم المراقبة والتوجه نحو النفس , والالتجاء الى اللّه وتذكر الطافه ونعمه وعقابه الصارم للمذنب ..
وهـنـاك اشـارات كـثـيرة في الروايات الاسلامية الى اثر ذكر اللّه العميق في معالجة الوساوس الـشيطانية . حتى ان الكثير من المؤمنين والعلماء وذوي المنزلة كانوا يحسون بالخطر عند مواجهة وساوس الشيطان , وكانوا يحاربونهابالمراقبة المذكورة في كتب علم الاخلاق بالتفصيل .
والـوسـاوس الـشيطانية مثلها مثل الجراثيم الضارة التي تبحث عن البنية الضعيفة لتنفذ فيها. الا ان الاجسام القوية تطرد هذه الجرائم فلا تؤثر فيها.
وجـمـلـة (اذا هـم مبصرون ) اشارة الى حقيقة ان الوساوس الشيطانية تلقي حجابا على البصيرة الباطنية للانسان , حتى انه لا يعرف العدو من الصديق , ولا الخير من الشر. الا ان ذكر اللّه يكشف الـحـجب ويزيد الانسان بصيرة وهدى , ويمنحه القدرة على معرفة الحقائق والواقعيات , المعرفة التي تخلصه من مخالب الوساوس الشيطانية .
وملخص القول : اننا لاحظنا في الاية السابقة كيف ينجو المتقون من نزغ الشيطان ووسوسته بذكر اللّه , الا ان الاثـمـيـن اخوة الشياطين يبتلون بمزيد الوساوس فلا ينسلخون عنها, كما تعبر الاية التالية عن ذلك قائلة : (واخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ).
الاخـوان كـنـايـة عن الشياطين , والضمير هم يعود على المشركين والاثمين , كما نقرا هذا المصطلح في الاية (27) من سورة الاسراء (ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين ).
و يـمـدونهم فعل ماخوذ من الامداد ومعناه الاعانة والادامة , اي انهم يسوقونهم في هذا الطريق دائما.
وجملة (ثم لا يقصرون ) تعني ان الشياطين لا يالون جهدا في اضلال المشركين والاثمين .
ثـم تـذكـر الايـة الـتالية حال جماعة من المشركين والمذنبين البعيدين عن المنطق , فتقول : انهم يـكـذبـونك - يارسول اللّه - عندما تتلو عليهم آيات القرآن , ولكن عندما لا تاتيهم باية , او يتاخر الوحي يتساءلون عن سبب ذلك :(واذا لم تاتهم باية قالوا لولا اجتبيتها) ((174)) ولكن قل لهم انني لا اعـمـل ولا اقـول الا بما يوحى اللّه الي (قل انما اتبع مايوحى الي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ).
ويتضح من هذه الاية - ضمنا - ان جميع اقوال النبي وافعاليه مصدرها وحي السماء, ومن قال بغير ذلك فهوبعيد عن القرآن .

الايات 204 - 206:

واذا قـرى ء الـقـرءان فاستمعوا له واءنصتوا لعلكم ترحمون واذكر ربك فى نفسك تضرعاوخيفة ودون الـجـهـر مـن القول بالغدو والا صال ولا تكن من الغفلين ان الذين عندربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون التفسير واذا قرى ء القرآن فاستمعوا وانصتوا: لـقد بدات هذه السورة (سورة الاعراف ) ببيان عظمة القرآن , وتنتهي بالايات - محل البحث - التي تتكلم عن القرآن ايضا.
وبـالـرغـم من ان المفسرين ذكروا اسبابا لنزول الاية الاولى - من هذه الايات محل البحث - منها مـثـلا مـا روي عـن ابن عباس وجماعة آخرين , ان المسلمين في بادي ء امرهم كانوا يتكلمون في الصلاة , وربما ورد شخص (جديد) اثناء الصلاة فيسال المصلين وهم مشغولون بصلاتهم : كم ركعة صليتم ؟ فيجيبونه : كذا ركعة . فنزلت الاية ومنعتهم او نهتهم عن ذلك .
كما نقل الزهري سببا آخر لنزول الاية , وهو انه لما كان النبي يقرا القرآن , كان شاب من الانصار يقرا معه القرآن بصورت مرتفع , فالاية نزلت ونهت عن ذلك .
وايـا كـان شـان نـزول هـذه الايـة , فـهي تقول : (واذا قرى ء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون ).
والفعل انصتوا ماخوذ من مادة الانصات ومعناه : السكوت المشفوع بالاصغاء والاستماع .
وقد اختلف المفسرون في ان الانصات والسكوت هنا في الاية , هل هو عند قراءة القرآن في جميع الموارد؟ ام هو منحصر وقت الصلاة وعند قراءة امام الجماعة ؟ ام هو عندما يقرا امام الجمعة - في خطبة الصلاة - القرآن ؟ كـما ان هناك احاديث شتى في هذا الصدد في كتب الفريقين في تفسير هذه الاية . والذي يستفاد من ظاهر الاية ان هذا الحكم عام غير مختص بحال ما ولا وقت معين . الا ان الروايات المتعددة الواردة عـن الائمـة الطاهرين ,بالاضافة الى اجماع العلماء واتفاقهم على عدم وجوب الاستماع عند قراءة الـقـرآن فـي اية حال , يستدل من ذلك على ان هذا الحكم بصورة كلية حكم استحبابي , اي ينبغي ان قرى ء القرآن - حيثما كان , وكيف كان - ان يستمع الاخرون وينصتوا احتراما للقرآن , لان القرآن ليس كتاب قراءة فحسب , بل هو كتاب فهم وادراك , ثم هو كتاب عمل ايضا.
وهذا الحكم المستحب ورد عليه التاكيد الى درجة ان بعض الروايات عبرت عنه بالوجوب .
اذ ورد عـن الامـام الـصادق (ع ) قوله : يجب الانصات للقرآن في الصلاة وفي غيرها واذا قرى ء عندك القرآن وجب عليك الانصات والاستماع ((175)) .
حـتـى انـه يـسـتفاد من بعض الروايات ان لو كان امام الجماعة مشغولا بالقراءة في الصلاة , وقرا شخص آخر آية من القرآن فيستحب للامام السكوت حتى ينهي قراءة الاية , ثم يكمل الامام قراءته .
حـيـث ورد عـن الامام الصادق (ع ) ان اميرالمؤمنين عليا(ع ) كان مشغولا بصلاة الصبح , وكان ابن الـكـوا - ذلـك المنافق الفظ القلب - خلف الامام مشغولا بالصلاة , فقرا فجاة (ولقد اوحي اليك والى الـذيـن مـن قبلك لئن اشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) وكان هدفه من قراءة الاية ان يـعـتـرض عـلى الامام علي مكنيا عن قبول الحكم في صفين - كما احتملواذلك - لكن الامام سكت احتراما للقرآن حتى ينتهي ابن الكوا من قراءة الاية , ثم رجع الامام الى قراءته فاعاد ابن الكوا عمله مـرة ثـانـيـة , فسكت الامام ايضا, فكرر ابن الكوا القراءة ثالثة فسكت علي (ع ) ايضا, ثم تلا قوله تـعـالـى :(فـاصبر ان وعد اللّه حق ولا يستخفنك الذين لا يؤمنون ) وهو يشير الى ان عذاب اللّه وعـقـابه الاليم في انتظارالمنافقين وغير المؤمنين , وينبغي ان يتحمل الانسان اذاهم , ثم ان الامام اكمل السورة وهوى الى الركوع ((176)) .
ويستفاد من مجمع ما تقدم , ولا سيما من البحث آنف الذكر, ان الاستماع والسكوت عند قراءة آيات الـقـرآن امـر حـسن جدا الا انه بشكل عام غير واجب ... ولعل جملة (لعلكم ترحمون ) اضافة الى الروايات والاجماع , تشيرالى استجباب هذا الحكم ايضا.
والمورد الوحيد الذي يجب فيه السكوت او يكون حكم السكوت فيه واجبا, هو في صلاة الجماعه , اذ عـلى الماموم ان يسكت ويستمع لقراءة الامام , حتى ان جمعا من الفقهاء قالوا: ان هذه الاية تدل على سقوط الحمدوالسورة من قبل الماموم عند صلاه الجماعة .
ومـن جـمـلة الروايات الدالة على هذا الحكم ما روي من حديث عن الامام الباقر(ع ) واذا قرى ء القرآن في الفريضة خلف الامام فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون ((177)) .
وامـا اسـتـعـمـال لعل في هذه الجملة , فهو - كما اشرنا سابقا - لغرض ان تشملكم رحمة اللّه , فمجرد السكوت غير كاف , بل توجد امور اءخرى منها العمل بالاي ايضا.
ولا بـاس ان نـذكر الملاحظة التي بينها الفقيه المعروف الفاضل المقداد السيوري في كتابه كنز الـعرفان اذ فسرالاية تفسيرا آخر فقال : ان المراد من الاية هو الاصغاء للايات وادراك مفاهيمها والاذعان لاعجازها.
ولعل هذا التفسير كان بسبب ان الاية السابقة كانت تتكلم عن المشركين , اذ كانوا يتذرعون بحجج واهـيـة فـي شـان نـزول الـقـرآن , فـالـقـرآن يـقـول لـهم : (فاستمعوا وانصتوا لعلكم تعرفون الحق ) ((178)) .
ولـيـس هـنـاك مـانـع من ان نعتبر مفهوم الاية واسعا بحيث يشمل جميع الكفار والمسلمين , فغير الـمسلمين عليه ان يستمع وينصت للقرآن ويفكر فيه حتى يؤمن فينال رحمة ربه , والمسلم عليه ان يستمع ويدرك مفهوم الاي ويعمل به لينال رحمة ربه , لان القرآن كتاب ايمان وعلم وعمل للجميع , لا لطائفة خاصة او فريق معين .
وفـي الاية التالية اكمالا للامر السابق يخاطب القرآن النبي الكريم - وهذا الحكم كلي وعام ايضا وان كـان الـخطاب موجها للنبي (ص ) كما هو الحال في سائر آيات القرآن الاخرى واحكامها - اذ يقول سبحانه في كتابه :(واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ) ((179)) .
ثم يضيف قائلا: (ودون الجهر من القول بالغدو والاصال ).
[والاصال : جمع الاصيل , ومعناه قبيل المغرب او عند الغروب ].
(ولا تكن من الغافلين ).
فـذكـر اللّه فـي كـل حال وفي كل وقت , صباحا ومساء, مدعاة لايقاظ القلوب وجلائها من الدرن , وابـعـاد الـغـفـلـة عـن الانـسان . ومثله مثل مزنة الربيع , اذا نزلت امرعت القلوب بازهار التوجه والاحساس بالمسؤولية والبصيرة , وكل عمل ايجابي بناء ثم تختتم هذه الاية سورة الاعراف بهذه العبارة , وهي انكم لستم المكلفون بذكر اللّه من يذكر اللّه ليس هو انتم فحسب , بل (ان الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون ).
والتعبير ب (عند ربك ) لا يعني القرب المكاني , لان اللّه ليس له مكان خاص , بل هو اشارة الى القرب المقامي , اي ان الملائكة وغيرهم من المقربين على رغم مقامهم و منزلتهم عنداللّه , فهم لا يقصرون في التسبيح والذكر للّه والسجود له .
والسجدة عند تلاوة هذه الاية مستحبة , الا ان بعض اهل السنة كاصحاب ابي حنيفة واتباعه يقولون بوجوبها.

next page

fehrest page

back page