[صفحة 101 ]

الفعل الفلاني بإرادته واختياره فالفعل اختياري ممكن بالنسبة إلى الانسان وهو بعينه متعلق الارادة الالهية ضروري التحقق بالنسبة إليها ولولاها لم يتحقق.

وقوله: " هو أهل التقوى وأهل المغفرة " أي أهل لان يتقى منه لان له الولاية المطلقة على كل شئ، وبيده سعادة الانسان وشقاوته، وأهل لان يغفر لمن اتقاه لانه غفور رحيم.

والجملة أعني قوله: " هو أهل التقوى وأهل المغفرة " صالحة لتعليل ما تقدم من الدعوة في قوله: " إنه تذكرة فمن شاء ذكره " وهو ظاهر، ولتعليل قوله: " وما يذكرون إلا أن يشاء الله " فإن كونه تعالى أهل التقوى وأهل المغفرة لا يتم إلا بكونه ذا إرادة نافذة فيهم سارية في أعمالهم فليسوا بمخلين وما يهوونه وهم معجزون لله بتمردهم واستكبارهم.

(بحث روائي) في تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: " بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة " وذلك أنهم قالوا: يا محمد قد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يذنب الذنب فيصبح وذنبه مكتوب عند رأسه وكفارته.

فنزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يسألك قومك سنة بني إسرائيل في الذنوب فإن شاءوا فعلنا ذلك بهم وأخذناهم بما كنا نأخذ بني إسرائيل فزعموا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كره ذلك لقومه.

أقول: والقصة لا تلائم لحن الآية والرواية لا تخلو من إيماء إلى ضعف القضة.

وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن السدي عن أبي صالح قال: قالوا: إن كان محمد صادقا فليصبح تحت رأس كل رجل منا صحيفة فيها براءته وأمنته من النار فنزلت: " بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ".

أقول: سياق الآيات وما فيها من الردع لا يلائم القصة.

وفيه أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد " بل يريد كل امرئ منهم ان يؤتى صحفا منشرة " قال: إلى فلان بن فلان من رب العالمين يصبح عند رأس كل رجل صحيفة موضوعة يقرؤها.

[صفحة 102 ]

أقول: ما في الرواية يقبل الانطباق على الرواية السابقة وعلى ما قدمناه من معنى الآية.

وفيه أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله تعالى: " بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة " قال: قد قال قائلون من الناس لمحمد صلى الله عليه وسلم إن سرك أن نتابعك فأتنا بكتاب خاصة يأمرنا باتباعك.

أقول: الرواية قابلة التطبيق لما في تفسير الآية من القول بأن الآية في معنى قوله تعالى: " ولن نؤمن لرقيك " الآية وقد تقدم ما فيه.

وفي تفسير القمي في قوله تعالى: " هو أهل التقوى وأهل المغفرة " قال: هو أهل أن يتقى وأهل أن يغفر.

وفي التوحيد بإسناده إلى أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزوجل: " هو أهل التقوى وأهل المغفرة " قال: قال الله عزوجل: أنا اهل ان أتقى ولا يشرك بي عبدي شيئا وأنا أهل إن لم يشرك بي عبدي شيئا أن أدخله الجنة.

وقال: إن الله تبارك وتعالى أقسم بعزته وجلاله أن لا يعذب أهل توحيده بالنار.

وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن دينار قال: سمعت أبا هريرة وابن عمر وابن عباس يقولون: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله: " هو أهل التقوى وأهل المغفرة " قال: يقول الله: أنا أهل أن اتقى فلا يجعل معي شريك فإذا اتقيت ولم يجعل معي شريك فأنا أهل أن أغفر ما سوى ذلك.

أقول: وفي معناه غير واحد من الروايات عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).

(سورة القيامة مكية وهي اربعون آية)

بسم الله الرحمن الرحيم لا أقسم بيوم القيمة - 1.

ولا أقسم بالنفس اللوامة - 2.

أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه - 3.

بلى قادرين على أن نسوي بنانه - 4.

بل يريد الانسان ليفجر أمامه - 5.

يسئل

[صفحة 103 ]

ايان يوم القيمة - 6.

فإذا برق البصر - 7.

وخسف القمر - 8.

وجمع الشمس والقمر - 9.

يقول الانسان يومئذ اين المفر - 10.

كلا لا وزر - 11.

إلى ربك يومئذ المستقر - 12.

ينبؤا الانسان يومئذ بما قدم واخر - 13.

بل الانسان على نفسه بصيرة - 14.

ولو ألقى معاذيره - 5.

(بيان) يطوف بيان السورة حول القيامة الكبرى فتنبئ بوقوع يوم القيامة أولا ثم تصفه ببعض أشراطه تارة، وبإجمال ما يجرى على الانسان اخرى، وينبئ أن المساق إليه يبدأ من يوم الموت، وتختتم بالاحتجاج على القدرة على الاعادة بالقدرة على الابتداء.

والسورة مكية بشهادة سياق آياتها.

قوله تعالى: " لا اقسم بيوم القيامة " إقسام بيوم القيامة سواء قيل بكون " لا اقسم " كلمة قسم أو بكون لازائدة أو نافية على اختلاف الاقوال.

قوله تعالى: " ولا اقسم بالنفس اللوامة " إقسام ثان على ما يقتضيه السياق ومشاكلة اللفظ فلا يعبأ بما قيل: أنه نفي الاقسام وليس بقسم، والمراد اقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة.

والمراد بالنفس اللوامة نفس المؤمن التي تلومه في الدنيا على المعصية والتثاقل في الطاعة وتنفعه يوم القيامة.

وقيل: المراد به النفس الانسانية أعم من المؤمنة الصالحة والكافرة الفاجرة فإنها تلوم الانسان يوم القيامة أما الكافرة فانها تلومه على كفره وفجوره، وأما المؤمنة فانها تلومه على قلة الطاعة وعدم الاستكثار من الخير.

وقيل.

المراد نفس الكافر الذي تلومه يوم القيامة على ما قدمت من كفر ومعصية قال تعالى: " وأسروا الندامة لما رأوا العذاب " يونس: 54.

ولكل من الاقوال وجه.

[صفحة 104 ]

وجواب القسم محذوف يدل عليه الآيات التالية، والتقدير ليبعثن، وإنما حذف للدلالة على تفخيم اليوم وعظمة أمره قال تعالى: " ثقلت في السماوات والارض لا تأتيكم إلا بغتة " الاعراف: 187، وقال: " إن الساعة آتية أكاد اخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى " طه 15، وقال: " عم يتساءلون عن النبأ العظيم " النباء: 1.

قوله تعالى: " أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه " الحسبان الظن، وجمع العظام كناية عن الاحياء بعد الموت، والاستفهام للتوبيخ، والمعنى ظاهر.

قوله تعالى: " بلى قادرين على أن نسوي بنانه " أي بلى نجمعها " وقادرين " حال من فاعل مدخول بلى المقدر، والبنان أطراف الاصابع وقيل: الاصابع وتسوية البنان تصويرها على ما هي عليها من الصور، والمعنى بلى نجمعها والحال أنا قادرون على أن نصور بنانه على صورها التي هي عليها بحسب خلقنا الاول.

وتخصيص البنان بالذكر - لعله - للاشارة إلى عجيب خلقها بما لها من الصور وخصوصيات التركيب والعدد تترتب عليها فوائد جمة لا تكاد تحصى من أنواع القبض والبسط والاخذ والرد وسائر الحركات اللطيفة والاعمال الدقيقة والصنائع الظريفة التي يمتاز بها الانسان من سائر الحيوان مضافا إلى ما عليها من الهيئات والخطوط التي لا يزال ينكشف للانسان منها سر بعد سر.

وقيل: المراد بتسوية البنان جعل أصابع اليدين والرجلين مستوية شيئا واحدا من غير تفريق كخف البعير وحافر الحمار، والمعنى قادرين على أن نجعلها شيئا واحدا فلا يقدر الانسان حينئذ على ما يقدر عليه مع تعدد الاصابع من فنون الاعمال، والوجه المتقدم أرجح.

قوله تعالى: " بل يريد الانسان ليفجر أمامه " قال الراغب: الفجر شق الشئ شقا واسعا.

قال: والفجور شق ستر الديانة يقال: فجر فجورا فهو فاجر وجمعه فجار وفجرة.

انتهى، و " أمام " ظرف مكان استعير لمستقبل الزمان، والمراد من فجوره أمامه فجوره مدى عمره وما دام حيا، وضمير " أمامه " للانسان.

وقوله: " ليفجر أمامه " تعليل ساد مسد معلله وهو التكذيب بالبعث والاحياء بعد الموت، و " بل " إضراب عن حسبانه عدم البعث والاحياء بعد الموت.

[صفحة 105 ]

والمعنى: أنه لا يحسب أن لن نجمع عظامه بل يريد أن يكذب بالبعث ليفجر مدى عمره إذ لا موجب للايمان والتقوى لو لم يكن هناك بعث للحساب والجزاء.

هذا ما يعطيه السياق في معنى الآية، ولهم وجوه أخر ذكروها في معنى الآية بعيدة لا تلائم السياق أغمضنا عن ذكرها.

وذكر الانسان في الآية من وضع الظاهر موضع الضمير والنكتة فيه زيادة التوبيخ والمبالغة، في التقريع، وقد كرر ذلك في الآية وما يتلوها من الآيات أربع مرات.

قوله تعالى: " يسأل أيان يوم القيامة " الظاهر أنه بيان لقوله: " بل يريد الانسان ليفجر أمامه " فيفيد التعليل وأن السائل في مقام التكذيب والسؤال سؤال تكذيب إذ من الواجب على من دعي إلى الايمان والتقوى، وأنذر بهذا النبأ العظيم مع دلالة الآيات البينة وقيام الحجج القاطعة أن يتخذ حذره ويتجهز بالايمان والتقوى ويتهيأ للقاء اليوم قريبا كان أو بعيدا فكل ما هو آت قريب لا أن يسأل متى تقوم الساعة؟ وأيان يوم القيامة؟ فليس إلا سؤال مكذب مستهزئ.

قوله تعالى: " فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر " ذكر جملة من أشراط الساعة، وبريق البصر تحيره في إبصاره ودهشته، وخسوف القمر زوال نوره.

قوله تعالى: " يقول الانسان يومئذ أين المفر " أي أين موضع الفرار، وقوله: " أين المفر " مع ظهور السلطنة الالهية له وعلمه بأن لا مفر ولا فرار يومئذ من باب ظهور ملكاته يومئذ فقد كان في الدنيا يسأل عن المفر إذا وقع في شدة أو هددته مهلكة وذلك كإنكارهم الشرك يومئذ وحلفهم كذبا قال تعالى: " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين " الانعام: 23، وقال: " يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم " المجادلة: 18.

قوله تعالى: " كلا لا وزر " ردع عن طلبهم المفر، والوزر الملجأ من جبل أو حصن أو غيرهما، وهو من كلامه تعالى لا من تمام كلام الانسان.

قوله تعالى: " إلى ربك يومئذ المستقر " الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتقديم " إلى ربك " وهو متعلق بقوله: " المستقر " يفيد الحصر فلا مستقر إلى غيره فلا وزر ولا ملجأ يلتجأ إليه فيمنع عنه.

[صفحة 106 ]

وذلك أن الانسان سائر إليه تعالى كما قال: " يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه " الانشقاق: 6 وقال: " إن إلى ربك الرجعى " العلق: 8 وقال: " وأن إلى ربك المنتهى " النجم: 42 فهو ملاقي ربه راجع ومنته إليه لا حاجب يحجبه عنه ولا مانع يمنعه منه واما الحجاب الذي يشير إليه قوله: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " المطففين: 15 فسياق الآيتين يعطي ان المراد به حجاب الحرمان من الكرامة لا حجاب الجهل أو الغيبة.

ويمكن ان يكون المراد بكون مستقره إليه رجوع امر ما يستقر فيه من سعادة أو شقاوة وجنة أو نار إلى مشيته تعالى فمن شاء جعله في الجنة وهم المتقون ومن شاء جعله في النار وهم المجرمون قال تعالى: " يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء " المائدة: 40.

ويمكن ان يراد به ان استقرارهم يومئذ إلى حكمه تعالى فهو النافذ فيهم لا غير قال  تعالى: " كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون " القصص: 88.

قوله تعالى: " ينبؤ الانسان يومئذ بما قدم واخر " المراد بما قدم واخر ما عمله من حسنة أو سيئة في أول عمره وآخره أو ما قدمه على موته من حسنة أو سيئة وما اخر من سنة حسنة سنها أو سنة سيئة فيثاب بالحسنات ويعاقب على السيئات.

وقيل: المراد بما قدم ما عمله من حسنة أو سيئة فيثاب على الاول ويعاقب على الثاني، وبما أخر ما تركه من حسنة أو سيئة فيعاقب على الاول ويثاب على الثاني، وقيل، المراد ما قدم من المعاصي وما أخر من الطاعات، وقيل، ما قدم من طاعة الله واخر من حقه فضيعه، وقيل: ما قدم من ماله لنفسه وما ترك لورثته وهي وجوه ضعيفة بعيدة عن الفهم.

قوله تعالى: " بل الانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره " إضراب عن قوله، ينبؤا الانسان " الخ، والبصيرة رؤية القلب والادراك الباطني وإطلاقها على الانسان من باب زيد عدل أو التقدير الانسان ذو بصيرة على نفسه.

وقيل: المراد بالبصيرة الحجة كما في قوله تعالى، " ما انزل هؤلاء إلا رب السموات والارض بصائر " اسرى، 102 والانسان نفسه حجة على نفسه يومئذ حيث يسأل عن سمعه وبصره وفؤاده ويشهد عليه سمعه وبصره وجلده ويتكلم يداه ورجلاه، قال تعالى:

[صفحة 107 ]

" إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا " اسرى 36، وقال " شهد عليهم سمعهم وابصارهم وجلودهم " حم السجدة، 20.

وقال، " وتكلمنا ايديهم وتشهد ارجلهم " يس: 65.

وقوله: " ولو القى معاذيره " المعاذير جمع معذرة وهي ذكر موانع تقطع عن الفعل المطلوب، والمعنى هو ذو بصيرة على نفسه ولو جادل عن نفسه واعتذر بالمعاذير لصرف العذاب عنها.

وقيل: المعاذير جمع مذار وهو الستر، والمعنى وإن أرخى الستور ليخفى ما عمل فإن نفسه شاهدة عليه ومآل الوجهين واحد.

(بحث روائي) في تفسير القمي في قوله تعالى: " ولا أقسم بالنفس اللوامة " قال: نفس آدم التي عصت فلامها الله عزوجل.

أقول: وفي انطباقها على الآية خفاء.

وفيه في قوله: " بل يريد الانسان ليفجر أمامه " قال: يقدم الذنب ويؤخر التوبة ويقول: سوف أتوب.

وفيه في قوله: " فإذا برق البصر " قال: يبرق البصر فلا يقدر أن يطرف.

وفيه في قوله تعالى: " بل الانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره " قال: يعلم ما صنع وإن اعتذر.

وفي الكافي باسناده عن عمر بن يزيد قال: إني لاتعشى مع ابي عبد الله (عليه السلام) وتلا هذه الآية " بل الانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره، ثم قال: يا ابا حفص ما يصنع الانسان ان يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم الله منه؟ إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: من اسر سريرة البسه الله رداها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

وفي المجمع وروي العياشي باسناده عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: ما يصنع احدكم ان يظهر حسنا ويستر سيئا؟ اليس إذا رجع إلى نفسه يعلم انه

[صفحة 108 ]

ليس كذلك؟ والله سبحانه يقول: " بل الانسان على نفسه بصيرة " إن السريرة إذا صلحت قويت العلانية.

أقول: ورواه في اصول الكافي باسناده عن فضل ابي العباس عنه (عليه السلام).

وفيه عن العياشي عن زرارة قال، سألت ابا عبد الله (عليه السلام) ما حد المرض الذي يفطر صاحبه؟ قال، " بل الانسان على نفسه بصيرة " هو اعلم بما يطيق.

أقول: ورواه في الفقيه ايضا.

لا تحرك به لسانك لتعجل به - 16.

ان علينا جمعه وقرآنه - 17.

فإذا قرأناه فاتبع قرآنه - 18.

ثم ان علينا بيانه - 19.

كلا بل تحبون العاجلة - 20.

وتذرون الآخرة - 21.

وجوه يومئذ ناضرة - 22.

إلى ربها ناظرة - 23.

ووجوه يومئذ باسرة - 24.

تظن أن يفعل بها فاقرة - 25.

كلا إذا بلغت التراقي - 26.

وقيل من راق - 27.

وظن أنه الفراق - 28.

والتفت الساق بالساق - 29.

إلى ربك يومئذ المساق - 30.

فلا صدق ولا صلى - 31.

ولكن كذب وتولى - 32.

ثم ذهب إلى أهله يتمطى - 33.

أولى لك فأولى - 34.

ثم أولى لك فأولى - 35.

أيحسب الانسان أن يترك سدى - 36.

ألم يك نطفة من مني يمنى - 37.

ثم كان علقة فخلق فسوى - 38.

فجعل منه الزوجين الذكر والانثى - 39.

أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى - 40.

[صفحة 109 ]

(بيان) تتمة صفة يوم القيامة باعتبار حال الناس فيه وانقسامهم إلى طائفة ناضرة الوجوه مبتهجين واخرى باسرة الوجوه عابسين آيسين من النجاة، والاشارة إلى ان هذا المساق تبتدئ من حين نزول الموت ثم الاشارة إلى ان الانسان لا يترك سدى فالذي خلقه أولا قادر على أن يحييه ثانيا وبه تختتم السورة.

قوله تعالى: " لا تحرك به لسانك لتعجل به - إلى قوله - ثم إن علينا بيانه " الذي يعطيه سياق الآيات الاربع بما يحفها من الآيات المتقدمة والمتأخرة الواصفة ليوم القيامة أنها معترضة متضمن أدبا إلهيا كلف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتأدب به حينما يتلقى ما يوحى إليه من القرآن الكريم فلا يبادر إلى قراءة ما لم يقرء بعد ولا يحرك به لسانه وينصت حتى يتم الوحي.

فالآيات الاربع في معنى قوله تعالى: " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه " طه: 114.

فالكلام في هذه الآيات يجري مجرى قول المتكلم منا أثناء حديثه لمخاطبة إذا بادر إلى تتميم بعض كلام المتكلم باللفظة واللفظتين قبل أن يلفظ بها المتكلم وذلك يشغله عن التجرد للانصات فيقطع المتكلم حديثه ويعترض ويقول لا تعجل بكلامي وأنصت لتفقه ما أقول لك ثم يمضى في حديثه.

فقوله: " لا تحرك به لسانك لتعجل به " الخطاب فيه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والضميران للقرآن الذي يوحى إليه أو للوحي.

والمعنى لا تحرك بالوحي لسانك لتأخذه عاجلا فتسبقنا إلى قراءة ما لم نقرا بعد فهو كما مر في معنى قوله: " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه " طه: 114.

وقوله: " إن علينا جمعه وقرآنه " القرآن ههنا مصدر كالفرقان والرجحان، والضميران للوحي، والمعنى لا تعجل به إذ علينا أن نجمع ما نوحيه إليك بضم بعض أجزائه إلى بعض وقراءته عليك فلا يفوتنا شئ منه حتى يحتاج إلى أن تسبقنا إلى قراءة ما لم نوحه بعد.

[صفحة 110 ]

وقيل: المعنى إن علينا أن نجمعه في صدرك بحيث لا يذهب عليك شئ من معانيه وان نثبت قراءته في لسانك بحيث تقرأه متى شئت ولا يخلو من بعد.

وقوله: " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " أي فإذا اتممنا قراءته عليك وحيا فاتبع قراءتنا له واقرء بعد تمامها.

وقيل: المراد باتباع قرآنه اتباعه ذهنا بالانصات والتوجه التام إليه وهو معنى لا بأس به.

وقيل: المراد فاتبع في الاوامر والنواهي قرآنه، وقيل: المراد اتباع قراءته بالتكرار حتى يرسخ في الذهن وهما معنيان بعيدان.

وقوله: " ثم إن علينا بيانه " اي علينا ايضاحه عليك بعد ما كان علينا جمعه وقرآنه فثم للتأخير الرتبي لان البيان مترتب على الجمع والقراءة رتبة.

وقيل، المعنى ثم إن علينا بيانه للناس بلسانك نحفظه في ذهنك عن التغير والزوال حتى تقرأه على الناس.

وقال بعضهم في معنى هذه الآيات إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحرك لسانه عند الوحي بما ألقي إليه من القرآن مخافة أن ينساه فنهي عن ذلك بالآيات وأمر بالانصات حتى يتم الوحي فضمير " لا تحرك به " للقرآن أو الوحي باعتبار ما قرء عليه منه لا باعتبار ما لم يقرء بعد.

وفيه أنه لا يلائم سياق الآيات، تلك الملاءمة نظرا إلى ما فيها من النهي عن العجل والامر باتباع قرآنه تعالى بعد ما قرء، وكذا قوله، " إن علينا جمعه وقرآنه " فذلك كله أظهر فيما تقدم منها في هذا المعنى.

وعن بعضهم في معنى هذه الآيات، الذي اختاره انه لم يرد القرآن، وانما أراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة يدل على ذلك ما قبله وما بعده، وليس فيه شئ يدل على أنه القرآن ولا شئ من احكام الدنيا.

وفي ذلك تقريع وتوبيخ له حين لا تنفعه العجلة يقول: لا تحرك لسانك بما تقرأه من صحيفتك التي فيها أعمالك يعني اقرأ كتابك ولا تعجل فإن هذا الذي هو على نفسه بصيرة إذا رأى سيئاته ضجر واستعجل فيقال له توبيخا: لا تعجل وتثبت لتعلم الحجة عليك

[صفحة 111 ]

فإنا نجمعها لك فإذا جمعناه فاتبع ما جمع عليك بالانقياد لحكمه والاستسلام للتبعة فيه فإنه لا يمكنك إنكاره ثم إن علينا بيانه لو انكرت.

انتهى.

ويدفعه أن المعترضة لا تحتاج في تمام معناها إلى دلالة مما قبلها وما بعدها عليه على أن مشاكلة قوله: " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى اليك وحيه " في سياقه لهذه الآيات تؤيد مشاكلتها له في المعنى.

وعن بعضهم أن الآيات الاربع متصلة بما تقدم من حديث يوم القيامة، وخطاب " لا تحرك " للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وضمير " به " ليوم القيامة، والمعنى لا تتفوه بالسؤال عن وقت القيامة أصلا ولو كنت غير مكذب ولا مستهزئ " لتعجل به " أي بالعلم به " إن علينا جمعه وقرآنه " أي من الواجب في الحكمة أن نجمع من نجمعه فيه ونوحي شرح وصفه اليك في القرآن " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " أي إذا قرأنا ما يتعلق به فاتبع ذلك بالعمل بما يقتضيه من الاستعداد له " ثم إن علينا بيانه " أي إظهار ذلك بالنفخ في الصور انتهى ملخصا وهو كما ترى.

وقد تقدم في تفسير قوله: " ولا تعجل بالقرآن " أن هذا النهي عن العجل بالقرآن يؤيد ما ورد في الروايات أن للقرآن نزولا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دفعة غير نزوله تدريجا.

قوله تعالى: " كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة " خطاب للناس وليس من تعميم الخطاب السابق في شئ لان خطاب " لا تحرك " اعتراضي غير مرتبط بشئ من طرفيه.

وقوله: " كلا " ردع عن قوله السابق: " يحسب الانسان أن لن نجمع عظامه " وقوله: " بل تحبون العاجلة " - أي الحياة العاجلة وهي الحياة الدنيا - " وتذرون الآخرة " أي تتركون الحياة الآخرة، وما في الكلام من الاضراب إضراب عن حسبان عدم الاحياء بعد الموت نظير الاضراب في قوله: " بل يريد الانسان ليفجر أمامه ".

قوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " وصف ليوم القيامة بانقسام الوجوه فيه إلى قسمين: ناضرة وباسرة، ونضرة الوجه واللون والشجر ونحوها ونضارتها حسنها وبهجتها.

والمعنى: نظرا إلى ما يقابله من قوله: " ووجوه يومئذ باسرة " الخ وجوه يوم إذ تقوم القيامة حسنة متهللة ظاهرة المسرة والبشاشة قال تعالى: " تعرف في وجوههم نضرة

[صفحة 112 ]

النعيم " المطففين: 24، وقال: " ولقاهم نضرة وسرورا " الدهر: 11.

وقوله: " إلى ربها ناظرة " خبر بعد خبر لوجوه، و " إلى ربها " متعلق بناظرة قدم عليها لافادة الحصر أو الاهمية.

والمراد بالنظر إليه تعالى ليس هو النظر الحسي المتعلق بالعين الجسمانية المادية التي قامت البراهين القاطعة على استحالته في حقه تعالى بل المراد النظر القلبي ورؤية القلب بحقيقة الايمان على ما يسوق إليه البرهان ويدل عليه الاخبار المأثورة عن أهل العصمة (عليهم السلام) وقد أوردنا شطرا منها في ذيل تفسير قوله تعالى: " قال رب أرني أنظر اليك " الاعراف: 143، وقوله تعالى: " ما كذب الفؤاد ما رأى " النجم: 11.

فهؤلاء قلوبهم متوجهة إلى ربهم لا يشغلهم عنه سبحانه شاغل من الاسباب لتقطع الاسباب يومئذ، ولا يقفون موقفا من مواقف اليوم ولا يقطعون مرحلة من مراحله إلا والرحمة الالهية شاملة لهم " وهم من فزع يومئذ آمنون " النمل: 89 ولا يشهدون مشهدا من مشاهد الجنة ولا يتنعمون بشئ من نعيمها إلا وهم يشاهدون ربهم به لانهم لا ينظرون إلى شئ ولا يرون شيئا إلا من حيث إنه آية لله سبحانه والنظر إلى الآية من حيث إنها آية ورؤيتها نظر إلى ذي الآية ورؤية له.

ومن هنا يظهر الجواب عما اورد على القول بأن تقديم " إلى ربها " على " ناظرة " يفيد الحصر والاختصاص، أن من الضروري أنهم ينظرون إلى غيره تعالى كنعم الجنة.

والجواب أنهم لما لم يحجبوا عن ربهم كان نظرهم إلى كل ما ينظرون إليه انما هو بما أنه آية، والآية بما أنها آية لا تحجب ذا الآية ولا تحول بينه وبين الناظر إليه فالنظر إلى الآية نظر إلى ذي الآية فهؤلاء لا ينظرون في الحقيقة إلا إلى ربهم.

وأما ما أجيب به عنه أن تقديم " إلى ربها " لرعاية الفواصل ولو سلم أنه للاختصاص فالنظر إلى غيره في جنب النظر إليه لا يعد نظرا، ولو سلم فالنظر إليه تعالى في بعض الاحوال لا في جميعها.

فلا يخلو من تكلف التقييد من غير مقيد على أنه أسند النظر إلى الوجوه لا إلى العيون أو الابصار ووجوه أهل الجنة إلى ربهم دائما من غير أن يواجهوا بها غيره.

قوله تعالى: " ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة " فسر البسور بشدة

[صفحة 113 ]

العبوس والظن بالعلم و " فاقرة " صفة محذوفة الموصوف أي فعلة فاقرة، والفاقرة من فقره إذا أصاب فقار ظهره، وقيل: من فقرت البعير إذا وسمت أنفه بالنار.

والمعنى: ووجوه يومئذ شديدة العبوس تعلم أنه يفعل بها فعلة تقصم ظهورها أو تسم انوفها بالنار، واحتمل أن يكون تظن خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنه سامع والظن بمعناه المعروف.

قوله تعالى: " كلا إذا بلغت التراقي " ردع عن حبهم العاجلة وإيثارها على الآخرة كأنه قيل: ارتدعوا عن ذلك فليس يدوم عليكم وسينزل عليكم الموت فتساقون إلى ربكم وفاعل " بلغت " محذوف يدل عليه السياق كما في قوله تعالى: " فلولا إذا بلغت الحلقوم " الواقعة: 83 والتقدير إذا بلغت النفس التراقي.

والتراقي العظام المكتنفة للنحر عن يمين وشمال جمع ترقوة، والمعنى ظاهر.

قوله تعالى: " وقيل من راق " اسم فاعل من الرقى أي قال من حضره من اهله واصدقائه من يرقيه ويشفيه؟ كلمة يأس، وقيل: المعنى قال بعض الملائكة لبعض: من يرقي بروحه من الملائكة أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ قوله تعالى: " وظن انه الفراق " اي وعلم الانسان المحتضر من مشاهدة هذه الاحوال انه مفارقته للعاجلة التي كان يحبها ويؤثرها على الآخرة.

قوله تعالى: " والتفت الساق بالساق " ظاهره ان المراد به التفاف ساق المحتضر بساقه ببطلان الحياة السارية في اطراف البدن عند بلوغ الروح التراقي.

وقيل: المراد به التفاف شدة امر الآخرة بأمر الدنيا، وقيل: التفاف حال الموت بحال الحياة، وقيل: التفاف ساق الدنيا وهي شدة كرب الموت بساق الاخرة وهي شدة هول المطلع.

ولا دليل من جهة اللفظ على شئ من هذه المعاني نعم من الممكن ان يقال: ان المراد بالتفاف الساق بالساق غشيان الشدائد وتعاقبها عليه واحدة بعد اخرى من حينه ذلك إلى يوم القيامة فينطبق على كل من المعاني.

قوله تعالى: " إلى ربك يومئذ المساق " المساق مصدر ميمي بمعنى السوق، والمراد بكون السوق يومئذ إليه تعالى انه الرجوع إليه، وعبر بالمساق للاشارة إلى ان لا خيرة للانسان في هذا المسير ولا مناص له عنه فهو مسوق مسير من يوم موته وهو قوله، " إلى ربك يومئذ المساق " حتى يرد على ربه يوم القيامة وهو قوله: " إلى ربك يومئذ المستقر "

[صفحة 114 ]

ولو كان تقديم " إلى ربك " لافادة الحصر افاد انحصار الغاية في الرجوع إليه تعالى.

وقيل: الكلام على تقدير مضاف وتقديم " إلى ربك " لافادة الحصر والتقدير إلى حكم ربك يومئذ المساق اي يساق ليحكم الله ويقضي فيه بحكمه، أو التقدير إلى موعد ربك وهو الجنة والنار، وقيل: المراد برجوع المساق إليه تعالى انه تعالى هو السائق لا غير، والوجه ما تقدم.

قوله تعالى: " فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى اهله يتمطى " الضمائر راجعة إلى الانسان المذكور في قوله: " أيحسب الانسان " الخ، والمراد بالتصديق المنفي تصديق الدعوة الحقة التي يتضمنها القرآن الكريم، وبالتصلية المنفية التوجه العبادي إليه تعالى بالصلاة التي هي عمود الدين.

والتمطي - على ما في المجمع - تمدد البدن من الكسل واصله أن يلوي مطاه اي ظهره، والمراد بتمطيه في ذهابه التبختر والاختيال استعارة.

والمعنى: فلم يصدق هذا الانسان الدعوة فيما فيها من الاعتقاد ولم يصل لربه أي لم يتبعها فيما فيها من الفروع وركنها الصلاة ولكن كذب بها وتولى عنها ثم ذهب إلى أهله يتبختر ويختال مستكبرا.

قوله تعالى: " أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى " لا ريب أنه كلمة تهديد كررت لتأكيد التهديد، ولا يبعد - والله أعلم - أن يكون قوله: " أولى لك " خبرا لمبتدء محذوف هو ضمير عائد إلى ما ذكر من حال هذا الانسان وهو أنه لم يصدق ولم يصل ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله متبخترا مختالا، وإثبات ما هو فيه من الحال له كناية عن إثبات ما هو لازمه من التبعة والعقاب.

فيكون الكلام وهي كلمة ملقاة من الله تعالى إلى هذا الانسان كلمة طبع طبع الله بها على قلبه حرم بها الايمان والتقوى وكتب عليه أنه من أصحاب النار، والآيتان تشبهان بوجه قوله تعالى: " فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم " سورة محمد: " 20.

والمعنى: ما أنت عليه من الحال أولى وأرجح لك فأولى ثم أولى لك فأولى لتذوق وبال أمرك ويأخذك ما أعد لك من العذاب.

وقيل: اولى لك اسم فعل مبني ومعناه وليك شر بعد شر.

وقيل: أولى فعل ماض دعائي من الولي بمعنى القرب وفاعل الفعل ضمير مستتر عائد إلى الهلاك واللام مزيدة والمعنى أولاك الهلاك.

[صفحة 115 ]

وقيل: الفاعل ضمير مستتر راجع إليه تعالى واللام مزيدة، والمعنى أولاك الله ما تكرهه، أو غير مزيدة والمعنى أدناك الله مما تكرهه.

وقيل: معناه الذم أولى لك من تركه إلا أنه حذف وكثر في الكلام حتى صار بمنزلة الويل لك وصار من المحذوف الذي لا يجوز إظهاره.

وقيل: المعنى أهلكك الله هلاكا أقرب لك من كل شر وهلاك.

وقيل: أولى أفعل تفضيل بمعنى الاحرى، وخبر لمبتدء محذوف يقدر كما يليق بمقامه فالتقدير هنا النار أولى لك أي أنت أحق بها وأهل لها فأولى.

وهي وجوه ضعيفة لا تخلو من تكلف والوجه الاخير قريب مما قدمنا وليس به.

قوله تعالى: " أيحسب الانسان ان يترك سدى " مختتم فيه رجوع إلى ما في مفتتح السورة من قوله: " أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه ".

والاستفهام للتوبيخ، والسدى المهمل، والمعنى أيظن الانسان ان يترك مهملا لا يعتنى به فلا يبعث بإحيائه بعد الموت ولازمه ان لا يكلف ولا يجزى.

قوله تعالى: " ألم يك نطفة من مني يمنى " اسم كان ضمير راجع إلى الانسان، وإمناء المني صبه في الرحم.

قوله تعالى: " ثم كان علقة فخلق فسوى " أي ثم كان الانسان - أو المني - قطعة من دم منعقد فقدره فصوره بالتعديل والتكميل.

قوله تعالى: " فجعل منه الزوجين الذكر والانثى " أي فجعل من الانسان الصنفين: الذكر والانثى.

قوله تعالى: " أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى " احتجاج على البعث الذي ينكرونه استبعادا له بعموم القدرة وثبوتها على الخلق الابتدائي والاعادة لا تزيد على الابتداء مؤنة بل هي أهون، وقد تقدم الكلام في تقريب هذه الحجة في تفسير الآيات المتعرضة لها مرارا.

(بحث روائي) في الدر المنثور أخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الانباري في المصاحف والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج

[صفحة 116 ]

من التنزيل شدة، وكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن ينفلت منه يريد أن يحفظه فأنزل الله " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه " قال: إن علينا أن نجمعه في صدرك ثم نقرأه " فإذا قرأناه " يقول: إذا أنزلناه عليك " فاتبع قرآنه " فاستمع له وانصت " ثم إن علينا بيانه " بينه [ نبينه ظ ] بلسانك، وفي لفظ علينا أن نقرأه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق - وفي لفظ استمع - فإذا ذهب قرء كما وعده الله.

وفيه أخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه القرآن تعجل بقراءته ليحفظه فنزلت هذه الآية " لا تحرك به لسانك ".

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم ختم سورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم.

أقول: وروى ما في معنى صدر الحديث في المجمع عن ابن جبير وفي معناه غير واحد من الروايات، وقد تقدم أن في انطباق هذا المعنى على الآيات خفاء.

وفي تفسير القمي قوله تعالى: " كلا بل تحبون العاجلة " قال: الدنيا الحاضرة " وتذرون الآخرة " قال: تدعون " وجوه يومئذ ناضرة " أي مشرقة " إلى ربها ناظرة " قال: ينظرون إلى وجه الله أي رحمة الله ونعمته.

وفي العيون في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من أخبار التوحيد باسناده إلى ابراهيم بن أبي محمود قال: قال علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في قوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " يعني مشرقة تنتظر ثواب ربها.

أقول: ورواه في التوحيد والاحتجاج والمجمع عن علي (عليه السلام)، وقد اعترض على أخذ ناظرة بمعنى منتظرة بأن الانتظار لا يتعدى بالى بل هو متعد بنفسه، ورد عليه في مجمع البيان بالاستشهاد بقول جميل بن معمر: وإذا نظرت إليك من ملك * والبحر دونك جدتنى نعما وقول الآخر: إنى إليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر وعد في الكشاف إطلاق النظر في الآية بمعنى الانتظار استعمالا كنائيا وهو معنى حسن.

[صفحة 117 ]

وفي الدر المنثور أخرج ابن ابي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والآجري في الشريعة والدارقطني في الرؤية والحاكم وابن مردويه واللالكائي في السنة والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أدنى أهل الجنة منزلا لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية.

ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وجوه يومئذ ناضرة " قال: البياض والصفاه " إلى ربها ناظرة " قال: ينظر كل يوم في وجهه.

أقول: الرواية تقبل الانطباق على المعنى الذي أوردناه في تفسير الآية، ومع الغض عنه تقبل الحمل على رحمته وفضله وكرمه تعالى وسائر صفاته الفعلية فإن وجه الشئ ما يستقبل به الشئ غيره وما يستقبل به الله سبحانه خلقه هو صفاته الكريمي فالنظر إلى رحمة الله وفضله وكرمه وصفاته الكريمة نظر إلى وجه الله الكريم.

وفيه أخرج ابن مردويه عن انس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " قال: ينظرون إلى ربهم بلا كيفية ولا حد محدود ولا صفة معلومة.

أقول: والرواية تؤيد ما قدمنا في تفسير الآية أن المراد به النظر القلبي ورؤية القلب دون العين الحسية، وهي تفسر ما ورد في عدة روايات من طرق أهل السنة مما ظاهره التشبيه وأن الرؤية بالعين الحسية التي لا تفارق المحدودية.

وفي تفسير القمي في قوله تعالى: " كلا إذا بلغت التراقي " قال: يعني النفس إذا بلغت الترقوة " وقيل من راق " قال: يقال له: من يرقيك " وظن أنه الفراق " علم أنه الفراق وفي الكافي بإسناده إلى جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزوجل " وقيل من راق وظن أنه الفراق " قال: فان ذلك ابن آدم إذا حل به الموت قال: هل من طبيب " وظن أنه الفراق " أيقن بمفارقة الاحبة " والتفت الساق بالساق " قال: التفت الدنيا بالآخرة " إلى ربك يومئذ المساق " قال: المسير إلى رب العالمين.

وفي تفسير القمي " والتفت الساق بالساق " قال: التفت الدنيا بالآخرة " إلى ربك يومئذ المساق " قال: يساقون إلى الله.

[صفحة 118 ]

وفي العيون باسناده عن عبد العظيم الحسني قال، سألت محمد بن علي الرضا (عليه السلام) عن قول الله عزوجل، " أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى " قال: يقول الله عزوجل بعدا لك من خير الدنيا وبعدا لك من خير الآخرة.

أقول: يمكن إرجاعه إلى ما قدمناه من معنى الآيتين، وكذا إلى بعض ما قيل فيه.

وفي المجمع وجاءت الرواية أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ بيد أبي جهل ثم قال له: أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى.

فقال أبو جهل: بأي شئ تهددني لا تستطيع انت وربك أن تفعلا بى شيئا، وإني لاعز اهل هذا الوادي، فأنزل الله سبحانه كما قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

أقول: وروى ما في معناه في الدر المنثور عن عدة عن قتادة قال: ذكر لنا وساق الحديث.

وفي تفسير القمي في قوله تعالى: " أيحسب الانسان أن يترك سدى " قال: لا يحاسب ولا يعذب ولا يسأل عن شئ.

وفي العلل بإسناده إلى مسعده بن زياد قال: قال رجل لجعفر بن محمد (عليه السلام)، يا أبا عبد الله إنا خلقنا للعجب قال: وما ذلك لله انت؟ قال: خلقنا للفناء فقال يابن أخ خلقنا للبقاء، وكيف يفنى جنة لا تبيد ونار لا تخمد؟ ولكن قل: إنما نتحول من دار إلى دار.

وفي المجمع وجاء في الحديث عن البراء عن عازب قال: لما نزلت هذه الآية " أليس ذلك بقادر على ان يحيي الموتى " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): سبحانك اللهم وبلى وروي ذلك عن ابي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام).

أقول: وروى في الدر المنثور عن ابي هريرة وغيره انه صلى الله عليه وسلم إذا قرء الآية قال: سبحانك اللهم وبلى، وكذا في العيون عن الرضا (عليه السلام) انه كان إذا قرء السورة قال عند الفراغ سبحانك اللهم بلى.

[صفحة 119 ]

(سورة الدهر مدنية وهي إحدى وثلاثون آية)

بسم الله الرحمن الرحيم هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا - 1.

إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا - 2.

إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا - 3.

إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا - 4.

إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا - 5.

عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا - 6.

يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا - 7.

ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا - 8.

إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا - 9.

إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا - 10.

فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا - 11.

وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا - 12.

متكئين فيها على الارائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا - 13.

ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا - 14.

ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا - 15.

قوارير من فضة قدروها تقديرا - 16.

ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا - 17.

عينا فيها تسمى سلسبيلا - 18.

ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا - 19.

وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا - 20.

[صفحة 120 ]

عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا - 21.

إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا - 22.

(بيان) تذكر السورة خلق الانسان بعد ما لم يكن شيئا مذكورا ثم هدايته السبيل إما شاكرا وإما كفورا وأن الله إعتد للكافرين أنواع العذاب وللابرار ألوان النعم - وقد فصل القول في وصف نعيمهم في ثمان عشرة آية وهو الدليل على أنه المقصود بالبيان -.

ثم تذكر مخاطبا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن القرآن تنزيل منه تعالى عليه وتذكرة فليصبر لحكم ربه ولا يتبع الناس في أهوائهم وليذكر اسم ربه بكرة وعشيا وليسجد له من الليل وليسبحه ليلا طويلا.

والسورة مدنية بتمامها أو صدرها - وهي اثنتان وعشرون آية من أولها - مدني، وذيلها - وهي تسع آيات من آخرها - مكي وقد أطبقت روايات أهل البيت (عليهم السلام) على كونها مدنية، واستفاضت بذلك روايات أهل السنة.

وقيل بكونها مكية بتمامها، وسيوافيك تفصيل القول في ذلك في البحث الروائي التالي ان شاء الله تعالى.

قوله تعالى.

" هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " الاستفهام للتقرير فيفيد ثبوت معنى الجملة وتحققه أي قد أتى على الانسان " الخ " ولعل هذا مراد من قال من قدماء المفسرين: إن " هل " في الآية بمعنى قد، لا على أن ذلك أحد معاني " هل " كما ذكره بعضهم.

والمراد بالانسان الجنس.

وأما قول بعضهم: إن المراد به آدم (عليه السلام) فلا يلائمه قوله في الآية التالية: " إنا خلقنا الانسان من نطفة ".

والحين قطعة من الزمان محدودة قصيرة كانت أو طويلة، والدهر الزمان الممتد من دون تحديد ببداية أو نهاية.

وقوله: " شيئا مذكورا " أي شيئا يذكر باسمه في المذكورات أي كان يذكر مثلا الارض والسماء والبر والبحر وغير ذلك ولا يذكر الانسان لانه لم يوجد بعد حتى وجد

[صفحة 121 ]

فقيل: الانسان فكونه مذكورا كناية عن كونه موجودا بالفعل فالنفي في قوله: " لم يكن شيئا مذكورا متوجه إلى كونه شيئا مذكورا لا إلى أصل كونه شيئا فقد كان شيئا ولم يكن شيئا مذكورا ويؤيده قوله: " إنا خلقنا الانسان من نطفة " الخ فقد كان موجودا بمادته ولم يتكون بعد إنسانا بالفعل والآية وما يتلوها من الآيات واقعة في سياق الاحتجاج يبين بها أن الانسان حادث يحتاج في وجوده إلى صانع يصنعه وخالق يخلقه، وقد خلقه ربه وجهزه التدبير الربوبي بأدوات الشعور من السمع والبصر يهتدي بها إلى السبيل الحق الذي من الواجب أن يسلكه مدى حياته فان كفر فمصيره إلى عذاب أليم وان شكر فالى نعيم مقيم.

والمعنى هل أتى - قد أتى - على الانسان قطعة محدودة من هذا الزمان الممتد - غير المحدود والحال أنه لم يكن موجودا بالفعل مذكورا في عداد المذكورات.

قوله تعالى: " انا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا " النطفة في الاصل بمعنى الماء القليل غلب استعماله في ماء الذكور من الحيوان الذي يتكون منه مثله، وأمشاج جمع مشيج أو المشج بفتحتين أو بفتح فكسر بمعنى المختلط الممتزج، ووصفت بها النطفة باعتبار اجزائها المختلفة أو اختلاط ماء الذكور والاناث.

والابتلاء نقل الشئ من حال إلى حال ومن طور إلى طور كابتلاء الذهب في البوتقة، وابتلاؤه تعالى الانسان في خلقه من النطفة هو ما ذكره في مواضع من كلامه انه يخلق النطفة فيجعلها علقة والعلقة مضغة إلى آخر الاطوار التي تتعاقبها حتى ينشئه خلقا آخر.

وقيل: المراد بابتلائه إمتحانه بالتكليف، ويدفعه تفريع قوله: " فجعلناه سميعا بصيرا " على الابتلاء ولو كان المراد به التكليف كان من الواجب تفريعه على جعله سميعا بصيرا لا بالعكس، والجواب عنه بأن في الكلام تقديما وتأخيرا والتقدير إنا خلقناه من نطفة أمشاج فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه، لا يصغى إليه.

وقوله: " فجعلناه سميعا بصيرا " سياق الآيات وخاصة قوله: " إنا هديناه السبيل " الخ يفيد أن ذكر جعله سميعا بصيرا للتوسل به في التدبير الربوبي إلى غايته وهي أن يرى آيات الله الدالة على المبدإ والمعاد ويسمع كلمة الحق التي تأتيه من جانب ربه بإرسال الرسل وإنزال الكتب فيدعوه البصر والسمع إلى سلوك سبيل الحق والسير في مسير الحياة بالايمان والعمل الصالح فإن لزم السبيل الذي هدي إليه أداه إلى نعيم الابد وإلا فإلى عذاب مخلد.

[صفحة 122 ]

وذكر الانسان في الآية من وضع الظاهر موضع الضمير والنكتة فيه تسجيل أنه تعالى هو خالقه ومدبر أمره.

والمعنى: إنا خلقنا الانسان من نطفة هي أجزاء مختلطة ممتزجة والحال أنا ننقله من حال إلى حال ومن طور إلى طور فجعلناه سميعا بصيرا ليسمع ما يأتيه من الدعوة الالهية، ويبصر الآيات الالهية الدالة على وحدانيته تعالى والنبوة والمعاد.

قوله تعالى: " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " الهداية بمعنى إراءة الطريق دون الايصال إلى المطلوب والمراد بالسبيل السبيل بحقيقة معنى الكلمة وهو المؤدي إلى الغاية المطلوبة وهو سبيل الحق.

والشكر استعمال النعمة بإظهار كونها من منعمها وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: " وسيجزي الله الشاكرين " آل عمران: 144 أن حقيقة كون العبد شاكرا لله كونه مخلصا لربه، والكفران استعمالها مع ستر كونها من المنعم.

وقوله: " إما شاكرا وإما كفورا " حالان من ضمير " هديناه " لا من " السبيل " كما قاله بعضهم، و " إما " يفيد التقسيم والتنويع أي إنا هديناه السبيل حالكونه منقسما إلى الشاكر والكفور أي إنه مهدي سواء كان كذا أو كذلك.

والتعبير بقوله: " إما شاكرا وإما كفورا " هو الدليل أولا: على أن المراد بالسبيل السنة والطريقة التي يجب على الانسان أن يسلكها في حياته الدنيا لتوصله إلى سعادته في الدنيا والآخرة وتسوقه إلى كرامة القرب والزلفى من ربه ومحصله الدين الحق وهو عند الله الاسلام.

وبه يظهر أن تفسير بعضهم السبيل بسبيل الخروج من الرحم غير سديد.

وثانيا: أن السبيل المهدي إليه سبيل اختياري وأن الشكر والكفر اللذين يترتبان على الهداية المذكورة واقعان في مستقر الاختيار للانسان أن يتلبس بأيهما شاء من غير اكراه واجبار كما قال تعالى: " ثم السبيل يسره " عبس: 20، وما في آخر السورة من قوله تعالى: " فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاؤن الا أن يشاء الله " انما يفيد تعلق مشيته تعالى بمشية العبد لا بفعل العبد الذي تعلقت به مشية العبد حتى يفيد نفي تأثير مشية العبد المتعلقة بفعله، وقد تقدمت الاشارة إلى هذا المعنى في هذا الكتاب مرارا.

[صفحة 123 ]

والهداية التي هي نوع ايذان واعلام منه تعالى للانسان هداية فطرية هي تنبيه بسبب نوع خلقته وما جهز به وجوده بإلهام من الله سبحانه على حق الاعتقاد وصالح العمل قال تعالى: " ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها " الشمس: 8 وأوسع مدلولا منه قوله تعالى: " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم " الروم: 30.

وهداية قولية من طريق الدعوة يبعث الانبياء وارسال الرسل وانزال الكتب وتشريع الشرائع الالهية، ولم يزل التدبير الربوبي تدعم الحياة الانسانية بالدعوة الدينية القائم بها أنبياؤه ورسله، ويؤيد بذلك دعوة الفطرة كما قال: " انا أوحينا اليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده - إلى أن قال - رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " النساء: 165.

ومن الفرق بين الهدايتين أن الهداية الفطرية عامة بالغة لا يستثني منها انسان لانها لازم الخلقة الانسانية وهي في الافراد بالسوية غير أنها ربما تضعف أو يلغو أثرها لعوامل وأسباب تشغل الانسان وتصرفه عن التوجه إلى ما يدعو إليه عقله ويهديه إليه فطرته أو ملكات وأحوال رديئة سيئة تمنعه عن اجابة نداء الفطرة كالعناد واللجاج وما يشبه ذلك قال تعالى: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله " الجاثية: 23، والهداية المنفية في الآية بمعنى الايصال إلى المطلوب دون اراءة الطريق بدليل قوله: " وأضله الله على لم ".

وأما الهداية القولية وهي التي تتضمنها الدعوة الدينية فان من شأنها أن تبلغ المجتمع فتكون في معرض من عقول الجماعة فيرجع إليها من آثر الحق على الباطل وأما بلوغها لكل واحد واحد منهم فإن العلل والاسباب التي يتوسل بها إلى بيان أمثال هذه المقاصد ربما لا تساعد على ذلك على ما في الظروف والازمنة والبيئات من الاختلاف وكيف يمكن لانسان أن يدعو كل انسان إلى ما يريد بنفسه أو بوسائط من نوعه؟ فمن المتعذر ذلك جدا.

والى المعنى الاول أشار تعالى بقوله: " وان من أمة الا خلى فيها نذير " فاطر: 24، والى الثاني بقوله: " لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون " يس: 6.

فمن بلغته الدعوة وانكشف له الحق فقد تمت عليه الحجة ومن لم تبلغه الدعوة بلوغا ينكشف به الجق فقد أدركه الفضل الالهي بعده مستضعفا أمره إلى الله ان يشأ يغفر

[صفحة 124 ]

له وان يشأ يعذبه قال تعالى: " الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا " النساء: 98.

ثم من الدليل على أن الدعوة الالهية وهي الهداية إلى السبيل حق يجب على الانسان أن يتبعها فطرة الانسان وخلقته المجهزة بما يهدي إليها من الاعتقاد والعمل، ووقوع الدعوة خارجا من طريق النبوة والرسالة فإن سعادة كل موجود وكماله في الآثار والاعمال التي تناسب ذاته وتلائمها بما جهزت به من القوى والادوات فسعادة الانسان وكماله في اتباع الدين الالهي الذي هو سنة الحياة الفطرية وقد حكم به العقل وجاءت به الانبياء والرسل (عليهم السلام).

قوله تعالى: " إنا اعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا " الاعتاد التهيئة، وسلاسل جمع سلسلة وهي القيد الذي يقاد به المجرم، وأغلال جمع غل بالضم قيل هي القيد الذي يجمع اليدين على العنق، وقال الراغب: فالغل مختص بما يقيد به فيجعل الاعضاء وسطه.

انتهى والسعير النار المشتعلة، والمعنى ظاهر.

والآية تشير إلى تبعة الانسان الكفور المذكور في قوله: " إما شاكرا وإما كفورا " وقدم بيان تبعته على بيان جزاء الانسان الشاكر لاختصار الكلام فيه.

قوله تعالى: " إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا " الكأس إناء الشراب إذا كان فيه شراب، والمزاج ما يمزج به كالحزام لما يحزم به، والكافور معروف يضرب به المثل في البرودة وطيب الرائحة، وقيل: هو اسم عين في الجنة.

والابرار جمع بر بفتح الباء صفة مشبهة من البر وهو الاحسان ويتحصل معناه في أن يحسن الانسان في عمله من غير أن يريد به نفعا يرجع إليه من جزاء أو شكور فهو يريد الخير لانه خير لا لان فيه نفعا يرجع إلى نفسه وإن كرهت نفسه ذلك فيصبر على مر مخالفة نفسه فيما يريده ويعمل العمل لانه خير في نفسه كالوفاء بالنذر أو لان فيه خيرا لغيره كاطعام الطعام للمستحقين من عباد الله.

وإذ لا خير في عمل ولا صلاح إلا بالايمان بالله ورسوله واليوم الآخر كما قال تعالى: " أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم " الاحزاب: 19 إلى غير ذلك من الآيات.

فالابرار مؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، وإذ كان إيمانهم إيمان رشد وبصيرة فهم يرون أنفسهم عبيدا مملوكين لربهم، له خلقهم وأمرهم، لا يملكون لانفسهم نفعا ولاضرا

[صفحة 125 ]

عليهم أن لا يريدوا إلا ما أراده ربهم ولا يفعلوا إلا ما يرتضيه فقدموا إرادته على ارادة أنفسهم وعملوا له فصبروا على مخالفة أنفسهم فيما تهواه وتحبه وكلفة الطاعة، وعملوا ما عملوه لوجه الله، فأخلصوا العبودية في مرحلة العمل لله سبحانه.

وهذه الصفات هي التي عرف سبحانه الابرار بها كما يستفاد من قوله: " يشرب بها عباد الله " وقوله: " انما نطعمكم لوجه الله " وقوله: " وجزاهم بما صبروا " وهي المستفادة من قوله في صفتهم: " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله " الخ البقرة: 177 وقد مر بعض الكلام في معنى البر في تفسير الآية وسيأتي بعضه في قوله: " كلا ان كتاب الابرار لفي عليين " المطففين: 18.

والآية أعني قوله: " ان الابرار يشربون " الخ بما يتبادر من معناها من حيث مقابلتها لقوله: " انا اعتدنا للكافرين " الخ المبين لحال الكافرين في الآخرة، تبين حال الابرار في الآخرة في الجنة، وانهم يشربون من شراب ممزوج بالكافور باردا طيب الرائحة.

قوله تعالى: " عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا " " عينا " منصوب بنزع الخافض والتقدير من عين أو بالاختصاص والتقدير اخص عينا، والشرب - على ما قيل - يتعدى بنفسه وبالباء فشرب بها وشربها واحد، والتعبير عنهم بعباد الله للاشارة إلى تحليهم بحلية العبودية وقيامهم بلوازمها على ما يفيده سياق المدح.

وتفجير العين شق الارض لاجرائها، وينبغي ان يحمل تفجيرهم العين على ارادتهم جريانها لان نعم الجنة لا تحتاج في تحققها والتنعم بها إلى ازيد من مشية اهلها قال تعالى: " لهم ما يشاؤن فيها " ق: 35.

والآيتان - كما تقدمت الاشارة إليه - تصفان تنعم الابرار بشراب الجنة في الآخرة، وبذلك فسرت الآيتان ولا يبعد أن تكون الآيتان مسوقتين على مسلك تجسم الاعمال تصفان حقيقة عملهم الصالح من الايفاء بالنذر واطعام الطعام لوجه الله، وان اعمالهم المذكورة بحسب باطنها شرب من كأس مزاجها كافور من عين لا يزالون يفجرونها بأعمالهم الصالحة وستظهر لهم بحقيقتها في جنة الخلد وإن كانت في الدنيا في صورة الاعمال فتكون الآيتان في مجرى أمثال قوله تعالى: " إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الاذقان فهم مقمحون " يس: 8.

[صفحة 126 ]

ويؤيد ذلك ظاهر قوله " يشربون " و " يشرب بها " ولم يقل: سيشربون وسيشرب بها، ووقوع قوله: يشربون ويوفون ويخافون ويطعمون متعاقبة في سياق واحد، وذكر التفجير في قوله: " يفجرونها تفجيرا " الظاهر في استخراج العين وإجرائها بالتوسل بالاسباب.

ولهم في مفردات الآيتين وإعرابها أقاويل كثيرة مختلفة مذكورة في المطولات فليراجعها من أراد الوقوف عليها.

قوله تعالى: " يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا " المستطير اسم فاعل من استطار إذا فشى وانتشر في الاقطار غاية الانتشار وهو أبلغ من طار كما قيل: يقال: استطار الحريق واستطار الفجر إذا اتسعا غايته، والمراد باستطارة شر اليوم وهو يوم القيامة بلوغ شدائده وأهواله وما فيه من العذاب غايته.

والمراد بالايفاء بالنذر ما هو ظاهره المعروف من معناه، وقول القائل: إن المراد به ما عقدوا عليه قلوبهم من العمل بالواجبات أو ما عقدوا عليه القلوب من اتباع الشارع في جميع ما شرعه خلاف ظاهر اللفظ من غير دليل يدل عليه.

قوله تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " ضمير " على حبه " للطعام على ما هو الظاهر، والمراد بحبه توقان النفس إليه لشدة الحاجة، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " آل عمران: 92.

وقيل: الضمير لله سبحانه أي يطعمون الطعام حبا لله لا طمعا في الثواب، ويدفعه ان قوله تعالى حكاية منهم: " إنما نطعمكم لوجه الله " يغني عنه.

ويليه في الضعف ما قيل: إن الضمير للاطعام المفهوم من قوله: " ويطعمون " وجه الضعف أنه إن أريد بحب الاطعام حقيقة معناه فليس في حب الاطعام في نفسه فضل حتى يمدحوا به، وإن أريد به كون الاطعام بطيب النفس وعدم التكلف فهو خلاف الظاهر، ورجوع الضمير إلى الطعام هو الظاهر.

والمراد بالمسكين واليتيم معلوم، والمراد بالاسير ما هو الظاهر منه وهو المأخوذ من أهل دار الحرب.

وقول بعضهم: إن المراد به اسارى بدر أو الاسير من أهل القبلة في دار الحرب

[صفحة 127 ]

بأيدي الكفار أو المحبوس أو المملوك من العبيد أو الزوجة كل ذلك تكلف من غير دليل يدل عليه.

والذي يجب أن يتنبه له أن سياق هذه الآيات سياق الاقتصاص تذكر قوما من المؤمنين تسميهم الابرار وتكشف عن بعض أعمالهم وهو الايفاء بالنذر وإطعام مسكين ويتيم وأسير وتمدحهم وعدهم الوعد الجميل.

فما تشير إليه من القصة سبب النزول، وليس سياقها سياق فرض موضوع وذكر آثارها الجميلة، ثم الوعد الجميل عليها، ثم إن عد الاسير فيمن أطعمه هؤلاء الابرار نعم الشاهد على كون الآيات مدنية فإن الاسر إنما كان بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وظهور الاسلام على الكفر والشرك لا قبلها.

قوله تعالى: " إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " وجه الشئ هو ما يستقبل به غيره، ووجهه تعالى صفاته الفعلية الكريمة التي يفيض بها الخير على خلقه من الخلق والتدبير والرزق وبالجملة الرحمة العامة التي بها قيام كل شئ، ومعنى كون العمل لوجه الله على هذا كون الغاية في العمل هي الاستفاضة من رحمة الله وطلب مرضاته بالاقتصار على ذلك والاعراض عما عند غيره من الجزاء المطلوب، ولذا ذيلوا قولهم: " إنما نطعمكم لوجه الله " بقولهم " لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ".

ووراء ذلك صفاته الذاتية الكريمة التي هي المبدء لصفاته الفعلية ولما يترتب عليها من الخير في العالم، ومرجع كون العمل لوجه الله على هذا هو الاتيان بالعمل حبا لله لانه الجميل على الاطلاق، وإن شئت فقل: عبادته تعالى لانه اهل للعبادة.

وابتغاء وجه الله بجعله غاية داعية في الاعمال مذكور في مواضع من كلامه تعالى كقوله: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه " الكهف: 28، وقوله: " وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله " البقرة: 272، وفي هذا المعنى قوله: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " البينة: 5، وقوله: " فادعوه مخلصين له الدين " المؤمن: 65، وقوله: " ألا لله الدين الخالص " الزمر: 3.

وقوله: " لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " الجزاء مقابلة العمل بما يعادله إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، ويعم الفعل والقول لكن المراد به في الآية بقرينة مقابلته الشكور مقابلة إطعامهم عملا لا لسانا.

[صفحة 128 ]

والشكر والشكور ذكر النعمة وإظهارها قلبا أو لسانا أو عملا، والمراد به في الآية وقد قوبل بالجزاء الثناء الجميل لسانا.

والآية أعني قوله: " إنما نطعمكم لوجه الله " الخ خطاب منهم لمن أطعموه من المسكين واليتيم والاسير إما بلسان المقال فهي حكاية قولهم أو بتقدير القول وكيف كان فقد أرادوا به تطييب قلوبهم أن يأمنوا المن والاذى، وإما بلسان الحال وهو ثناء من الله عليهم لما يعلم من الاخلاص في قلوبهم.

قوله تعالى: " إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا " عد اليوم وهو يوم القيامة عبوسا من الاستعارة، والمراد بعبوسه ظهوره على المجرمين بكمال شدته، والقمطرير الصعب الشديد على ما قيل.

والآية في مقام التعليل لقولهم المحكي: " إنما نطعمكم لوجه الله " الخ ينبهون بقولهم هذا أن قصرهم العمل في ابتغاء وجه الله تعالى إخلاصا للعبودية لمخافتهم ذاك اليوم الشديد، ولم يكتفوا بنسبة المخافة إلى اليوم حتى نسبوه نحوا من النسبة إلى ربهم فقالوا: " نخاف من ربنا يوما " الخ لانهم لما لم يريدوا إلا وجه ربهم فهم لا يخافون غيره كما لا يرجون غيره وإنما يخافون ويرجون ربهم فلا يخافون يوم القيامة إلا لانه من ربهم يحاسب فيه عباده على أعمالهم فيجزيهم بها.

وأما قوله قبلا: " ويخافون يوما كان شره مستطيرا " حيث نسب خوفهم إلى اليوم فإن الواصف فيه هو الله سبحانه وقد نسب اليوم بشدائده إلى نفسه قبلا حيث قال: إنا أعتدنا للكافرين سلاسل " الخ.

وبالجملة ما ذكروه من الخوف مخافة في مقام العمل لما يحاسب العبد على عمله فالعبودية لازمة للانسان لا تفارقه وإن بلغ ما بلغ قال تعالى: " إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم " الغاشية: 26.

قوله تعالى: " فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا " الوقاية الحفظ والمنع من الاذى ولقى بكذا يلقيه أي استقبله به والنضرة البهجة وحسن اللون والسرور مقابل المساءة والحزن.

والمعنى: فحفظهم الله ومنع عنهم شر ذلك اليوم واستقبلهم بالنضرة والسرور، فهم ناضرة الوجوه مسرورون يومئذ كما قال: " وجوه يومئذ ناضرة " القيامة: 22.

[صفحة 129 ]

قوله تعالى: " وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا " المراد بالصبر صبرهم عند المصيبة وعلى الطاعة وعن المعصية فإنهم ابتغوا في الدنيا وجه ربهم وقدموا إرادته على إرادتهم فصبروا على ما قضى به فيهم وأراده من المحن ومصائب الدنيا في حقهم، وصبروا على امتثال ما أمرهم به وصبروا على ترك ما نهاهم عنه وإن كان مخالفا لاهواء أنفسهم فبدل الله مالقوه من المشقة والكلفة نعمة وراحة.

قوله تعالى: " متكئين فيها على الارائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا " الارائك جمع أريكة وهو ما يتكئ عليه، والزمهرير البرد الشديد، والمعنى حالكونهم متكئين في الجنة على الارائك لا يرون فيها شمسا حتى يتأذوا بحرها ولا زمهريرا حتى يتأذوا ببرده.

قوله تعالى: " ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا " الظلال جمع ظل، ودنو الظلال عليهم قربها منهم بحيث تنبسط عليهم فكأن الدنو مضمن معنى الانبساط وقطوف جمع قطف بالكسر فالسكون وهو الثمرة المقطوفة المجتباة، وتذليل القطوف لهم جعلها مسخرة لهم يقطفونها كيف شاؤا من غير مانع أو كلفة.

قوله تعالى: " ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا " الآنية جمع إناء كأكسية جمع كساء وهو الوعاء، وأكواب جمع كوب وهو إناء الشراب الذي لا عروة له ولا خرطوم والمراد طواف الولدان المخلدين عليهم بالآنية وأكواب الشراب كما سيأتي في قوله: " ويطوف عليهم ولدان " الآية.

قوله تعالى: " قوارير من فضة قدروها تقديرا " بدل من قوارير في الآية السابقة، وكون القوارير من فضة مبني على التشبيه البليغ أي إنها في صفاء الفضة وإن لم تكن منها حقيقة، كذا قيل.

واحتمل أن يكون بحذف مضاف والتقدير من صفاء الفضة.

وضمير الفاعل في " قدروها " للابرار والمراد بتقديرهم الآنية والاكواب كونها على ما شاؤوا من القدر ترويهم بحيث لا تزيد ولا تنقص كما قال تعالى: " لهم ما يشاؤن فيها " ق: 35 وقد قال تعالى قبل: " يفجرونها تفجيرا ".

ويحتمل رجوع الضمير إلى الطائفين المفهوم من قوله: " يطاف عليهم " والمراد بتقديرهم الآنية والاكواب إتيانهم بها على قدر ما أرادوا محتوية على ما اشتهوا قدر ما اشتهوا.

[صفحة 130 ]

قوله تعالى: " ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا " قيل: إنهم كانوا يستطيبون الزنجبيل في الشراب فوعد الابرار بذلك وزنجبيل الجنة أطيب وألذ.

قوله تعالى: " عينا فيها تسمى سلسبيلا " أي من عين أو التقدير أعني أو أخص عينا.

قال الراغب: وقوله: " سلسبيلا " أي سهلا لذيذا سلسا حديد الجرية.

قوله تعالى: " ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا " أي ولدان دائمون على ما هم عليه من الطراوة والبهاء وصباحة المنظر، وقيل: أي مقرطون بخلدة وهي ضرب من القرط.

والمراد بحسبانهم لؤلؤا منثورا أنهم في صفاء ألوانهم وإشراق وجوههم وانعكاس أشعة بعضهم على بعض وانبثاثهم في مجالسهم كاللؤلؤ المنثور.

قوله تعالى: " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا " " ثم " ظرف مكان ممحض في الظرفية، ولذا قيل: إن معنى " رأيت " الاول: رميت ببصرك، والمعنى وإذا رميت ببصرك ثم يعني الجنة رأيت نعيما لا يوصف وملكا كبيرا لا يقدر قدره.

وقيل: " ثم " صله محذوفة الموصول والتقدير وإذا رأيت ما ثم من النعيم والملك، وهو كقوله: " لقد تقطع بينكم " الانعام: 94 والكوفيون من النحاة يجوزون حذف الموصول وإبقاء الصلة وإن منعه البصريون منهم.

قوله تعالى: " عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق " الخ الظاهر أن " عاليهم " حال من الابرار الراجعة إليه الضمائر و " ثياب " فاعله، والسندس - كما قيل - ما رق نسجه من الحرير، والخضر صفة ثياب والاستبرق ما غلظ نسجه من ثياب الحرير، وهو معرب كالسندس.

وقوله: " وحلوا أساور من فضة " التحلية التزيين، وأساور جمع سوار وهو معروف، وقال الراغب: هو معرب دستواره.

وقوله: " وسقاهم ربهم شرابا طهورا " أي بالغا في التطهير لا تدع قذارة إلا أزالها ومن القذارة قذارة الغفلة عن الله سبحانه والاحتجاب عن التوجه إليه فهم غير محجوبين عن ربهم ولذا كان لهم أن يحمدوا ربهم كما قال: " " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " يونس: 10 وقد تقدم في تفسير سورة الحمد أن الحمد وصف لا يصلح له إلا المخلصون من عباد الله تعالى لقوله: " سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين " الصافات: 160.

[صفحة 131 ]

وقد أسقط تعالى في قوله: " وسقاهم ربهم " الوسائط كلها ونسب سقيهم إلى نفسه، وهذا أفضل ما ذكره الله تعالى من النعيم الموهوب لهم في الجنة، ولعله من المزيد المذكور في قوله: " لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد " ق: 35.

قوله تعالى: " إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا " حكاية ما يخاطبون به من عنده تعالى عند توفيته أجرهم أو بحذف القول والتقدير ويقال لهم: إن هذا كان لكم جزاء " الخ ".

وقوله: " وكان سعيكم مشكورا " إنشاء شكر لمساعيهم المرضية وأعمالهم المقبولة، ويا لها من كلمة طيبة تطيب بها نفوسهم.

واعلم أنه تعالى لم يذكر فيما ذكر من نعيم الجنة في هذه الآيات نساء الجنة من الحور العين وهي من أهم ما يذكره عند وصف نعم الجنة في سائر كلامه ويمكن أن يستظهر منه أنه كانت بين هؤلاء الابرار الذين نزلت فيهم الآيات من هي من النساء.

وقال في روح المعاني: ومن اللطائف على القول بنزول السورة فيهم يعني في أهل البيت أنه سبحانه لم يذكر فيها الحور العين وإنما صرح عزوجل بولدان مخلدين رعاية لحرمة البتول وقرة عين الرسول، انتهى.

(بحث روائي) في إتقان السيوطي عن البيهقي في دلائل النبوة باسناده عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن قالا: أنزل الله من القرآن بمكة اقرء باسم ربك ون والمزمل - إلى أن قالا - وما نزل بالمدينة ويل للمطففين، والبقرة وآل عمران، والانفال، والاحزاب، والمائدة، والممتحنة، والنساء، وإذا زلزلت، والحديد، ومحمد، والرعد، والرحمان، وهل أتى على الانسان.

الحديث.

وفيه عن ابن الضريس في فضائل القرآن بإسناده عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن ابن عباس قال: كان إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما شاء.

وكان أول ما انزل من القرآن اقرء باسم ربك، ثم ن، ثم يا أيها المزمل - إلى أن قال -

[صفحة 132 ]

ثم انزل بالمدينة سورة البقرة ثم الانفال ثم آل عمران ثم الاحزاب ثم الممتحنة ثم النساء ثم إذا زلزلت ثم الحديد ثم القتال ثم الرعد ثم الرحمان ثم الانسان.

الحديث.

وفيه عن البيهقي في الدلائل بإسناده عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: إن أول ما أنزل الله على نبيه من القرآن اقرء باسم ربك، وذكر مثل حديث عكرمة والحسين وفيه ذكر ثلاث من السور المكية التي سقطت من روايتهما وهي الفاتحة والاعراف وكهيعص.

وفي الدر المنثور أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الانسان بالمدينة.

وفيه أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه " الآية قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أقول: الآية تشارك سائر آيات صدر السورة مما تقدم عليها أو تأخر عنها في سياق واحد متصل فنزولها فيهما (عليه السلام) لا ينفك نزولها جميعا بالمدينة.

وفي الكشاف: وعن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ناس معه فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك (ولديك ظ) فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إن برءآ مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شئ.

فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاث أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل وقال: السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعمونة أطعمكم الله من موائد الجنة فأثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما.

فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فأثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك.

فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم فانطلق معهم فرآى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها (1) ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبريل وقال: خذها يا محمد هناك الله في أهل بيتك فأقرءه السورة.

* (هامش) *

(1) بطنها بظهرها ظ.

[صفحة 133 ]

أقول: الرواية مروية بغير واحد من الطرق عن عطاء عن ابن عباس ونقلها البحراني في غاية المرام عن أبي المؤيد الموفق بن احمد كتاب فضائل أمير المؤمنين باسناده عن مجاهد عن ابن عباس، وعنه باسناد آخر عن الضحاك عن ابن عباس وعن الحمويني في كتاب فرائد السمطين باسناده عن مجاهد عن ابن عباس، وعن الثعلبي باسناده عن أبي صالح عن ابن عباس، ورواه في المجمع عن الواحدي في تفسيره.

وفي المجمع باسناده عن الحاكم باسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب أنه قال سألت النبي عن ثواب القرآن: فأخبرني بثواب سورة سورة على نحو ما نزلت من السماء.

فأول ما نزل عليه بمكة فاتحة الكتاب ثم اقرء باسم ربك، ثم ن - إلى ان قال - وأول ما نزل بالمدينة سورة البقرة ثم الانفال ثم آل عمران ثم الاحزاب ثم الممتحنة ثم النساء ثم إذا زلزلت ثم الحديد ثم سورة محمد ثم الرعد ثم سورة الرحمن ثم هل أتى.

الحديث.

وفيه عن أبي حمزة الثمالي في تفسيره قال: حدثني الحسن بن الحسن أبو عبد الله بن الحسن أنها مدنية نزلت في علي وفاطمة السورة كلها.

وفي تفسير القمي عن أبيه عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان عند فاطمة (عليها السلام) شعير فجعلوه عصيدة (1) فلما أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال: مسكين رحمكم الله فقام علي (عليه السلام) فأعطاه ثلثا فلم يلبث أن جاء يتيم فقال: اليتيم رحمكم الله فقام علي (عليه السلام) فأعطاه الثلث ثم جاء أسير فقال: الاسير رحمكم الله فأعطاه علي (عليه السلام) الثلث وما ذاقوها فأنزل الله سبحانه الآيات فيهم وهي جارية في كل مؤمن فعل ذلك لله عزوجل.

أقول: القصة كما ترى ملخصة في الرواية وروى ذلك البحراني في غاية المرام عن المفيد في الاختصاص مسندا وعن ابن بابويه في الامالي باسناده عن مجاهد عن ابن عباس، وباسناده عن سلمة بن خالد عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام)، وعن محمد بن العباس ابن ماهيار في تفسيره باسناده عن أبي كثير الزبيري عن عبد الله بن عباس، وفي المناقب أنه مروي عن الاصبغ بن نباتة.

* (هامش) *

(1) العصيدة: شعير يلت بالسمن ويطبخ.

[صفحة 134 ]

وفي الاحتجاج عن علي (عليه السلام) في حديث يقول فيه للقوم بعد موت عمر بن الخطاب: نشدتكم بالله هل فيكم أحد نزل فيه وفي ولده " إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا " إلى آخر السورة غيري؟ قالوا: لا.

وفي كتاب الخصال في احتجاج علي على أبي بكر قال: أنشدك بالله أنا صاحب الآية " يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا " أم أنت؟ قال: بل أنت.

وفي الدر المنثور أخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سل واستفهم فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالالوان والصور والنبوة أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بمثل ما عملت به أني لكائن معك في الجنة؟ قال: نعم والذى نفسي بيده إنه ليرى بياض الاسود في الجنة من مسيرة ألف عام.

ثم قال: من قال: لا إله إلا الله كان له عهد عند الله ومن قال: سبحان الله وبحمده كتبت له مائة الف حسنة واربعة وعشرون الف حسنة ونزلت عليه السورة هل أتى على الانسان حين من الدهر إلى قوله: ملكا كبيرا.

فقال الحبشي: وإن عينى لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: نعم فاشتكى حتى فاضت نفسه.

قال عمر: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته بيده.

وفيه أخرج أحمد في الزهد عن محمد بن مطرف قال: حدثني الثقة أن رجلا أسود كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن التسبيح والتهليل فقال له عمر بن الخطاب: مه أكثرت على رسول الله فقال: مه يا عمر وانزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل أتى على الانسان حين من الدهر " حتى إذا أتى على ذكر الجنة زفر الاسود زفرة خرجت نفسه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مات شوقا إلى الجنة.

وفيه أخرج ابن وهب عن ابن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرء هذه السورة هل أتى على الانسان حين من الدهر وقد انزلت عليه وعنده رجل أسود فلما بلغ صفة الجنان زفر زفرة فخرجت نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرج نفس صاحبكم الشوق إلى الجنة.

أقول: وهذه الروايات الثلاث على تقدير صحتها لا تدل على أزيد من كون نزول السورة مقارنا لقصة الرجل وأما كونها سببا للنزول فلا، وهذا المعنى في الرواية الاخيرة أظهر وبالجملة لا تنافي الروايات الثلاث نزول السورة في أهل البيت (عليهم السلام).

[صفحة 135 ]

على أن رواية ابن عمر للقصة الظاهرة في حضوره القصة وقد هاجر إلى المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة من شواهد وقوع القصة بالمدينة.

وفي الدر المنثور أيضا أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة الانسان بمكة.

أقول: هو تلخيص حديث طويل أورده النحاس في كتاب الناسخ والمنسوخ، وقد نقله في الاتقان وهو معارض لما تقدم نقله مستفيضا عن ابن عباس من نزول السورة بالمدينة وأنها نزلت في أهل البيت (عليهم السلام).

على أن سياق آياتها وخاصة قوله: " يوفون بالنذر " " ويطعمون الطعام " الخ سياق قصه واقعة وذكر الاسير فيمن أطعموهم نعم الشاهد على نزول الآيات بالمدينة إذ لم يكن للمسلمين أسير بمكة كما تقدمت الاشاره إلى ذلك.

قال بعضهم ما ملخصه: ان الروايات مختلفة في مكية هذه السورة ومدنيتها والارجح أنها مكية بل الظاهر من سياقها انها من عتائق السور القرآنية النازلة بمكة في أوائل البعثة يؤيد ذلك ما ورد فيها من صور النعم الحسية المفصلة الطويلة وصور العذاب الغليظ كما يؤيده ما ورد فيها من أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر لحكم ربه وأن لا يطيع منهم آثما أو كفورا ويثبت على ما نزل عليه من الحق ولا يداهن المشركين من الاوامر التي كانت تنزل بمكة عند اشتداد الاذى على الدعوة وأصحابها بمكة كما في سورة القلم والمزمل والمدثر فلا عبرة باحتمال مدنية السورة.

وهو فاسد اما ما ذكره من اشتمال السورة على صور النعم الحسية المفصلة الطويلة وصور العذاب الغليظ فليس ذلك مما يختص بالسور المكية حتى يقضي بها على كون السورة مكية فهذه سورة الرحمن وسورة الحج مدنيتان على ما تقدمت في الروايات المشتملة على ترتيب نزول السور القرآنية وقد اشتملتا من صور النعم الحسية المفصلة الطويلة وصور العذاب الغليظ على ما يربو ويزيد على هذه السورة بكثير.

واما ما ذكره من اشتمال السورة على امر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر وان لا يطيع منهم آثما أو كفورا ولا يداهنهم ويثبت على ما نزل عليه من الحق ففيه ان هذه الاوامر واقعة في الفصل الثاني من آيات السورة وهو قوله: " إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا " إلى آخر السورة ومن المحتمل جدا ان يكون هذا الفصل من الآيات - وهو ذو سياق تام مستقل

[صفحة 136 ]

- نازلا بمكة، ويؤيده ما في كثير من الروايات المتقدمة ان الذي نزل في اهل البيت بالمدينة هو الفصل الاول من الآيات، وعلى هذا اول السورة مدني وآخرها مكي.

ولو سلم نزولها دفعة واحدة فأمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر لا اختصاص له بالسور المكية فقد ورد في قوله: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان امره فرطا " الكهف: 28 والآية - على ما روي - مدنية والآية - كما ترى - متحدة المعنى مع قوله: " فاصبر لحكم ربك " الخ وهي في سياق شبيه جدا بسياق هذه الآيات فراجع وتأمل.

ثم الذي كان يلقاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من اذى المنافقين والذين في قلوبهم مرض والجفاة من ضعفاء الايمان لم يكن بأهون من اذى المشركين بمكة يشهد بذلك اخبار سيرته.

ولا دليل ايضا على انحصار الاثم والكفور في مشركي مكة فهناك غيرهم من الكفار وقد اثبت القرآن الاثم لجمع من المسلمين في موارد كقوله: " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم " النور: 11، وقوله: " ومن يكسب خطيئة أو اثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا واثما مبينا " النساء: 112.

وفي المجمع وروى العياشي باسناده عن عبد الله بن بكير عن زرارة قال: سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن قوله: " لم يكن شيئا مذكورا " قال: كان شيئا ولم يكن مذكورا.

أقول: وروى فيه ايضا عن عبد الاعلى مولى آل سام عن ابي عبد الله (عليه السلام) مثله.

وفيه ايضا عن العياشي باسناده عن سعيد الحذاء عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: كان مذكورا في العلم ولم يكن مذكورا في الخلق.

أقول: يعني انه كان له ثبوت في علم الله ثم خلق بالفعل فصار مذكورا فيمن خلق.

وفي الكافي باسناده عن مالك الجهني عن ابي عبد الله (عليه السلام) في الآية قال: كان مقدرا غير مذكور.

أقول: هو في معنى الحديث السابق.

وفي تفسير القمي في الآية قال: لم يكن في العلم ولا في الذكر، وفي حديث آخر: كان في العلم ولم يكن في الذكر.

[صفحة 137 ]

أقول: معنى الحديث الاول انه لم يكن في علم الناس ولا فيمن يذكرونه فيما بينهم، ومعنى الثاني انه كان في علم الله ولم يكن مذكورا عند الناس.

وفي تفسير القمي ايضا في رواية ابي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى " امشاج نبتليه " قال: ماء الرجل والمرأة اختلطا جميعا.

وفي الكافي باسناده عن حمران بن اعين قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قوله عز وجل، " إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا " قال: إما آخذ فهو شاكر وإما تارك فهو كافر.

أقول: ورواه القمي في تفسيره باسناده عن ابن ابي عمير عن ابي جعفر (عليه السلام) مثله وفي التوحيد باسناده إلى حمزة بن الطيار عن ابي عبد الله (عليه السلام) ما يقرب منه ولفظه: عرفناه إما آخذا وإما تاركا.

وفي الدر المنثور اخرج احمد وابن المنذر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه فإذا عبر عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا والله تعالى اعلم.

وفي أمالي الصدوق باسناده عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) في حديث، " عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا " قال: هي عين في دار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يفجر إلى دور الانبياء والمؤمنين " يوفون بالنذر " يعني عليا وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وجاريتهم " ويخافون يوما كان شره مستطيرا " يقول عابسا كلوحا " ويطعمون الطعام على حبه " يقول: على شهوتهم للطعام وايثارهم له " مسكينا " من مساكين المسلمين و " يتيما " من يتامى المسلمين و " أسيرا " من أسارى المشركين.

ويقولون إذا اطعموهم: " انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " قال: والله ما قالوا هذا لهم ولكنهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله باضمارهم يقولون: لا نريد جزاء تكافؤننا به ولا شكورا تثنون علينا به، ولكنا انما أطعمناكم لوجه الله وطلب ثوابه.

وفي الدر المنثور اخرج سعيد بن منصور وابن ابي شيبة وابن المنذر وابن مردويه عن الحسن قال: كان الاسارى مشركين يوم نزلت هذه الآية " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا.

[صفحة 138 ]

أقول: مدلول الرواية نزول الآية بالمدينة، ونظيرها ما رواه فيه عن عبد بن حميد عن قتادة، وما رواه عن ابن المنذر عن ابن جريح، وما رواه عن عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس.

وفيه أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " يوما عبوسا قمطريرا " قال: يقبض ما بين الابصار.

وفي روصة الكافي باسناده عن محمد بن اسحاق المدني عن أبي جعفر (عليه السلام) في صفة الجنة قال: والثمار دانية منهم وهو قوله عزوجل: " ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا " من قربها منهم يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه وهو متكئ وإن الانواع من الفاكهة ليقلن لولي الله: يا ولي الله كلمني قبل أن تأكل هذه قبلي.

وفي تفسير القمي في قوله: " ولدان مخلدون " قال: مسورون.

وفي المعاني بإسناده عن عباس بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام) وكنت عنده ذات يوم: أخبرني عن قول الله عزوجل: " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكان كبيرا " ما هذا الملك الذي كبر الله عزوجل حتى سماه كبيرا؟ قال: إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة أرسل رسولا إلى ولي من أوليائه فيجد الحجبة على بابه ففتقول له: قف حتى نستأذن لك، فما يصل إليه رسول ربه إلا بإذن فهو قوله عزوجل: " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا ".

وفي المجمع " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا " لا يزول ولا يفنى عن الصادق (عليه السلام).

وفيه " عاليهم ثياب سندس خضر " وروي عن الصادق (عليه السلام) في معناه: تعلوهم الثياب فيلبسونها.

(كلام في هوية الانسان على ما يفيده القرآن) لا ريب أن في هذا الهيكل المحسوس الذي نسميه إنسانا مبدء للحياة ينتسب إليه الشعور والارادة، وقد عبر تعالى عنه في الكلام في خلق الانسان - آدم - بالروح وفى سائر المواضع من كلامه بالنفس قال تعالى: " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له

[صفحة 139 ]

ساجدين " الحجر: 29 ص: 72، وقال: " ثم سواه ونفخ فيه من روحه " الم السجدة: 9.

والذي يسبق من الآيتين إلى النظر البادئ أن الروح والبدن حقيقتان اثنتان متفارقتان نظير العجين المركب من الماء والدقيق والانسان مجموع الحقيقتين فإذا قارنت الروح الجسد كان إنسانا حيا وإذا فارقت فهو الموت.

لكن يفسرها قوله تعالى: " قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم " لم السجدة 11 حيث يفيد أن الروح التي يتوفاها ويأخذها قابض الارواح هي التي يعبر عنها بلفظة " كم " وهو الانسان بتمام حقيقته لا جزء من مجموع فالمراد بنفخ الروح في الجسد جعل الجسد بعينه إنسانا لا ضم واحد إلى واحد آخر يغايره في ذاته وآثار ذاته فالانسان حقيقة واحدة حين تعلق روحه ببدنه وبعد مفارقة روحه البدن.

ويفيد هذا المعنى قوله تعالى: " ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر " المؤمنون: 14 فالذي أنشأه الله خلقا آخر هو النطفة التي تكونت علقة ثم مضغة ثم عظاما بعينها.

وفي معناها قوله تعالى: " هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا " فتقييد الشئ المنفي بالمذكور يعطي أنه كان شيئا لكن لم يكن مذكورا فقد كان أرضا أو نطفة مثلا لكن لم يكن مذكورا أنه الانسان الفلاني ثم صار هو هو.

فمفاد كلامه تعالى أن الانسان واحد حقيقي هو المبدء الوحيد لجميع آثار البدن الطبيعية والآثار الروحية كما أنه مجرد في نفسه عن المادة كما يفيده أمثال قوله تعالى: " قل يتوفاكم ملك الموت " وقوله: " الله يتوفى الانفس حين موتها " الزمر: 42 وقوله: " ثم أنشأناه خلقا آخر " وقد تقدم بيانه.

إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا - 23.

فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا - 24.

واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا -

[صفحة 140 ]

25.

ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا - 26.

إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورائهم يوما ثقيلا - 27.

نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا - 28.

إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا - 29.

وما تشاؤن إلا أن يشاء الله أن الله كان عليما حكيما - 30.

يدخل من يشآء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما - 31.

(بيان) لما وصف جزاء الابرار وما قدر لهم من النعيم المقيم والملك العظيم بما صبروا في جنب الله وجه الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره بالصبر لحكم ربه وأن لا يطيع هؤلاء الآثمين والكفار المحبين للعاجلة المتعلقين بها المعرضين عن الآخرة من المشركين وسائر الكفار والمنافقين وأهل الاهواء، وأن يذكر اسم ربه ويسجد له ويسبحه مستمرا عليه ثم عمم الحكم لامته بقوله: " إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ".

فهذا وجه اتصال الآيات بما قبلها وسياقها مع ذلك لا يخلو من شبه بالسياقات المكية وعلى تقدير مكيتها فصدر السورة مدني وذيلها مكي.

قوله تعالى: " إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا " تصدير الكلام بإن وتكرار ضمير المتكلم مع الغير والاتيان بالمفعول المطلق كل ذلك للتأكيد، ولتسجيل أن الذي نزل من القرآن نجوما متفرقة هو من الله سبحانه لم يداخله نفث شيطاني ولا هو نفساني.

قوله تعالى: " فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا " تفريع على ما هو لازم مضمون الآية السابقة فإن لازم كون الله سبحانه هو الذي نزل القرآن عليه أن يكون ما في القرآن من الحكم حكم ربه يجب أن يطاع فالمعنى إذا كان تنزيله منا فما فيه من الحكم حكم ربك فيجب عليك أن تصبر له فاصبر لحكم ربك.

[صفحة 141 ]

وقوله " ولا تطع منهم آثما أو كفورا " ورود الترديد في سياق النهي يفيد عموم الحكم فالنهي عن طاعتهما سواء اجتمعا أو افترقا، والظاهر أن المراد بالاثم المتلبس بالمعصيه وبالكفور المبالغ في الكفر فتشمل الآية الكفار والفساق جميعا.

وسبق النهي عن طاعة الاثم والكفور بالامر بالصبر لحكم ربه يفيد كون النهي مفسرا للامر فمفاد النهي أن لا تطع منهم آثما إذا دعاك إلى إثمه ولا كفورا إذا دعاك إلى كفره لان إثم الآثم منهم وكفر الكافر مخالفان لحكم ربك وأما تعليق الحكم بالوصف المشعر بالعلية فإنما يفيد علية الاثم والكفر للنهي عن الطاعة مطلقا لا عليتهما للنهي إذا دعا الآثم إلى خصوص إثمه والكافر إلى خصوص كفره.

قوله تعالى: " واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا " أي داوم على ذكر ربك وهو الصلاة في كل بكرة وأصيل وهما الغدو والعشي.

قوله تعالى: " ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا " " من " للتبعيض والمراد بالسجود له الصلاة، ويقبل ما في الآيتين من ذكر اسمه بكرة وأصيلا والسجود له بعض الليل الانطباق على صلاة الصبح والعصر والمغرب والعشاء وهذا يؤيد نزول الآيات بمكة قبل فرض الفرائض الخمس بقوله في آية الاسراء: " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر " أسرى: 78.

فالآيتان كقوله تعالى: " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل " هود: 114، وقوله " وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار " طه: 130.

نعم قيل: على ان الاصيل يطلق على ما بعد الزوال فيشمل قوله " وأصيلا " وقتي صلاتي الظهر والعصر جميعا، ولا يخلو من وجه.

وقوله: " وسبحه ليلا طويلا " أي في ليل طويل ووصف الليل بالطويل توضيحي لا احترازي، والمراد بالتسبيح صلاة الليل، واحتمل أن يكون طويلا صفة لمفعول مطلق محذوف، والتقدير سبحه في الليل تسبيحا طويلا.

قوله تعالى: " إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا " تعليل لما تقدم من الامر والنهي والاشارة بهؤلاء إلى جمع الاثم والكفور المدلول عليه بوقوع النكرة في

[صفحة 142 ]

سياق النهي، والمراد بالعاجلة الحياة الدنيا، وعد اليوم ثقيلا من الاستعارة، والمراد بثقله شدته كأنه محمول ثقيل يشق حمله، واليوم يوم القيامة.

وكون اليوم وراءهم تقرره أمامهم لان وراء تفيد معنى الاحاطة، أو جعلهم إياه خلفهم ووراء ظهورهم بناء على إفادة " يذرون " معنى الاعراض.

والمعنى: فاصبر لحكم ربك وأقم الصلاة ولا تطع الآثمين والكفار منهم لان هؤلاء الآثمين والكفار يحبون الحياة الدنيا فلا يعملون إلا لها ويتركون أمامهم يوما شديدا أو يعرضون فيجعلون خلفهم يوما شديدا سيلقونه.

قوله تعالى: " نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا " الشد خلاف الفك، والاسر في الاصل الشد والربط ويطلق على ما يشد ويربط به فمعنى شددنا أسرهم أحكمنا ربط مفاصلهم بالرباطات والاعصاب والعضلات أو الاسر بمعنى المأسور والمعنى أحكمنا ربط أعضائهم المختلفة المشدودة بعضها ببعض حتى صار الواحد منهم بذلك إنسانا واحدا.

وقوله: " وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا " أي إذا شئنا بدلناهم أمثالهم فذهبنا بهم وجئنا بأمثالهم مكانهم وهو إماتة قرن وإحياء آخرين، وقيل المراد به تبديل نشأتهم الدنيا من نشأة القيامة وهو بعيد من السياق.

والآية في معنى دفع الدخل كأن متوهما يتوهم أنهم بحبهم للدنيا وإعراضهم عن الآخرة يعجزونه تعالى ويفسدون عليه إرادته منهم أن يؤمنوا ويطيعوا فاجيب بأنهم مخلوقون لله خلقهم وشد أسرهم وإذا شاء أذهبهم وجاء بآخرين فكيف يعجزونه وخلقهم وأمرهم وحياتهم وموتهم بيده؟ قوله تعالى: " إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا " تقدم تفسيره في سورة المزمل والاشارة بهذه إلى ما ذكر في السورة.

قوله تعالى: " وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما " الاستثناء من النفي يفيد أن مشية العبد متوقفة في وجودها على مشيته تعالى فلمشيته تعالى تأثير في فعل العبد من طريق تعلقها بمشية العبد، وليست متعلقة بفعل العبد مستقلا وبلا واسطة حتى تستلزم بطلان تأثير إرادة العبد وكون الفعل جبريا ولا أن العبد مستقل في إرادة يفعل ما يشاؤه شاء الله أولم يشأ، فالفعل اختياري لاستناده إلى اختيار العبد، وأما

[صفحة 143 ]

اختيار العبد فليس مستندا إلى اختيار آخر، وقد تكرر توضيح هذا البحث في مواضع مما تقدم.

والآية مسوقة لدفع توهم أنهم مستقلون في مشيتهم منقطعون من مشية ربهم، ولعل تسجيل هذا التنبيه عليهم هو الوجه في الالتفات إلى الخطاب في قوله: " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله " كما أن الوجه في الالتفات من التكلم بالغير إلى الغيبة في قوله: " يشاء الله إن الله " هو الاشارة إلى علة الحكم فإن مسمى هذا الاسم الجليل يبتدئ منه كل شئ وينتهي إليه كل شئ فلا تكون مشية إلا بمشيته ولا تؤثر مشية إلا بإذنه.

وقوله: " إن الله كان عليما حكيما " توطئة لبيان مضمون الآية التالية.

قوله تعالى: " يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما " مفعول " يشاء " محذوف يدل عليه الكلام، والتقدير يدخل في رحمته من يشاء دخوله في رحمته، ولا يشاء إلا دخول من آمن واتقى، وأما غيرهم وهم أهل الاثم والكفر فبين حالهم بقوله: " والظالمين أعد لهم عذابا أليما ".

والآية تبين سنته تعالى الجارية في عباده من حيث السعادة والشقاء، وقد علل ذلك بما في ذيل الآية السابقة من قوله: " إن الله كان عليما حكيما " فأفاد به أن سنته تعالى ليست سنة جزافية مبنية على الجهالة بل هو يعامل كلا من الطائفتين بما هو أهل له وسينبئهم حقيقة ما كانوا يعملون.

(بحث روائي) وفي الدر المنثور أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: " ولا تطع منهم آثما أو كفورا " قال: حدثنا أنها نزلت في عدو الله أبي جهل أقول: وهو أشبه بالتطبيق.

وفي المجمع في قوله تعالى " وسبحه ليلا طويلا " روي عن الرضا (عليه السلام) أنه سأله أحمد بن محمد عن هذه الآية وقال: ما ذلك التسبيح؟ قال: صلاة الليل.

وفي الخرائج والجرائح عن القائم (عليه السلام) في حديث يقول لكامل بن إبراهيم المدني: وجئت تسأل عن مقالة المفوضة كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشية الله عزوجل فإذا شاء شئنا، والله يقول " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ".

[صفحة 144 ]

وفي الدر المنثور أخرج ابن مردويه من طريق ابن شهاب عن سالم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا خطب: كل ما هو آت قريب، لا بعد لما يأتي، ولا يعجل الله لعجلة أحد، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الناس أمرا ويريد الله أمرا، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مباعد لما قرب الله، ولا مقرب لما باعد الله، لا يكون شئ إلا باذن الله.

أقول: وفي بعض الروايات من طرق أهل البيت (عليهم السلام) تطبيق الحكم في قوله: " فاصبر لحكم ربك والرحمة في قوله: " يدخل من يشاء في رحمته " على الولاية وهو من الجري أو البطن وليس من التفسير في شئ.

(سورة المرسلات مكية وهي خمسون آية)

بسم الله الرحمن الرحيم والمرسلات عرفا - 1.

فالعاصفات عصفا - 2.

والناشرات نشرا - 3.

فالفارقات فرقا - 4.

فالملقيات ذكرا - 5.

عذرا أو نذرا - 6.

إنما توعدون لواقع - 7.

فإذا النجوم طمست - 8.

وإذا السماء فرجت - 9.

وإذا الجبال نسفت - 10.

وإذا الرسل أقتت - 11.

لاي يوم أجلت - 12.

ليوم الفصل - 13.

وما أدراك ما يوم الفصل - 14.

ويل يومئذ للمكذبين - 15.

(بيان) تذكر السورة يوم الفصل وهو يوم القيامة وتؤكد الاخبار بوقوعه وتشفعه بالوعيد الشديد للمكذبين به والانذار والتبشير لغيرهم ويربو فيها جانب الوعيد على غيره فقد كرر فيها قوله: " ويل يومئذ للمكذبين " عشر مرات.

[صفحة 145 ]

والسورة مكية بشهادة سياق آياتها.

قوله تعالى: " والمرسلات عرفا " الآية وما يتلوها إلى تمام ست آيات إقسام منه تعالى بامور يعبر عنها بالمرسلات فالعاصفات والناشرات فالفارقات فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا، والاوليان أعني المرسلات عرفا والعاصفات عصفا لا تخلوان لو خليتا ونفسهما مع الغض عن السياق من ظهور ما في الرياح المتعاقبة الشديدة الهبوب لكن الاخيرة أعني الملقيات ذكرا عذرا أو نذرا كالصريحة في الملائكة النازلين على الرسل الحاملين لوحي الرسالة الملقين له إليهم إتماما للحجة أو إنذارا وبقية الصفات لا تأبى الحمل على ما يناسب هذا المعنى.

وحمل جميع الصفات الخمس على إرادة الرياح كما هو ظاهر المرسلات والعاصفات - على ما عرفت - يحتاج إلى تكلف شديد في توجيه الصفات الثلاث الباقية وخاصة في الصفة الاخيرة.

وكذا حمل المرسلات والعاصفات على إرادة الرياح وحمل الثلاث الباقية أو الاخيرتين أو الاخيرة فحسب على ملائكة الوحي إذ لا تناسب ظاهرا بين الرياح وبين ملائكة الوحي حتى يقارن بينها في الاقسام وينظم الجميع في سلك واحد، وما وجهوه به من مختلف التوجيهات معان بعيدة عن الذهن لا ينتقل إليها في مفتتح الكلام من غير تنبيه سابق.

فالوجه هو الغض عن هذه الاقاويل وهي كثيرة جدا لا تكاد تنضبط، وحمل المذكورات على إرادة ملائكة الوحي كنظيرتها في مفتتح سورة الصافات " والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا " وفي معناها قوله تعالى: " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم " الجن: 28.

فقوله: " والمرسلات عرفا " إقسام منه تعالى بها والعرف بالضم فالسكون الشعر النابت على عنق الفرس ويشبه به الامور إذا تتابعت يقال: جاؤا كعرف الفرس، ويستعار فيقال: جاء القطا عرفا أي متتابعة وجاؤا إليه عرفا واحدا أي متتابعين، والعرف أيضا المعروف من الامر والنهي و " عرفا " حال بالمعنى الاول مفعول له بالمعنى الثاني، والارسال خلاف الامساك، وتأنيث المرسلات باعتبار الجماعات أو باعتبار الروح التي

[صفحة 146 ]

تنزل بها الملائكة قال تعالى: " ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده " النحل: 2 وقال " يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده " المؤمن: 15.

والمعنى أقسم بالجماعات المرسلات من ملائكة الوحي.

وقيل: المراد بالمرسلات عرفا الرياح المتتابعة المرسلة وقد تقدمت الاشارة إلى ضعفه، ومثله في الضعف القول بأن المراد بها الانبياء (عليهم السلام) فلا يلائمه ما يتلوها.

قوله تعالى: " فالعاصفات عصفا " عطف على المرسلات والمراد بالعصف سرعة السير استعارة من عصف الرياح أي سرعة هبوبها إشارة إلى سرعة سيرها إلى ما ارسلت إليه، والمعنى أقسم بالملائكة الذين يرسلون متتابعين فيسرعون في سيرهم كالرياح العاصفة.

قوله تعالى: " والناشرات نشرا " إقسام آخر، ونشر الصحيفة والكتاب والتوب ونحوها: بسطه، والمراد بالنشر نشر صحف الوحي كما يشير إليه قوله تعالى: " كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة " عبس: 16 والمعنى واقسم بالملائكة الناشرين للصحف المكتوبة عليها الوحي للنبي ليتلقاه.

وقيل: المراد بها الرياح ينشرها الله تعالى بين يدي رحمته وقيل: الرياح الناشرة للسحاب، وقيل: الملائكة الناشرين لصحائف الاعمال، وقيل: الملائكة نشروا أجنحتهم حين النزول وقيل: غير ذلك.

قوله تعالى: " فالفارقات فرقا " المراد به الفرق بين الحق والباطل وبين الحلال والحرام، والفرق المذكور صفة متفرعة على النشر المذكور.

قوله تعالى: " فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا " المراد بالذكر القرآن يقرؤنه على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو مطلق الوحي النازل على الانبياء المقرو عليهم.

والصفات الثلاث أعني النشر والفرق وإلقاء الذكر مترتبإ فإن الفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام يتحقق بنشر الصحف والقاء الذكر فبالنشر يشرع الفرق في التحقق وبالتلاوة يتم تحققه فالنشر يترتب عليه مرتبة من وجود الفرق ويترتب عليها تمام وجوده بالالقاء.

[صفحة 147 ]

وقوله: " عذرا أو نذرا " هما من المفعول له و " أو " للتنويع قيل: هما مصدران بمعنى الاعذار والانذار، والاعذار الاتيان بما يصير به معذورا والمعنى أنهم يلقون الذكر لتكون عذرا لعباده المؤمنين بالذكر وتخويفا لغيرهم.

وقيل: ليكون عذرا يعتذر به الله إلى عباده في العقاب أنه لم يكن إلا على وجه الحكمة، ويؤل إلى إتمام الحجة فمحصل المعنى عليه أنهم يلقون الذكر ليكون إتماما للحجة على المكذبين وتخويفا لغيرهم، وهو معنى حسن.

قوله تعالى: " إن ما توعدون لواقع " جواب القسم، وما موصولة والخطاب لعامة البشر، والمراد بما توعدون يوم القيامة بما فيه من العقاب والثواب والواقع أبلغ من الكائن لما فيه من شائبة الاستقرار، والمعنى أن الذي وعدكم الله به من البعث والعقاب والثواب سيتحقق لا محالة.

(كلام في اقسامه تعالى في القرآن) من لطيف صنعة البيان في هذه الآيات الست أنها مع ما تتضمن الاقسام لتأكيد الخبر الذي في الجواب تتضمن الحجة على مضمون الجواب وهو وقوع الجزاء الموعود فإن التدبير الربوبي الذي يشير إليه القسم أعني إرسال المرسلات العاصفات ونشرها الصحف وفرقها وإلقاءها الذكر للنبي تدبير لا يتم إلا مع وجود التكليف الالهي والتكليف لا يتم إلا مع تحتم وجود يوم معد للجزاء يجازى فيه العاصي والمطيع من المكلفين.

فالذي أقسم تعالى به من التدبير لتأكيد وقوع الجزاء الموعود هو بعينه حجة على وقوعه كأنه قيل: اقسم بهذه الحجة أن مدلولها واقع.

وإذا تأملت الموارد التي اورد فيها القسم في كلامه تعالى وأمعنت فيها وجدت المقسم به فيها حجة دالة على حقية الجواب كقوله تعالى في الرزق: " فو رب السماء والارض إنه لحق " الذاريات: 23 فإن ربوبية السماء والارض هي المبدء لرزق المرزوقين، وقوله: " لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون " الحجر: 72 فإن حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الطاهرة المصونة بعصمة من الله دالة على سكرهم وعمههم، وقوله: " والشمس وضحاها - إلى أن قال - ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من

[صفحة 148 ]

دساها " الشمس: 10 فإن هذا النظام المتقن المنتهي إلى النفس الملهمة المميزة لفجورها وتقواها هو الدليل على فلاح من زكاها وخيبة من دساها.

وعلى هذا النسق سائر ما ورد من القسم في كلامه تعالى وإن كان بعضها لا يخلو من خفاء يحوج إلى إمعان من النظر كقوله: " والتين والزيتون وطور سينين " التين: 2 وعليك بالتدبر فيها.

قوله تعالى: " فإذا النجوم طمست - إلى قوله - أقتت " بيان لليوم الموعود الذي اخبر بوقوعه في قوله: " إنما توعدون لواقع " وجواب إذا محذوف يدل عليه قوله: " لاي يوم اجلت - إلى قوله - للمكذبين ".

وقد عرف سبحانه اليوم الموعود بذكر حوادث واقعة تلازم انقراض العالم الانساني وانقطاع النظام الدنيوي كانطماس النجوم وانشقاق الارض واندكاك الجبال وتحول النظام إلى نظام آخر يغايره، وقد تكرر ذلك في كثير من السور القرآنية وخاصة السور القصار كسورة النبأ والنازعات والتكوير والانفطار والانشقاق والفجر والزلزال والقارعة، وغيرها، وقد عدت الامور المذكورة فيها في الاخبار من أشراط الساعة.

ومن المعلوم بالضرورة من بيانات الكتاب والسنة أن نظام الحياة في جميع شؤنها في الآخرة غير نظامها في الدنيا فالدار الآخرة دار أبدية فيها محض السعادة لساكنيها لهم فيها ما يشاؤن أو محض الشقاء وليس لهم فيها إلا ما يكرهون والدار الدنيا دار فناء وزوال لا يحكم فيها إلا الاسباب والعوامل الخارجية الظاهرية مخلوط فيها الموت بالحياة، والفقدان بالوجدان، والشقاء بالسعادة، والتعب بالراحة، والمساءة بالسرور، والآخرة دار جزاء ولا عمل والدنيا دار عمل ولا جزاء، وبالجملة النشأة غير النشأة.

فتعريفه تعالى نشأة البعث والجزاء بأشراطها التي فيها انطواء بساط الدنيا بخراب بنيان أرضها وانتساف جبالها وانشقاق سمائها وانطماس نجومها إلى غير ذلك من قبيل تحديد نشأة بسقوط النظام الحاكم في نشأة أخرى قال تعالى: " ولقد علمتم النشأة الاولى فلولا تذكرون " الواقعة: 62.

[صفحة 149 ]

فقوله: " فإذا النجوم طمست " أي محي أثرها من النور وغيره، والطمس إزالة الاثر بالمحو قال تعالى: " وإذا النجوم انكدرت " التكوير: 2.

وقوله: " وإذا السماء فرجت " أي انشقت، والفرج والفرجة الشق بين الشيئين قال تعالى: " إذا السماء انشقت " الانشقاق: 1.

وقوله: " وإذا الجبال نسفت " أي قلعت وازيلت من قولهم: نسفت الريح الشئ أي اقتلعته وأزالته قال تعالى: " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا " طه: 105.

وقوله: " وإذا الرسل أقتت " أي عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على الامم أو بلغت الوقت الذي تنتظره لاداء شهادتها على الامم من التأقيت بمعنى التوقيت، قال تعالى: " فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين " الاعراف 6، وقال: " يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا اجبتم " المائدة: 109.

قوله تعالى: " لاي يوم أجلت - إلى قوله: - للمكذبين " الاجل المدة المضروبة للشئ، والتأجيل جعل الاجل للشئ، ويستعمل في لازمه وهو التأخير كقولهم: دين مؤجل أي له مدة بخلاف الحال وهذا المعنى هو الانسب للآية، والضمير في " اجلت " للامور المذكورة قبلا من طمس النجوم وفرج السماء ونسف الجبال وتأقيت الرسل، والمعنى لاي يوم اخرت يوم أخرت هذه الامور.

واحتمل أن يكون " أجلت " بمعنى ضرب الاجل للشئ وأن يكون الضمير المقدر فيه راجعا إلى الرسل، أو إلى ما يشعر به الكلام من الامور المتعلقة بالرسل مما أخبروا به من أحوال الآخرة وأهوالها وتعذيب الكافرين وتنعيم المؤمنين فيها، ولا يخلو كل ذلك من خفاء.

وقد سقيت الآية والتي بعدها أعني قوله: " لاي يوم أجلت ليوم الفصل " في صورة الاستفهام وجوابه للتعظيم والتهويل والتعجيب وأصل المعنى أخرت هذه الامور ليوم الفصل.

وهذا النوع من الجمل الاستفهامية في معنى تقدير القول، والمعنى إن من عظمة هذا اليوم وهوله وكونه عجبا أنه يسأل فيقال: لاي يوم أخرت هذه الامور العظيمة الهائلة العجيبة فيجاب: ليوم الفصل.

وقوله: " ليوم الفصل " هو يوم الجزاء الذي فيه فصل القضاء قال تعالى: " إن الله يفصل بينهم يوم القيامة " الحج: 17.

[صفحة 150 ]

وقوله: " وما أدراك ما يوم الفصل " تعظيم لليوم وتفخيم لامره.

وقوله: " ويل يومئذ للمكذبين " الويل الهلاك، والمراد بالمكذبين المكذبون بيوم الفصل الذي فيه ما يوعدون فإن الآيات مسوقة لبيان وقوعه وقد أقسم على أنه واقع.

وفي الآية دعاء على المكذبين، وقد استغني به عن ذكر جواب إذا في قوله: " فإذا النجوم طمست " الخ والتقدير فإذا كان كذا وكذا وقع ما توعدون من العذاب على التكذيب أو التقدير فإذا كان كذا وكذا كان يوم الفصل وهلك المكذبون به.

(بحث روائي) في الخصال عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: أسرع الشيب إليك يا رسول الله قال (صلى الله عليه وآله وسلم): شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون.

وفي الدر المنثور أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن مسعود قال: بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزلت عليه سورة والمرسلات عرفا فإنه يتلوها وإني لالقاها من فيه وإن فاه لرطب بها إذ وثبت عليه حية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتلوها فابتدرناها فذهبت فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقيت شركم كما وقيتم شرها.

أقول: ورواها أيضا بطريقين آخرين.

وفي تفسير القمي في قوله تعالى: " والمرسلات عرفا " قال: آيات تتبع بعضها بعضا.

وفي المجمع في الآية وقيل: إنها الملائكة ارسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه.

في رواية الهروي عن ابن مسعود، وعن أبي حمزة الثمالي عن أصحاب علي عنه (عليه السلام).

وفي تفسير القمي في قوله تعالى: " فإذا النجوم طمست " قال: يذهب نورها وتسقط.

وفيه في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " فإذا النجوم طمست " فطمسها ذهاب ضوئها " وإذا السماء فرجت " قال: تفرج وتنشق " وإذا الرسل اقتت " قال: بعثت في أوقات مختلفة.

وفي المجمع قال: الصادق (عليه السلام): " اقتت " أي بعثت في أوقات مختلفة.

وفي تفسير القمي في قوله تعالى: " لاي يوم أجلت " قال: أخرت.