[صفحة301 ]

ويتوجه ما وقع في طرف من السلسلة المترتبة إلى إسعاد ما في طرف آخر منها ينتفع فيها الانسان مثلا بالنظام الجارى في الحيوان والنبات، والنبات مثلا بالنظام الجارى في الارض والجو المحيط بها، وتستمد الارضيات بالسماويات والسماويات بالارضيات فيعود الجميع ذا نظام متصل واحد يسوق كل نوع من الانواع إلى ما يسعد به في كونه ويفوز به في وجوده وتأبى الفطرة السليمة والشعور الحى إلا أن يقضى أن ذلك كله من تقدير عزيز عليم وتدبير حكيم خبير.

وليس هذا التقدير والتدبير إلا عن فطر ذواتها وإيجاد هوياتها وصوغ أعيانها بضرب كل منها في قالب يقدر له أفعاله ويحصره في ما أريد منه في موطنه وما يؤول إليه في منازل هيئت على امتداد مسيره، والذى يقف عليه آخر ما يقف، وهى في جميع هذه المراحل على مراكب الاسباب بين سائق القدر وقائد القضاء.

قال تعالى: (له الخلق والامر) (الاعراف: 54)، وقال: (ألا له الحكم) (الانعام: 62) وقال: (ولكل وجهة هو موليها) (البقرة: 148) وقال: (والله يحكم لا معقب لحكمه) (الرعد: 41) وقال: (هو قائم على كل نفس بما كسبت) (الرعد: 33).

وكيف يسع لمتدبر في أمثال هذه الايات أن يعطف واضح معانيها وصريح مضامينها إلى أن الله سبحانه خلق ذوات الاشياء على ما لها من الخصوصيات والشخصيات ثم اعتزلها وما كان يسعه إلا أن يعتزل ويرصد فشرع الاشياء في التفاعل والتناظم بما فيها من روح العلية والمعلولية واستقلت في الفعل والانفعال وخالقها يتأملها في معزلة وينتظر يوم يفنى فيه الكل حتى يجدد لها خلقا جديدا يثيب فيه من استمع لدعوته في حياته الاولى وبعاقب المستكبر المستنكف، وقد صبر على خلافهم طول الزمان غير أنه ربما غضب على بعض ما يشاهده منهم فيعارضهم في مشيتهم، ويمنع من تأثير بعض مكائدهم على نحو المعارضة والممانعة.

أي أنه تعالى يخرج من مقام الاعتزال في بعض ما تؤدى الاسباب والعلل الكونية المستقلة الجارية إلى خلاف ما يرتضيه، أو لا يؤدى إلى ما يوافق مرضاته فيداخل الاسباب الكونية بإيجاد ما يريده من الحوادث، وليس يداخل شيئا إلا بإبطال قانون العلية الجارى في المورد إذ لو أوجد ما كان يريده من طريق الاسباب والعلل كان التأثير على مزعمتهم

[صفحة302 ]

للعلل الكونية دونه تعالى، وهذا هو السر في إصرار هؤلاء على أن المعجزات وخوارق العادات ونحوهما إنما تتحقق بالارادة الالهية وحدها ونقض قانون العلية العام، فلا محالة يتم الامر بنقض السببية الكونية وإبطال قانون العلية ويبطل بذلك أصل قولهم: إن الاشياء مفتقرة إليه تعالى في حدوثها غنية عنه في بقائها.

فهؤلاء القوم لا يسعهم إلا أن يلتزموا أحد أمرين إما القول بأن العالم على سعته ونظامه الجارى فيه مستقل عن الله سبحانه غير مفتقر إليه أصلا ولا تأثير له تعالى في شئ من أجزائه ولا التحولات الواقعة فيه إلا ما كان من حاجته إليه في أول حدوثه وقد أحدثه فارتفعت الحاجة وانقطعت الخلة.

أو القول بأن الله هو الخالق لكل ما يقع عليه إسم شئ والمفيض له الوجود حال الحدوث وفي حال البقاء، ولا غنى عنه تعالى لذات ولا فعل طرفة عين.

وقد عرفت أن البحث القرآني يدفع أول القولين لتعاضد الايات على بسط الخلقة والسلطة الغيبية على ظاهر الاشياء وباطنها وأولها وآخرها وذواتها وأفعالها حال حدوثها وحال بقائها جميعا فالمتعين هو الثاني من القولين والبحث العقلي الدقيق يؤيد بحسب النتيجة ما هو المتحصل من الايات الكريمة.

فقد ظهر من جميع ما تقدم: أن ما يظهر من قوله: (الله خالق كل شئ) على ظاهرعمومه من غير أن يتخصص بمخصص عقلي أو شرعى.

قوله تعالى: (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها) الخ قال في المجمع: البصيرة البينة والدلالة التى يبصر بها الشئ على ما هو به والبصائر جمعها انتهى.

وقيل البصيرة للقلب كالبصر للعين، والاصل في الباب على أي حال هو الادراك بحاسة البصر الذى يعد أقوى الادراكات، ونيلا من خارج الشئ المشهود، والابصار والعمى في الاية هو العلم والجهل أو الايمان والكفر توسعا.

وكأنه تعالى يشير بقوله: (قد جاءكم بصائر من ربكم) إلى ما ذكره في الايات السابقة من الحجج الباهرة على وحدانيته وانتفاء الشريك عنه، والمعنى أن هذه الحجج بصائر قد جاءتكم من جانب الله بالوحى إلى، والخطاب من قبل النبي صلى الله عليه وآله ثم ذكر للمخاطبين وهم المشركون أنهم على خيرة من أمرأنفسهم إن شاءوا أبصروا بها وإن شاءوا

[صفحة303 ]

عموا عنها غير أن الابصار لانفسهم والعمى عليها.

ومن هنا يظهر أن المراد بالحفظ عليهم رجوع أمر نفوسهم وتدبير قلوبهم إليه فهو إنما ينفى كونه حفيظا عليهم تكوينا وإنما هو ناصح لهم.

والاية كالمعترضة بين الايات السابقة والاية اللاحقة، وهو خطاب منه تعالى عن لسان نبيه كالرسول يأتي بالرسالة إلى قوم فيؤديها إليهم وفي خلال ما يؤديه يكلمهم من نفسه بما يهيجهم للسمع والطاعة ويحثهم على الانقياد بإظهار النصح ونفى الاغراض الفاسدة عن نفسه.

قوله تعالى: (وكذلك نصرف الايات وليقولوا درست) الخ، وقرئ: دارست بالخطاب ودرست بالتأنيث والغيبة، قيل: إن التصريف هو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة ليجتمع فيه وجوه الفائدة، وقوله: (درست) من الدرس وهو التعلم والتعليم من طريق التلاوة، وعلى هذا المعنى قراءة دارست غير أن زيادة المباني تدل على زيادة المعاني وأما قراءة (درست) بالتأنيث والغيبة فهو من الدروس بمعنى تعفى الاثر أي اندرست هذه الاقوال كقولهم: أساطير الاولين.

والمعنى: على هذا المثال نصرف الايات ونحولها بيانا لغايات كثيرة ومنها أن يستكمل هؤلاء الاشقياء شقوتهم فيتهموك يا محمد بأنك تعلمتها من بعض أهل الكتاب أو يقولوا: اندرست هذه الاقاويل وانقرض عهدها ولا نفع فيها اليوم، ولنبينه لقوم يعلمون بتطهير قلوبهم وشرح صدورهم به، وهذا كقوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) (الاسراء: 82).

(بحث روائي) في الكافي بإسناده عن الفضيل بن يسار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الله لا يوصف، وكيف يوصف وقال في كتابه: (وما قدروا الله حق قدره) فلا يوصف بقدر إلا كان إعظم من ذلك.

وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: (وما قدروا الله حق قدره) قال: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم فمن آمن أن الله على كل شئ قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن

[صفحة304 ]

لم يؤمن بذلك فلم يؤمن بالله حق قدره.

(إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ) يعنى من بنى إسرائيل قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ ! قال: نعم، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزل الله: قل يا محمد من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نورا وهدى للناس إلى قوله ولا آباؤكم قل الله أنزله.

اقول: والمعنى الذى في صدر الرواية تقدم في البيان السابق أنه خلاف ظاهر الاية بل الظاهر أن الذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شئ، هم الذين لم يقدروا الله سبحانه حق قدره.

وفيه أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن السدى في قوله: (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ) قال: قال فنحاص اليهودي: ما أنزل الله على محمد من شئ.

اقول: واختلاف الحاكى والمحكى يفسد المعنى، واحتمال النقل بالمعنى مع هذا الاختلاف الفاحش لا مسوغ له.

وفيه أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف فخاصم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له النبي: أنشدك بالذى أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة: أن الله يبغض الحبر السمين؟ وكان حبرا سمينا فغضب وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شئ، فقال له أصحابه: ويحك ولا على موسى؟ قال: ما أنزل الله على بشر من شئ، فأنزل الله: (وما قدروا الله حق قدره) الاية.

وفيه أخرج ابن مردويه عن بريدة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أم القرى مكة.

وفي تفسير العياشي عن على بن أسباط قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): لم سمى النبي الامي؟ قال نسب إلى مكة وذلك من قوله الله: (لتنذرام القرى ومن حولها) وام القرى مكة، ومن حولها الطائف.

أقول: وعلى ما في الرواية يصير قوله: (لتنذر أم القرى ومن حولها) من قبيل قوله: وأنذر عشيرتك الاقربين) (الشعراء: 214) ولا ينافى الامر بإنذار طائفة خاصة عموم الرسالة لجميع الناس كما يدل عليه أمثال قوله: (لانذركم به ومن بلغ) (الانعام: 19) وقوله: (إن هو إلا ذكرى للعالمين) (الانعام: 90) وقوله: (قل

[صفحة305 ]

يا أيها الناس إنى رسول الله إليكم جميعا) (الاعراف: 158).

وفي تفسير العياشي عن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: قل من أنزل الكتاب - إلى قوله - تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا) قال: كانوا يكتمون ما شاءوا ويبدون ما شاءوا.

قال: وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام) قال: كانوا يكتبونه في القراطيس ثم يبدون ما شاءوا ويخفون ما شاءوا.

قال: كل كتاب أنزل فهو عند أهل العلم.

أقول: أهل العلم كناية عن أئمه أهل البيت (عليه السلام).

وفي الدر المنثور في قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى) الاية أخرج الحاكم في المستدرك عن شرحبيل بن سعد قال: نزلت في عبد الله بن أبى سرح: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شئ) الاية، فلما دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة فر إلى عثمان أخيه من الرضاعة فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة ثم استأمن له.

وفيه أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحى إلى ولم يوح إليه شئ) قال: نزلت في مسيلمة فيما كان يسجع ويتكهن به.

(ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) قال: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبى سرح كان يكتب للنبى (صلى الله عليه وآله وسلم) فكان فيما يملى (عزيز حكيم) فيكتب (غفور رحيم) فيغيره ثم يقرأ عليه كذا كذا لما حول فيقول: نعم سواء، فرجع عن الاسلام ولحق بقريش.

أقول: وروى هذا المعنى بطرق اخرى أيضا غير ما مر.

وفي تفسير القمى قال: حدثنا أبى عن صفوان عن ابن مسكان عن أبى بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: إن عبد الله بن سعد بن أبى السرح كان أخا لعثمان من الرضاعة قدم إلى المدينة وأسلم، وكان له خط حسن، وكان إذا نزل الوحى على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): دعاه ليكتب ما نزل عليه فكان إذا قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وآله وسلم: والله سميع بصير يكتب سميع عليم، وإذا قال: والله بما تعملون خبير يكتب بصير وكان يفرق بين التاء والياء، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: هو واحد.

فارتد كافرا ورجع مكه وقال لقريش: والله ما يدرى محمد ما يقول أنا أقول

[صفحة306 ]

مثل ما يقول فلا ينكر على ذلك فأنا انزل مثل ما أنزل الله فأنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحى إلى ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله).

فلما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة أمر بقتله - فجاء به عثمان قد أخذ بيده ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المسجد فقال: يا رسول الله اعف عنه فسكت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أعاد فقال: هو لك، فلما مر قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: ألم أقل من رآه فليقتله؟ فقال رجل: كانت عينى إليك يا رسول الله أن تشير إلى فأقتله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الانبياء لا يقتلون بالاشارة، فكان من الطلقاء.

أقول: وروى هذا المعنى في الكافي وتفسير العياشي ومجمع البيان بطرق اخرى عن الباقر والصادق (عليهما السلام).

وذكر بعض المفسرين بعد إيراد القصة عن روايتي عكرمة والسدى: إن هاتين الروايتين باطلتان فإنه ليس في شئ من السور المكية (سميعا عليما) ولا عليما حكيما) ولا (عزيز حكيم) إلا في سورة لقمان المروى عن ابن عباس انها نزلت بعد سورة الانعام وأن الاية التى ختمت بقوله تعالى (عزيز حكيم) منها وثنتين بعدها مدنيات كما في الاتقان.

قال: وما قيل من احتمال نزول هذه الاية بالمدينة لا حاجة إليه والرواية غير صحيحة.

قال: وروى: أن عبد الله بن سعد لما ارتد كان يطعن في القرآن، ولعله قال شيئا مما ذكر في الروايات عنه كذبا وافتراءا فإن السور التى نزلت في عهد كتابته لم يكن فيها شئ مما روى عنه أنه تصرف فيه كما علمت، وقد رجع إلى الاسلام قبل الفتح ولو تصرف في القرآن تصرفا أقره عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فشك في الوحى لاجله لما رجع إلى الاسلام.

انتهى.

وقد عرفت أن الروايات المعتبرة المروية عن الصادقين (عليهما السلام) صريحة في وقوع قصه ابن أبى سرح في المدينة بعد الهجرة لا في مكة، والاخبار المروية من طرق أهل السنة والجماعة غير صريحه في وقوعها بمكة لو لم يكن ظهورها في الوقوع بالمدينة، وأما ما استند إليه من رواية ابن عباس في ترتيب نزول السور القرآنية فليس بأقوى اعتبارا مما طرحه.

وأما ما ذكره من إسلام ابن أبى سرح قبل الفتح طوعا فقد عرفت ورود الرواية من الطريقين أنه لم يعد إلى الاسلام إلى يوم الفتح، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أهدر دمه

[صفحة307 ]

يوم الفتح حتى شفع له عثمان فعفا عنه، هذا.

لكن يبقى على ظاهر الروايات أن قوله تعالى: (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) غير ظاهر الانطباق على قول ابن أبى سرح على ما يحكيه: (فأنا انزل مثل ما أنزل الله).

على أن كون قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحى إلى ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) نازلا بالمدينة لا يلائم هذا الاتصال الظاهر بينه وبين ما يتلوه إلى آخر الاية الثانية فلو كان نازلا بالمدينة كان الاقرب أن تكون الايتان جميعا مدنيتين.

وهناك رواية اخرى تعرب عن سبب للنزول آخر وهو ما رواه عبد بن حميد عن عكرمة قال: لما نزلت: والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا، قال النضر وهو من بنى عبد الدار: والطاحنات طحنا فالعاجنات عجنا وقولا كثيرا فأنزل الله: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال اوحى إلى ولم يوح إليه شئ) الاية.

وفي تفسير العياشي عن سلام عن أبى جعفر (عليه السلام) في قوله: (اليوم تجزون عذاب الهون) قال: العطش يوم القيامة.

أقول: ورواه أيضا عن الفضيل عن أبى عبد الله (عليه السلام) وفيه: قال: العطش.

وفي الكافي بإسناده عن إبراهيم عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: إن الله عزوجل لما أراد أن يخلق آدم بعث جبرئيل في أول ساعة من يوم الجمعة فقبض بيمينه قبضة بلغت من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، وأخذ من كل سماء تربة وقبض قبضة اخرى من الارض السابعة العليا إلى الارض السابعة القصوى فأمر الله عزوجل كلمته فأمسك القبضة الاولى بيمينه والقبضة الاخرى بشماله - ففلق الطين فلقتين فذرا من الارض ذروا ومن السماوات ذروا فقال للذى بيمينه: منك الرسل والانبياء والاوصياء والصديقون والمؤمنون والشهداء ومن اريد كرامته، فوجب لهم ما لهم ما قال كما قال، وقال للذى بشماله: منك الجبارون والمشركون والمنافقون والطواغيت ومن أريد هوانه أو شقوته فوجب لهم ما قال كما قال.

ثم إن الطينتين خلطتا جميعا وذلك قوله تعالى: (إن الله فالق الحب والنوى) فالحب طينة المؤمنين التى ألقى الله عليها محبته، والنوى طينة الكافرين الذين نأوا عن كل

[صفحة308 ]

خير، وإنما سمى النوى من أجل أنه نأى عن الحق وتباعد منه.

وقال الله عزوجل: (يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحى) فالحي المؤمن الذى يخرج من طينة الكافر، والميت الذى يخرج من الحى هو الكافر الذى يخرج من طينة المؤمن فالحي المؤمن والميت الكافر وذلك قول الله عزوجل: (أو من كان ميتا فأحييناه) فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر وكان حياته حين فرق الله عزوجل بينهما بكلمته كذلك يخرج الله عزوجل المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها إلى النور، ويخرج الكافر من النور إلى الظلمة بعد دخوله إلى (1) النور وذلك قول الله عزوجل: (لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين).

أقول: الرواية من أخبار الطينة وسيجئ البحث فيها فيما يناسبه من المحل إن شاء الله.

وتفسير الحب والنوى بما فيها من المعنى من قبيل الباطن دون الظاهر، وقد وقع هذا المعنى في روايات أخرى غير هذه الرواية.

وفي تفسير العياشي في قوله تعالى (وجعل الليل سكنا) عن الحسن بن على بن بنت إلياس قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: إن الله جعل الليل سكنا وجعل النساء سكنا، ومن السنة التزويج بالليل وإطعام الطعام.

وفيه عن على بن عقبة عن أبيه عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال تزوجوا بالليل فإن الله جعله سكنا ولا تطلبوا الحوائج بالليل.

وفي الكافي بإسناده عن يونس عن بعض أصحابنا عن أبى الحسن (عليه السلام) قال: إن الله خلق النبيين على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء، وخلق المؤمنين على الايمان فلا يكونون إلا مؤمنين وأعار قوما إيمانا فإن شاء تممه لهم وإن شاء سلبهم إياه.

قال: وفيهم جرت  (فمستقر ومستودع) وقال: إن فلانا كان مستودعا فلما كذب علينا سلبه الله إيمانه.

أقول: وفي تفسير المستقر والمستودع بقسمي الايمان روايات كثيرة مروية عنهم (عليهم السلام) في تفسيرى العياشي والقمى، وهذه الرواية توجهها بأنها من الجرى والانطباق.

وفي تفسير العياشي عن سعد بن سعيد أبى الاصبغ قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)

[صفحة309 ]

في قوله: (فمستقر ومستودع) قال: مستقر في الرحم ومستودع في الصلب، وقد يكون مستودع الايمان ثم ينزع منه.

الحديث.

وفيه عن سدير قال: سمعت حمران يسأل أبا جعفر (عليه السلام): عن قول الله: (بديع السماوات والارض) فقال له أبو جعفر (عليه السلام): ابتدع الاشياء كلها بعلمه على غير مثال كان، وابتدع السماوات والارضين ولم يكن قبلهن سماوات ولا أرضون أما تسمع قوله: (وكان عرشه على الماء)؟.

وفي الكافي بإسناده عن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) في قوله: (لا تدركه الابصار) قال: إحاطة الوهم ألا ترى إلى قوله: (قد جاءكم بصائر من ربكم، ليس يعنى من البصر بعينه (ومن عمى فعليها) ليس يعنى عمى العيون إنما عنى إحاطة الوهم كما يقال: فلان بصير بالشعر، وفلان بصير بالفقه، وفلان بصير بالدراهم، وفلان بصير بالثياب، الله أعظم من أن يرى بالعين.

أقول: ورواه في التوحيد بطريق آخر عنه (عليه السلام) وبإسناده عن أبى هاشم الجعفري عن الرضا (عليه السلام) وفيه بإسناده عن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث أن أدخله إلى أبى الحسن الرضا (عليه السلام) فاستأذنته في ذلك فأذن لى فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والاحكام حتى بلغ سؤاله التوحيد فقال أبو قرة: أنا روينا: أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين فقسم الكلام لموسى ولمحمد الرؤية فقال: أبو الحسن (عليه السلام): فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن والانس، لا تدركه الابصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ؟ أليس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: بلى.

قال كيف يجئ رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله، وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله فيقول: لا تدركه الابصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ ثم يقول: أنا رأيته بعينى وأحطت به علما وهو على صورة البشر أما تستحون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشئ ثم يأتي بخلافه من وجه آخر.

قال أبو قرة: فإنه يقول.

(ولقد رآه نزلة أخرى) فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن بعد هذه الاية ما يدل على ما رأى حيث قال: (ما كذب الفؤاد ما رأى) يقول:

[صفحة310 ]

ما كذب فؤاد محمد ما رأته عيناه ثم اخبر بما رأى فقال: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) فآيات الله غير الله وقد قال الله: (ولا يحيطون به علما) فإذا رأته الابصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة.

فقال أبو قرة: فتكذب بالروايات؟ فقال الرضا (عليه السلام): إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الابصار، وليس كمثله شئ.

أقول: وهذا المعنى وارد في أخبار أخر مروى.

ة عنهم (عليه السلام)، وهناك روايات أخر تثبت الرؤية بمعنى آخر أدق يليق بساحة قدسه تعالى سنوردها إن شاء الله في تفسير سورة الاعراف، وإنما شدد النكير على الرؤية في هذه الرواية لما أن المشهور من إثبات الرؤية في عصرهم كان هو إثبات الرؤية الجسمانية بالبصر الجسماني التى ينفيها صريح العقل ونص الكتاب ففى تفسير الطبري عن عكرمة عن ابن عباس قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى ربه فقال له رجل عند ذلك أليس قال الله: لا تدركه الابصار؟ فقال له عكرمة: ألست ترى السماء؟ قال بلى، قال: فكلها ترى؟ إلى غير ذلك من الاخبار.

والذى تثبته من الرؤية صريح الرؤية الجسمانية بالعضو الباصر، وقد نفاها العقل والنقل، وقد فات عكرمة أن لو كان المراد بقوله (لا تدركه الابصار) هو نفى الاحاطة بجميع أقطار الشئ لم يكن وجه لاختصاصه به تعالى فإن شيئا من الاشياء الجسمانية ولها سطوح مختلفة الجهات كالانسان والحيوان وسائر الاجسام الارضية والاجرام السماوية لا يمس الحس الباصر منها إلا ما يواجه الشعاع الدائر بين الباصر والمبصر على ما تعينه قوانين الابصار المدونة في أبحاث المناظر والمرايا.

فإنا إذا أبصرنا إنسانا مثلا فإنما نبصر منه بعض السطوح الكثيرة المحيطة ببدنه من فوق وتحت والقدام والخلف واليمين واليسار مثلا، ومن المحال أن يقع البصر على جميع ما يحيط به من مختلف السطوح فلو كان المراد من قوله: (لا تدركه الابصار) نفى هذا السنخ من الادراك البصري المحال فيه وفي غيره كان كلاما لا محصل له.

وفى توحيد بإسناده عن إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن الله تبارك وتعالى هل يرى في المعاد؟ فقال: سبحان الله وتعالى

[صفحة311 ]

عن ذلك علوا كبيرا يا بن الفضل إن الابصار لا تدرك إلا ما له لون وكيفية، والله خالق الالوان والكيفيات.

* * *

 اتبع ما أوحى إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين - 106.

ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل - 107.

ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون - 108.

وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الايات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون - 109.

ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون - 110.

ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون - 111.

وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الانس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون - 112.

ولتصغى إليه أفئده الذين لا يؤمنون بالاخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون - 113.

[صفحة312 ]

(بيان) اتصال الايات بما قبلها واضح لا غبار عليه، والكلام مسرود في التوحيد.

قوله تعالى: (اتبع ما أوحى إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين) أمر باتباع ما أوحى إليه من ربه من أمر التوحيد وأصول شرائع الذين من غير أن يصده ما يشاهده من استكبار المشركين عن الخضوع لكلمة الحق والاعراض عن دعوة الدين.

وفي قوله: (من ربك) المشعر بمزيد الاختصاص تلويح إلى شمول العناية الخاصة الالهية إلا أن قوله: (من ربك) لما كان ملحوقا بقوله: (وأعرض عن المشركين) وكان ذلك ربما يوهم أن المراد: اتبع الوحى اعبد ربك، وأعرض عنهم يعبدوا أربابهم، ولا يخلو ذلك عن إمضاء لطريقتهم وشركهم قدم على قوله: (وأعرض) الخ، قوله: لا إله إلا هو) ليندفع به هذا الوهم، ويجلو معنى قوله: (وأعرض) الخ، ويأخذ موضعه.

فالمعنى: اتبع ما أوحى إليك من ربك الذى له العناية البالغة بك والرحمة المشتملة عليك إذ خصك بوحيه وأيدك بروح الاتباع، وأعرض عن هؤلاء المشركين لا بأن تدعهم وما يعبدون وتسكت راضيا بما يشركون فيكون ذلك إمضاء للوثنية فإنما إلاله واحد وهو ربك الذى يوحى إليك لا إله إلا هو بل أن تعرض عنهم فلا تجهد نفسك في حملهم على التوحيد ولا تتحمل شقا فوق طاقتك فإنما عليك البلاغ ولست عليهم بحفيظ ولا وكيل، وإنما الحفيظ الوكيل هو الله ولم يشأ لهم التوحيد ولو شاء ما أشركوا لكنه تركهم وضلالهم لانهم أعرضوا عن الحق واستنكفوا عن الخضوع له.

قوله تعالى: (ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل تطييب لقلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يجد لشركهم ولا يحزن لخيبة المسعى في دعوتهم فإنهم غير معجزين لله فيما أشركوا فإنما المشية لله لو شاء ما أشركوا بل تلبسوا بالايمان عن طوع ورغبة كما تلبس من وفق للايمان، وذلك أنهم استكبروا في الارض واستعلوا على الله ومكروا به وقد أهلكوا بذلك أنفسهم فرد الله مكرهم إليهم وحرمهم التوفيق للايمان والاهتداء إذ كما أن السنة الجارية في التكوين هي سنة الاسباب وقانون العلية والمعلولية العام، والمشية إلالهية إنما تتعلق بالاشياء وتقع على الحوادث على وفقها فما تمت فيه العلل

[صفحة313 ]

والشرائط وارتفعت عن وجوده الموانع كان هو الذى تتعلق بتحققه المشية الالهية وإن كان الله سبحانه له فيه المشية مطلقا إن لم يشأه لم يكن وإن شاء كان، كذلك السنة في نظام التشريع والهداية هي سنة الاسباب فمن استرحم الله رحمه ومن أعرض عن رحمته حرمه، والهداية بمعنى إراءة الطريق تعم الجميع فمن تعرض لهذه النفحة الالهية ولم يقطع طريق وصولها إليه بالفسق والكفر والعناد شملته وأحيته بأطيب الحياة، ومن اتبع هواه وعاند الحق واستعلى على الله وأخذ يمكر بالله، ويستهزئ بآياته حرمه الله السعادة وأنزل الله عليه الشقوة وأضله على علم وطبع عليه بالكفر فلا ينجو أبدا.

ولو لا جريان المشية الالهية على هذه السنة بطل نظام الاسباب وقانون العلية والمعلولية وحلت الارادة الجزافية محله ولغت المصالح والحكم والغايات، وأدى فساد هذا النظام إلى فساد نظام التكوين لان التشريع ينتهى بالاخرة إلى التكوين بوجه ودبيب الفساد إليه يؤدى إلى فساد أصله.

وهذا كما أن الله سبحانه لو اضطر المشركين على الايمان وخرج بذلك النوع الانساني عن منشعب طريقي الايمان والكفر، وسقط الاختيار الموهوب له ولازم بحسب الخلقة الايمان، واستقر في أول وجوده على أريكة الكمال، وتساوى الجميع في القرب والكرامة كان لازم ذلك بطلان نظام الدعوة ولغو التربية والتكميل، وارتفع الاختلاف بين الدرجات، وأدى ذلك إلى بطلان اختلاف الاستعدادات والاعمال والاحوال والملكات وانقلب بذلك النظام الانساني وما يحيط به ويعمل فيه من نظام الوجود إلى نظام آخر لا خبر فيه عن إنسان أو ما يشعر به فافهم ذلك.

ومن هنا يظهر أن لا حاجة إلى حمل قوله: (ولو شاء الله ما أشركوا) على الايمان الاضطراري، وأن المراد أن لو شاء الله أن يتركوا الشرك قهرا وإجبارا لاضطرهم إلى ذلك وذلك أن الذى تقدم من أن المراد تعلق المشية الالهية على تركهم الشرك اختيارا كما تعلقت بذلك في المؤمنين سواء هو الاوفق بكمال القدرة، والانسب بتسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب قلبه.

فالمعنى: أعرض عنهم ولا يأخذك من جهة شركهم وجد ولا حزن فإن الله قادر أن يشاء منهم الايمان فيؤمنوا كما شاء ذلك من المؤمنين فآمنوا.

على أنك لست بمسئول

[صفحة314 ]

عن أمرهم لا تكوينا ولا غيره فلتطب نفسك.

ويظهر من ذلك أيضا أن قوله: (وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل) أيضا مسوق سوق التسلية وتطييب النفس، وكأن المراد بالحفيظ القائم على إدارة شؤون وجودهم كالحياة والنشوء والرزق ونحوها، وبالوكيل القائم على إدراة الاعمال ليجلب بذلك المنافع ويدفع المضار المتوجهة إلى الموكل عنه من ناحيتها فمحصل المراد بقوله: (وما جعلناك) الخ، أن ليس إليك أمر حياتهم الكونية ولا أمر حياتهم الدينية حتى يحزنك ردهم لدعوتك وعدم إجابتهم إلى طلبتك.

وربما يقال: إن المراد بالحفيظ من يدفع الضرر ممن يحفظه وبالوكيل من يجلب المنافع إلى من يتوكل عنه، ولا يخلو عن بعد فإن الحفيظ فيما يتبادر من معناه يختص بالتكوين والوكيل يعم التكوين وغيره، ولا كثير جدوى في حمل إحدى الجملتين على جهة تكوينية، والاخرى على ما يعمها وغيرها بل الوجه حمل الاولى على إحدى الجهتين، والاخرى على الاخرى.

قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) السب معروف، قال الراغب في المفردات: العدو التجاوز ومنافاة الالتيام فتارة يعتبر بالقلب فيقال له: العداوة والمعاداة، وتارة بالمشى فيقال له العدو، وتارة في الاخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له العدوان والعدو قال: فيسبوا الله عدوا بغير علم وتارة بأجزاء المقر فيقال له العدواء يقال: مكان ذو عدواء أي غير متلائم الاجزاء.

انتهى.

والاية تذكر أدبا دينيا تصان به كرامة مقدسات المجتمع الدينى وتتوقى ساحتها أن يتلوث بدرن الاهانة والازراء بشنيع القول والسب والشتم والسخرية ونحوها فإن الانسان مغروز على الدفاع عن كرامة ما يقدسه، والمقابلة في التعدي على من يحسبه متعديا إلى نفسه، وربما حمله الغضب على الهجر والسب لما له عنده أعلى منزلة العزة والكرامة فلو سب المؤمنون آلهة المشركين حملتهم عصبية الجاهلية أن يعارضوا المؤمنين بسب ما له عندهم كرامة الالوهية وهو الله عز اسمه ففى سب آلهتهم نوع تسبيب إلى ذكره تعالى بما لا يليق بساحة قدسه وكبريائه.

وعموم التعليل المفهوم من قوله: (كذلك زينا لكل أمة عملهم) يفيد عموم النهى

[صفحة315 ]

لكل قول سيئ يؤدى إلى ذكر شئ من المقدسات الدينية بالسوء بأى وجه أدى.

قوله تعالى: (كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون) الزينة أمر جميل محبوب يضم إلى شئ ضما يجلب الرغبة إليه ويحببه عند طالبه فيتحرك نحو الزينة وينتهى إلى الشئ المتزين بها كاللباس المزين بهيئته الحسنة الذى يلبسه الانسان لزينته فيصان به بدنه عن الحر والبرد.

وقد أراد الله سبحانه أن يعيش الانسان هذه العيشة الدنيوية ذات الشعب والفروع ويديم حياته الارضية الخاصة به من طريق أعمال قواه الفعالة فيدرك ما ينفعه وما يضره بحواسه الظاهرة ثم يتصرف ثم يتصرف فيها بحوايه وقواه الباطنه ثم يتعذى بأكل أشياء وشرب أشياء ويهيج إلى النكاح بأعمال خاصة ويلبس ويأوى ويجلب ويدفع وهكذا.

وله في جميع هذه الاعمال وما يتعلق بها لذائذ يقارنها وغايات حيوتة ينتهى إليها وآخر ما ينتهى إليه الحياة السعيدة الحقيقية التى خلق لها أو الحياة التى يظنها الحياة السعيدة الحقيقية.

وهو إنما يقصد بما يعمله من عمل ما يتصل به من اللذة المادية كلذة الطعام والشراب والنكاح وغير ذلك أو اللذة الفكرية كلذة الدواء ولذة التقدم والانس والمدح والفخر والذكر الخالد والانتقام والثروة والامن وغير ذلك مما لا يحصى.

وهذه اللذائذ أمور زينت بها هذه الاعمال ومتعلقاتها، وقد سخر الله سبحانه بها الانسان فهو يوقع الافعال ويتوخى الاعمال لاجلها، وبتحققها يتحقق الغايات الالهية والاغراض التكوينية كبقاء الشخص، ودوام النسل، ولو لا ما في الاكل والشرب والنكاح من اللذة المطلوبة لم يكن الانسان ليتعب نفسه بهذه الحركات الشاقة المتعبة لجسمه والثقيلة على روحه فاختل بذلك نظام الحياة، وفنى الشخص وانقطع النسل فانقرض النوع، وبطلت حكمة التكوين بلا ريب في ذلك.

وما كان من هذه الزينة طبيعية مغروزة في طبائع الاشياء كالطعوم اللذيذة التى في أنواع الاغذية ولذة النكاح فهى مستندة إلى الخلقة منسوبة إلى الله سبحانه واقعة في طريق سوق الاشياء إلى غاياتها التكوينية، ولا سائق لها إليها إلا الله سبحانه فهو الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى.

وما كان منها لذة فكرية تصلح حياة الانسان في دنياه ولا تضره في آخرته فهى

[صفحة316 ]

منسوبة أيضا إلى الله سبحانه لانها ناشئة عن الفطرة السليمة التى فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله قال تعالى: (حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم) (الحجرات: 7).

وما كان منها لذة فكرية توافق الهوى وتشقى في الاخرى والاولى بإبطال العبودية وإفساد الحياة الطيبة فهى لذة منحرفة عن طريق الفطرة السليمة فإن الفطرة هي الخلقة الالهية التى نظمها الله بحيث تسلك إلى السعادة والاحكام الناشئة منها والافكار المنبعثة منها لا تخالف أصلها الباعث لها فإذا خالفت الفطرة ولم تؤمن السعادة فليست بالمترشحة منها بل إنما نشأت من نزعة شيطانية وعثرة نفسانية فهى منسوبة إلى الشيطان كاللذائذ الوهمية الشيطانية التى في الفسوق بأنواعه من حيث إنه فسوق فإنها زينة منسوبة إلى الشيطان غير منسوبة إلى الله سبحانه إلا بالاذن قال تعالى حكاية عن قول إبليس: (لازينن لهم في الارض ولاغوينهم أجمعين) (الحجر: 39) وقال تعالى: (فزين لهم الشيطان أعمالهم) (والنحل: 63).

أما أنها لاتنسب إلى الله سبحانه بلا واسطه فانه تعالى هو الذى نظم نظام التكوين فساق الاشياء فيه إلى غاياتها وهداها إلى سعادتها ثم فرع على فطرة الانسان الكونية السليمة عقائد وآراء فكرية يبنى عليها أعماله فتسعده وتحفظه عن الشقاء وخيبه المسعى، وجلت ساحته عز اسمه أن يعود فيأمر بالفحشاء وينهى عن المعروف ويبعث إلى كل قبيح شنيع فيأمر الناس جميعا بالحسن والقبيح معا وينهى الناس جميعا عن القبيح والحسن معا فيختل بذلك نظام التكليف والتشريع ثم الثواب والعقاب ثم يصف الدين الذى هذه صفته بأنه دين قيم فطرة الله التى فطر الناس عليها، والفطرة بريئة من هذا التناقض وأمثاله متأبية مستنكفة من أن ينسب إليها ما تعده من السفه والعتاهية.

[صفحة317 ]

فإن قلت: ما المانع من أن تنسب الدعوة إلى الطاعة والمعصية إليه تعالى بمعنى أن النفوس التى تزينت بالتقوى وتجهزت بسريرة صالحة يبعثها الله إلى الطاعة والعمل الصالح، والنفوس التى تلوثت بقذارة الفسوق واكتست بخباثة الباطن يدعوها الله سبحانه إلى الفجور والفسق بحسب اختلاف استعداداتها فالداعي إلى الخير والشر والباعث إلى الطاعة والمعصية جميعا هو الله سبحانه.

قلت: هذا نظر آخر غير النظر الذى كنا نبحث عنه وهذا هو النظر في الطاعة والمعصية من حيث توسيط أسباب متخللة بينهما وبينه تعالى فلا شك أن الحالات الحسنة أو السيئة النفسانية لها دخل في تحقق ما يناسبها من الطاعات أو المعاصي، وعلى تقديرها تنسب الطاعة والمعصية إليها بلا واسطة وإلى الله سبحانه بالاذن فالله سبحانه هو الذى أذن لكل سبب أن يتسبب إلى مسببه.

وأما الذى نحن فيه من النظر فهو النظر في حال الطاعة والمعصية من حيث تشريع الاحكام، ومن حيث انبعاث النفوس إليهما مع قطع النظر عن سائر الاسباب الباعثة الداعية إليهما فهل من الممكن أن يقال: أن الله سبحانه يدعو إلى الايمان والكفر جميعا أو يبعث إلى الطاعة والمعصية معا؟ وهو الذى يصف دينه بأنه الدين القيم على المجتمع الانساني المبنى على الفطرة الالهية وهذه الشرائع الالهية ثم الدواعى النفسانية الموافقة لها كلها فطرية والدواعي النفسانية الموافقة لهوى النفس المخالفة لاحكام الشريعة مخالفة للفطرة لا تنسب الدعوة إليها إلى ذى فطرة سليمة فمن المحال أن تنسب إليه تعالى قال تعالى: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون، قل أمر ربى بالقسط (الاعراف: 29).

وأما أنها منسوبة إليه تعالى بالاذن فإن الملك عام والسلطنة الالهية مطلقة وحاشا أن يتأتى لاحد أن يتصرف في شئ من ملكه إلا بإذنه فما يزينه الشيطان في قلوب أوليائه من الشرك والفسق وجميع ما ينتهى بوجه من الوجوه إلى سخط الله سبحانه فإنما ذلك عن إذن إلهى تتم به سنة الامتحان والاختبار الذى لا يتم دونه نظام التشريع ومسلك الدعوة والهداية، قال تعالى: (ما من شفيع إلا من بعد إذنه) (يونس: 3) وقال: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) (آل عمران: 141).

فتبين أن لزينة الاعمال نسبة إليه تعالى أعم مما بواسطة الاذن أو بلا واسطة، وعليه يجرى قوله تعالى: (كذلك زينا لكل امة عملهم) (الاية: 108) وأوضح منه في الانطباق على ما تقدم قوله تعالى: (إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) (الكهف: 7).

وللمفسرين بحسب اختلافهم في نسبة الافعال إليه تعالى أقوال في إلاية: منها: أن المراد هو التزيين بالامر والنهى وبيان الحسن والقبح فالمعنى: كما زينا لكم أيها المؤمنون أعمالكم زينا لكل امة من قبلكم أعمالهم من حسن الدعاء إلى الله وترك سب

[صفحة318 ]

الاصنام ونهيناهم أن يأتوا من الافعال ما ينفر الكفار عن قبول الحق.

وفيه أنه مخالف لظهور الاية في العموم، ولا دليل على تخصيصها بما ذكروه كما ظهر مما تقدم.

ومنها: أن المعنى: وكذلك زينا لكل امة عملهم بميل الطباع إليه ولكن قد عرفناهم الحق مع ذلك ليأتوا الحق ويجتنبوا الباطل.

وفيه أنه كما لا يصح أسناد الدعوة إلى الطاعة والمعصية والايمان والكفر ة ليه تعالى بلا واسطة كذلك لا تصح نسبة ميل الطباع إلى الاعمال الحسنة والسيئة على وتيرة واحدة إليه تعالى فالفرق بين الدعوة التكوينية وما يشابهها وبين الدعوة التشريعية إلى القبائح والمساوي، ونسبة الاول إليه تعالى دون الثاني ليس في محله.

ومنها: أن المراد هو التزيين بذكر الثواب فهو كقوله: (ولكن الله حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) (الحجرات: 7) أي حبب إليكم الايمان بذكر ثوابه ومدح فاعليه على فعله، وكره الكفر بذكر عقابه وذم فاعليه.

وفيه: أن فيه تقييدا للاعمال بالحسنة من غير مقيد.

على أنه معنى بعيد من السياق ومن ظاهر لفظ التزيين.

على أن التزيين بهذا المعنى لا يختص بالمؤمنين.

ومنها: أن المراد التزيين لمطلق الاعمال حسناتها وسيئاتها ابتداء من غير واسطة والدعوة منه تعالى إلى الطاعة والمعصية جميعا بناء على أن الانسان مجبر في الافعال المنسوبة إليه.

وفيه: أن ظاهر الاية أوفق بالاختيار منه بالاجبار فإن الشئ إنما تضم إليه الزينة ليرغب فيه الانسان ويحبب إليه فتكون مرجحة لتعلقه به وترك غيره، ولو لم تكن نسبة فعله وتركه إليه على السواء لم يكن وجه لترجيحه فتزين الفعل بما يرغب فيه الفاعل نوع من الحيلة يتوسل بها إلى وقوعه، وهو ينطبق في الطاعات وحسنات الاعمال على ما يسمى في لسان الشرع هداية وتوفيقا، وفي المعاصي وسيئات الاعمال على ما يعد إضلالا ومكرا إلهيا، ولا مانع من نسبة الاضلال والمكر إليه تعالى إذا كانا بعنوان المجازاة دون الاضلال والمكر الابتدائيين، وقد تقدم البحث عن هذه المعاني في مواضع من هذا الكتاب وتقدم البحث عن الجبر وما يقابله من التفويض والامر بين الامرين في الجزء الاول من الكتاب.

وقوله تعالى: (ثم إليه مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون) يؤيد ما تقدم أن حكم

[صفحة319 ]

التزيين عام شامل لجميع الاعمال الباطنية كالايمان والكفر والظاهرية كأعمال الجوارح الحسنة والسيئة فإن ظاهر الاية أن الانسان إنما يقصد هذه الاعمال ويوقعها لاجل ما يرغب فيه من زينته غافلا عن الحقائق المستوره تحت هذه الزينات المضروب عليها بحجاب الغفلة ثم إذا رجعوا إلى ربهم نبأهم بحقيقة ما كانوا يعملونه، وعاينوا ما هم مصروفون عنه، أما أولياء الرحمن فوجدوا ما لم يكن يعلم مما أخفى لهم من قرة أعين، وأما أولياء الشيطان فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون فظهور حقائق الاعمال يوم القيامة لا يختص بأحد القبيلين من الحسنات والسيئات.

قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد إيمانهم - إلى قوله - عند الله) الجهد بفتح الجيم الطاقة والايمان جمع يمين وهى القسم، وجهد الايمان أي ما تبلغه قدرتها وهو الطاقة، والمراد أنهم بالغوا في القسم وأكدوه ما استطاعوا، والمراد بكون الايات عند الله كونها في ملكه وتحت سلطته لا ينالها أحد إلا بإذنه.

فالمعنى: وأقسموا بالله وبالغوا فيه لئن جاءتهم آياته تدل على صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يدعو إليه ليؤمنن بتلك الاية - وهذا اقتراح منهم للاية كناية - قل إنما الايات عند الله وهو الذى يملكها ويحيط بها وليس إلى من أمرها شئ حتى أجيبكم إليها من تلقاء نفسي.

قوله تعالى: (وما يشعركم إنها إذا جاءت لا يؤمنون) قرئ: لا يؤمنون بياء الغيبة وتاء الخطاب جميعا، والخطاب على القراءة الاولى للمؤمنين بنوع من الالتفات، وعلى القراءة الثانية للمشركين والكلام من تتمة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ظاهر.

والظاهر أن (ما) في قوله: (وما يشعركم) للاستفهام، والمعنى: وما هو الذى يفيد لكم العلم بواقع الامر وهو أنهم لا يؤمنون إذا جاءتهم الايات؟ فالكلام في معنى قولنا: هؤلاء يحلفون بالله لئن جاءتكم الايات ليؤمنن بها فربما آمنتم وصدقتم بحلفهم وليس لكم علم بأنهم إذا جاءتهم الايات لا يؤمنون بها لان الله لم يشأ إيمانهم فالكلام من الملاحم.

وربما قيل: إن (أن) في قوله: (إنها إذا جاءت) الخ، بمعنى لعل وهذا معنى شاذ لا يحمل على مثله كلام الله لو ثبت لغة.

قوله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) الخ، ظاهر السياق أن الجملة عطف على قوله: (لا يؤمنون) وهى بمنزلة التفسير لعدم إيمانهم، والمراد

[صفحة320 ]

بقوله: (أول مرة الدعوة الاولى قبل نزول الايات قبال ما يتصور له من المرة الثانية التى هي الدعوة مع نزول الايات.

والمعنى أنهم لا يؤمنون لو نزلت عليهم الايات، وذلك أنا نقلب أفئدتهم فلا يعقلون بها كما ينبغى أن يعقلوه، وأبصارهم فلا يبصرون بها ما من حقهم أن يبصروه فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا بالقرآن أول مرة من الدعوة قبل نزول هذه الايات المفروضة ونذرهم في طغيانهم يترددون ويتحيرون.

هذا ما يقضى به ظاهر سياق الاية.

وللمفسرين في الاية أقوال كثيرة غريبة لا جدوى في التعرض لها والبحث عنها، من شاء الاطلاع عليها فليراجع مظانها.

قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى) إلى آخر الاية بيان آخر لقوله: (إنما الايات عند الله) وإن قولهم: (لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها) دعوى كاذبة إجرأهم عليها جهلهم بمقام ربهم فليس في وسع الايات التى يظنون أنها أسباب مستقلة في إيجاد الايمان في قلوبهم وإقدارهم على التلبس به أن تودع في نفوسهم الايمان إلا بمشية الله.

فهذا السياق يدل على أن في الكلام حذفا وإيجازا، والمعنى: ولو أننا أجبناهم في مسألتهم وآتيناهم أعاجيب الايات فنزلنا إليهم الملائكة فعاينوهم، وأحيينا لهم الموتى فواجهوهم وكلموهم وأخبروهم بصدق ما يدعون إليه، وحشرنا وجمعنا عليهم كل شئ قبيلا قبيلا و صنفا صنفا، أو حشرنا عليهم كل شئ قبلا ومواجهة فشهدوا لهم بلسان الحال أو القال، ما كانوا ليؤمنوا ولم يؤثر شئ من ذلك في استجابتهم للايمان إلا أن يشاء الله إيمانهم.

فلا يتم لهم الايمان بشئ من الاسباب والعلل إلا بمشية الله فإن النظام الكونى على عرضه العريض وإن كان يجرى على طبق حكم السببية وقانون العلية العام غير أن العلل والاسباب مفتقرة في أنفسها متدلية إلى ربها غير مستقلة في شئ من شؤونها ومقتضياتها فلا يظهر لها حكم إلا بمشية الله ولا يحيى لها رسم إلا بإذنه.

غير أن المشركين أكثرهم - ولعلهم غير العلماء الباغين منهم - يجهلون مقام ربهم ويتعلقون بالاسباب على أنها مستقله في نفسها مستغنية عن ربها فيظنون أن لو أتاهم سبب الايمان - وهو الاية المقترحة - آمنوا واتبعوا الحق وقد اختلط عليهم الامر بجهلهم فأخذوا

[صفحة321 ]

هذه الاسباب الناقصة المفتقرة إلى مشية الله أسبابا مستقلة تامة مستغنية عنه.

قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الانس والجن) إلى آخر الاية.

الشياطين جمع شيطان وهو في اللغة الشرير غلب استعماله في إبليس الذى يصفه القرآن وذريته، والجن من الجن بالفتح وهو الاستتار، وهو في عرف القرآن نوع من الموجودات ذوات الشعور والارادة مستور عن حواسنا بحسب طبعها وهم غير الملائكة.

يذكر القرآن أن إبليس الشيطان من سنخهم.

والوحى هو القول الخفى بإشارة ونحوها، والزخرف الزينة المزوقة أو الشئ المزوق فزخرف القول الكلام المزوق المموه الذى يشبه الحق وليس به، وغرورا مفعول مطلق لفعل مقدر من جنسه أو مفعول له.

والمعنى: ومثل ما جعلنا لك جعلنا لكل نبى عدوا هم شياطين الانس والجن يشير بعضهم إلى بعض - وكأن المراد وحى شياطين الجن بالوسوسة والنزغة إلى شياطين الانس ووحى بعض شياطين الانس إلى بعض آخر منهم بإسرار المكر والتسويل - بأقوال مزوقة وكلمات مموهة يغرونهم بذلك غرورا أو لغرورهم وإضلالهم بذلك.

وقوله: (ولو شاء ربك ما فعلوه) يشير بذلك إلى أن حكم المشية عام جار نافذ فكما أن الايات لا تؤثر في إيمانهم شيئا إلا بمشية الله كذلك معاداة الشياطين الانبياء ووحيهم زخرف القول غرورا كل ذلك بإذن الله ولو شاء الله ما فعلوه ولم يوحوا ذلك فلم يكونوا عدوا للانبياء، وبهذا المعنى يتصل هذه الاية بما قبلها لاشتراكهما في بيان توقف الامور على المشية.

وقوله: (فذرهم وما يفترون) تفريع على نفوذ المشية أي إذا كانت هذه المعاداة والافساد بالوساوس كل ذلك بإذن الله ولم يكونوا بمعجزين لله في مشيته النافذة الغالبة فلا يحزنك ما تشاهد من إخلالهم بالامر وإفسادهم له بل اتركهم وما يفترونه على الله من دعوى الشريك ونحوها.

فقوله: (ولو شاء ربك ما فعلوه) إلى آخر الاية في معنى قوله في صدر الايات: (وأعرض عن المشركين ولو شاء الله ما أشركوا).

والكلام في قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الانس والجن

[صفحة322 ]

الخ، حيث أسند ظاهرا جعلهم عدوا للانبياء - وفيه التسبب إلى الشر والبعث إلى الشرك والمعصية - إلى الله سبحانه وهو منزه من كل شر وسوء نظير الكلام في إسناده تزيين الاعمال إلى الله سبحانه في قوله: (كذلك زينا لكل امة عملهم) وقد تقدم الكلام فيه، وكذا الكلام في ظاهر ما يفيده قوله في الاية التالية: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة) الخ، حيث جعل هذه المظالم والاثام غايات إلهية للدعوة الحقة.

وللمفسرين في هاتين الايتين على حسب اختلاف مذاهبهم في انتساب الاعمال إلى الله سبحانه نظائر ما تقدم من أقوالهم في انتساب زينه الاعمال إليه تعالى.

وقد عرفت أن الذى يفيده ظاهر الاية الكريمة أن كل ما يصدق عليه اسم شئ فهو مملوك له تعالى منسوب إليه من غير استثناء لكن الايات المنزهة لساحة قدسه تعالى من كل سوء وقبح تعطى أن الخيرات والحسنات جميعا مستندة إلى مشيته منسوبة إليه بلا واسطة أو معها، والشرور والسيئات مستندة إلى غيره تعالى كالشيطان والنفس بلا واسطة، وإنما تنتسب إليه تعالى بالاذن فهى مملوكة له تعالى واقعه بإذنه ليستقيم أمر الامتحان الالهى ويتم بذلك أمر الدعوة الالهيه بالامر والنهى والثواب والعقاب ولو لا ذلك لبطلت ولغت السنة الالهية في تسيير الانسان كسائر الانواع نحو سعادته في هذا العالم الكونى الذى لا سبيل فيه إلى الكمال والسعادة إلا بالسلوك التدريجي.

قوله تعالى: (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة) إلى آخر الاية.

الاقتراف هو الاكتساب، وضمير المفرد للوحي المذكور في الاية السابقة، واللازم في قوله: (لتصغى) للغاية والجملة معطوفة على مقدر، والتقدير: فعلنا ما فعلنا وشئنا ما شئنا ولم نمنع عن وحى بعضهم لبعض زخرف القول غرورا لغايات مستورة ولتصغى وتجيب إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة وليرضوه وليكتسبوا ما هم مكتسبون لينالوا بذلك جميعا مايسألونه بلسان استعدادهم من شقاء الاخرة، فإن الله سبحانه يمد كلا من أهل السعادة أهل الشقاء بما يتم به سيرهم إلى منازلهم ويرزقهم ما يقترحونه بلسان استعدادهم قال تعالى: (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا) (الاسراء: 20).

[صفحة323 ]

(بحث روائي) في الدر المنثور أخرج ابن أبى حاتم عن السدى قال: لما حضرأبا طالب الموت قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحيى أن نقتله بعد موته فتقول العرب: كان يمنعه فلما مات قتلوه.

فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبى ابنا خلف وعقبة بن أبى معيط وعمرو بن العاصى والاسود بن البخترى، وبعثوا رجلا منهم يقال له المطلب فقالوا: استأذن لنا على أبى طالب فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك فأذن لهم عليه فدخلوا: فقالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإالهه، فدعاه فجاءه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: ما يريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا ولندعك وإلهك.

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطى كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم الخراج؟ قال أبو جهل: وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي؟ قال: قولوا لا اله الا الله، فأبوا واشمأزوا.

قال أبو طالب: قل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها، قال: يا عم ما أنا بالذى أقول غيرها حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدى ولو آتونى بالشمس فيضعوها في يدى ما قلت غيرها إرادة أن يؤيسهم فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك، فأنزل الله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم).

أقول: والرواية - كما ترى - لا يلائم ذيلها صدرها فإن مقتضى صدرها أنهم كانوا يسألونه الكف عن آلهتهم أي لا يدعو الناس إلى رفضها وترك التقرب إليها حتى إذا يئسوا من إجابته هددوه بشتم ربه إن شتم آلهتهم وكان مقتضى جر الكلام أن يهددوه على دعوه إلى رفضها لا أن يهملوا ذلك ويذكروا شتمه ويهددوه على ذلك وليس في الاية إشارة إلى صدر القصة وهو أصلها.

[صفحة324 ]

على أن وقار النبوة وعظيم الخلق الذى كان في عشرته (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمنعه من التفوه بالشتم الذى هو من لغو القول، والذى ورد من لعنه بعض صناديد قريش بقوله: اللهم العن فلانا وفلانا، وكذا ما ورد في كلامه تعالى من قبيل قوله: (لعنهم الله بكفرهم) (النساء: 46) وقوله: (فقتل كيف قدر) (المدثر: 19) وقوله: (قتل الانسان) (عبس: 17) وقوله: (أف لكم ولما تعبدون من دون الله) (الانبياء: 67) ونظائر ذلك فإنما هي من الدعاء دون الشتم الذى هو الذكر بالقبيح الشنيع للاهانة تخييلا، والذى ورد من قبيل قوله تعالى: (مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم) (القلم: 13) فإنما هو من قبيل بيان الحقيقة.

فالظاهر أن العامة من المؤمنين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ربما أداهم المشاجرة والجدال مع المشركين إلى ذكر آلهتهم بالسوء كما يقع كثيرا بين عامة الناس في مجادلاتهم

فنهاهم الله عن ذلك كما يشير إليه الحديث الاتى.

وفي تفسير القمى قال: حدثنى أبى عن مسعدة بن صدقة عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ليلة ظلماء) فقال: كان المؤمنون يسبون ما يعبد المشركون من دون الله فكان المشركون يسبون ما يعبد المؤمنون فنهى الله المؤمنين عن سب آلهتهم لكيلا يسب الكفار إله المؤمنين فيكون المؤمنون قد أشركوا بالله من حيث لا يعلمون فقال: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم.

وفي تفسير العياشي عن عمرو الطيالسي عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله: (ولا تسبوا الاية.

قال فقال يا عمرو هل رأيت أحدا يسب الله؟ قال: فقلت: جعلني الله فداك فكيف؟ قال من سب ولى الله فقد سب الله.

وفي الدر المنثور أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظى قال: كلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر، وأن عيسى كان يحيى الموتى وأن ثمود كان لهم ناقة، فأتنا من الايات حتى نصدقك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أي شئ تحبون أن آتيكم به؟ قالوا: تجعل لناالصفا ذهبا قال: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو فجاء جبرئيل فقال له: إن شئت أصبح ذهبا فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت

[صفحة325 ]

فاتركهم حتى يتوب تائبهم: فقال بل يتوب تائبهم فأنزل الله: (وأقسموا بالله جهد إيمانهم - إلى قوله - يجهلون).

أقول: القصة المذكورة سببا للنزول في الرواية لا تنطبق على ظاهر الايات فقد تقدم أن ظاهرها الاخبار عن أنهم لا يؤمنون بما يأتيهم من الايات، وأنهم ليسوا بمفارقى الشرك وإن أتتهم كل آية ممكنة حتى يشاء الله منهم الايمان ولم يشأ ذلك، وإذا كان هذا هو الظاهر من الايات فكيف ينطبق على ما في الرواية من قول جبرئيل: أن شئت صار ذهبا فإن لم يؤمنوا عذبوا، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، الخ.

فالظاهر أن الايات في معنى قوله: (إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) (البقرة: 6) فكأن طائفة من صناديد المشركين اقترحوا آيات سوى القرآن وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن جاءتهم ليؤمنن بها فكذبهم الله بهذه الايات وأخبر أنهم لن يؤمنوا لانه تعالى لم يشأ ذلك نكالا عليهم.

وفي تفسير القمى في قوله تعالى: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) الاية في رواية أبى الجارود عن أبى جعفر (عليه السلام) في الاية، يقول: وننكس قلوبهم فيكون أسفل قلوبهم أعلاها، ونعمى أبصارهم فلا يبصرون الهدى.

وقال على بن أبى طالب (عليه السلام) إن ما تقلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم الجهاد بقلوبكم فمن لم يعرف قلبه معروفا ولم ينكر منكرا نكس قلبه فجعل أسفله أعلاه فلا يقبل خيرا أبدا.

أقول: المراد بذلك تقلب النفس في إدراكها وانعكاس إحكامها من جهة اتباع الهوى والاعراض عن سليم العقل المعدل لمقترحات القوى الحيوانية الطاغية.

وفي تفسير العياشي عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبى جعفر وأبى عبد الله (عليهم السلام) عن قول الله: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) إلى آخر الاية أما قوله: (كما لم يؤمنوا به أول مرة) فإنه حين أخذ عليهم الميثاق.

أقول: سيأتي الكلام الفصل في الميثاق في تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم) الاية (الاعراف: 172) لكن تقدم أن ظاهر السياق أن المراد بعدم إيمانهم به أول مرة عدم إيمانهم بالقرآن في أول الدعوة

[صفحة326 ]

* * *

 أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين - 114.

وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم - 115.

وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون - 116.

إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين - 117.

فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم باياته مؤمنين - 118.

وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين - 119.

وذروا ظاهر الاثم وباطنه إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون - 120.

ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون - 121.

[صفحة327 ]

(بيان) الايات على ما لها من الاتصال بما قبلها كما يدل عليه التفريع بالفاء في قوله: أفغير الله أبتغى حكما) الخ، لها فيما بينها أنفسها - وهى ثمان آيات - إتصال يرتبط به بعضها ببعض ويرجع بعضها إلى بعض فإن فيها إنكار أن يتخذ حكم إلا الله وقد فصل أحكامه في كتابه، ونهيا من اتباع الناس وإطاعتهم وأن إطاعة أكثر الناس من المضلات لاتباعهم الظن وبنائهم على الخرص والتخمين، وفي آخرها أن المشركين وهم أولياء الشياطين يجادلون المؤمنين في أمر أكل الميتة، وفيها الامر بأكل ما ذكر اسم الله عليه والنهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وأن ذلك هو الذى فصله في كتابه وارتضاه لعباده.

وهذا كله يؤيد ما نقل عن ابن عباس: أن المشركين خاصموا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين في أمر الميتة قائلين: أتاكلون مما قتلتم أنتم ولا تأكلون مما قتله الله؟ فنزلت، فالغرض من هذه الايات بيان الفرق وتثبيت الحكم.

قوله تعالى: (أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا) قال في المجمع: الحكم والحاكم بمعنى واحد إلا أن الحكم أمدح لان معناه من يستحق أن يتحاكم إليه فهو لا يقضى إلا بالحق وقد يحكم الحاكم بغير حق.

قال: ومعنى التفصيل تبيين المعاني بما ينفى التخليط المعمى للمعنى، وينفى أيضا التداخل الذى يوجب نقصان البيان عن المراد، انتهى.

وفي قوله: (أفغير الله أبتغى حكما) تفريع على ما تقدم من البصائر التى جاءت من قبله تعالى، وقد ذكر قبل ذلك في القرآن أنه كتاب أنزله مبارك مصدق الذى بين يديه من التوراة والانجيل، والمعنى: أفغير الله من سائر من تدعون من الالهة أو من ينتمى إليهم أطلب حكما يتبع حكمه وهو الذى أنزل عليكم هذا الكتاب وهو القرآن مفصلا متميزا بعض معارفه من بعض غير مختلط بعض أحكامه ببعض، ولا يستحق الحكم إلا من هو على هذه الصفة فالاية كقوله تعالى: (والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشئ إن الله هو السميع البصير) (المؤمن: 20).

وقوله: (أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدى إلا أن يهدى) (يونس: 35).

[صفحة328 ]

قوله تعالى: (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون إلى آخر الاية رجوع إلى خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يتأكد به يقينه ويزيد في ثبوت قدمه فيما ألقاه إلى المشركين من الخطاب المشعر بأن الكتاب النازل إليه منزل من ربه بالحق ففى الكلام التفات، وهو بمنزلة المعترضة ليزيد بذلك رسوخ قدمه واطمئنان قلبه وليعلم المشركون أنه على بصيرة من أمره.

وقوله: (بالحق) متعلق بقوله: (منزل من ربك) وكون التنزيل بالحق هو أن لا يكون بتنزيل الشياطين بالتسويل أو بطريق الكهانة كما في قوله تعالى: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم) (الشعراء: 222) أو بتخليط الشياطين بعض الباطل بالوحى الالهى، وقد أمن الله رسول من ذلك بمثل قوله: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم (الجن: 28).

قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) الكلمة - وهى ما دل على معنى تام أو غيره - ربما استعملت في القرآن في القول الحق الذى قاله الله عز من قائل من القضاء أو الوعد كما في قوله: (ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم) (يونس: 19) يشير إلى قوله لادم عند الهبوط: (ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين) (البقرة: 36) وقوله تعالى: (حقت عليهم كلمة ربك) (يونس: 96) يشير إلى قوله تعالى لابليس: (لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) (ص: 85) وقد فسرها في موضع آخر بقوله: (وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين) (هود: 119) وكقوله تعالى: (وتمت كلمة ربك الحسنى) وعلى بنى إسرائيل بما صبروا (الاعراف: 137) يشير إلى ما وعدهم إنه سينجيهم من فرعون ويورثهم الارض كما يشير إليه قوله: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) (القصص: 5).

وربما استعملت الكلمة في العين الخارجي كالانسان مثلا كقوله تعالى: (إن الله يبشرك بكلمة منه إسمه المسيح عيسى بن مريم) (آل عمران: 45) والعناية فيه إنه (عليه السلام) خرق عادة التدريج وخلق بكلمة إلهية موجدة قال تعالى: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) (آل عمران: 59).

فظاهر سياق الايات فيما نحن فيه يعطى أن يكون المراد بقوله: (وتمت كلمة

[صفحة329 ]

ربك صدقا وعدلا) كلمة الدعوة الاسلامية وما يلازمها من نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول القرآن المهيمن على ما تقدم عليه من الكتب السماوية المشتمل على جوامع المعارف الالهية وكليات الشرائع الدينية كما أشار إليه فيما حكى من دعاء إبراهيم (عليه السلام) عند بناء الكعبة: (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم) (البقرة: 129).

وأشار إلى تقدم ذكره في الكتب السماوية في قوله: (الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل (الاعراف: 157) وبذلك يشعر قوله في الاية السابقة: (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق) وقوله: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) (البقرة: 146) إلى غير ذلك من الايات الكثيرة.

فالمراد بتمام الكلمة - والله أعلم - بلوغ هذه الكلمة أعنى ظهور الدعوة الاسلامية بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول الكتاب المهيمن على جميع الكتب، مرتبة الثبوت واستقرارها في مستقر التحقق بعد ما كانت تسير دهرا طويلا في مدارج التدريج بنبوة بعد نبوة وشريعة بعد شريعة فإن الايات الكريمة دالة على أن الشريعة الاسلامية تتضمن جمل ما تقدمت عليه من الشرائع وتزيد عليها بما ليس فيها كقوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) (الشورى: 13).

وبذلك يظهر معنى تمام الكلمة وأن المراد به انتهاء تدرج الشرائع من مراحل النقص إلى مرحلة الكمال ومصداقه الدين المحمدى قال تعالى: (والله متم نوره ولو كره الكافرون، هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (الصف: 9).

وتمام هذه الكلمة الالهية صدقا هو أن يصدق القول بتحققها في الخارج بالصفة التى بين بها، وعدلا أن تتصف بالتقسيط على سواء فلا يتخلف بعض أجزائه عن بعض وتزن الاشياء على النحو الذى من شأنها أن توزن به من غير إخسار أو حيف وظلم، ولذلك بين هذين القيدين أعنى (صدقا وعدلا) بقوله (لا مبدل لكلماته) فإن الكلمة الالهية إذا لم تقبل تبديلا من مبدل سواء كان المبدل هو نفسه تعالى كأن ينقض ما قضى بتبدل

[صفحة330 ]

إرادة أو يخلف ميعاده، أو كان المبدل غيره تعالى كأن يعجزه غيره ويقهره على خلاف ما يريد كانت كلمته صدقا، تقع كما قال، وعدلا لا تنحرف عن حالها التى كانت عليها وصفها الذى وصفت به فالجملة أعنى قوله: (لا مبدل لكلماته) بمنزلة التعليل يعلل بها قوله: (صدقا وعدلا).

ومن أقوال المفسرين في الاية أن المراد بالكلمة والكلمات القرآن وقيل: إن المراد بالكلمة القرآن، وبالكلمات ما فيه غير الشرائع فإنها تقبل التبديل بالنسخ والله سبحانه يقول: (لا مبدل لكلماته وقيل: المراد بالكلمة الدين، وقيل: المراد الحجة، وقيل: الصدق ما كان في القرآن من الاخبار والعدل ما فيه من الاحكام، هذا.

وقوله تعالى: (وهو السميع العليم) أي السميع المستجيب لما تدعونه بلسان حاجتكم، العليم بحقيقة ما عندكم من الحاجة، أو السميع بما يحدث في ملكه بواسطة الملائكة الرسل، والعليم بذلك من غير واسطة، أو السميع لاقوالكم، العليم بأفعالكم.

قوله تعالى: (وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله) إلى آخر الاية.

الخرص الكذب والتخمين، والمعنى الثاني هو الانسب بسياق الاية فإن الجملة أعنى قوله: (وإن هم إلا يخرصون) والتى قبلها أعنى قوله: (إن يتبعون إلا الظن) واقعتان موقع التعليل لقوله: (وإن تطع أكثر من في الارض الخ، واتباع الظن والقول بالخرص والتخمين سببان بالطبع للضلال في الامور التى يسوغ الاعتماد فيها إلا على العلم واليقين كالمعارف الراجعة إليه تعالى والشرائع المأخوذة من قبله.

وسير الانسان وسلوكه الحيوى في الدنيا وإن كان لا يتم دون الركون إلى الظن والاستمداد من التخمين حتى أن الباحث عن علوم الانسان الاعتبارية والعلل والاسباب التى تدعوه إلى صوغه لها وتقليبها في قالب الاعتبار، وارتباطها بشؤونه الحيوية وأعماله وأحواله لا يكاد يجد مصداقا يركن الانسان فيه إلى العلم الخالص واليقين المحض اللهم إلا بعض الكليات النظرية التى ينتهى إليها مما يضطر إلى الاذعان بها والاعتماد عليها.

إلا أن ذلك كله فيما يقبل التقريب والتخمين من جزئيات الامور في الحياة، وأما السعادة الانسانية التى فيه فوز هذا النوع وفلاحه، والشقاء الذى يرتبط به الهلاك الابدي والخسران الدائم، وما يتوقف عليه التبصر فيهما من النظر في العالم وصانعه

[صفحة331 ]

والغرض من إيجاده وما ينتهى إليه الامر من البعث والنشور وما يتعلق به من النبوة والكتاب والحكم فإن ذلك كله مما لا يقبل الركون إلى الظن والتخمين والله سبحانه لا يرتضى من عباده في ذلك إلا العلم واليقين، والايات في ذلك كثيرة جدا كقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (الاسراء: 36).

ومن أوضحها دلالة هذه الاية التى نحن فيها يبين فيها أن أكثر أهل الارض لركونهم العام إلى الظن والتخمين لا يجوز طاعتهم فيما يدعون إليه ويأمرون به في سبيل الله وطريق عبوديته لان الظن ليس مما يكشف به الحق الذى يستراح إليه في أمر الربوبية والعبودية لملازمته الجهل بالواقع وعدم الاطمئنان إليه، ولا عبودية مع الجهل بالرب وما يريده من عبده.

فهذا هو الذى يقضى به العقل الصريح، وقد إمضاه الله سبحانه كما في قوله في الاية التالية في معنى تعليل النهى عن الطاعة: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) حيث علل الحكم بعلم الله دون حكم العقل، وقد جمع سبحانه بين الطريقين جميعا في قوله: (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن و إن الظن لا يغنى من الحق شيئا وهذا أخذ بحكم العقل - فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) (النجم: 30) وفي ذيل الاية استناد إلى علم الله سبحانه وحكمه.

قوله تعالى: (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) ذكروا أن (أعلم) إذا لم يتم بمن ربما أفاد معنى التفضيل وربما استعمل بمعنى الصفة خالية عن التفضيل، والاية تحتمل المعنيين جميعا فإن أريد حقيقة العلم بالضالين والمهتدين فهو لله سبحانه لا يشاركه فيها أحد حتى يفضل عليه، وإن اريد مطلق العلم أعم مما كان المتصف به متصفا بذاته أو كان التصافه به بعطية منه تعالى كان المتعين هو معنى التفضيل فإن لغيره تعالى علما بالضال والمهتدى قدر ما أفاضه الله عليه من العلم.

وتعدى أعلم بالباء في قوله: (أعلم بالمهتدين) يدل على أن قوله: (من يضل) منصوب بنزع الخافض والتقدير: (أعلم بمن يضل) ويؤيده ما نقلناه آنفا من آية سورة النجم.

[صفحة332 ]

قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين) لما تمهد ما قدمه من البيان الذى هو حجه على أن الله سبحانه هو أحق بأن يطاع من غيره استنتج منه وجوب الاخذ بالحكم الذى شرعه وهو الذى يدل عليه هذه الاية، ووجوب رفض ما يبيحه غيره بهواه من غير علم ويجادل المؤمنين فيه بوحى الشياطين إليه، وهو الذى يدل عليه قوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إلى آخر الاية.

ومن هنا يظهر أن العناية الاصلية متعلقة بجملتين من بين الجمل المتسقة في الاية إلى تمام أربع آيات، وسائر الجمل مقصودة بتبعها يبين بها ما يتوقف عليه المطلوب بجهاته فأصل الكلام: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه أي فرقوا بين المذكى والميتة فكلوا من هذه ولا تأكلوا من ذاك، وإن كان المشركون يجادلونكم في أمر التفريق.

فقوله: (فكلوا مما ذكر اسم الله) تفريع للحكم على البيان السابق، ولذاأردفه بقوله: (إن كنتم بآياته مؤمنين) والمراد بما ذكر اسم الله عليه الذبيحة المذكاة.

قوله تعالى: (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه) إلى آخر الاية، بيان تفصيلي لاجمال التفريع الذى في الاية السابقة، والمعنى: أن الله فصل لكم ما حرم عليكم واستثنى صورة الاضطرار وليس فيما فصل لكم ما ذكر اسم الله عليه فلا بأس بأكله وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين المتجاوزين عن حدوده وهؤلاء هم المشركون القائلون: لا فرق بين ما قتلتموه أنتم وما قتله الله فكلوا الجميع أو دعوا الجميع.

ويظهر بما مر أن معنى قوله: (وما لكم أن لا تأكلوا) ما لكم من نفع في أن لا تأكلوا، وما للاستفهام التعجيبى، وقيل: المعنى ليس لكم أن لا تأكلوا، وما للنفي.

ويظهر من الاية أن محرمات الاكل نزلت قبل سورة الانعام وقد وقعت في سورة النحل من السور المكية فهى نازلة قبل الانعام.

قوله تعالى: (وذروا ظاهر الاثم وباطنه) إلى آخر الاية، وإن كانت مطلقة بحسب المضمون تنهى عن عامة الاثم ظاهرة وباطنه غير أن ارتباطها بالسياق المتصل الذى لسابقتها ولاحقتها يقضى بكونها تمهيدا للنهى الاتى في قوله: (ولا تأكلوا مما لم

[صفحة333 ]

يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) ولازم ذلك أن يكون الاكل مما لم يذكر اسم الله عليه من مصاديق الاثم حتى يرتبط بالتمهيد السابق عليه فهو من الاثم الظاهر أو الباطن لكن التأكيد البليغ الذى في قوله: (وإنه لفسق) يفيد أنه من الاثم الباطن وإلا لم تكن حاجة إلى تأكيده ذاك التأكيد الاكيد.

وبهذا البيان يظهر أن المراد بظاهر الاثم المعصية التى لا ستر على شؤم عاقبته ولا خفاء في شناعة نتيجته كالشرك والفساد في الارض والظلم، وبباطن الاثم ما لا يعرف منه ذلك في بادئ النظر كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وإنما يتميز هذا النوع بتعريف إلهى وربما أدركه العقل، هذا هو الذى يعطيه السياق من معنى ظاهر الاثم وباطنه.

وللمفسرين في تفسيرهما أقوال أخر، من ذلك: أن ظاهر الاثم وباطنه هما المعصية في السر والعلانية، وقيل: أريد بالظاهر أفعال الجوارح، وبالباطن أفعال القلوب، وقيل: الظاهر من الاثم هو الزنا، والباطن اتخاذ الاخدان، وقيل: ظاهر الاثم نكاح امرأة الاب، وباطنه الزنا، وقيل: ظاهر الاثم الزنا الذى اظهر به، وباطنه الزنا إذا استسر به صاحبه على ما كان يراه أهل الجاهلية من العرب أن الزنا لا بأس به إذا لم يتجاهر به، وإنما الفحشاء هو الذى أظهره صاحبه، وهذه الاقوال - كما ترى - على أن جميعها أو أكثرها لا دليل عليها يخرج الاية عن حكم السياق.

وقوله تعالى: (إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون) تعليل للنهى وإنذار بالجزاء السيئ.

قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) نهى هو زميل قوله: (وكلوا مما ذكر اسم الله عليه) كما تقدم.

وقوله: (وإنه لفسق) إلى آخر الاية، بيان لوجه النهى وتثبيت له أما قوله: (وإنه لفسق) فهو تعليل والتقدير: إنه لفسق وكل فسق يجب اجتنابه فالاكل مما لم يذكر اسم الله عليه واجب الاجتناب.

وأما قوله: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) ففيه رد ما كان المشركون يلقونه إلى المؤمنين من الشبهة، والمراد بأولياء الشياطين هم المشركون، ومعناه أن ما يجادلكم به المشركون وهو قولهم: إنكم تأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتله الله

[صفحة334 ]

يعنون الميتة، هو مما أوحاه إليهم الشياطين من باطل القول، والفارق أن أكل الميتة فسق دون أكل المذكى، وأن الله حرم أكل الميتة ولم يحرم أكل المذكى فليس فيما حرمه الله ذكر ما ذكر اسم الله عليه.

وأما قوله و: (إن أطعتموهم إنكم لمشركون) فهو تهديد وتخويف بالخروج من الايمان، والمعنى: إن أطعتم المشركين في أكل الميتة الذى يدعونكم إليه صرتم مشركين مثلهم إما لانكم استننتم بسنه المشركين، أو لانكم بطاعتهم تكونوا أولياء لهم فتكونون منهم قال تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) (المائدة: 51).

ووقوع هذه الجملة أعنى قوله: (وإن أطعتموهم) الخ، في ذيل النهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه دون الامر باكل ما ذكر اسم الله عليه يدل على أن المشركين كانوا يريدون من المؤمنين بجدالهم أن لا يتركوا أكل الميتة لا أن يتركوا أكل المذكى.

(بحث روائي) في الدر المنثور: أخرج ابن مردويه عن أبى اليمان جابر بن عبد الله قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المسجد الحرام يوم فتح مكة ومعه مخصرة، ولكل قوم صنم يعبدونه فجعل يأتيها صنما صنما ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره كلما صرع صنما أتبعه الناس ضربا بالفؤوس - حتى يكسرونه ويطرحونه خارجا من المسجد والنبى (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم.

وفيه: أخرج ابن مردويه وابن النجار عن أنس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) قال: لا إله إلا الله.

وفي الكافي بإسناده عن محمد بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن الامام ليسمع في بطن امه فإذا ولد خط بين كتفيه: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) فإذا صار الامر إليه جعل الله له عمودا من نور يبصر به ما يعمل أهل كل بلدة.

أقول: وروى هذا المعنى بطرق اخرى عن عده من أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) ورواه أيضا القمى والعياشي في تفسيريهما عنه (عليه السلام)، وفي بعضها: أن الاية تكتب

[صفحة335 ]

بين عينيه، وفي بعضها: على عضده الايمن.

واختلاف مورد الكتابة في الروايات تكشف عن أن المراد بها القضاء بظهور الحكم الالهى به (عليه السلام) واختلاف ما كتب عليه لاختلاف الاعتبار فكأن المراد بكتابتها فيما بين عينيه جعلها وجهة له يتوجه إليها، وبكتابتها بين كتفيه حملها عليه وإظهاره وتأييده بها وبكتابتها على عضده الايمن جعلها طابعا على عمله وتقويته وتأييده بها.

وهذه الرواية والروايتان السابقتان عليها تؤيد ما قدمناه أن ظاهر الاية كون المراد بتمام الكلمة ظهور الدعوة الاسلامية بما يلازمها من نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ونزول القرآن والامامة من ذلك.

وفي تفسير العياشي في قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) الاية عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل يذبح الذبيحة فيهلل أو يسبح أو يحمد ويكبرقال: هذا كله من أسماء الله.

وفيه عن ابن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن ذبيحة المرأة والغلام هل تؤكل؟ قال: نعم إذا كانت المرأة مسلمة وذكرت اسم الله حلت ذبيحتها، وإذا كان الغلام قويا على الذبح وذكر اسم الله حلت ذبيحته، وإن كان الرجل مسلما فنسى أن يسمى فلا بأس بأكله إذا لم تتهمه.

أقول وفي هذه المعاني أخبار من طرق أهل السنة.

وفيه عن حمران قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: في ذبيحة الناصب واليهودى قال: لا تأكل ذبيحته حتى تسمعه يذكر اسم الله، إما سمعت قول الله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه).

وفي الدر المنثور أخرج أبو داود والبيهقي في سننه وابن مردويه عن ابن عباس: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) فنسخ واستثنى من ذلك فقال: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم.

أقول وروى النسخ عن أبى حاتم عن مكحول وقد تقدم في أول المائدة: أن الاية إن نسخت فإنما تنسخ اشتراط الاسلام في المذكى - اسم فاعل - دون وجوب التسمية إذ لا نظر لها إليه ولا تنافى بين الايتين في ذلك وللمسألة ارتباط بالفقه.

[صفحة336 ]

* * *

 أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون - 122.

وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون - 123.

وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله ألله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون - 124.

فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون - 125.

وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الايات لقوم يذكرون 126.

لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون - 127.

(بيان) قوله تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) الاية واضحة المعنى وهى بحسب ما يسبق إلى الفهم البسيط الساذج مثل مضروب لكل من المؤمن والكافر يظهر بالتدبر فيه حقيقة حاله في الهدى والضلال.

[صفحة337 ]

فالانسان قبل أن يمسه الهدى الالهى كالميت المحروم من نعمة الحياة الذى لا حس له ولا حركة فإن آمن بربه إيمانا يرتضيه كان كمن أحياه الله بعد موته، وجعل له نورا يدور معه حيث دار يبصر في شعاعه خيره من شره ونفعه من ضره فيأخذ ما ينفعه ويدع ما يضره وهكذا يسير في مسير الحياة.

وأما الكافر فهو كمن وقع في ظلمات لا مخرج له منها ولا مناص له عنها ظلمة الموت وما بعد ذلك من ظلمات الجهل في مرحلة تمييز الخير من الشر والنافع من الضار، ونظير هذه الاية في معناها بوجه قوله تعالى: (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله) (الانعام: 36) وقال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) (النحل: 97).

ففى الكلام استعارة الموت للضلال واستعارة الحياة للايمان أو الاهتداء والاحياء للهداية إلى الايمان والنور للتبصر بالاعمال الصالحة، والظلمة للجهل كل ذلك في مستوى التفهيم والتفهم العموميين لما أن اهل هذا الظرف لا يرون للانسان بما هو إنسان حياة وراء الحياة الحيوانية التى هي المنشا للشعور باللذائذ المادية والحركة الارادية نحوها.

فهؤلاء يرون أن المؤمن والكافر لا يختلفان في هذه الموهبة وهى فيهما شرع سواء فلا محالة عد المؤمن حيا بحياة الايمان ذا نور يمشى به في الناس، وعد الكافر ميتا بميتة الضلال في ظلمات لا مخرج منها ليس إلا مبتنيا على عناية تخييلية واستعارة تمثيلية يمثل بها حقيقة المعنى المقصود.

لكن التدبر في أطراف الكلام والتأمل فيما يعرفه القرآن الكريم يعطى للاية معنى وراء هذا الذى يناله الفهم العامي فإن الله سبحانه ينسب للانسان الالهى في كلامه حياة خالدة أبدية لا تنقطع بالموت الدنيوي هو فيها تحت ولاية الله محفوظ بكلاءته مصون بصيانته لا يمسه نصب ولا لغوب، ولا يذله شقاء ولا تعب، مستغرب في حب ربه مبتهج ببهجة القرب لا يرى إلا خيرا، ولا يواجه إلا سعادة وهو في أمن وسلام لا خوف معه ولا خطر، وسعادة وبهجة ولذة لا نفاذ لها ولا نهاية لامدها.

ومن كان هذا شأنه فإنه يرى ما لا يراه الناس، ويسمع ما لا يسمعونه، ويعقل

[صفحة338 ]

ما يعقلونه، ويريد ما لا يريدونه وإن كانت ظواهر أعماله وصور حركاته وسكناته تحاكي أعمال غيره وحركاتهم وسكناتهم وتشابهها فله شعور وإرادة فوق ما لغيره من الشعور والارادة فعنده من الحياة التى هي منشأ الشعور والارادة ما ليس عند غيره من الناس فللمؤمن مرتبة من الحياة ليست عند غيره.

فكما أن العاة ه من الانسان في عين أنها تشارك سائر الحيوان في الشعور بواجبات الحياة والحركة الارادية نحوها، ويشاركها الحيوان لكنا مع ذلك لا نشك أن الانسان نوع أرقي من سائر الانواع الحيوانية وله حياة فوق الحياة التى فيها لما نرى في الانسان آثاره العجيبة المترشحة من أفكار الكلية وتعقلاته المختصة به، ولذلك نحكم في الحيوان إذا قسناه إلى النبات وفي النبات إذا قسناه إلى ما قبله من مراتب الكون أن لكل منهما كعبا أعلى وحياة هي أرقي من حياة ما قبله.

فلنقض في الانسان الذى أوتى العلم والايمان واستقر في دار الايقان واشتغل بربه وفرغ واستراح من غيره وهو يشعر بما ليس في وسع غيره ويريد ما لا يناله سواه أن له حياة فوق حياة غيره، ونورا يستمد به في شعوره، وإرادة لا توجد إلا معه وفي ظرف حياته.

يقول الله سبحانه: (فلنحيينه حياة طيبة) (النحل: 97) فلهم الحياة لكنها بطبعها طيبة وراء مطلق الحياة (ويقول: (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالانعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) (الاعراف: 179) فيثبت لهم أمثال القلوب والاعين والاذان التى في المؤمنين لكنه ينفى كمال آثارها التى في المؤمنين، ولم يكتف بذلك حتى أثبت لهم روحا خاصا بهم فقال: (أولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه) (المجادلة: 22).

فتبين بذلك أن للحياة وكذا للنور حقيقة في المؤمن واقعية وليس الكلام جاريا على ذاك التجوز الذى لا يتعدى مقام العناية اللفظية فما في خاصة الله من المؤمنين من الصفة الخاصة بهم احق باسم الحياة مما عند عامة الناس من معنى الحياة كما أن حياة الانسان كذلك بالنسبة إلى حياة الحيوان، وحياة الحيوان كذلك بالنسبة إلى حياة النبات.

فقوله: (أو من كان ميتا فأحييناه) أي ضالا من حيث نفسه أو ضالا كافرا قبل

[صفحة339 ]

أن يؤمن بربه وهو نوع من الموت فأحييناه بحياة الايمان أو الهداية - والمال واحد - وجعلناله نورا أي علما متولدا من إيمانه كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رواه الفريقان: (من عمل بما علم رزقه الله علم ما لم يعلم أو علمه الله ما لم يعلم).

فإن روح الايمان إذا تمكنت من نفس الانسان واستقرت فيها حولت الاراء والاعمال إلى صور تناسبها ولا تخالفها وكذلك سائر الملكات أعم من الفضائل والرذائل إذا استقرت في باطن الانسان لم تلبث دون أن تحول آراءه وأعماله إلى أشكال تحاكيها.

وربما قيل: أن المراد بالنور هو الايمان أو القرآن وهو بعيد من السياق.

وهذا النور أثره في المؤمن إنه يمشى به في الناس) أي يتبصر به في مسير حياته الاجتماعية المظلمة ليأخذ من الاعمال ما ينفعه في سعادة حياته ويترك ما يضره.

فهذا هو حال المؤمن في حياته ونوره فهل هو (كمن مثله) ووصفه أنه (في الظلمات ظلمات الضلال وفقدان نور الايمان (ليس بخارج منها) لان الموت لا يستتبع آثار الحياة البتة فلا مطمع في أن يهتدى الكافر إلى أعمال تنفعه في أخراه وتسعده في عقباه.

وقد ظهر مما تقدم أن قوله: (كمن مثله في الظلمات) الخ، في تقدير: هو في الظلمات ليس بخارج منها، ففى الكلام مبتدأ محذوف هو الضمير العائد إلى الموصول، وقيل: التقدير: كمن مثله مثل من هو في الظلمات، ولا بأس به لو لا كثرة التقدير.

قوله تعالى: (كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) ظاهر سياق صدر الاية أن يكون التشبيه في قوله: (كذلك) من قبيل تشبيه الفرع بالاصل بعناية إعطاء القاعدة الكلية كقوله تعالى: (كذلك يضرب الله الحق والباطل) وقوله: (كذلك يضرب الله الامثال) (الرعد: 17) أي اتخذ ما ذكرناه من المثل أصلا وقس عليه كل ما عثرت به من مثل مضروب فمعنى قوله: (كذلك زين) الخ، على هذا المثال المذكور أن الكافر لا مخرج له من الظلمات، زين للكافرين أعمالهم فقد زينت لهم اأمالهم زينة تجذبهم إليها وتحبسهم ولا تدعهم يخرجوا منها إلى فضاء السعادة وفسحة النور أبدا والله لا يهدى القوم الظالمين.

وقيل: إن وجه التشبيه في قوله: (كذلك زين) الخ، أنه زين لهؤلاء الكفر فعملوه مثل ما زين لاولئك الايمان فعملوه.

فشبه حال هؤلاء في التزيين بحال أولئك فيه

[صفحة340 ]

(انتهى) وهو بعيد من سياق الصدر.

قوله تعالى: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها) إلى آخر الاية، كأن المراد بالاية أنا أحيينا جمعا وجعلنا لهم نورا يمشون به في الناس، وآخرين لم نحيهم فمكثوا في الظلمات فهم غير خارجين منها ولا أن عمالهم المزينة تنفعهم وتخلصهم منها كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها بالدعوة الدينية والنبى والمؤمنين لكنه لا ينفعهم فإنهم في ظلمات لا يبصرون بل إنما يمكرون بأنفسهم ولا يشعرون.

وعلى هذا فقوله: (كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) مسوق لبيان أن أعمالهم المزينة لهم لا تنفعهم في استخلاصهم من الظلمات التى هم فيها، وقوله: (وكذلك جعلنا في كل قرية) الخ، مسوق لبيان أن أعمالهم ومكرهم لا يضر غيرهم إنما وقع مكرهم على أنفسهم وما يشعرون لمكان ما غمرهم من الظلمة.

وقيل: معنى التشبيه في الاية أن مثل ذلك الذى قصصنا عليك زين للكافرين عملهم، ومثل ذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها، وجعلنا ذا المكر من المجرمين كما جعلنا ذا النور من المؤمنين فكل ما فعلنا بهؤلاء فعلنا بهم إلا أن أولئك اهتدوا بحسن اختيارهم وهؤلاء ضلوا بسوء اختيارهم لان في كل واحد منهما الجعل بمعنى الصيرورة إلا أن الاول باللطف والثانى بالتمكين من المكر (انتهى).

ولا يخلو من بعد من السياق.

والجعل في قوله: (جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها) كالجعل في قوله: (وجعلنا له نورا) فالانسب أنه بمعنى الخلق، والمعنى: خلقنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وكون مكرهم غاية للخلقة وغرضا للجعل نظير كون دخول النار غرضا إلهيا في قوله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس) (الاعراف: 179) وقد مر الكلام في معنى ذلك في مواضع من هذا الكتاب.

وإنما خص بالذكر أكابر مجرميها لان المطلوب بيان رجوع المكر إلى ما كره، والمكر بالله وآياته إنما، يصدر منهم وأما أصاغر المجرمين وهم العامة من الناس فإنما هم أتباع وأذناب.

وأما قوله: (وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون) فذلك أن المكر هو العمل الذى يستبطن شرا وضرا يعود إلى الممكور به فيفسد به غرضه المطلوب ويضل به سعيه ويبطل نجاح عمله، ولا غرض لله سبحانه في دعوته الدينية، ولا نفع فيها إلا ما

[صفحة341 ]

يعود إلى نفس المدعوين فلو مكر الانسان مكرا بالله وآياته ليفسد بذلك الغرض من الدعوة ويمنع عن نجاح السعي فيها فإنما مكر بنفسه من حيث لا يشعر: واستضر بذلك هو نفسه دون ربه.

قوله تعالى: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن - إلى قوله - رسالته) قولهم: (لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله) يريدون به أن يؤتوا نفس الرسالة بماها من مواد الدعوة الدينية دون مجرد المعارف الدينية من أصول وفروع وإلا كان اللفظ المناسب له أن يقال: (مثل ما أوتى أنبياء الله) أو ما يشاكل ذلك كقولهم: (لو لا يكلمنا الله أو تأتينا آية) (البقرة: 118) وقولهم: (لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا) (الفرقان: 21).

فمرادهم أنا لن نؤمن حتى نؤتى الرسالة كما أوتيها الرسل، وفيه شئ من الاستهزاء فإنهم ما كانوا قائلين بالرسالة فهو بوجه نظير قولهم: (لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) (الزخرف: 31) كما أن جوابه نظير جوابه وهو قوله تعالى: (أهم يقسمون رحمة ربك) (الزخرف: 32) كقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته).

ومما تقدم يظهر أن الضمير في قوله: (وإذا جاءتهم آية قالوا) الخ، عائد إلى (أكابر مجرميها) في الاية السابقة، إذلو رجع إلى عامة المشركين لغى قولهم: (حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله) إذ لا معنى لرسالة جميع الناس حيث لا أحد يرسلون إليه، ولم يقع قوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) موقعه بل كان حق الجواب أنه لغو من القول كما عرفت.

ويؤيده الوعيد الذى في ذيل الاية: (سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) حيث وصفهم بالاجرام وعلل الوعيد بمكرهم، ولم ينسب المكر في الاية السابقة إلا إلى أكابر مجرميها، والصغار الهوان والذلة.

قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) الشرح هو البسط وقد ذكر الراغب في مفرداته أن أصله بسط اللحم ونحوه، وشرح الصدر الذى يعد في الكلام وعاء للعلم والعرفان هو التوسعة فيه بحيث يسع ما يصادفه من المعارف الحقة ولا يدفع كلمة الحق إذا ألقيت إليه كما يدل عليه ما ذكر في وصف الاضلال بالمقابلة وهو

[صفحة342 ]

قوله: (يجعل صدره ضيقا حرجا) الخ، فمن شرح الله صدره للاسلام وهو التسليم لله سبحانه فقد بسط صدره ووسعه لتسليم ما يستقبله من قبله تعالى من اعتقاد حق أو عمل دينى صالح فلا يلقى إليه قول حق إلا وعاه ولا عمل صالح إلا أخذ به وليس إلا أن لعين بصيرته نورا يقع على الاعتقاد الحق فينوره أو العمل الصالح فيشرقه خلاف من عميت عين قلبه فلا يميز حقا من باطل ولا صدقا من كذب قال تعالى: (فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى في الصدور) (الحج: 46).

وقد بين تعالى شرح الصدر بهذا البيان في قوله: (أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) فوصفه فعرفه بأن صاحبه راكب نور من الله يشرق قدامه في مسيره ثم عرفه بالمقابلة بلينة في القلب يقبل به ذكر الله ولا يدفعه لقسوة ثم قال: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد) (الزمر: 23) فذكر لين القلب إلى ذكر الله وطوعه للحق وأفاد أن ذلك هو الهدى الالهى الذى يهدى به من يشاء، وعند ذلك يرجع الايتان أعنى آية الزمر والاية التى نحن فيها إلى معنى واحد وهو أن الله سبحانه عند هدايته عبدا من عباده يبسط صدره فيسع كل اعتقاد حق وعمل صالح ويقبله بلين ولا يدفعه بقسوة وهو نوع من النور المعنوي الذى ينور القول الحق والعمل الصالح وينصر صاحبه فيمسك بما نوره فهذا معرف يعرف به الهداية الالهية.

ومن هنا يظهر أن الاية أعنى قوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) بمنزلة بيان آخر لقوله: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس) التفريع الذى في قوله.

(فمن يرد الله) الخ، من قبيل تفريع أحد البيانين على الاخر بدعوى أنه نتيجته كأن التصادق بين البيانين يجعل أحدهما نتيجة مترتبة وفرعا متفرعا على الاخر، وهو عناية لطيفة.

والمعنى: فإذا كان من أحياه الله بعد ما كان ميتا على هذا الصفة وهى أنه على نور من ربه يستضئ به لواجب الاعتقاد والعمل فيأخذ به فمن يرد الله أن يهديه يوسع صدره لان يسلم لربه ولا يستنكف عن عبادته فالاسلام نور من الله، والمسلمون لربهم على نور من ربهم.

[صفحة343 ]

قوله تعالى: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا) إلى آخر الاية، الاضلال مقابل الهداية، ولذا كان أثره مقابلا لاثرها وهو التضييق المقابل للشرح والتوسعة وأثره أن لا يسع ما يتوجه إليه من الحق، والصدق، يتحرج عن دخولهما فيه، ولذا أردف كون الصدر ضيقا بكونه حرجا.

والحرج على ما في المجمع أضيق الضيق، وقال في المفردات: أصل الحرج والحراج مجتمع الشئ وتصور منه ضيق ما بينهما فقيل للضيق حرج وللاثم حرج.

انتهى.

فقوله: (حرجا كأنما يصعد في السماء) في محل التفسير لقوله: (ضيقا) وإشارة إلى أن ذلك نوع من الضيق يناظر بوجه التضيق والتحرج الذى يشاهد من الظروف والاوعية إذا أريد إدخال ما هو أعظم منها ووضعه فيها.

وقوله: (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) إعطاء ضابط كلى في إضلال الذين لا يؤمنون إنهم يفقدون حال التسليم لله والانقياد للحق، وقد أطلق عدم الايمان وإن كان مورد الايات عدم الايمان بالله سبحانه وهو الشرك به لكن الذى سبق من البيان في الاية يشمل عدم الايمان بالله وهو الشرك، وعدم الايمان بآيات الله وهو رد بعض ما أنزله الله من المعارف والاحكام فقد دل على ذلك كله بقوله: (يشرح صدره للاسلام) الخ، وبقوله سابقا: (وجعلنا له نورا يمشى به) إلخ، وقوله: (يجعل صدره ضيقا حرجا) إلخ، وبقوله سابقا: (في الظلمات ليس بخارج منها).

وقد سمى في الاية الضلال الذى يساوق عدم الايمان رجسا والرجس هو القذر غير إنه اعتبر فيه نوعا من الاستعلاء الدال عليه قوله: (على الذين لا يؤمنون) كأن الرجس يعلوهم ويحيط بهم فيحول بينهم وبين غيرهم فيتنفر منهم الطباع كما يتنفر من الغذاء الملطخ بالقذر.

وقد استدل بالاية على أن الهدى والضلال من الله لا صنع فيهما لغيره تعالى وهو خطأ فإن الاية - كما عرفت - في مقام بيان حقيقة الهدى والضلال اللذين من الله ونوع تعريف لهما وتحديد لا في مقام بيان انحصارهما فيه وانتفائهما عن غيره كما هو المدعى وهو ظاهر.

ونظير ذلك ما ذكره بعضهم: أن الاية كما تدل بلفظها على قولنا: إن الهداية

[صفحة344 ]

والضلال من الله، كذلك تدل بلفظها على الدليل العقلي القاطع في هذه المسأله.

بيانه: أن العبد قادر على الايمان والكفر معا على حد سواء فيمتنع صدرأحدهما عنه بدلا من الاخر إلا إذا اقترن بمرجح يستدعى صدور ما يرجح به وهو الداعي القلبى الذى ليس إلا العلم أو الاعتقاد أو الظن بكون الفعل مشتملا على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة من غير ضرر زائد أو مفسدة راجحة، وقد بينا بالدليل أن حصول هذه الدواعى في القلب إنما يكون من الله تعالى، وأن مجموع القدره والداعى يوجب العمل.

إذا ثبت هذا فنقول: يستحيل صدور الايمان من العبد إلا إذا خلق الله في قلبه اعتقاد رجحان الايمان، ومعه يحصل من القلب ميل إليه ومن النفس رغبة فيه وهذا هو انشراح الصدر، ويمتنع الكفر إلا بخلقه ما يقابل ذلك في القلب، ويحصل حينئذ النفرة عنه والاشمئزاز منه وهو المراد بجعل القلب ضيقا حرجا فصار تقدير الاية: أن من أراد الله منه الايمان قوى دواعيه إليه، ومن أراد منه الكفرقوى صوارفه عن الايمان وقوى دواعيه إلى الكفر، ولما ثبت بالدليل العقلي أن الامر كذلك ثبت أن لفظ القرآن مشتمل على هذه الدلائل العقلية.

انتهى ملخصا.

وفيه أولا: أن انتساب الشئ إليه تعالى من جهة خلقه أسباب وجوده ومقدماته لا يوجب انتفاء نسبته إلى غيره تعالى وإلا أوجب ذلك بطلان قانون العلية العام وببطلانه يبطل القضاء العقلي من رأس فمن الممكن أن تستند الهداية والضلال إلى غيره تعالى استنادا حقيقيا في حين أنهما يستندان إليه تعالى استنادا حقيقيا من غير تناقض.

وثانيا: أن الذى ذكرته الاية من صنعه تعالى في موردى هدايته وإضلاله هو سعة القلب وضيقة، وهما غير رغبة النفس ونفرته البتة فالاية أجنبية عما ذكره أصلا، ومجرد استلزام إرادة الفعل من العبد رغبته وكراهته نفرته منه لا يوجب أن يكون المراد من سعة القلب وضيقة الارادة والكراهة بالنسبة إلى الاعمال، ففيه مغالطة من باب أخذ أحد المقارنين مكان الاخر ومن عجيب الكلام قوله: إن انطباق الدليل العقلي الذى إقامة بزعمه على الاية يوجب دلالة لفظ الاية عليه.

وثالثا: أنك عرفت أن الاية إنما هي في مقام تعريف ما يصنع الله بعبده إذا أراد هدايته أو ضلالته، وأما أن كل هداية أو ضلالة فهى من الله تعالى دون غيره فذلك

[صفحة345 ]

أمر أجنبي عن غرض الاية فالاية لا دلالة لها على أن الهداية والضلال من الله سبحانه وإن كان ذلك هو الحق.

قوله تعالى: (وهذا صراط ربك مستقيما) إلى آخر الاية الاشارة إلى ما تقدم بيانه في الاية السابقة من صنعه عند الهداية والاضلال وقد تقدم معنى الصراط واستقامته، وقد بين تعالى في الاية أن ما ذكره من شرح الصدر للاسلام إذا أراد الهداية ومن جعل الصدر ضيقا حرجا عند إرادة الاضلال هو صراطه المستقيم وسنته الجارية التى لا تختلف ولا تتخلف فما من مؤمن إلا وهو منشرح الصدر للاسلام بالله وغير المؤمن بالعكس من ذلك.

فقوله: (وهذا صراط ربك مستقيما) بيان ثان وتأكيد لكون المعرف المذكور في الاية السابقة معرفا جامعا مانعا للهداية والضلالة ثم أكد سبحانه البيان بقوله: (قد فصلنا الايات لقوم يذكرون) أي إن القول حق بين عند من تذكر ورجع إلى ما أودعه الله في نفسه من المعارف الفطرية والعقائد الاولية التى بتذكرها يهتدى الانسان إلى معرفة كل حق وتمييزه من الباطل، والبيان مع ذلك لله سبحانه فإنه هو الذى يهدى الانسان إلى النتيجة بعد هدايته إلى الحجة.

قوله تعالى: (لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون) المراد بالسلام هو معناه اللغوى - على ما يعطيه ظاهر السياق - وهو التعري من الافات الظاهرة والباطنه، ودار السلام هي المحل الذى لا آفة تهدد من حل فيه من موت وعاهة ومرض وفقر وأى عدم وفقد آخر وغم وحزن، وهذه هي الجنة الموعودة ولا سيما بالنظر إلى تقييده بقوله: (عند ربهم).

نعم أولياء الله تعالى يجدون في هذه النشأة ما وعدهم الله من إسكانهم دار السلام لانهم يرون الملك لله فلا يملكون شيئا حتى يخافوا فقده أو يحزنوا لفقده قال تعالى: (إلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (يونس: 62) وهم لا شغل لهم إلا بربهم خلوا به في حياتهم فلهم دار السلام عند ربهم - وهم قاطنون في هذه الدنيا - وهو وليهم بما كانوا يعملون وهو سيرهم في الحياة بنور الهداية الالهية الذى جعله في قلوبهم، ونور به أبصارهم وبصائرهم.

[صفحة346]

وربما قيل: المراد بالسلام هو الله، وداره الجنة، والسياق يأباه وضمائر الجمع في الاية راجعة إلى القوم في قوله: (لقوم يذكرون) - على ما قيل - لانه أقرب المراجع لرجوعها إليها غير أن التدبر في الايات يؤيد رجوعها إلى المهتدين بالهداية المذكورة بما أن الكلام فيهم والايات مسوقة لبيان حسن صنع الله بهم فالوعد الحسن المذكور يجب أن يعود إليهم، وأما القوم المتذكرون فإنما ذكروا ودخلوا في غرض الكلام بالتبع.

(كلام في معنى الهداية الالهية) الهداية بالمعنى الذى نعرفه كيفما اتخذت هي من العناوين التى تعنون بها الافعال وتتصف بها، تقول هديت فلانا إلى أمر كذا إذا ذكرت له كيفية الوصول إليه أو أريته الطريق الذى ينتهى إليه، وهذه هي الهداية بمعنى إراءة الطريق، أو أخذت بيده وصاحبته في الطريق حتى توصله إلى الغاية المطلوبة، وهذه هي الهداية بمعنى الايصال إلى المطلوب.

فالواقع في الخارج في جميع هذه الموارد هو اقسام الافعال التى تأتى بها من ذكر الطريق أو إراءته أو المشى مع المهدى وأما الهداية فهى عنوان للفعل يدور مدار القصد كما أن ما يأتيه المهدى من الفعل في إثره معنون بعنوان الاهتداء فما ينسب إليه تعالى من الهداية ويسمى لاجله هاديا وهو أحد الاسماء الحسنى من صفات الفعل المنتزعة من فعله تعالى كالرحمة والرزق ونحوهما.

وهدايته تعالى نوعان: أحدهما الهداية التكوينية وهى التى تتعلق بالامور التكوينية كهدايته كل نوع من أنواع المصنوعات إلى كماله الذى خلق لاجله وإلى أفعاله التى كتبت له، وهدايته كل شخص من أشخاص الخليقة إلى الامر المقدر له والاجل المضروب لوجوده قال تعالى: (الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى) (طه: 50) وقال: (الذى خلق فسوى، والذى قدر فهدى) (الاعلى: 3).

والنوع الثاني: الهداية التشريعية وهى التى تتعلق بالامور التشريعية من الاعتقادات الحقة والاعمال الصالحة التى وضعها الله سبحانه للامر والنهى والبعث والزجر ووعد على الاخذ بها ثوابا وأو عد على تركها عقابا.

[صفحة347 ]

ومن هذه الهداية ما هي إراءة الطريق كما في قوله تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) (الدهر: 3).

ومنها ما هي بمعنى الايصال إلى المطلوب كما في قوله تعالى: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه) (الاعراف: 176) وقد عرف الله سبحانه هذه الهداية تعريفا بقوله: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) (الاية: 125) فهى انبساط خاص في القلب يعى به القول الحق والعمل الصالح من غير أن يتضيق، به وتهيؤ مخصوص لا يأبى به التسليم لامر الله ولا يتحرج عن حكمه.

وإلى هذا المعنى يشير تعالى بقوله: (أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه - إلى أن قال - ذلك هدى الله يهدى به من يشاء) (الزمر: 23) وقد وصفه في الاية بالنور لانه ينجلى به للقلب ما يجب عليه أن يعيه من التسليم لحق القول وصدق العمل عما يجب عليه أن لا يعيه ولا يقبله وهو باطل القول وفاسد العمل.

وقد رسم الله سبحانه لهذه الهداية رسما آخر وهو ما في قوله عقيب ذكره هدايته أنبياءه الكرام وما خصهم به من النعم العظام: (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده) (الانعام: 88) فقد أوضحنا في تفسير الاية أن الاية تدل على أن من خاصة الهداية الالهية أنها تورد المهتدين بها صراطا مستقيما وطريقا سويا لا تخلف فيه ولا اختلاف.

فلا بعض أجزاء صراطه الذى هو دينه بما فيه من المعارف والشرائع يناقض البعض الاخر لما أن الجميع يمثل التوحيد الخالص الذى ليس إلا حقيقة ثابتة واحدة، ولما أن كلها مبنية على الفطرة الالهية التى لا تخطئ في حكمها ولا تتبدل في نفسها ولا في مقتضياتها.

ولا بعض الراكبين عليه السائرين فيه يالفون بعضا آخر فالذي يدعو إليه نبى من أنبياء الله هو الذى يدعو إليه جميعهم، والذى يندب إليه خاتمهم وآخرهم هو الذى يندب إليه آدمهم وأولهم من غير أي فرق إلا من حيث الاجمال والتفصيل.

(بحث روائي) في الكافي بإسناده عن زيد قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في قول الله تبارك وتعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس) فقال: ميت لا

[صفحة348 ]

يعرف شيئا (نورا يمشى به في الناس) إماما يأتم به (كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) قال: الذى لا يعرف الامام.

أقول: وهو من قبيل الجرى والانطباق فسياق الاية يأبى إلا أن تكون الحياة هو الايمان والنور هو الهداية الالهية إلى القول الحق والعمل الصالح.

وقد روى السيوطي في الدر المنثورعن زيد بن أسلم أن الاية نزلت في عمار بن ياسر، وروى أيضا عن ابن عباس وزيد بن أسلم أنها نزلت في عمر بن الخطاب وأبى جهل بن هشام والسياق يأبى كون الاية خاصة.

وفي الدر المنثور أخرج ابن أبى شيبة وابن أبى الدنيا وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حين نزلت هذه الاية: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) قال: إذا أدخل الله النور القلب انشرح وانفسح.

قالوا: فهل لذلك آية يعرف بها؟ قال: الانابة إلى دار الخلود - والتجافى عن دارالغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت.

أقول: ورواه أيضا عدة من المفسرين عن جمع من التابعين كأبى جعفر المدائني والفضل والحسن وعبد الله بن السور عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي العيون بإسناده عن حمدان بن سليمان النيشابوري قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام) قال: فمن يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا وإلى جنته ودار كرامته في الاخرة يشرح صدره للتسليم لله والثقة به والسكون إلى ما وعد من ثوابه حتى يطمئن إاليه، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الاخرة لكفره به وعصيانه له في الدنيا يجعل صدره ضيقا حرجا حتى يشك في كفره (1) ويضطرب عن اعتقاده حتى يصير كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون.

أقول: وفي الحديث نكات حسنة تشير إلى ما شرحناه في البيان المتقدم.

وفي الكافي بإسناده عن سليمان بن خالد عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال: إن

* (هامش) *

(1) ايمانه ظ.

(*)

[صفحة349 ]

الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور، وفتح مسامع قلبه، ووكل به ملكا يسدده وإذا أراد بعبد سوء نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه، ووكل به شيطانا يضله ثم تلا هذه الاية: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء.

أقول: ورواه العياشي في التفسير مرسلا والصدوق في التوحيد مسندا عنه (عليه السلام).

وفي الكافي بإسناده عن الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: إن القلب يتلجلج في الجوف يطلب الحق فإذا جاء به اطمأن وقر ثم تلا: (فمن يرد الله أن يهديه - إلى قوله - في السماء).

أقول: ورواه العياشي في تفسيره عن أبى جميلة عن عبد الله بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام).

وفي تفسير العياشي عن أبى بصير عن خيثمة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إن القلب يتقلب من لدن موضعه إلى حنجرته ما لم يصب الحق فإذا أصاب الحق قر ثم ضم أصابعه ثم قرأ هذه الاية: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره في الاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا).

قال: وقال أبو عبد الله (عليه السلام) لموسى بن أشيم: أتدرى ما الحرج؟ قال: قلت: لا فقال (1) بيده وضم أصابعه؟ كالشئ المصمت - لا يدخل فيه شئ ولا يخرج منه شئ.

أقول: وروى ما يقرب منه في تفسير البرهان عن الصدوق وروى صدر الحديث البرقى في المحاسن عن خيثمة عن أبى جعفر (عليه السلام) وما فسر به الحرج يناسب ما تقدم نقله من الراغب.

وفي الاختصاص بإسناده عن آدم بن الحرقال: سأل موسى بن أشيم أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حاضر عن آية في كتاب الله فخبره بها فلم يبرح حتى دخل رجل فسأله عن تلك الاية بعينها فخبره بخلاف ما خبر به موسى بن أشيم.

ثم قال ابن أشيم: فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كأن قلبى يشرح بالسكاكين

* (هامش) *

(1) كأن القو ل مضمن معنى الايماء والمعنى: أومأ بيده وضم اصابعه قائلا: كاشئ الصمت الخ.

(*)

[صفحة350 ]

وقلت: تركنا أبا قتادة لا يخطئ في الحرف الواحد: الواو وشبهها، وجئت لمن يخطئ هذا الخطا كله فبينا أنا في ذلك إذ دخل عليه رجل آخر فسأله عن تلك الاية بعينها فخبر بخلاف ما خبرني وخلاف الذى خبر به الذى سأله بعدى فتجلى عنى وعلمت أن ذلك بعمد فحدثت نفسي بشئ.

فالتفت إلى أبو عبد الله (عليه السلام) فقال: يا بن أشيم لا تفعل كذا وكذا فبان حديثى عن الامر الذى حدثت به نفسي ثم قال: يا بن أشيم إن الله فوض إلى سليمان بن داود فقال: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) وفوض إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد فوض إلينا يا بن أشيم فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا، أتدرى ما الحرج: فقلت لا، فقال بيده وضم أصابعه: هو الشئ المصمت الذى لا يخرج منه شئ ولا يدخل فيه شئ.

أقول: مسألة التفويض إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة من ولده وإن وردت في تفسيره عدة أحاديث لكن الذى يدل عليه هذا الحديث معناه إنباؤهم من العلم بكتاب الله ما لا ينحصر في وجه ووجهين وتسليطهم عليه بالاذن في بث ما شاءوا منها، يستفاد ذلك من تطبيق ما ذكره (عليه السلام) في أمر سليمان بن داود من التفويض المستفاد من الاية الكريمة، ولا يبعد أن يكون المراد من تلاوة الاية الاشارة إلى ذلك، وإن كان الظاهر أن المراد به بيان حال القلوب بمناسبة ما ابتلى به موسى بن أشيم من اضطراب القلب وقلقه.

وفي تفسير القمى في الاية قال: قال: مثل شجرة حولها أشجار كثيرة فلا تقدر أن تلقى أغصانها يمنة ويسرة فتمر في السماء ويستمر حرجه.

أقول: وذلك أيضا يناسب ما فسر به الراغب معنى الحرج.

وفي تفسير العياشي عن أبى بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) في قوله: (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) قال: هو الشك.

أقول: وهو من قبيل التطبيق وبيان بعض المصاديق.