[صفحة201 ]
الايمان الذى شأنه التقريب من السعادة والفلاح الحقيقي والفوز برضى الرب سبحانه وهو
ظاهر فتأثير الايمان أثره لا يشترط بعدم شئ من ذلك.
فقوله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن) معناه اشتراط
الايمان في إعطائه الامن من كل ذنب ومعصية يفسد أثره بعدم الظلم غير أن هيهنا دقيقة
وهى ان الذنب الاختياري - كما استوفينا البحث عنه في آخر الجزء السادس من الكتاب -
أمر ذو مراتب مختلفة باختلاف الافهام فمن الظلم ما هو معصية اختيارية بالنسبة إلى
قوم وليس بها عند آخرين.
فالواقف في منشعب طريقي الشرك والتوحيد مثلا وهو الذى يرى أن للعالم صانعا هو الذى
فطر أجزائها وشق أرجائها وأمسك أرضها وسمائها، ويرى أنه نفسه وغيره مخلوقون مربوبون،
مدبرون وان الحياة الانسانية الحقيقية إنما تسعد بالايمان به والخضوع له فالظلم
اللائح لهذا الانسان هو الشرك بالله والايمان بغيره بالربوبية كالاصنام والكواكب
وغيرها على ما يثبته إبراهيم
(عليه السلام)
بقوله: (وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم اشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم
سلطانا) فالايمان الذى يؤثر أثره بالنسبة إلى هذا الانسان انما يشترط في إعطاءه
الامن من الشقاء بأن لا يلبسه ظلم الشرك ومعصيته.
ومن
طوى هذه المرحلة فآمن بالله وحده فإنه يواجه من الظلم الكبائر من المعاصي كعقوق
الوالدين وأكل مال اليتيم وقتل النفس المحترمة والزنا وشرب الخمر فإيمانه في تأثيره
آثاره الحسنة يشترط باجتناب هذا النوع من الظلم، وقد وعده الله ان يكفر عنه السيئات
والمعاصي الصغيرة إن اجتنب كبائر ما ينهى عنه، قال تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما
تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) (النساء: 31) وفساد أثر هذا
الايمان هو الشقاء بعذاب هذه المعاصي وإن لم يكن عذابا خالدا غير منقطع الاخر كعذاب
الشرك بل منقطعا إما بحلول أجله وإما بشفاعة ونحوها.
ومن
تزود هذا الزاد من التقوى وحصل شيئا من المعرفة بمقام ربه كان مسؤولا باصناف من
الظلم تبدو له بحسب درجة معرفته بربه كإتيان المكروهات وترك المستحبات والتوغل في
المباحات، وفوق ذلك المعاصي في مستوى الاخلاق الكريمة والملكات الربانية ووراء ذلك
الذنوب التى تعترض سبيل الحب، وتحف بساط القرب، فالايمان في كل من هذه المراتب إنما
يؤمن المتلبس به ويدفع عنه الشقاء إذا عرى عن ملابسة الظلم المناسب لتلك المرتبة.
[صفحة202 ]
فلقوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) إطلاق من حيث الظلم لكنه
إطلاق يختلف باختلاف مراتب الايمان وإذ كان المقام مقام محاجة المشركين انطبق الظلم
المنفى على ظلم الشرك فحسب والامن الذى يعطيه هذا الايمان هو الامن مما يخاف منه من
الشقاء المؤبد والعذاب المخلد، والاية مع ذلك آية مستقلة من حيث البيان مع قطع
النظر عن خصوصية المورد تفيد أن الامن والاهتداء إنما يترتب على الايمان بشرط
انتفاء جميع انحاء الظلم الذى يلبسه ويستر أثره بالمعنى الذى تقدم بيانه.
وأما الايمان المذكور في الاية ففيه إطلاق والمراد به الايمان بالربوبية الصالح
للتقيد بما يصلحه أو يفسده ثم إذا قيد بقوله: (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أفاد
الايمان بربوبية الله سبحانه ورفض غيره من شركائهم فإن ابراهيم
(عليه السلام)
ذكر فيما تحكى عنه الاية السابقة أن قولهم بربوبية شركائهم وإيمانهم بها مع كونها
من خلق الله قول بما لا دليل لهم عليه من جانب الله ولا سلطان وأنهم بإيمانهم
بشركائهم يتوقون شرا ويستأمنون شقاء ليس لها أن تدفعها لانها لا تضر ولا تنفع، وأما
هو
(عليه السلام)
فقد خاف وآمن بمن هو فاطره وهو المتصرف بالهداية والمدبر الذى له في كل أمر إرادة
ومشية لسعة علمه، ثم سألهم: أي الفريقين أحق بالامن والناجح بالايمان بالرب، ولكل
من الفريقين إيمان بالرب، وإن اختلفا من جهة الرب، والذى آمنوا به بين مؤمن برب على
ربوبيته دليل، ومؤمن برب لا دليل على ربوبيته بل الدليل على خلافه.
ومن
هنا يظهر أن المراد بالايمان في قوله: (الذين آمنوا) مطلق الايمان بالربوبية ثم
بتقيده بقوله: (ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) يتعين في الايمان بالله سبحانه الذى هو حق
الايمان فافهم.
فقد
اتضح بما تقدم أولا: أن المراد بالايمان هو الايمان بالربوبية دون الايمان بوجود
صانع العالم خلافا لمنكري وجوده.
وثانيا: أن الظلم في الاية مطلق ما يضرالايمان ويفسده من المعاصي، وكذا المراد
بالامن مطلق الامن من شقاء المعاصي والذنوب، وبالاهتداء مطلق التخلص من ضلالها وإن
انطبق بحسب المورد على معصية الشرك خاصة.
وثالثا: أن إطلاق الظلم يختلف بحسب اختلاف مراتب الايمان.
[صفحة203 ]
قال
بعض المفسرين في معنى عموم الظلم في الاية: إن الامن في الاية مقصور على الذين
آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فإذا حمل العموم فيها على إطلاقه وعدم مراعاة موضوع
الايمان يكون المعنى: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بظلم ما لانفسهم لا في
إيمانهم ولا في أعمالهم البدنية والنفسية من دينية أو دنيوية ولا لغيرهم من
المخلوقات من العقلاء والعجماوات اولئك لهم الامن من عقاب الله تعالى الدينى على
ارتكاب المعاصي والمنكرات، وعقابه الدنيوي على عدم مراعاة سببه في ربط الاسباب
بالمسببات كالفقر والاسقام والامراض دون غيرهم ممن ظلموا أنفسهم أو غيرهم فإن
الظالمين لا أمان لهم بل كل ظالم عرضة للعقاب وإن كان الله تعالى لسعة رحمته لا
يعاقب كل ظالم على كل ظلم بل يعفو عن كثير من ذنوب الدنيا، ويعذب من يشاء ويغفر لمن
يشاء في الاخرة ما دون الشرك به.
قال: وهذا المعنى في تفسير الاية صحيح في نفسه، ويترتب عليه أن الامن المطلق من
الخوف من عقاب الله الدينى والدنيوى أو الشرعي والقدري جميعا لا يصح لاحد من
المكلفين دع خوف الهيبة والاجلال الذى يمتاز به اهل الكمال.
قال: وأما معنى الاية على فرض عدم الاطلاق فهو أن الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم
بظلم عظيم وهو الشرك بالله اولئك لهم الامن دون غيرهم من العقاب الدينى المتعلق
بأصل الدين وهو الخلود في دار العذاب وهم فيما دون ذلك بين الخوف والرجاء.
قال: وظاهر الاية هو العموم واستدل عليه بفهم الصحابة على ما روى: أن الاية لما
نزلت شق ذلك على الناس وقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ فأخبرهم صلى الله
عليه وآله: أن المراد به الشرك، وربما أشعر بذلك السياق وكون الموضوع هو الايمان،
انتهى ملخصا.
وفيه مواقع للاشكال فأولا: أن ما استدل عليه من العموم بفهم الصحابة هو غير ما قرره
من معنى العموم فإن الذى فهموه من الظلم هو ما يساوى المعصية والذى قرره هو أعم من
ذلك.
وثانيا: أن ما قرره من عموم الظلم حتى بالنسبة إلى أفراد من الظلم ليست من المعصية
في شئ ثم حكم بصحة تفسير الاية به أجنبي عن مدلول الاية فإن الاية في مقام بيان أن
الامن والاهتداء من آثار الايمان ولكن بشرط أن لا يقارن ظلما يستره ويفسد أثره،
وهذا الظلم إنما هو المعصية بوجه، وأما ما لا يعد معصية كاكل الغذاء المضر بصحة
[صفحة204 ]
البدن خطاء فمن المعلوم انه لا يفسد اثر الايمان من الامن والاهتداء، وليس المراد
بالاية بيان آثار الظلم أيا ما كانت ولو مع قطع النظر عن الايمان فإنه تعالى قال:
(الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم) فجعل الايمان هو الموضوع وقيده بعدم الظلم
وجعل اثره الامن والاهتداء، ولم يجعل الظلم هو الموضوع حتى تكون الاية مسرودة لبيان
آثاره.
فالاية سيقت لبيان الاثارالتى تترتب على الايمان الصحيح، وأما الظلم بما له من
العرض العريض وما له من الاثر المترتب عليه فالاية غير متعرضة لذلك البتة، فقوله:
(وهذا المعنى في تفسير الاية صحيح في نفسه) فاسد البتة.
وثالثا: أن قوله: (ويترتب عليه ان الامن المطلق لا يصح لاحد من المكلفين) صريح في
أن الاية لا مصداق لها بالنظر إلى الاطلاق الذى قرره، ولازمه سقوط الكلام عن
الفائدة، وأى فائدة في أن يوضع في الحجة قول لا مصداق له أصلا؟.
ورابعا أن الذى اختاره في معنى الاية أن المراد به هو الظلم الخاص وهو الشرك ليس
بمستقيم فإن الاية من جهة عموم لفظها وإن دلت على وجوب كون الايمان غير مقارن للشرك
حتى يؤثر اثره لكن ذلك من باب انطباق اللفظ العام على مورده الخاص، وأما راده
المعنى الخاص من اللفظ العام من غير قرينة حالية أو مقالية متصلة أو منفصلة فمما لا
ترتضيه صناعة البلاغة وهو ظاهر.
واما ما اشار إليه من قوله صلى الله عليه وآله: (إنما هو الشرك) فليس بصريح في ان
الشرك مراد لفظي من الاية وإنما هو الانطباق، وسيجئ البحث عن الحديث في البحث
الروائي التالى إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء) الخ، في
الاشارة بلفظ البعيد إلى الحجة تفخيم وتعظيم لامرها لكونها حجة قاطعة جارية على
صراط الفطرة مأخوذة بمقدماتها منها.
وأما قوله: (نرفع درجات من نشاء) فالدرجات - كما قيل - هي مراقى السلم ثم توسع فيها
فاطلق على مراتب الكمال من المعنويات كالعلم والايمان والكرامة والجاة
[صفحة205 ]
وغير ذلك فرفعه تعالى من يشاء من عباده درجات من الرفع هو تخصيصه بكمالات معنوية
وفضائل حقيقية في الخيرات الكسبية كالعلم والتقوى وغير الكسبية كالنبوة والرسالة
والرزق وغيرها.
والدرجات لكونها نكرة في سياق الايجاب مهملة غير مطلقة غير أن المتيقن من معناها
بالنظر ألى خصوص المورد هو درجات العلم والهداية فقد رفع الله ابراهيم
(عليه السلام)
بهدايته وإراءته ملكوت السماوات والارض وإيتائه اليقين والحجة القاطعة، والجميع من
العلم، وقد قال تعالى في درجات العلم: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا
العلم درجات (المجادلة: 11).
ثم
ختم الاية بقوله: (إن ربك حكيم عليم) لتثبيت أن ذلك كله كان بحكمة منه تعالى وعلم
كما أن الحجج التى آتاها رسول الله صلى الله عليه وآله المذكورة في السورة قبل هذه
الحجة من حكمته وعلمه تعالى، وفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة لتطييب قلب
النبي صلى الله عليه وآله وتثبيت المعارف المذكورة فيه.
(بحث روائي) في العيون: حدثنا نعيم بن عبد الله بن تميم القرشى رضى الله عنه قال:
حدثنا أبى عن حمدان بن سليمان النيشابوري عن على بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس
المأمون وعنده الرضا
(عليه السلام)
فقال له المأمون: يا بن رسول الله أليس من قولك أن الانبياء معصومون؟ قال: بلى،
قال: فسأله عن آيات من القرآن فيه فكان فيما سأله أن قال له فأخبرني عن قول الله
عزوجل في ابراهيم: (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى).
فقال الرضا
(عليه السلام):
أن ابراهيم وقع إلى ثلاثه أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد
الشمس وذلك حين خرج من السرب الذى أخفى فيه فلما جن عليه الليل رأى الزهرة قال: هذا
ربى على الانكار والاستخبار فلما أفل الكوكب قال: لا أحب الافلين لان الافول من
صفات المحدث لا من صفات القديم فلما رأى القمر بازغا قال: هذا ربى على الانكار
والاستخبار فلما أفل قال: لئن لم يهدنى ربى
[صفحة206 ]
لاكونن من القوم الضالين، فلما اأبح رأى الشمس بازغة قال: هذا ربى هذا أكبر من
الزهرة والقمر على الانكار والاستخبار لا على الاخبار والاقرار فلما أفلت قال
للاصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس: يا قوم إنى برئ مما تشركون إنى وجهت
وجهى للذى فطر السماوات والارض حنيفا وما أنا من المشركين.
وإنما أراد ابراهيم بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم أن العبادة لا
يحق - لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما يحق العبادة لخالقها وخالق
السماوات والارض، وكان ما احتج به على قومه مما إلهمه الله عزوجل وآتاه كما قال
عزوجل: وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه.
فقال المأمون: لله درك يا بن رسول الله.
أقول وتأييد الرواية بمضمونها عدة من الامور التى استفدناها من سياق الايات الكريمة
ظاهر، وسيأتى أيضا بعض ما يؤيدها من الروايات، وأما ما في الرواية من كون قول
ابراهيم
(عليه السلام):
(هذا ربى) واقعا على سبيل الانكار والاستخبار دون الاخبار والاقرار فوجه من الوجوه
التى تقدمت في تفسير الايات أورده
(عليه السلام)
في قطع حجة المأمون، ولا ينافى صحة غيره من الوجوه لو كان هناك وجه كما سيأتي.
وكذا قوله: (لان الافول من صفات المحدث) الخ، ليس بظاهر في أن الحجة مأخوذه من
الافول الحادث كما ذكره بعضهم لجواز أن يكون الحجة مأخوذة من عدم الحب وملاكه كون
الافول من صفات المحدث التى لا ينبغى أن يتعلق بها حب فافهم.
وفي
كمال الدين: ابى وابن الوليد معا عن سعد عن ابن بريد عن ابن ابى عمير عن هشام بن
سالم عن ابى بصير عن ابى عبد الله
(عليه السلام)
قال: كان أبو ابراهيم منجما لنمرود ابن كنعان، وكان نمرود لا يصدر إلا عن رأيه فنظر
في النجوم ليلة من الليالى فأصبح فقال: لقد رأيت في ليلتى هذه عجبا فقال له نمرود:
ما هو؟ فقال: رأيت مولودا يولد في ارضنا هذه يكون هلاكنا على يديه، ولا يلبث إلا
قليلا حتى يحمل به فعجب من ذلك نمرود وقال: هل حمل به النساء؟ فقال: لا، وكان فيما
أوتى من العلم أنه سيحرق بالنار، ولم يكن أوتى ان الله سينجيه.
قال: فحجب النساء عن الرجال فلم يترك إمرأة إلا جعلت بالمدينة حتى لا يخلص إليهن
الرجال، قال: وباشر أبو ابراهيم امرأته فحملت به فظن انه صاحبه فأرسل إلى
[صفحة207 ]
نساء من القوابل - لا يكون في ا لبطن شئ إلا علمنا به فنظرنا إلى أم ابراهيم فألزم
الله تبارك وتعالى ذكره ما في الرحم الظهر فقلن: ما نرى شيئا في بطنها.
فلما وضعت أم ابراهيم اراد ابوه ان يذهب به إلى نمرود فقالت له امرأته: لا تذهب
بابنك إلى نمرود فيقتله دعني أذهب به إلى بعض الغيران أجعله فيه حتى يأتي عليه أجله
ولا تكون أنت تقتل ابنك فقال لها: فاذهبي فذهبت به إلى غار ثم أرضعته ثم جعلت على
باب الغار صخرة ثم انصرفت عنه فجعل الله رزقه في إبهامه فجعل يمصها فيشرب لبنا،
وجعل يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمة، ويشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر،
ويشب في الشهر كما يشب غيره في السنة فمكث ما شاء الله أن يمكث.
ثم
إن أمه قالت لابيه: لو أذنت لى أن أذهب إلى ذلك الصبى فأراه فعلت قال: ففعل (1)
فأتت الغار فإذا هي بإبراهيم وإذا عيناه تزهران كأنهما سراجان فأخذته وضمته إلى
صدرها وأرضعته ثم انصرفت عنه فسألها أبوه عن الصبى فقالت: قد واريته في التراب.
فمكثت تعتل فتخرج في الحاجة، وتذهب إلى إبراهيم فتضمه إليها اصل لازم وترضعه ثم
تنصرف فلما تحرك أتته أمه كما كانت تأتيه، وصنعت كما كانت تصنع فلما أرادت الانصراف
أخذ ثوبها فقالت له: مالك؟ فقال: اذهبي بى معك فقالت له: حتى استأمر أباك فلم يزل
إبراهيم في الغيبة مخفيا بشخصه كاتما لامره - حتى ظهر فصدع بأمر الله تعالى ذكره،
وأظهر الله قدرته فيه.
أقول: وروى في قصص الانبياءعن الصدوق عن أبيه وابن الوليد ثم ساق السند إلى ابى
بصير عن ابى عبد الله
(عليه السلام)
قال: كان آزر عم إبراهيم منجما لنمرود وكان لا يصدر إلا عن رأيه قال: لقد رأيت في
ليلتى عجبا قال: ما هو؟ قال: إن مولودا يولد في أرضنا هذه يكون هلاكنا على يديه
فحجب الرجال عن النساء، وكان تارخ وقع على أم ابراهيم فحملت ثم ساق الحديث إلى
آخره.
وقد
حمل وحدة السند في الحديثين، ووحدة المضمون إلا في إبى ابراهيم صاحب
* (هامش) *
(1) - أي فعل الاذن أي أذن لها.
(*)
[صفحة208 ]
البحار أن قال: الظاهر أن ما رواه الراوندي هو هذا الخبر بعينه، وإنما غيره ليستقيم
على أصول الامامية، انتهى.
ثم
حمل الرواية ما في مضمونها من الروايات الدالة على أن آزر الوثني كان والدا
لابراهيم صلبيا على التقية.
وقد
روى مثل المضمون السابق القمى في تفسيره والعياشي في تفسيره وروى من طرق أهل السنة
عن مجاهد، ورواه الطبري في تاريخه والثعلبي في قصص الانبياء عن عامة السلف وأهل
العلم.
وكيف كان فالذي ينبغى أن يقال: أن علماء الحديث والاثار كأنهم مجمعون على أن
ابراهيم
(عليه السلام)
كان في بادى عمره قد أخفى في سرب خوفا من أن يقتله الملك نمرود، ثم خرج عنه بعد حين
فحاج أباه وقومه في أمر الاصنام والكوكب والقمر والشمس وحاج الملك في دعواه
الربوبية، وقد تقدم أن سياق آيات القصة يؤيد ه ذا المعنى.
وأما أبو ابراهيم فقد ذكر أهل التاريخ أن اسمه تارخ - بالحاء المهملة أو المعجمة -
وآزر إما لقبه أو اسم صنم أو وصف ذم أو مدح بحسب لغتهم بمعنى المعتضد أو الاعرج
وصفه به ابراهيم.
وذكروا أن هذا المشرك الذى سماه القرآن أبا ابراهيم وذكر محاجته إياه كان هو تارخ
أباه الصلبى ووالده الحقيقي ووافقهم على ذلك عدة من علماء الحديث والكلام من أهل
السنة، وخالفهم جمع منهم، والشيعة كالمجمع على ذلك أو هم مجمعون إلا ما يتراءى من
بعض المحدثين حيث أو دعوا تلك الاخبار كتبهم، وعمدة ما احتج به القائلون بأن آزر
المشرك لم يكن والد ابراهيم، وإنما كان عمه أو جده لامه الاخبار الواردة من طرق
الفريقين في أن آباء النبي صلى الله عليه وآله كانوا موحدين جميعا لم يكن فيهم
مشرك، وقد طالت المشاجرة بين الفريقين.
أقول: من البحث على هذا النمط كيفما تم خارج عن البحث التفسيرى وإن كان الباحثون من
الفريقين في حاجة إلى إيراده واستنتاج حق ما ينتجه لكنا في غنى عن ذلك فقد تقدم أن
الايات دالة على أن آزر المشرك الذى يذكره الله تعالى في هذه الايات من سورة
الانعام لم يكن والدا حقيقيا لابراهيم
(عليه السلام).
[صفحة209 ]
فالروايات الدالة على كون آزر أباه الحقيقي على ما فيها من الاختلاف في سرد القصة
روايات مخالفة للكتاب لا يعبأ بها، ولا حاجة مع ذلك إلى حملها على التقية ان صح
الحمل مع هذا الاختلاف بين القوم.
وفي
تفسير القمى في قوله تعالى: وكذلك نرى إبراهيم الاية قال: حدثنى أبى عن إسماعيل بن
مرار عن يونس بن عبد الرحمن عن هشام عن أبى عبد الله
(عليه السلام)
قال: كشط له عن الارض ومن عليها، وعن السماء ومن عليها، والملك الذى يحملها، والعرش
ومن عليه، وفعل ذلك برسوله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين
(عليه السلام).
أقول وروى مثله في بصائر الدرجات بطريقين عن عبد الله بن مسكان وأبى بصير عن الصادق
(عليه السلام)
وبطريق عن عبد الرحيم عن الباقر
(عليه السلام)
ورواه العياشي عن زرارة وأبى بصير عن الصادق
(عليه السلام)
وعن زرارة وعبد الرحيم القصير عن الباقر
(عليه السلام)
ورواه في الدر المنثورعن ابن عباس ومجاهد والسدى من مفسري السلف، وسيأتى في الكلام
على العرش حديث على
(عليه السلام)
المروى في الكافي في معنى العرش وفيه قال: والذين يحملون العرش ومن حوله - هم
العلماء الذين حملهم الله علمه قال: وهو الملكوت الذى أراه الله اصفياءه، وأراه
خليله
(عليه السلام)
فقال: وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والارض وليكون من الموقنين الحديث.
وفي
الحديث تفسير سائر الاخبار الواردة في تفسير إراءة الملكوت وتأييد لما قدمناه في
البيان السابق، وسيوافيك الشرح المستوفى لهذا الحديث في سورة الاعراف إن شاء الله
تعالى.
وفي
تفسير العياشي عن أبى بصير عن أبى عبد الله
(عليه السلام)
قال: لما رأى ملكوت السماوات والارض التفت فرأى رجلا يزنى فدعا عليه فمات ثم رأى
آخر فدعا عليه فمات حتى رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا فأوحى الله إليه أن يا
إبراهيم: أن دعوتك مجابه فلا تدع على عبادي فأنى لو شئت لم أخلقهم إنى خلقت خلقي
على ثلاثة أصناف: عبد يعبدني ولا يشرك بى شيئا، وعبد يعبد غيرى فلن يفوتنى، وعبد
يعبد غيرى فاخرج من صلبه من يعبدني.
[صفحة210 ]
أقول: والرواية مستفيضة ورواه في الكافي مسندا عن أبى بصير عنه
(عليه السلام)
ورواه الصدوق في العلل عنه
(عليه السلام)
والطبرسي في الاحتجاج عن العسكري
(عليه السلام)
ورواه في الدر المنثورعن ابن مردويه عن على عن النبي صلى الله عليه وآله، وعن أبى
الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل عن النبي
صلى الله عليه وآله وعن عدة من المفسرين موقوفا.
وفي
تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أحدهما
(عليهما السلام)
قال: في إبراهيم إذ رأى كوكبا قال: إنما كان طالبا لربه ولم يبلغ كفرا، وإنه من فكر
من الناس في مثل ذلك فإنه بمنزلته.
وفي
تفسير القمى قال: وسئل أبو عبد الله
(عليه السلام)
عن قول إبراهيم: (هذا ربى) هل أشرك في قوله: هذا ربى؟ فقال: من قال هذا اليوم فهو
مشرك، ولم يكن من إبراهيم شرك، وإنما كان في طلب ربه وهو من غيره شرك.
أقول و: ويقابل الذى هو طالب من تم له البيان وقامت له الحجة الواضحة فهو غير طالب،
وليس لغير الطالب أن يفترض ما فيه شرك.
وفي
تفسير العياشي عن حجر قال: أرسل العلاء بن سيابة يسال أبا عبد الله
(عليه السلام)
عن قول إبراهيم: (هذا ربى) وأنه من قال هذا اليوم فهو عندنا مشرك، قال: لم يكن من
إبراهيم شرك إنما كان في طلب ربه، وهو من غيره شرك.
وفيه عن محمد بن حمران قال: سالت أبا عبد الله
(عليه السلام)
عن قول الله - فيما أخبر عن إبراهيم: (هذا ربى) قال: لم يبلغ به شيئا، اراد غير
الذى قال.
أقول: المراد به ظاهرا أنه أراد به أن قوله: (هذا ربى) لا يتعدى مفهوم نفسه وليس له
وراء ذلك معنى يحكى عنه أي إنه قاله على سبيل الافتراض أو تسليم المدعى لبيان فساده
بفساد لوازمه كما تقدمت الاشارة إليه.
في
الدر المنثورفى قوله تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الاية، أخرج أحمد
والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم والدار قطني في
الافراد وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الاية:
(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله
وأينا لا يظلم نفسه؟
[صفحة211 ]
قال: إنه ليس الذى تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: (إن الشرك لظلم عظيم)؟
إنما هو الشرك.
أقول: المراد بالعبد الصالح لقمان على ما حكاه الله تعالى من قوله في سورة لقمان.
وفي
الحديث دلالة على أن سورة الانعام نزلت بعد سورة لقمان، وقد تقدم أن كون المراد هو
الشرك إنما هو الانطباق بحسب المورد والشرك ذنب لا تتعلق به مغفره أصلا بخلاف غيره
كائنا ما كان، والدليل على ما ذكرنا ما يأتي من الروات.
وفيه أخرج أحد والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان
عن
جرير بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فلما برزنا من
المدينة إذا راكب يوضع نحونا فانتهى الينا فسلم فقال له النبي صلى الله عليه وآله:
من أين أقبلت؟ فقال: من أهلى و ولدى وعشيرتي أريد رسول الله.
قال: قد أصبته قال: علمني ما الايمان؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول
الله، وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت قال: قد أقررت.
ثم
ان بعيره دخلت يده في شبكة جردان فهوى ووقع الرجل على هامته فمات فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله هذا من الذين عملوا قليلا وأجروا كثيرا، هذا من الذين قال الله:
(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون) إنى رأيت الحور
العين يدخلن في فيه من ثمار الجنة فعلمت أن الرجل مات جائعا.
أقول: ورواه أيضا عن الحكيم الترمذي وابن ابى حاتم عن ابن عباس نحوه، ورواه العياشي
في تفسيره عن جابر الجعفي عمن حدثه عن النبي صلى الله عليه وآله مثله.
وفيه أخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمى ان رجلا سال عنها النبي صلى الله عليه
وآله فسكت حتى جاء رجل فأسلم فلم يلبث إلا قليلا حتى قاتل فاستشهد فقال النبي صلى
الله عليه وآله هذا منهم من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وفيه أخرج
الفاريابى وعبد بن حميد وابن أبى حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن على
بن ابى طالب في قوله: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: نزلت هذه الاية
في إبراهيم وأصحابه خاصة ليس في هذه الامة.
أقول: والرواية لا توافق بظاهرها الاصول الكلية المستخرجة من لكتاب والسنة
[صفحة212 ]
فإن
الاية لا تشتمل بمضمونها على حكم خاص تختص به أمة دون امة كالاحكام الفرعية
التشريعية التى ربما تختص بزمان دون زمان، وأما الايمان بما له من الاثر على
مراتبه، وكذا الظلم على مراتبه بما لها من سوء الاثر في الايمان فإنما ذلك أمر مودع
في الفطرة الانسانية لا يختلف باختلاف الازمنة والامم.
وقال بعض المفسرين في توجيه الحديث: لعل مراده أن الله خص إبراهيم وقومه بأمن
موحدهم من عذاب الاخرة مطلقا لا أمن الخلود فيه فقط، ولعل سبب هذا - أن صح - ان
الله تعالى لم يكلف قوم إبراهيم شيئا غير التوحيد اكتفاء بتربية شرائعهم المدنية
الشديدة لهم في الاحوال الشخصية والادبية وغيرها.
وقد
عثر الباحثون على شرائع حمورابي الملك الصالح الذى كان في عهد إبراهيم وباركه وإخذ
منه العشور - كما في سفر التكوين - فإذا هي كالتوراة في أكثر أحكامها وأما فرض الله
الحج على لسان إبراهيم فقد كان في قوم ولده اسماعيل لا في قومه الكلدانيين وأما هذه
الامة فإن من موحديها من يعذبون بالمعاصى على قدرها لانهم خوطبوا بشريعة كاملة
يحاسبون على اقامتها، انتهى.
وفي
كلامه من التحكم ما لا يخفى فقد تقدم أن الملك حمورابي هذا كان يعيش على رأس سنة
ألف وسبع مائة قبل المسيح، وإبراهيم كان يعيش على رأس الالفين قبل المسيح تقريبا
كما ذكره.
وحمورابى هذا وإن كان ملكا صالحا في دينه عادلا في رعيته ملتزما العمل بقوانين
وضعها وعمل بإجرائها في مملكته أحسن إجراء وإنفاذ وهى أقدم القوانين المدنية
الموضوعة على ما قيل إلا أنه كان وثنيا، وقد استمد بعدة من آلهة الوثنيين في ما
كتبه بعد الفراغ عن كتابة شريعته على ما عثروا عليه في الاثار المكشوفة في خرائب
بابل، والالهة التى ذكرها في بيانه الموضوع في ختام القانون، وشكرها في أن آتته
الملك العظيم ووفقته لبسط العدل ووضع الشريعة واستعان بها واستمد منها في حفظ
شريعته عن الزوال والتحريف هي (ميروداخ) إله الالهة، وأى إله القانون والعدل والاله
(زماما) والاله (إشتار) إله الحرب و (شاماش) الاله القاضى في السماء والارض و (سين)
إله السماوات، و (حاداد) إله الخصب و (نيرغال) إله النصر و (بل) إله القدر والالهة
(بيلتيس) والالهة (نينو)
[صفحة213 ]
والاله (ساجيلا) والذى ذكره من أن الله لم يكلف قوم إبراهيم شيئا غير التوحيد
اكتفاء بتربية المدنية (الخ) يكذبه أن هذا يحكى عن لسان إبراهيم
(عليه السلام)
الصلاة كما في أدعيته في سورة إبراهيم ويذكر أن الله أوحى إليه فعل الخيرات وإيتاء
الزكاة كما في سورة الانبياء، وأنه شرع الحج وأباح لحوم الانعام كما في سورة الحج،
وكان من شريعته الاعتزال عن المشركين كما في سورة الممتحنة، وكان ينهى عن كل ظلم لا
ترتضيه الفطرة كما في سورة الانعام وغيرها، ومن شرعه التطهر كما تشير إليه سورة
الحج ووردت الاخبار أنه
(عليه السلام)
شرع الحنيفية وهى عشر خصال: خمس في الرأس وخمس في البدن ومنها الختنة، وكان يحيى
بالسلام كما في سورة هود ومريم.
وقد
قال الله تعالى: ملة أبيكم إبراهيم) (الحج: 78) وقال: (قل بل ملة إبراهيم حنيفا)
(البقرة: 135) فوصف هذا الدين على ما له من الاصول والفروع بأنه ملة إبراهيم
(عليه السلام)،
وهذا وإن لم يدل على أن هذا الدين على ما فيه من تفاصيل الاحكام كان مشرعا في زمن
إبراهيم
(عليه السلام)
بل الامر بالعكس كما يدل عليه قوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا
إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) (الشورى: 13) إلا أنه يدل على أن شرائعه
راجعة إلى أصل أو أصول كلية تهدى إليها الفطرة مما ترتضيه وتأمر به أو لا ترتضيه
وتنهى عنه قال تعالى في آخر هذه السورة بعد ما ذكر حججا على الشرك وجملا من الاوامر
والنواهي الكلية مخاطبا نبيه صلى الله عليه وآله: (قل إننى هداني ربى إلى صراط
مستقيم، دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (الانعام: 161).
ولو
كان الامر على ما ذكره أن الله لم يشرع لابراهيم
(عليه السلام)
شريعة بل اكتفى بما بين يديه من القانون المدنى الدائر وهو شريعة حمورابي لكانت
الشريعة المذكورة ممضاة مصوبة من عند الله، وكانت من أجزاء دين ابراهيم
(عليه السلام)
بل الدين الاسلامي الذى شرع في القرآن لانه هو ملة ابراهيم حنيفا فكانت إحدى
الشرائع الالهية ونوعا من الكتب السماوية.
والحق الذى لا مرية فيه أن الوحى الالهى كان يعلم الانبياء السالفين وأممهم
[صفحة214 ]
أصولا كلية في المعاش والمعاد كأنواع من العبادة وسننا كلية في الخيرات والشرور
يهتدى إلى تشخيصها الانسان السليم العقل من المعاشرة الصالحة والتجنب عن الظلم
والاسراف وإعانة المستكبرين ونحوها، ثم يؤمرون بالدخول في المجتمعات بهذا التجهيز
الذى جهزوا به، والدعوة إلى أخذ الخير والصلاح ورفض الشر والفحشاء والفساد سواء
كانت المجتمعات التى دخلوا فيها يدبرها استبداد الظلمة والطغاة أو رأفة العدول من
السلاطين وسياستهم المنظمة.
ولم
يشرع تفاصيل الاحكام قبل ظهور الدين الاسلامي إلا في التوراة وفيها أحكام يشابه
بعضها بعض ما في شريعة حمورابي غير أن التوراة نزلها الله على موسى
(عليه السلام)
وكانت محفوظة في بنى إسرائيل فقدوها في فتنه بخت نصر التى أفنت جمعهم وخربت هيكلهم
ولم يبق منهم إلا شرذمة ساقتهم الاسارة إلى بابل فاستعبدوا وأسكنوا فيه إلى أن فتح
الملك كورش بابل وأعتقهم من الاسر وأجاز لهم الرجوع إلى بيت المقدس، وأن يكتب لهم
عزراء الكاهن التوراة بعد ما أعدمت نسخها ونسيت متون معارفها، وقد اعتادوا بقوانين
بابل الجارية بين الكلدانيين.
ومع
هذا الحال كيف يحكم بأن الله أمضى في الشريعة الكليمية كثيرا من شرائع حمورابي،
والقرآن إنما يصدق من هذه التوراة بعض ما فيها، وبعد ذلك كله لا مانع من كون بعض
القوانين غير السماوية مشتملا على بعض المواد الصالحة والاحكام الحقة.
وفي
الكافي بإسناده عن أبى بصير عن أبى عبد الله
(عليه السلام)
في قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: هو الشرك.
وفيه بطريق آخر عن أبى بصير عنه
(عليه السلام).
في
الاية قال: بشك.
أقول ورواه العياشي أيضا في تفسيره عن أبى بصير عنه عليه االسلام.
وفي
تفسير العياشي عن أبى بصير عن أبى عبد الله
(عليه السلام)
قال: سألت عن قول الله: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال: نعوذ بالله يا
با بصير أن نكون ممن لبس إيمانه بظلم، ثم قال: اولئك الخوارج وأصحابهم.
وفيه عن يعقوب بن شعيب عن أبى عبد الله
(عليه السلام)
في قوله: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، قال: الضلال وما فوقه.
أقول كأن المراد بالضلال في الرواية الشرك الذى هو أصل كل بما ظلم فوقه وما يزيد
عليه من المعاصي والمظالم، أو المراد بالضلال أدنى ما يتحقق به الظلم من المعاصي،
وبما فوقه الشرك الذى هو المرتبة الشديدة من الضلال فإن كل معصية ضلال.
والروايات - كما ترى - تتفنن في تفسير الظلم في الاية فتارة تفسرها بالشرك وتارة
بالشك وتارة بما عليه الخوارج، وفي بعضها: أن منه ولاية أعدائهم، وكل ذلك من شواهد
ما قدمنا أن الظلم في الاية مطلق وهو في إطلاقه ذو مراتب بحسب درجات الافهام.
(كلام في قصه ابراهيم عليه الاسلام وشخصيته) وفيه أبحاث مختلفه قرآنية واخرى علمية
وتاريخية وغير ذلك.
1 -
قصة ابراهيم
(عليه السلام)
في القرآن: كان إبراهيم
(عليه السلام)
في طفوليته إلى أوائل تمييزه يعيش في معزل من مجتمع قومه ثم خرج إليهم ولحق بأبيه
فوجده وقومه يعبدون الاصنام فلم يرتض منه ومنهم ذلك وقد كانت فطرته طاهرة زاكية
مؤيدة من الله سبحانه بالشهود الحق وإراءة ملكوت كل شئ وبالجملة وبالقول الحق
والعمل الصالح.
فأخذ يحاج أباه في عبادته الاصنام ويدعوه إلى رفضها وتوحيد الله سبحانه واتباعه حتى
يهديه إلى مستقيم الصراط ويبعده من ولاية الشيطان، ولم يزل يحاجه ويلح عليه حتى
زبره وطرده عن نفسه وأوعده أن يرجمه إن لم ينته عن ذكر آلهته بسوء والرغبة عنها.
فتلطف إبراهيم
(عليه السلام)
إرفاقا به وحنانا عليه وقد كان ذا خلق كريم وقول مرضى فسلم عليه ووعده أن يستغفر له
ويعتزله وقومه وما يعبدون من دون الله (مريم: 41، 48) وقد كان من جانب آخر يحاج
القوم في امر الاصنام (الانبياء: 51 - 56، الشعراء: 69 - 77، الصافات: 83 - 87)
ويحاج أقواما آخرين منهم يعبدون الشمس والقمر والكوكب في أمرها حتى ألزمهم الحق
وشاع خبره في الانحراف عن الاصنام والالهة (الانعام: 74 82) حتى خرج القوم ذات يوم
إلى عبادة جامعة خارج البلد واعتل هوبالسقم فلم يخرج معهم وتخلف عنهم فدخل بيت
الاصنام فراغ على آلهتهم ضربا باليمين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه
يرجعون فلما تراجعوا وعلموا بما حدث بالهتهم وفتشوا عمن ارتكب ذلك قالوا سمعنا فتى
يذكرهم يقال له إبراهيم.
[صفحة216 ]
فأحضروه إلى مجمعهم فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون فاستنطقوه فقالوا أأنت
فعلت هذا بالهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فأسالوهم إن كانوا ينطقون، وقد
كان أبقى كبير الاصنام ولم يجذه ووضع الفاس على عاتقه أو ما يقرب من ذلك ليشهد
الحال على أنه هو الذى كسر سائر الاصنام.
وإنما قال
(عليه السلام)
ذلك وهو يعلم أنهم لا يصدقونه على ذلك وهم يعلمون أنه جماد لا يقدر على ذلك لكنه
قال ما قال ليعقبه بقوله: فاسألوهم إن كانوا ينطقون حتى يعترفوا بصريح القول بأنهم
جمادات لا حياة لهم ولا شعور، ولذلك لما سمعوا قوله رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم
إنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال: أفتعبدون من دون
الله ما لا يضركم ولا ينفعكم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون أتعبدون
ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون.
قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم فبنوا له بنيانا وأسعروا فيه جحيما من النار وقد تشارك
في أمره الناس جميعا وألقوه في الجحيم فجعله الله بردا عليه وسلاما وأبطل كيدهم
(الانبياء: 57 - 70، الصافات: 88 - 98) وقد أدخل في خلال هذه الاحوال على الملك،
وكان يعبده القوم ويتخذونه ربا فحاج إبراهيم في ربه فقال إبراهيم ربى الذى يحيى
ويميت فغالطه الملك وقال: أنا أحيى وأميت كقتل الاسير واطلاقه فحاجه إبراهيم بأصرح
ما يقطع مغالطته فقال: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى
كفر (البقرة: 258).
ثم
لما أنجاه الله من النار أخذ يدعو إلى الدين الحنيف دين التوحيد فآمن له شرذمة
قليلة وقد سمى الله تعالى منهم لوطا ومنهم زوجته التى هاجر بها وقد كان تزوج بها
قبل الخروج من الارض إلى الارض المقدسة (1).
ثم
تبرا هو
(عليه السلام)
من معه من المؤمنين من قومهم وتبرأ هو من آزر الذى كان
* (هامش) *
(1) الدليل على ايمان جمع من قومه به قوله تعالى: (قد كان لكم اسوة حسنة في ابراهيم
والذين معه إذ قالو لقومهم انا براء منكم) (الممتحنة: 4) ولدليل على قبل الخروج إلى
الارض المقدسة سواله الوله الصالح من ربه في قوله: (وقال انى ذاهب إلى ربى سيهدين
رب هب لى من الصالحين: 100).
(*)
[صفحة217 ]
يدعوه أبا ولم يكن بوالده الحقيقي (1) وهاجر ومعه زوجته ولوط إلى الارض المقدسة
ليدعو الله سبحانه من غير معارض يعارضه من قومه الجفاة الظالمين (الممتحنة: 4
الانبياء: 71) وبشره الله سبحانه هناك بإسماعيل وباسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وقد
شاخ وبلغه كبر السن فولد له اسماعيل ثم ولد له إسحاق وبارك الله سبحانه فيه وفي
ولديه وأولادهما.
ثم
إنه
(عليه السلام)
بأمر من ربه ذهب إلى أرض مكة وهى واد غير ذى زرع فأسكن فيه ولده اسماعيل وهو صبى
ورجع إلى الارض المقدسة فنشأ إسماعيل هناك واجتمع عليه قوم من العرب القاطنين هناك
وبنيت بذلك بلدة مكة.
وكان
(عليه السلام)
ربما يزور إسماعيل في إرض مكة قبل بناء مكة والبيت وبعد ذلك (البقرة: 126، إبراهيم:
35 - 41) ثم بنى بها الكعبة البيت الحرام بمشاركة من إسماعيل وهى أول بيت وضع للناس
من جانب الله مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا
(البقرة: 127 - 129، آل عمران: 96 - 97) وأذن في الناس بالحج وشرع نسك الحج (الحج
26: 30).
ثم
أمره الله بذبح ولده إسماعيل
(عليهما السلام)
فخرج معه للنسك فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك قال يا
أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين نودى أن
يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا وفداه الله سبحانه بذبح عظيم (الصافات: 101 - 107).
وآخر ما قص القرآن الكريم من قصصه
(عليه السلام)
أدعيته في بعض أيام حضوره بمكة المنقولة في سورة أبراهيم (آية 35 - 41) وآخر ما ذكر
فيها قوله
(عليه السلام):
(ربنا اغفر لى ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب).
منزلة إبراهيم عند الله سبحانه وموقفه العبودي: أثنى الله تعالى على إبراهيم
(عليه السلام)
في كلامه أجمل ثناء وحمد محنته في جنبه أبلغ الحمد، وكرر ذكره باسمه في نيف وستين
موضعا من كتابه وذكر من مواهبه ونعمه عليه شيئا كثيرا.
وهاك جملا من ذلك: أتاه الله رشده من قبل (الانبياء: 51) واصطفاه في الدنيا وإنه في
الاخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين (البقرة: 130 -
131) وهو الذى وجه وجهه إلى ربه
* (هامش) *
(1) وقد تقدم استفادة ذالك من دعائه المنقول في سورة ابراهيم (*).
حنيفا وما كان من المشركين (الانعام: 79) وهو الذى اطمأن قلبه بالله وأيقن به بما
أراه الله من ملكوت السماوات والارض (البقرة: 260، الانعام: 75).
واتخذه الله خليلا (النساء: 125) وجعل رحمته وبركاته عليه وعلى أهل بيته ووصفه
بالتوفية (النجم: 37) ومدحه بأنه حليم أواه منيب (هود: 73 - 75) ومدحه أنه كان أمة
قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لانعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم
وآتاه في الدنيا حسنة وإنه في الاخرة لمن الصالحين النحل: 120 - 122).
وكان صديقا نبيا (مريم: 41) وعده الله من عباده المؤمنين ومن المحسنين وسلم عليه
(الصافات: 83 - 111) وهو من الذين وصفهم بأنهم أولوا الايدى والابصار وأنه أخلصهم
بخالصة ذكرى الدار (ص: 45 - 46).
وقد
جعله الله للناس إماما (البقرة: 124) وجعله أحد الخمسة أولى العزم الذين آتاهم
الكتاب والشريعة (الاحزاب: 7، الشورى: 13، الاعلى: 18 - 19) وآتاه الله العلم
والحكمة والكتاب والملك والهداية وجعلها كلمة باقية في عقبه (النساء: 54، الانعام:
74 - 90) الزخرف: 28) وجعل في ذريته النبوة والكتاب (الحديد: 26) وجعل له لسان صدق
في الاخرين (الشعراء: 84، مريم: 50) فهذه جمل ما منحه الله سبحانه من المناصب
الالهية ومقامات العبودية ولم يفصل القرآن الكريم في نعوت أحد من الانبياء والرسل
المكرمين وكراماتهم ما فصل من نعوته وكراماته
(عليه السلام).
وليراجع في تفسير كل من مقاماته المذكورة إلى ما شرحناه في الموضع المختص به فيما
تقدم أو سنشرحه إن شاء الله تعالى فالاشتغال به ههنا يخرجنا عن الغرض المعقود له
هذه الابحاث.
وقد
حفظ الله سبحانه حياته الكريمة وشخصيته الدينية بما سمى هذا الدين القويم بالاسلام
كما سماه
(عليه السلام)
ونسبه إليه قال تعالى: ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل) (الحج: 78)
وقال: (قل اننى هداني ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من
المشركين) (الانعام: 161).
وجعل الكعبة البيت الحرام الذى بناها قبلة للعالمين وشرع مناسك الحج وهى في حقيقة
أعمال ممثلة لقصه إسكانه ابنه وام ولده وتضحية ابنه إسماعيل وما سعى به إلى ربه
والتوجه له وتحمل الاذى والمحنة في ذاته كما تقدمت الاشارة إليه في تفسير قوله
تعالى: (وإذ
جعلنا البيت مثابة للناس) الاية (البقرة: 125) في الجزء الاول من الكتاب.
3 -
أثره المبارك في المجتمع البشرى: ومن مننه
(عليه السلام)
السابغه أن دين التوحيد ينتهى إليه أينما كان وعند من كان فإن الدين المنعوت
بالتوحيد اليوم هو دين اليهود، وينتهى إلى الكليم موسى بن عمران
(عليه السلام)
وينتهى نسبه إلى اسرائيل يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم
(عليه السلام)،
ودين النصرانية وينتهى إلى المسيح عيسى بن مريم
(عليهما السلام)
وهو من ذرية ابراهيم
(عليه السلام)،
ودين الاسلام والصادع به هو محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وينتهى نسبه إلى
إسماعيل الذبيح بن ابراهيم الخليل
(عليهما السلام)،
فدين التوحيد في الدنيا أثره الطيب المبارك، ويشاهد في الاسلام من شرائعه الصلاة
والزكاة والحج وإباحة لحوم الانعام والتبرئ من أعداء الله، والسلام، والطهارات
العشر الحنيفية البيضاء خمس (1) منها في الرأس وخمس منها في البدن: أما التى في
الرأس فأخذ الشارب وإعفاء اللحى وطم الشعر والسواك والخلال وأما التى في البدن فحلق
الشعر من البدن والختان وتقليم الاظفار والغسل من الجنابة والطهور بالماء.
والبحث المستوفى يؤيد أن السنن الصالحة من الاعتقاد والعمل في المجتمع البشرى كائنة
ما كانت من آثار النبوة الحسنة كما تكررت الاشارة إليه في المباحث المتقدمة،
فلابراهيم
(عليه السلام)
الايادي الجميلة على جميع البشر اليوم علموا بذلك أو جهلوا.
4 -
ما تقصه التوراة الموجودة في إبراهيم: قالت التوراة: (وعاش تارح (أبو إبراهيم)
سبعين سنة وولد أبرام وناحور وهاران، وهذه مواليد تارح: ولد تارح أبرام وناحور
وهاران، وولد هاران لوطا، ومات هاران قبل أبيه في أرض ميلاده في (أور) الكلدانيين
واتخذ أبرام وناحور لانفسهما امرأتين اسم امرأة أبرام (ساراى) واسم امرأة ناحور
ملكه بنت هاران أبى ملكة وأبى بسكة، وكانت ساراى عاقر ا ليس لها ولد وأخذ تارح
أبرام ابنه ولوطا بن هاران ابن ابنه، وساراى كنته امرأة أبرام ابنه فخرجوا معا من
أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك، وكانت أيام
تارح مائتين وخمس سنين، ومات تارح في حاران.
قالت التوراة: وقال الرب لابرام: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت
* (هامش) *
(1) رواهافى مجمع البيان نقلا عن تفسير القمى.
(*)
[صفحة220 ]
أبيك إلى الارض التى أريك فأجعلك أمة عظيمة واباركك واعظم اسمك وتكون بركة وابارك
مباركيك، ولاعنك ألعنه، ويتبارك فيك جميع قبائل الارض، فذهب أبرام كما قال له الرب،
وذهب معه لوط، وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران فأخذ أبرام ساراى
امرأته ولوطا ابن أخيه وكل مقتنياتهما التى اقتنيا والنفوس التى امتلكا في حاران،
وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى أرض كنعان.
واجتاز أبرام في أرض إلى مكان (شكيم) إلى (بلوطه مورة) وكان الكنعانيون حينئذ في
الارض، وظهر الرب لابرام وقال: لنسلك اعطى هذه الارض فبنى هناك مذبحا للرب الذى ظهر
له، ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي (بيت إيل) ونصبت خيمته وله (بيت إيل) من المغرب
و (عاى) من المشرق فبنى هناك مذبحا للرب ودعا باسم الرب، ثم ارتحل أبرام ارتحالا
متواليا نحو الجنوب.
وحدث جوع في الارض فانحدر أبرام إلى مصر ليغرب هناك - لان الجوع في الارض كان
شديدا، وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراى امرأته: إنى قد علمت أنك أمراة
حسنة المنظر فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون هذه امرأته فيقتلوننى ويستبقونك،
قولى: إنك اختى ليكون لى خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك، فحدث لما دخل أبرام إلى
مصرأن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون
فاخذت المرأة إلى بيت فرعون فصنع إلى أبرام خيرا بسببها وصار له غنم وبقر وحمير
وعبيد وإماء واتن وجمال.
فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراى امرأة أبرام فدعا فرعون أبرام وقال:
ما هذا الذى صنعت لى؟ لما ذا لم تخبرني أنها امرأتك؟ لما ذا قلت: هي اختى أخذتها
لتكون زوجتى؟ والان هو ذا امرأتك خذها واذهب، فأوصى عليه رجالا فشيعوه وامرأته وكل
ما كان له.
ثم
ذكرت التورات: أن أبرام خرج من مصر ومعه سارى ولوط ومعهم الاغنام والخدم والاموال
العظيمه ووردوا (بيت أيل) و (عاى) ثم بعد حين تفرق هوو لوط لان الارض ما كانت
تسعهما فسكن أبرام كنعان، وكان الكنعانيون والفرزيون ساكنون هناك، ونزل لوط أرض
سدوم.
[صفحة221 ]
ثم
ذكرت: أنه في تلك الايام نشبت حرب في أرض سدوم بين (أمرافل) ملك شنعار ومعه انهزاما
فاحشا وهربوا من الارض بعد ما قتل من قتل منهم ونهبت أموالهم وسبيت نسائهم
وزررايهم، وكان فيمن أسر لوط وجميع أهله ونهبت أمواله قالت التوراة: فأتى من نجى
وأخبر أبرام العبراني وكان ساكنا عند (بلوطات ممري) الامورى أخاه سى جر غلمانه
المترنين والدان بيته ثلاث مائة وثمانية عشر وتبعهم إلى (دان) وانقسم عليهم هو
وعبيده فكسرهم وتبعهم إلى (حوبة) التى عن شمال دمشق واسترجع كل الاموال واسترجع
لوطا أخاه أيضا وأملا كه والنساء أيضا والشعب.
فخرج ملك سدوم لاستقباله بعد رجوعه من كسرة (كدر لعومر) والملوك الذين معه الى عمق
(شوى) الذي هو عمق الملك، وملكي (1) (شاليم) أخرج خبزا وخمرا وكان كاهنا لله العلى
وباركه وقال: مبارك أبرام من الله العلى مالك السماوات والارض ومبارك الله العلى
الذى أسلم أعداءك في يدك فأعطاه عشرا من كل شئ.
وقال ملك سدوم لابرام: أعطني النفوس، وأما ألاملاك فخذها لنفسك فقال أبرام لملك
سدوم: رفعت يدى إلى الرب الاله العلى ملك السماء والارض لا آخذن لا خيطا ولا شراك
نعل ولا من كل ما هو لك فلا تقول: أناأغنيت أبرام ليس لى غير الذى أكله الغلمان
وأما نصيب الرجال الذين ذهبوا معى (عابر) و (أسلول) و (ممرا) فهم يأخذون نصيبهم.
إلى
أن قالت: وأما ساراى فلم تلد له وكانت لها جارية مصرية اسمها هاجر فقالت ساراى
لابرام: هو ذا الرب قد امسكني عن الولادة ادخل على جاريتي لعلى ارزق منها بنين فسمع
أبرام لقول ساراى فأخذت ساراى امرأة أبرام هاجر المصرية جاريتها من بعد عشر سنين
لاقامة أبرام في أرض كنعان وأعطتها لابرام رجلها زوجة له فدخل على هاجر فحبلت.
ثم
ذكرت: أن هاجر لما حبلت حقرت ساراى واستكبرت عليها فشكت ساراى
* (هامش) *
(1) اسم لاحد الملوك المعاصر له
(عليه السلام).
(*)
[صفحة222 ]
ذلك
إلى أبرام ففوض أبرام أمرها إليها فهربت هاجر منها فلقيها ملك فأمرها بالرجوع إلى
سيدتها وأخبرها أنها ستلد ولدا ذكرا وتدعو اسمه إسماعيل لان الرب قد سمع لمذلتها،
وأنه يكون إنسانا وحشيا يضاد الناس ويضادونه، وولدت هاجر لابرام ولدا وسماه أبرام
إسماعيل وكان أبرام ابن ست وسبعين سنة لمات ولدت هاجر اسماعيل لابرام.
قالت التوراة: ولما كان أبرام ابن تسع وتسعين سنة ظهر الرب لابرام وقال له: أنا
الله القدير سرأمامى وكن كاملا فأجعل عهدي بينى وبينك وأكثرك كثيرا جدا فسقط أبرام
على وجهه وتكلم الله معه قائلا أما أنا فهو ذا عهدي معك وتكون أبا لجمهور من الامم،
فلا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك ابراهيم لانى أجعلك أبا لجمهور من الامم
وأثمرك كثيرا جدا وأجعلك امما وملوك منك يخرجون، واقيم عهدي بينى وبينك وبين نسلك
من بعدك في أجيالهم عهدا أبديا لاكون إلها لك ولنسلك من بعدك وأعطى لك ولنسلك من
بعد أرض غربتك كل أرض كنعان ملكا أبديا واكون إلههم.
ثم
ذكرت: أن الرب جعل في ذلك عهدا بينه وبين إبراهيم ونسله أن يختتن هو وكل من معه
ويختنوا أولادهم اليوم الثامن من الولادة فختن إبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة وختن
ابنه إسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة وسائر الذكور من بنيه وعبيده قالت التوراة:
وقال الله لابراهيم: ساراى إمرأتك لا تدعو اسمها ساراى بل اسمها سارة وأباركها
وأعطيت أيضا منها ابنا، وأباركها فتكون أمما وملوك شعوب منها يكونون، فسقط إبراهيم
على وجهه وضحك وقال في قلبه: وهل يولد لابن مائة سنة؟ هل تلد سارة وهى بنت تسعين
سنة؟.
وقال إبراهيم لله: ليت اسماعيل يعيش أمامك فقال الله: بل سارة إمرأتك تلد لك ابنا
وتدعو اسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهدا أبديا لنسله من بعده وأما إسماعيل فقد سمعت
لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا، أثنا عشر رئيسا يلد وأجعله أمة
كبيرة، ولكن عهدي اقيمه مع إسحاق الذى تلده سارة في هذا الوقت في السنة الاتية،
فلما فرغ من الكلام معه صعد الله عن إبراهيم.
ثم
ذكرت قصة نزول الرب مع الملكين لاهلاك أهل سدوم قوم لوط وأنهم وردوا على إبراهيم
فضافهم وأكلوا من الطعام الذى عمله لهم من عجل قتله والزبد واللبن اللذين
[صفحة223 ]
قدمهما إليهم ثم بشروه وبشروا سارة بإسحاق وذكروا أمر قوم لوط فجادلهم إبراهيم في
هلاكهم فأقنعوه وكان بعده هلاك قوم لوط.
ثم
ذكرت أن إبراهيم انتقل إلى أرض (حرار) وتغرب فيها وأظهر لملكه (أبى مالك) أن سارة
اخته فأخذها الملك منه فعاتبها الرب في المنام فأحضر إبراهيم وعاتبه على قوله أنها
اختى فاعتذر أنه إنما قال ذلك خوفا من القتل واعترف أنه في الحقيقة اخته من أبيه
دون امه تزوج بها فرد إليه سارة وأعطاهما مالا جزيلا (نظير ما قص في فرعون).
قالت التورات: وافتقد الرب سارة كما قال وفعل الرب لسارة كما تكلم فحبلت سارة وولدت
لابراهيم ابنا في شيخوخته في الوقت الذى تكلم الله عنه ودعا إبراهيم اسم ابنه الذى
ولدته له سارة إسحاق، وختن إبراهيم إسحاق ابنه وهو ابن ثمانية أيام كما أمره الله،
وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه، وقالت سارة: فقد صنع إلى الله
ضحكا كل من يسمع يضحك لى، وقالت من قال لابراهيم: سارة ترضع بنين حتى ولدت ابنا في
شيخوخته فكبر الولد وفطم وصنع إبراهيم وليمة عظيمة يوم فطام إسحاق.
ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذى ولدته لابراهيم يمزح فقالت لابراهيم: اطرد هذه
الجارية وابنها لان ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني اسحاق فقبح الكلام جدا في عينى
ابراهيم لسبب ابنه فقال الله لابراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل
جاريتك في كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها لانه بإسحاق يدعى لك نسل وابن الجارية
أيضا سأجعله أمة لانه نسلك.
فبكر إبراهيم صباحا وأخذ خبزا وقربة ماء و أعطاهما لهاجر واضعا أياهما على كتفها
والولد - وصرفها فمضت وتاهت في برية بئر سبع ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد
تحت إحدى الاشجار ومضت وجلست مقابله بعيدا نحو رمية قوس لانها قالت: لا أنظر موت
الولد فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت فسمع الله صوت الغلام ونادى ملاك الله هاجر من
السماء، وقال لها: ما لك يا هاجر؟ لا تخافى لان الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو
قومي واحملي الغلام وشدي يدك به لانى سأجعله امة عظيمة، وفتح الله عينيها فأبصرت
بئر ماء فذهبت وملات القربة ماء وسقت الغلام، وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في
[صفحة224 ]
البرية، وكان ينمو رامى قوس، وسكن في برية فاران، وأخذت له امه زوجة من أرض مصر
(1).
قالت التوراة: وحدث بعد هذه الامور أن الله امتحن إبراهيم فقال له: يا إبراهيم
فقال: ها أنا ذا فقال: خذ ابنك وحيدك الذى تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده
هناك محرقة على أحد الجبال الذى أقول لك، فبكر إبراهيم صباحا وشد على حماره وأخذ
اثنين من غلمانه معه وإسحاق معه وشقق حطبا لمحرقة وقام وذهب إلى الموضع الذى قال له
الله، وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد فقال إبراهيم
لغلاميه: إجلسا أنتما هينها مع الحمار، أما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد ونرجع
إليكما، فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحاق ابنه وأخذ بيده النار والسكين
فذهبا كلاهما معا، وكلم إسحاق أباه إبراهيم وقال له: يا أبى فقال: ها أنا ذا يا
ابني فقال: هو ذا النار والحطب ولكن أين الخروف للمحرقة؟ فقال إبراهيم: الله يرى له
الخروف للمحرقة يا ابني فذهبا كلاهما معا.
فلما أتيا إلى الموضع الذى قال له الله بنى هنالك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط
إسحاق ابنه ووضعه على المذبح فوق الحطب ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين لذبح ابنه
فناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم إبراهيم ! فقال: ها أنا ذا، فقال: لا تمد
يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا لانى الان علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك
عنى فرفع ابراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه فذهب ابراهيم
وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضا عن ابنه فدعا ابراهيم اسم ذلك الموضع (يهوه برأه) حتى
أنه يقال اليوم في جبل الرب (برى)، ونادى ملاك الرب ابراهيم ثانية من السماء وقال:
بذاتى أقسمت يقول الرب: إنى من أجل أنك فعلت هذا الامر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك
مباركة وأكثر نسلك تكثيرا - كنجوم السماء وكالرمل الذى على شاطئ البحر ويرث نسلك
باب أعدائه ويتبارك في نسلك جميع أمم الارض من أجل أنك سمعت لقولي ثم رجع ابراهيم
إلى غلاميه فقاموا وذهبوا معا إلى بئر سبع وسكن ابراهيم في بئر سبع.
ثم
ذكرت تزويجه إسحاق من عشيرته بكلدان، ثم موت سارة وهى بنت مائة وسبع وعشرين في
حبرون، ثم ازدواج ابراهيم بعدها بقطورة وإيلادها عدة من البنين، ثم موت ابراهيم وهو
ابن مائة وخمس وسبعين سنة، ودفن ابنيه اسحاق وإسماعيل إياه في غار (مكفيلة) وهو
مشهد الخليل اليوم.
فهذه خلاصة قصص ابراهيم
(عليه السلام)
وتاريخ حياته المورد في التوراة (سفر التكوين الاصحاح الحادى عشر - الاصحاح الخامس
والعشرون) وعلى الباحث الناقد أن يطبق ما ورد منه فيها على ما قصه القرآن الكريم ثم
يرى رأيه.
5 -
الذى تشتمل عليه من القصة المسرودة على ما فيها من التدافع بين جملها والتناقض بين
أطرافها مما يصدق القرآن الكريم فيما ادعاه أن هذا الكتاب المقدس لعبت به أيدى
التحريف.
فمن
عمدة ما فيها من المغمض أنها أهملت ذكر مجاهداته في أول أمره وحجاجاته قومه وما
قاساه منهم من المحن والاذايا، وهى طلائع بارقة لماعة من تاريخه
(عليه السلام).
ومن
ذلك إهمالها ذكر بنائه الكعبة المشرفة وجعله حرما آمنا وتشريعه الحج، ولا يرتاب أي
باحث دينى ولا ناقد اجتماعي أن هذا البيت العتيق الذى لا يزال قائما على قواعده منذ
أربعه آلاف سنة من أعظم الايات الالهية التى تذكر أهل الدنيا بالله سبحانه وآياته،
وتستحفظ كلمة الحق دهرا طويلا، وهو أول بيت لله تعالى وضع للناس مباركا وهدى
للعالمين.
وليس إهمال ذكره إلا لنزعة إسرائيلية من كتاب التوراة ومؤلفيها دعتهم إلى الصفح عن
ذكر الكعبة؟ وإحصاء ما بناه من المذابح ومذبح بناه بأرض شكيم، وآخر بشرقي بيت إيل
و، آخر بجبل الرب.
ثم
الذى وصفوا به النبي الكريم اسماعيل: أنه كان غلاما وحشيا يضاد الناس ويضادونه، ولم
يكن له من الكرامة إلا أنه كان مطرودا من حضره أبيه نما رامى قوس ! يريدون ليطفئوا
نور الله بافواههم والله متم نوره.
ومن
ذلك: ما نسبته إليه مما لا يلائم مقام النبوة ولا روح التقوى والفتوة
[صفحة226 ]
كقولها: إن ملكى صادق ملك (شاليم) اخرج إليه خبزا وخمرا وكان كاهنا لله العلى
وباركه (1).
ومن
ذلك قولها: أن ابراهيم أخبر تارة رؤساء فرعون مصر أن سارة اخته ووصى سارة أن تصدقه
في ذلك إذ قال لها: قولى: إنك اختى ليكون لى خير بسببك، وتحيا نفسي من أجلك، وأظهر
تارة اخرى لابي مالك ملك حرار أنها اخته، فأخذها للزوجية فرعون تارة، وأبى مالك
اخرى، ثم ذكرت التوراة تأول إبراهيم في قوله: (إنها اختى) مرة بأنها اختى في الدين،
واخرى أنها ابنة أبى من غير امى فصارت لى زوجة.
وأيسر ما في هذا الكلام أن يكون إبراهيم (وحاشا مقام الخليل) يعرض زوجته سارة
لامثال فرعون وأبى مالك مستغلا بها حتى يأخذاها زوجة وهى ذات بعل وينال هو بذلك
جزيل العطاء ويستدرهما بما عندهما من الخير !.
على
أن كلام التوراة صريح في أن سارة كانت عندئذ وخاصة حينما أخذها أبى مالك عجوزا قد
عمرت سبعين أو اكثر، والعادة تقضى أن المرأة تفتقد في سن العجائز نضارة شبابها
ووضاءة جمالها، والملوك والجبابرة المترفون لا يميلون إلى غير الفتيات البديعة
جمالا الطرية حسنا.
وربماوجد ما يشاكل هذا المعنى في بعض الروايات ففى صحيحي البخاري ومسلم عن أبى
هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لم يكذب ابراهيم النبي
(عليه السلام)
قط إلا ثلاث كذبات
* (هامش) *
(1) - ربما وجهوا ان ملكى صادق هذا كاهن الرب هو (امراقل) ملك شنعار النذكور في اول
القصة وهو (حمورابي) الملك صاحب الشريعة الذى هو احد السلالة الاولى من ملوك بابل،
وقد اختلف في تاريخ ملكه اختلافا شديدا لا ينطبق اكثر ما قيل فيه زمان حياة ابراهيم
وهو (200) ق م فقد ذكر في كتاب العرب قبل الاسلام انه تملك بابل سنة 2287 - 2232 ق
م وفى شريعة حمورابي نقلا عن اقدم شرائع العالم للاستاذ ف.
ادوارد ان سنى ملكه 2205 - 2167 ق.
م، وفى قاموس اعلام الشرق والغرب انه تولى سلطنة بابل سن 17278 - 1686 ق.
م وفى قاموس الكتاب المقدس اته تولاها سنة 1975 - 1920 ق م.
واوضح ما ينافى هذا الحدث ان الذى اكتشفو من النصب في خرائب بابل وعليها شريعة
حمورابي تشتمل على ذكر عدة من آلهة البابليين، ويدل على كون حمورابي من الوثنيين،
ولا يستقيم عليه ان يكون كاهنا للرب.
(*)
[صفحة227 ]
اثنتين في ذات الله: قوله (إنى سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وواحدة في شأن
سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن
يعلم أنك امرأتي يغلبنى عليك فإن سألك فاخبريه أنك أختى فإنك اختى في الاسلام فإنى
لا أعلم في الارض مسلما غيرك وغيري، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال
له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغى لها ان تكون إلا لك فأرسل إليها فاتى بها فقام
إبراهيم إلى الصلاة فلما دخلت عليه لم يتمالك ان بسط يده إليها فقبضت يده قبضة
شديدة فقال لها: ادعى الله ان يطلق يدى ولا أضرك ففعلت فعاد فقبضت اشد من القبضتين
(1) الاوليين فقال: ادعى الله ان يطلق يدى فلك الله ان لا أضرك ففعلت فاطلقت يده
ودعا الذى جاء بها فقال له إنك إنما اتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان فأخرجها من
ارضى واعطها هاجر.
قال
فأقبلت تمشى فلما رآها ابراهيم
(عليه السلام)
انصرف وقال لها: مهيم فقالت: خيرا كف الله يد الفاجر واخدم خادما.
قال
أبو هريرة: فتلك امكم يا بنى ماء السماء.
وفي
صحيح البخاري بطرق كثيرة عن انس وابى هريرة، وفي صحيح مسلم عن ابى هريرة و حذيفة،
وفي مسند احمد عن انس وابن عباس واخرجه الحاكم عن ابن مسعود و الطبراني عن عبادة بن
الصامت وابن ابى شيبة عن سلمان، والترمذي عن ابى هريرة، وابو عوانة عن حذيفة عن ابى
بكر حديث شفاعة النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة، وهو حديث طويل فيه ان اهل
الموقف يأتون الانبياء واحدا بعد واحد يسألونهم الشفاعة عند الله، وكلما اتوا نبيا
وسألوه الشفاعة، ردهم إلى من بعده واعتذر بشئ من عثراته حتى ينتهوا إلى خاتم
النبيين محمد صلى الله عليه وآله فيجيبهم إلى مسألتهم وفي الحديث: انهم يأتون
إبراهيم
(عليه السلام)
يطلبون منه ان يشفع لهم عند الله فيقول لهم: لست هناكم إنى كذبت ثلاث كذبات: قوله
(انى سقيم) وقوله (بل فعله كبيرهم هذا) وقوله لامرأته (اخبريه انى اخوك).
والاعتبار الصحيح لا يوافق مضمون الحديثين كما ذكره بعض الباحثين إذ لو كان المراد
بهما ان الاقاويل الثلاث التى وصفت فيهما انها كذبات ليست كذبات حقيقية بل من قبيل
التوريات والمعاريض البديعي كما ربما يلوح من بعض الفاظ الحديث كالذى ورد في
* (هامش) *
(1) - كذا في الاصل المنقول عنه وكأن فيع سقطا.
(*)
[صفحة228 ]
بعض
طرقه من قول النبي صلى الله عليه وآله: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في
ذات الله) وكذا قوله صلى الله عليه وآله: (مامنها كذبة إلا ماحل (1) بها عن دين
الله) فما بال ابراهيم في حديث القيامة يعدها ذنوبا لنفسه ومانعة عن القيام بأمر
الشفاعة ويعتذر بها عنها؟ فإنها على هذا التقدير كانت من محنه في ذات الله وحسناته
في الدين لو جاز لنبى من الانبياء أن يكذب لمصلحة الدين لكنك قد عرفت في ما تقدم من
مباحث النبوة في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن ذلك مما لا يجوز على الانبياء
(عليهم السلام)
قطعا لاستيجابه سلب الوثوق عن إخباراتهم وأحاديثهم من أصلها.
على
أن هذا النوع من الاخبار لو جاز عده كذبا ومنعه عن الشفاعة عند الله سبحانه كان
قوله
(عليه السلام)
لما رأى كوكبا والقمر والشمس: هذا ربى وهذا ربى أولى بأن يعد كذبا مانعا عن الشفاعة
المنبئة عن القرب من الله تعالى.
على
أن قوله
(عليه السلام)
على ما حكاه الله تعالى بقوله: (فنظر نظرة في النجوم فقال إنى سقيم) لا يظهر بشئ من
قرائن الكلام كونه كذبا غير مطابق للواقع فلعله
(عليه السلام)
كان سقيما بنوع من السقم لا يحجزه عما هم به من كسر الاصنام.
وكذا قوله
(عليه السلام)
للقوم إذ سألوه عن أمر الاصنام المكسورة بقولهم: (ءأنت فعلت هذا بآلهتنا يا
إبراهيم) فأجابهم وهم يعلمون أن أصنامهم من الجماد الذى لا شعور فيه ولا إرادة له:
(بل فعله كبيرهم هذا) ثم أردفه بقوله: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) لا سبيل إلى عده
كذبا فإنه كلام موضوع مكان التبكيت مسوق لالزام الخصم على الاعتراف ببطلان مذهبه،
ولذا لم يجد القوم بدا دون أن اعترفوا بذلك فقالوا: (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال
أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم اف لكم ولما تعبدون من دون الله)
(الانبياء: 67).
ولو
كان المراد أن الاقاويل الثلاث كذبات حقيقية كان ذلك من المخالفة الصريحة لكتاب
الله تعالى، ونحيل ذلك إلى فهم الباحث الناقد فليراجع ما تقدم في الفصل 2 من الكلام
في منزلة إبراهيم
(عليه السلام)
عند الله تعالى وموقفه العبودي مما أثنى الله عليه بأجمل الثناء وحمد مقامه أبلغ
الحمد.
* (هامش) *
(1) أي جادل.
[صفحة229 ]
وليت شعرى كيف ترضى نفس باحث ناقد أو تجوز أن ينطبق مثل قوله تعالى: (واذكر الكتاب
ابراهيم إنه كان صديقا نبيا) (مريم 41) على رجل كذاب يستريح إلى كذب القول كلما
ضاقت عليه المذاهب؟ أو كيف يمدح الله بتلك المدائح الكريمة رجلا لا يراقب الله
سبحانه في حق أو صدق (حاشا ساحة خليل الله عن ذلك).
وأما الاخبار المروية عن أئمة أهل البيت
(عليهم السلام)
فإنها تصدق التوراة في أصل القصة غير أنها تجل إبراهيم
(عليه السلام)
عما نسب إليه من الكذب وسائر ما لا يلائم قدس ساحته، ومن أجمع ما يتضمن قصة الخليل
(عليه السلام)
ما في الكافي عن على عن أبيه وعدة من أصحابنا عن سهل جميعا عن ابن محبوب عن إبراهيم
بن زيد الكرخي قال: سمعت أبا عبد الله
(عليه السلام)
يقول: إن إبراهيم
(عليه السلام)
كان مولده بكوثار (1) وكان أبوه من أهلها، وكانت ام ابراهيم وام لوط
(عليهما السلام)
وسارة وورقة - وفي نسخة رقبة - اختين وهما ابنتان للاحج، وكان لاحج نبيا منذرا ولم
يكن رسولا.
وكان إبراهيم
(عليه السلام)
في شبيبته على الفطرة التى فطر الله عزوجل الخلق عليها حتى هداه الله تبارك وتعالى
إلى دينه واجتباه، وأنه تزوج سارة ابنة لاحج وهى ابنة خالته وكانت سارة صاحبة ماشية
كثيرة وأرض واسعة وحال حسنة، وكانت قد ملكت إبراهيم جميع ما كانت تملكه فقام فيه
وأصلحه وكثرت الماشية والزرع - حتى لم يكن بأرض كوثاريا رجل أحسن حالا منه.
وإن
إبراهيم
(عليه السلام)
لما كسر أصنام نمروذ وأمر به نمروذ فأوثق وعمل له حيرا (2) وجمع له فيه الحطب وألهب
فيه النار ثم قذف إبراهيم
(عليه السلام)
في النار لتحرقه ثم اعتزلوها حتى خمدت النار ثم أشرفوا على الحير فإذا هم بإبراهيم
(عليه السلام)
سليما مطلقا من وثاقه فأخبر نمروذ خبره فأمرهم أن ينفوا إبراهيم
(عليه السلام)
من بلاده، وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله فحاجهم إبراهيم
(عليه السلام)
عند ذلك فقال: إن أخذتم ماشيتي ومالى فإن حقى عليكم أن تردوا على ما ذهب من عمرى في
بلادكم، واختصموا إلى قاضى نمروذ فقضى على إبراهيم
(عليه السلام)
أن يسلم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم، وقضى على أصحاب نمروذ أن يردوا على إبراهيم
(عليه السلام)
ما ذهب من عمره في بلادهم، وأخبر بذلك نمرود
* (هامش) *
(1) - كانت قرية من أعمال الكوفة وضبطه الجزرى كوئى.
(2) - الحير مخفف الحاير وهو الجائط.
[صفحة230 ]
فأمرهم أن يخلوا سبيله وسبيل ماشيته وماله وأن يخرجوه، وقال: إنه إن بقى في بلادكم
أفسد دينكم وأضر بآلهتكم فأخرجوا إبراهيم ولوطا
(عليهما السلام)
معه من بلادهم إلى الشام.
فخرج إبراهيم ومعه لوط لا يفارقه وسارة، وقال لهم: إنى ذاهب إلى ربى سيهدين يعنى
إلى بيت المقدس فتحمل إبراهيم بماشيته وماله وعمل تابوتا وجعل فيه سارة وشد عليها
الاغلاق غيرة منه عليها ومضى حتى خرج من سلطان نمرود، وسار إلى سلطان رجل من القبط
يقال له (عزارة) فمر بعاشر له فاعترضه العاشر ليعشر ما معه - فلما انتهى إلى العاشر
ومعه التابوت قال العاشر لابراهيم
(عليه السلام):
افتح هذا التابوت لنعشر ما فيه فقال له إبراهيم
(عليه السلام):
قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة حتى نعطى عشرة ولا نفتحة.
قال: فأبى العاشر إلا فتحه قال: وغصب (1) إبراهيم
(عليه السلام):
على فتحه فلما بدت له سارة وكانت موصوفة بالحسن والجمال قال له العاشر: ما هذه
المرأة منك؟ قال إبراهيم
(عليه السلام):
هي حرمتي وابنة خالتي، فقال له العاشر فما دعاك إلى أن خبيتها في هذا التابوت؟ فقال
ابراهيم
(عليه السلام)
الغيرة عليها أن يراها أحد فقال له العاشر: لست ادعك تبرح حتى أعلم الملك حالها
وحالك.
قال: فبعث رسولا إلى الملك فأعلمه فبعث الملك رسولا من قبله ليأتوه بالتابوت فأتوا
ليذهبوا به فقال لهم إبراهيم
(عليه السلام):
إنى لست أفارق التابوت حتى يفارق روحي جسدي فأخبروا الملك بذلك فأرسل الملك أن
احملوه والتابوت معه فحملوا إبراهيم
(عليه السلام)
والتابوت وجميع ما كان معه حتى أدخل على الملك فقال له الملك: افتح التابوت فقال له
إبراهيم
(عليه السلام):
أيها الملك إن فيه حرمتي وابنة خالتي وأنا مفتد فتحه بجميع ما معى.
قال: فغصب الملك إبراهيم
(عليه السلام)
على فتحة فلماا رأى سارة لم سملك حلمه سقهه أن مد يده إلسها فأعرض إبراهيم
(عليه السلام)
وجهه عنها وعنه غيرة منه وقال: اللهم: إن إلهك هو الذى فعل بى هذا؟ فقال له: معم إن
إلهى غيور يكره الحرام، هو الذى ما إردته من الحرام فقال له له الملك: ف ع إلك يرد
على يدى فإن أجابك فلم أعرض لها فقال إبراهيم
(عليه السلام):
إلهى رد إليه يده لكيف عن حرمتي.
قال: فرد الله عزوجل إليه يده فأقبل الملك نحوها ببصره ثم عاد بيده نحوها فأعرض
إبراهيم عنه بوجهه غيرة
* (هامش) *
(1) بالمعجمة فالمهملة بقال: غصبه على كذا أي قهره.
(*)
[صفحة231 ]
منه، وقال: اللهم احبس يده ولم تصل إليها.
فقال الملك لابراهيم
(عليه السلام):
إن إلهك لغيور وإم ك لغيور فدع إلهك يرد إلى يدى فإنه إن فعل لم أعد فقال ابراهيم
(عليه السلام):
أسأله ذالك على إنك إن عدت لم تسألني أن أسأله فقال له الملك: نعم فقال ابراهيم
(عليه السلام):
اللهم إن كان صادقا فرد يده عليه فرجعت إليه يده.
فلما رأى ذلك من الغيرة ما رأى الاية في يده عظم ابراهيم
(عليه السلام)
وهاب و أكرمه واتقاه، وقال له: قد أمنت من أن أعرض لها أو لشئ مما معك فانطلق حيث
شئت ولكن لى إليك حاجة فقال ابراهيم
(عليه السلام):
ما هي؟ فقال له: أحب أن تأذن لى أن اخدمها قبطيه ة عندي جميلة عاقلة تكون لها خادما
قال: فأذن ابراهيم
(عليه السلام)
فدعا بها فوهبها لسارة وهى هاجر م اسماعيل
(عليه السلام).
فسار ابراهيم
(عليه السلام)
بجميع ما معه، وخرج الملك معه يمشى خلف أبراهيم
(عليه السلام)
إعظاما لابراهيم وهيبة له فأوحى الله تبارك وتعالى إلى إبراهيم
(عليه السلام)
أن قف ولا تمش قدام الجبار المتسلط ويمشى وهو خلفك، ولكن اجعله أمامك وامش خلفه
وعظمه وهبه فإنه مسلط ولا بد من إمرة في الارض برة أو فاجرة فوقف ابراهيم
(عليه السلام)
قال للملك: امض فإن إلهى أوحى إلى الساعة أن أعظمك وأهابك، وأن اقدمك أمامى وأمشى
خلفك إحلالا لك فقال له الملك: أوحى إليك بهذا؟ فقال ابراهيم
(عليه السلام)
نعم فقال له الملك: أشهد أن إلهك لرفيق حليم كريم وأنك ترغبني في دينك.
قال: وودعه الملك فسار ابراهيم
(عليه السلام)
حتى نزل بأعلى الشامات، وخلف لوطا
(عليه السلام)
في أدنى الشامات.
ثم
أن ابراهيم
(عليه السلام)
لما أبطأ عليا لولد قال لسارة: لو شئت لبعتني هاجر لعل الله أن يرزقنا منها ولدا
فيكون لنا خلفا، فابتاع ابراهيم
(عليه السلام)
هاجر من سارة فوقع عليها فولدت اسماعيل
(عليه السلام).
ومن
ذلك ما ذكرته أعنى التوراة في قصة الذبح أن الذبيح هو إسحاق دون إسماعيل
(عليهما السلام)
مع أن قصة إسكانه بأرض تهامة وبنائه الكعبة المشرفة وتشريع عمل الحج الحاكى لما جرى
عليه وعلى امه من المحنة والمشقة في ذات الله، وقد اشتمل على الطواف والسعى
والتضحية كل ذلك تؤيد كون الذبيح هو إسماعيل دون إسحاق
(عليهما السلام).
وقد
وقع في إنجيل برنابا أن المسيح لام اليهود ووبخهم على قولهم بأن الذبيح هو
[صفحة232 ]
إسحاق دون إسماعيل قال في الفصل 44: فكلم الله ابراهيم قائلا: خذ ابنك بكرك إسماعيل
واصعد الجبل لتقدمه ذبيحة فكيف يكون إسحاق البكر وهو لما ولد كان اسماعيل ابن سبع
سنين الفصل 44 آية 11 - 12.
وأما القرآن فإن آياته كالصريحة في كون الذبيح هو إسماعيل
(عليه السلام)
قال تعالى بعد ما ذكر قصة كسر الاصنام وإلقائه في النار وجعلها بردا وسلاما:
(فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين رب هب لى من
الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى
أذبحك فانظر ما ذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين
فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى
المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الاخرين سلام
على إبراهيم كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من
الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) (الصافات:
113).
والمتدبر في الايات الكريمة لا يجد مناصا دون أن يعترف ان الذبيح هو الذى ذكر الله
سبحانه البشارة به في قوله: (فبشرناه بغلام حليم) وأن البشارة الاخرى التى ذكرها
أخيرا بقوله (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين) غير البشارة الاولى، والذى بشر به
في الثانية وهو إسحاق
(عليه السلام)
غير الذى بشر به في الاولى وأردفها بذكر قصة التضحية به.
وأما الروايات فالتى وردت منها من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت
(عليهم السلام)
تذكر أن الذبيح هو إسماعيل
(عليه السلام)،
والتى رويت من طرق أهل السنة والجماعة مختلفة: فصنف يذكر إسماعيل وصنف يذكر إسحاق
(عليهما السلام)
غير أنك عرفت أن الصنف الاولى هو الذى يوافق الكتاب.
قال
الطبري في تاريخه: اختلف السلف من علماء امة نبينا محمد صلى الله عليه وآله في الذى
امر إبراهيم بذبحه من ابنيه فقال بعضهم: هو إسحاق بن إبراهيم، وقال بعضهم: هو
اسماعيل ابن ابراهيم.
وقد
روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله كلا القولين لو كان فيهما صحيح لم نعده إلى
غيره غير أن الدليل من القرآن على صحة الرواية التى رويت عنه صلى الله عليه وآله
أنه قال: هو إسحاق أوضح وأبين منه على صحة الاخرى.
[صفحة233 ]
إلى
أن قال: وأما الدلالة من القرآن التى قلنا: إنها على أن ذلك إسحاق أصح فقوله تعالى
مخبرا عن دعاء خليله إبراهيم حين فارق قومه مهاجرا إلى ربه إلى الشام مع زوجتة سارة
قال: (إنى ذاهب إلى ربى سيهدين رب هب لى من الصالحين) وذلك قبل أن يعرف هاجر، وقبل
أن تصير له ام اسماعيل ثم أتبع ذلك ربنا عزوجل الخبر عن إجابة دعائه وتبشيره إياه
بغلام حليم ثم عن رؤيا ابراهيم أنه يذبح ذلك الغلام حين بلغ معه السعي.
ولا
نعلم في كتاب الله عزوجل تبشيرا لابراهيم بولد ذكر إلا بإسحاق وذلك قوله: (وأمراتة
قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) وقوله: فأوجس منهم خيفة قالوا
لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم).
ثم
ذلك كذلك في كل موضع ذكر فيه تبشير ابراهيم بغلام فإنما ذكر تبشير الله إياه به من
زوجته سارة فالواجب أن يكون ذلك في قوله: (فبشرناه بغلام حليم) نظير ما في سائرسور
القرآن من تبشيره إياه من زوجته سارة.
وأما اعتلال من اعتل بأن الله لم يأمربذبح إسحاق وقد أتته البشارة من الله قبل
ولادته بولادته وولادة يعقوب منه من بعده فإنها علة غير موجبة صحة ما قال، وذلك أن
الله تعالى إنما أمر ابراهيم بذبح اسحاق بعد إدراك اسحاق السعي وجائز أن يكون يعقوب
ولد له قبل أن يؤمرأبوه بذبحه.
وكذلك لا وجه لاعتلال من اعتل في ذلك بقرن الكبش أنه رآه معلقا بالكعبة وذلك أنه
غير مستحيل أن يكون حمل من الشام إلى الكعبة فعلق هنالك، انتهى كلامه.
وليت شعرى كيف خفى عليه أن ابراهيم
(عليه السلام)
لما سأل ربه الولد عند مهاجرته إلى الشام وعنده سارة ولا خبر عن هاجر يومئذ سأل ذلك
بقوله: (رب هب لى من الصالحين) فسأل ربه الولد، ولم يسأل أن يرزقه ذلك من سارة حتى
تحمل البشارة المذكورة عقيبه على البشارة بإسحاق فإنما قال: (رب هب لى) ولم يقل: رب
هب لى من سارة.
وأما ما ذكره أن المعروف من سائر مواضع كتاب الله هو البشرى بإسحاق فيجب
أن
نحمل البشرى في هذا الموضع عليه أيضا.
فمع
ما سيجئ من الكلام عليه في سائر الموارد التى أشار إليها هو في نفسه قياس لا دليل
عليه بل الدليل على خلافه فإن الله سبحانه في هذه الايات لما ذكر البشارة بغلام
حليم ثم ذكر قصة الذبح استأنف ثانيا ذكر البشارة بإسحاق ولا يرتاب المتدبر في هذا
السياق أن المبشر به ثانيا غير المبشر به أولا فقد بشر إبراهيم
(عليه السلام)
قبل اسحاق بولد له آخر وليس إلا اسماعيل، وقد اتفق الرواة والنقلة وأهل التاريخ أن
اسماعيل ولد لابراهيم قبل اسحاق
(عليهم السلام)
جميعا.
ومن
ذلك التدافع البين فيما تذكره التوراة من أمر اسماعيل فإنها تصرح أن اسماعيل ولد
لابراهيم
(عليهم السلام)
قبل أن يولد له اسحاق بما يقرب من أربعة عشر عاما وان ابراهيم
(عليه السلام)
طرده وامه هاجر بعد تولد اسحاق لما استهزأ بسارة ثم تسرد قصة إسكانهما الوادي ونفاد
الماء الذى حملته هاجر وعطش اسماعيل ثم إراءة الملك إياها الماء، ولا يرتاب الناظر
المتدبر في القصة ان اسماعيل كان عندئذ صبيا مرضعا فعليك بالرجوع إليها والتأمل
فيها، وهذا هو الذى يوافق المأثور من أخبارنا.
6 -
القرآن الكريم يعتنى أبلغ الاعتناء بقصة ابراهيم
(عليه السلام)
من جهة نفسه ومن جهة ابنيه الكريمين اسماعيل واسحاق وذريتهما معا بخلاف ما يتعرض له
في التوراة فإنها تقصر الخبر عنه بما يتعلق بإسحاق وشعب إسرائيل، ولا يلتفت إلى
اسماعيل إلا ببعض ما يهون أمره ويحقر شأنه، ومع ذلك لا يخلو يسير ما تخبر عنه عن
التدافع فتارة تذكر خطاب الله سبحانه لابراهيم
(عليه السلام)
أن نسلك الباقي هومن إسحاق، وتارة اخرى خطابه أن الله بارك لنسلك من عقب اسماعيل
وسيجعله امة كبيرة، وتارة تعرفه إنسانا وحشيا يضاد الناس ويضاده الناس قد نشأ رامى
قوس مطرودا عن بيت ابيه، وتاره تذكر ان الله معه.
وبالتأمل فيما تقدم من قصته
(عليه السلام)
في القرآن يظهر الجواب عن إشكالين أشكل بهما على الكتاب العزيز.
الاشكال الاول ما ذكره بعض المستشرقين (1) ان القرآن في سوره المكية لا
* (هامش) *
(1) نقله النجار في قصص الانبياء عن المستشرق هجرونييه والمستشرق فنسنك.
في دائرة المعارف الاسلامية.
[صفحة235 ]
يتعرض لشأن ابراهيم واسماعيل
(عليهما السلام)
إلا كما يتعرض لشأن سائر الرسل من أنهم
كانوا على دين التوحيد ينذرون الناس ويدعونهم إلى الله سبحانه من غير أن يذكر بناءه
الكعبة وصلته بإسماعيل وكونهما داعيين للعرب إلى دين الفطرة والملة الحنيفية.
لكن
السور المدينة كالبقرة والحج وغيرهما تذكر ابراهيم واسماعيل متصلين اتصال الابوة
والبنوة وأبوين للعرب مشرعين لها دين الاسلام بانيين للكعبة البيت الحرام.
وسر
هذا الاختلاف أن محمدا كان قد اعتمد على اليهود في مكة فما لبثوا أن اتخذوا حياله
خطة عداء فلم يكن له بد أن التمس غيرهم ناصرا.
هناك هداه ذكاء مسدد إلى شأن جديد لابي العرب ابراهيم وبذلك استطاع أن يخلص من
يهودية عصره ليصل حبله بيهودية إبراهيم فعده أبا للعرب مشيدا لدينهم الاسلام بانيا
لبيتهم المقدس الذى في مكه لما أن هذه المدينة كانت تشغل جل تفكيره.
انتهى ملخصا.
وقد
أزرى المستشكل على نفسه بهذه الفرية التى نسبها إلى الكتاب العزيز الذى له شهرته
العالمية التى لا يتحجب معها على شرقي ولا غربي فكل باحث متدبر يشاهد ان القرآن
الكريم لم يداهن مشركا ولا يهوديا ولا نصرانيا ولا غيرهم في سورة مكية ولا مدنية
ولم يختلف لحن قوله في تخطئة اليهود ولا غيرهم بحسب مكية السور ومدنيتها.
غير
أن الايات القرآنية لما نزلت نجوما بحسب وقوع الحوادث المرتبطة بالدعوة الدينيه،
وكان الابتلاء بأمر اليهود بعد الهجرة كان التعرض لشؤونهم والابانة عن التشديد في
قهم لا محالة في الايات النازلة في تضاعيف السور المدينة كتفاصيل الاحكام المشرعة
التى أنزلت فيها حسب مسيس الحاجة بحدوث الحوادث.
وأما ما ذكراه من اختصاص حديث اتصال اسماعيل بإبراهيم
(عليهما السلام)
وبناء الكعبة وتأسيس الدين الحنيف بالسور المدنية فيكذبه قوله تعالى في سورة
ابراهيم وهى مكية فيما حكاه من دعاء ابراهيم
(عليه السلام):
(وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنى أن نعبد الاصنام - إلى أن
قال - ربنا إنى أسكنت من ذريتي بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا
الصلاة فاجعل أفئده من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون - إلى ان
قال - الحمد لله الذى وهب لى على الكبر اسماعيل وإسحاق إن ربى لسميع الدعاء)
(ابراهيم: 39).
وقد
مر نظيره في الايات المنقولة من سورة الصافات آنفا المنبئة عن قصة الذبيح.
[صفحة236 ]
وأما ما ذكراه من يهودية ابراهيم
(عليه السلام)
فإن القرآن يرده بقوله تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في ابراهيم وما أنزلت
التوراة والانجيل إلا من بعده أفلا تعقلون - إلى ان قال - ما كان ابراهيم يهوديا
ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (آل عمران 67).
الاشكال الثاني: أن الصابئين وهم عبدة الكواكب الذين يذكر القرآن تعرض ابراهيم
(عليه السلام)
لالهتهم بقوله: ((فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى) إلى آخر الايات إنما
كانوا بمدينة حران التى هاجر إليها ابراهيم
(عليه السلام)
من بابل أو من (اور) ولازمه ان يكون حجاجه عبدة الكواكب بعد مدة من حجاجه عبدة
الاصنام وكسره الاصنام ودخوله النار، ولا يلائم ذلك ما هو ظاهر الايات أن قصة
الحجاج مع عبدة الاصنام والكواكب وقعت جميعا في يومين عند أول شخوصه إلى أبيه وقومه
كما تقدم بيانه.
أقول: وهذا في الحقيقة إشكال على التفسير الذى تقدم إيراده في بيان الايات لا على
أصل الكتاب.
ومع
ذلك ففيه غفلة عما يثبته التاريخ ويعطيه الاعتبار الصحيح أما الاعتبار فإن المملكة
التى ينتحل في بعض بلاده العظيمة بدين من الاديان الشائعة المعروفة كالصابئية التى
كانت يؤمئذ من الاديان المعروفة في الدنيا لا يخلو من شيوع في سائر بلادها ووجود
جماعة من منتحليه منتشرة في أقطارها.
وأما التاريخ فقد ذكر شيوعه كشيوع الوثنية ببابل ووجود معابد كثيرة فيها بنيت على
اسماء الكواكب وأصنام لها منصوبة فيها فقد جاء في تاريخ ارض بابل وما والاها ذكر
بناء معبد إله الشمس وإله القمر في حدود سنة ثلاثة آلاف ومائتين قبل المسيح، وفي
نصب شريعة حمورابي ذكر إله الشمس وإله القمر وهو مما يقرب زمن الخليل ابراهيم
(عليه السلام).
وقد
تقدم فيما نقلناه من كتاب الاثار الباقية لابي ريحان البيرونى (1): أن يوذاسف ظهر
عند مضى سنة من ملك طهمورث بأرض الهند، وأتى بالكتابة الفارسية، ودعا إلى
* (هامش) *
(1) في بحث تاريخي في ذيل الاية 62 من سورة البقره.
[صفحة237 ]
ملة
الصابئين فأتبعه خلق كثير، وكانت الملوك البيشدادية وبعض الكيانية ممن كان يستوطن
بلخ يعظمون النيرين والكواكب وكليات العناصر إلى وقت ظهور زراتشت عند مضى ثلاثين
سنة من ملك بشتاسف.
وساق الكلام إلى أن قال: وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه ويقولون بحياتها ونطقها
وسمعها وبصرها، ويعظمون الانوار، ومن آثارهم القبة التى فوق المحراب عند المقصورة
من جامع دمشق كان مصلاهم، وكان اليونانيون والروم على دينهم، ثم صارت في أيدى
اليهود فعملوها كنيستهم، ثم تغلب عليها النصارى فصيروها بيعة إلى أن جاء الاسلام
وأهله فاتخذو ها مسجدا.
وكانت لهم هياكل وأصنام بأسماء الشمس معلومة الاشكال كما ذكرها أبو معشر البلخى في
كتابه في بيوت العبادات مثل هيكل بعلبك كان لصنم الشمس، وقران فإنها منسوبة إلى
القمر وبناؤها على صورته كالطيلسان، وبقربها قرية تسمى سلمسين واسمها القديم: صنم
سين أي صنم القمر: وقرية اخرى تسمى ترع عوز أي باب الزهرة.
ويذكرون أن الكعبة وأصنامها كانت لهم، وعبدتها كانوا من جملتهم وأن اللات كان باسم
زحل، والعزى باسم الزهرة، انتهى.
وذكر المسعودي أن مذهب الصابئة كان نوعا من التحول والتكامل في دين الوثنية وأن
الصبوة ربما كانت تتحول إلى الوثنية لتقارب مأخذيهما، وأن الوثنية ربما كانوا
يعبدون أصنام الشمس والقمر والزهرة وسائر الكواكب تقربا بها إلى آلهتها ثم إلى إله
الالهة.
قال
في مروج الذهب: كان كثير من أهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف يعتقدون أن الله
عزوجل جسم، وأن الملائكة أجسام لها أقدار وأن الله تعالى وملائكتة احتجبوا بالسماء،
فدعاهم ذلك إلى ان اتخذوا تماثيل وأصناما على صورة الباري عزوجل وبعضها على صورة
الملائكة مختلفة القدود والاشكال، ومنها على صورة الانسان وعلى خلافها من الصور
يعبدونها، وقربوا لها القرابين، ونذروا لها النذور لشبهها عندهم بالبارى تعالى
وقربها منه.
فأقاموا على ذلك برهة من الزمان وجملة من الاعصار حتى نبههم بعض حكمائهم على أن
الافلاك والكواكب أقرب الاجسام المرئية إلى الله تعالى وأنها حية ناطقة، وأن
[صفحة238 ]
الملائكة تختلف فيهما بينها وبين الله، وأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما هو على
قدر ما تجرى به الكواكب عن أمر الله فعظموها وقربوا لها القرابين لتنفعهم فمكثوا
على ذلك دهرا.
فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار وفي بعض أوقات الليل لما يعرض في الجو من السواتر
أمرهم بعض من كان فيهم من حكمائهم أن يجعلوا لها أصناما وتماثيل على صورها وأشكالها
فجعلوا لها أصناما وتماثيل بعدد الكواكب الكبار المشهورة، وكل صنف منهم يعظم كوكبا
منها، ويقرب لها نوعا من القربان خلاف ما للاخر على أنهم إذا عظموا ما صوروا من
الاصنام تحركت لهم الاجسام العلوية من السبعة بكل ما يريدون، وبنوا لكل صنم بيتا
وهيكلا مفردا، وسموا تلك الهياكل بأسماء تلك الكواكب.
وقد
ذهب قوم إلى أن البيت الحرام هو بيت زحل، وإنما طال عندهم بقاء هذا البيت على مرور
الدهور معظما في سائر الاعصار لانه بيت زحل، وأن زحل تولاه لان زحل من شأنه البقاء
والثبوت، فما كان له فغير زائل ولا داثر، وعن التعظيم غير حائل وذكروا امورا أعرضنا
عن ذكرها لشناعة وصفها.
ولما طال عليهم العهد عبدوا الاصنام على أنها تقربهم إلى الله وألغوا عبادة الكواكب
فلم يزالوا على ذلك حتى ظهر يوذاسف بأرض الهند وكان هنديا، وكان يوذاسف خرج من أرض
الهند إلى السند ثم سار إلى بلاد سجستان وبلاد زابلستان وهى بلاد فيروز بن كبك ثم
دخل السند ثم إلى كرمان.
فتنبأ وزعم أنه رسول الله، وأنه واسطة بين الله وبين خلقه، وأتى أرض فارس، وذلك في
أوائل ملك طهمورث ملك فارس، وقيل: ذلك في ملك جم، وهو أول من أظهر مذاهب الصابئة
على حسب ما قدمنا آنفا فيما سلف من هذا الكتاب.
وقد
كان يوذاسف أمر الناس بالزهد في هذا العالم، والاشتغال بما علا من العوالم، إذ كان
من هناك بدء النفوس وإليها يقع الصدر من هذا العالم، وجدد يوذاسف عند الناس عبادة
الاصنام والسجود لها لشبه ذكرها، وقرب لعقولهم عبادتها بضروب من الحيل والخدع.
وذكرذووا الخبرة بشأن هذا العالم وأخبار ملوكهم: أن جم الملك أول من عظم
[صفحة239 ]
النار ودعا الناس إلى تعظيمها، وقال إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب لان النور عنده
أفضل من الظلمة، وجعل للنور مراتب.
ثم
تنازع هؤلاء بعده فعظم كل فريق منهم ما يرون تعظيمه من الاشياء تقربا إلى الله
بذلك.
ثم
ذكر المسعودي البيوت المعظمة عندهم وهى سبعة الكعبة البيت الحرام باسم زحل، وبيت
على جبل مارس بإصفهان، وبيت مندوسان ببلاد الهند، وبيت نوبهار بمدينة بلخ على اسم
القمر، وبيت غمدان بمدينة صنعاء من بلاد اليمن على اسم الزهرة، وبيت كاوسان بمدينة
فرغانة على اسم الشمس، وبيت بأعالى بلاد الصين على اسم العلة الاولى.
واليونان والروم القديم والصقالبة بيوت معظمة بعضهما مبنية على اسم الكواكب كالبيت
الذى بتونس للروم الذى على اسم الزهرة ثم ذكر المسعودي أن للصابئين من الحرانيين
(1) هياكل على أسماء الجواهر العقلية والكواكب فمن ذلك هيكل العلة الاولى وهيكل
العقل.
قال: ومن هياكل الصابئة هيكل السلسلة، وهيكل الصورة وهيكل النفس وهذه مدورات الشكل،
وهيكل زحل مسدس، وهيكل المشترى مثلث، وهيكل المريخ مربع مستطيل، وهيكل
الشمس مربع، وهيكل عطارد مثلث الشكل، وهيكل الزهر.
مثلث في جوف مربع مستطيل، وهيكل القمر مثمن الشكل، وللصابئة فيما ذكرنا رموز وأسرار
يخفونها، انتهى.
وقريب منه ما في الملل والنحل للشهرستاني.
وقد
تبين مما نقلناه أولا: أن الوثنية كما كانت تعبد أصناما للالهة وأرباب الانواع كذلك
كانت تعبد أصنام الكواكب والشمس والقمر، وكانت عندهم هياكل على أسمائها، ومن الممكن
أن يكون حجاج إبراهيم
(عليه السلام)
في أمر الكواكب والقمر والشمس، مع الوثنية العابدين لها المتقربين بها دون الصابئة
كما يمكن أن يكون مع بعض الصابئين في مدينة بابل أو بلدة اور أو كوثاريا على ما في
بعض الروايات المنقولة سالفا.
على
أن ظاهر ما يقصه القرآن الكريم: أن إبراهيم
(عليه السلام)
حاج أباه وقومه وتحمل أذاهم في الله حتى اعتزلهم وهجرهم بالمهاجرة من أرضهم إلى
الارض المقدسة من غير أن يتغرب من أرضهم إلى حران أولا ثم من حران إلى الارض
المقدسة، والذى ضبطه كتب
* (هامش) *
(1) يطلق الحرانيون على الصابئين مطلقا لاشتهار حران بهذا الدين.
[صفحة240 ]
التاريخ من مهاجرته إلى حران أولا ثم من حران إلى الارض المقدسة لا مأخذ له غير
التوراة أو أخبار غير سليمة من نفثة إسرائيلية كما هو ظاهرلمن تدبر تاريخ الطبري
وغيره.
على
ان بعضهم ذكروا أن حران المذكور في التوراة كان بلدا قرب بابل بين الفرات وخابور،
وهو غير حران الواقع قرب دمشق الموجود اليوم (1).
نعم
ذكر المسعودي ان الذى بقى من هياكلهم - الصابئة - المعظمة في هذا الوقت - وهو سنة
اثنتين وثلاثين وثلاثمائة - بيت لهم بمدينة حران في باب الرقة يعرف (بمغليتيا) وهو
هيكل آزر أبى إبراهيم الخليل
(عليه السلام)
عندهم، وللقوم في آزر وابنة إبراهيم كلام كثير، انتهى.
ولا
حجة في قولهم على شئ.
وثانيا: أنه كما اأ الوثنية ربما كانت تعبد الشمس والقمر والكواكب كذلك الصابئة
كانت تبنى بيوتا وهياكل لعبادة غير الكواكب والقمر والشمس كالعلة الاولى والعقل
والنفس وغيرها كالوثنية وتتقرب إليها مثلهم وقد ذكر هيرودوتوس في تاريخه في ما يصف
معبد بابل أنه كان مشتملا على ثمانية أبراج بعضها مبنية على بعض وأن آخر الابراج
وهو أعلاها كان مشتملا على قبة وسيعة ما فيها غير عرش عظيم حياله طاولة من ذهب،
وليس في القبة شئ من التماثيل والاصنام، ولا يبيت فيها أحد إلا امرأة يزعم الناس أن
الله هو اختارها للخدمة ووظفها للملازمة.
انتهى (2).
ولعله كان للعلة الاولى المنزهة عن الهيئات والاشكال وإن كانوا ربما يصورونه بما
يتوهمونه من الصور كما ذكره المسعودي.
وقد
ثبت أن فلا سفتهم كانوا ينزهون الله تعالى عن الهيئات الجسمانية والاشكال والاوضاع
المادية ويصفونة بما يليق به من الصفات غير أنهم كانوا يتقون العامة أن يظهروا ما
يعتقدونه فيه سبحانه إما لعدم استعداد أفهامهم لتلقى ذلك، أو لمقاصد وأغراض سياسية
توجب كتمان الحق.
* (هامش) *
(1) ذكره في قاموس الكتاب المقدس في (حران).
(2) تاريخ هيرودوتوس اليونانى المؤلف في حدود 500 ق. م.
[صفحة241 ]
* *
*
ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان
وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزى المحسنين - 84.
وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين - 85.
وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين - 86.
ومن
آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم - 87.
ذلك
هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون - 88.
أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما
ليسوا بها بكافرين - 89.
أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا اسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى
للعالمين - 90.
(بيان) اتصال الايات بما قبلها واضح لا يحتاج بعض الامتنان عليه وعلى من عد معه من
الانبياء كما هو ظاهر قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) وقوله: (و كذلك نجزى
المحسنين) وقوله: (وكلا فضلنا على العالمين) إلى غير ذلك لكنها ليست مسوقة لذلك
فحسب كما يظهر من بعض المفسرين بل لبيان النعم الجسيمة والايادي الجميلة الالهية
التى يتعقبها التوحيد الفطري والاهتداء بالهداية الالهية.
[صفحة242 ]
فإن
ذلك هو الموافق لغرض هذه السورة التى تبين فيها مسألة التوحيد على ما تهدى إليه
الفطرة التى فطر الناس عليها، وقد تقدم أن قصة إبراهيم
(عليه السلام)
بالنسبة إلى الايات السابقة من السورة بمنزلة المثال المضروب لبيان عام.
وفي
سياق الايات مضافا إلى بيان التوحيد بيان أن عقيدة التوحيد محفوظة بين الناس في
سلسلة متصلة ركبت حلقاتها بعضها على بعض بهداية إلهية وعناية خاصة ربانية حفظ الله
بها الفطرة الالهية من أن تضيع بالاهواء الشيطانية، وتسقط رأسا من الفعلية
فيبطل بذلك غرض الخلقة ويذهب سدى كما يشعر بذلك قوله: (ووهبنا له) الخ.
وقوله: (ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته) الخ، وقوله: (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم
وقوله فان يكفر بها هؤلاء الخ.
وفي
طى الايات بيان ما تمتاز به الهداية الالهية من غيرها من الخصائص وهى الاجتباء
واستقامة الصراط وإيتاء الكتاب والحكم والنبوة على ما سيجئ من البيان إن شاء الله.
قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا) إسحاق هو ابن ابراهيم ويعقوب هو
ابن إسحاق
(عليهما السلام)،
وقوله: (كلاهدينا) قدم فيه كلا للدلالة على أن الهداية الالهة تعلقت بكل واحد من
المعدودين استقلالا لا انها تعلقت ببعضهم استقلالا كإبراهيم وبغيره بتبعه، فهو
بمنزلة أن يقال هدينا إبراهيم وهدينا إسحاق وهدينا يعقوب.
كما
قيل.
قوله تعالى: (ونوحا هدينا من قبل) فيه إشعار بأن سلسلة الهداية غير منقطعة ولا
مبتدئة من إبراهيم
(عليه السلام)
بل كانت الرحمة قبله شاملة لنوح
(عليه السلام).
قوله تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان - إلى قوله - وكذلك نجزى المحسنين) الضمير في
(ذريته) راجع إلى نوح ظاهرا لانه المرجع القريب لفظا، ولان في المعدودين من ليس هو
من ذرية إبراهيم مثل لوط وإلياس، على ما قيل.
وربما قيل: إن الضمير يعود إلى إبراهيم
(عليه السلام)
وقد ذكر لوط وإلياس
(عليهما السلام)
من الذرية تغليبا قال: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب)
(العنكبوت: 27) أو أن المراد بالذرية هم الستة المذكورون في هذه الاية
[صفحة243 ]
دون
الباقين، وأما قوله: (وزكريا) الخ، وقوله: (وإسماعيل) الخ، فمعطوفان على قوله: ومن
(ذريته) لا على قوله: (داود) الخ، وهو بعيد من السياق.
وأما قوله: (وكذلك نجزى المحسنين) فالظاهر أن المراد بهذا الجزاء هو الهداية
الالهية المذكورة، وإليها الاشارة بقوله (كذلك) والاتيان بلفظ الاشارة البعيدة
لتفخيم أمر هذه الهداية فهو نظير قوله: (كذلك يضرب الله الامثال) (الرعد: 17)
والمعنى نجزى المحسنين على هذا المثال.
قوله تعالى: (وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) تقدم الكلام في معنى
الاحسان والصلاح فيما سلف من المباحث وفي ذكر عيسى بين المذكورين من ذرية نوح
(عليهما السلام)
وهو إنما يتصل به من جهة أمة ه مريم دلالة واضحة على أن القرآن الكريم يعتبرأولاد
البنات وذريتهن أولادا وذرية حقيقة، وقد تقدم استفادة نظير ذلك من آية الارث وآية
محرمات النكاح، وللكلام تتمة ستوافيك في البحث الروائي الاتى إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: (وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين) الظاهر أن
المراد بإسماعيل هو ابن ابراهيم أخو إسحاق
(عليهم السلام)
وقوله: (اليسع) بفتحتين كأسد وقرئ (الليسع) كالضيغم أحد أنبياء بنى إسرائيل ذكر
الله اسمه مع إسماعيل
(عليهما السلام)
كما في قوله: (واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار) (ص: 48) ولم يذكر
شيئا من قصته في كلامه.
وأما قوله: (وكلا فضلنا على العالمين) فالعالم هو الجماعة من الناس كعالم العرب
وعالم العجم وعالم الروم، ومعنى تفضيلهم على العالمين تقديمهم بحسب المنزلة على
عالمى زمانهم لما أن الهداية الخاصة الالهية أخذتهم بلا واسطة، وأما غيرهم فإنما
تشملهم رحمة الهداية بواسطتهم، ويمكن أن يكون المراد تفضيلهم بما أنهم طائفة مهدية
بالهداية الفطرية الالهية من غير واسطة على جميع العالمين من الناس سواء عاصروهم أو
لم يعاصروهم فإن الهداية الالهية من غير واسطة نعمة يتقدم بها من تلبس بها على من
لم يتلبس، وقد شملت المذكورين من الانبياء ومن لحق بهم من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم
فالمجتمع الحاصل منهم مفضل على غيرهم جميعا بتفضيل إلهى.
[صفحة244 ]
وبالجملة الملاك في أمر هذا التفضيل هو التلبس بتلك الهداية الالهية التى لا واسطة
فيها، والانبياء فضلوا على غيرهم بسبب التلبس بها فلو فرض تلبس من غيرهم بهذه
الهداية كالملائكة كما ربما يظهر من كلامه تعالى وكالائمة على ما تقدم في البحث عن
قوله تعالى: (وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات) (البقرة: 124) في الجزء الاول من
الكتاب فلا يفضل عليهم الانبياء
(عليه السلام)
من هذه الحيثية وإن أمكن أن يفضلوا عليهم من جهة اخرى غير جهة الهداية.
ومن
هنا يظهر: أن استدلال بعضهم بالاية على أن الانبياء أفضل من الملائكة ليس في محله.
ويظهر أيضا أن المراد بالتفضيل إنما هو التفضيل من حيث الهداية الالهية الخاصة التى
أخذتهم من غير توسط أحد، وأما كونهم أهل الاجتباء وأهل الصراط المستقيم وأهل الكتاب
والحكم والنبوة فأمر خارج عن مصب التفضيل المذكور في هذه الاية.
واعلم أن الذى وقع في الايات الثلاث من ذكر من عدده الله تعالى من الأنبياء
بأسمائهم - وهم سبعة عشر نبيا - لم يراع فيه الترتيب الذى بينهم لا بحسب الزمان وهو
ظاهر، ولا بحسب الرتبة والفضيلة فإن فيهم نوحا وموسى وعيسى
(عليه السلام)،
وهم أفضل من باقى المذكورين بنص الكتاب كما تقدم في مباحث النبوة في الجزء الثاني
من الكتاب وقد قدم عليهم غيرهم في الذكر.
وقد
ذكر صاحب المنار في وجه الترتيب المأخوذ في الايات الثلاث بين الانبياء المسمين
فيها - وهم أربعة عشر نبيا - ما ملخصه: أنه تعالى جعلهم ثلاثة أقسام لمعان في ذلك
جامعة بين كل قسم منهم.
فالقسم الاول: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، والمعنى الجامع بينهم أن
الله تعالى آتاهم الملك والامارة والحكم والسيادة مع النبوة والرسالة، وقد قدم ذكر
داود وسليمان وكانا ملكين غنيين منعمين، وذكر بعدهما أيوب ويوسف، وكان أيوب أميرا
غنيا عظيما محسنا، وكان يوسف وزيرا عظيما وحاكما متصرفا، وقد ابتليا بالضراء فصبرا
وبالسراء فشكرا، وبعد ذلك موسى وهارون وكانا حاكمين في قومهما ولم يكونا ملكين.
[صفحة245 ]
فكل
زوجين من هذه الازواج الثلاثة ممتاز بمزية والترتيب مع ذلك من حيث نعم الدنيا فداود
وسليمان كانا أكثر تمتعا من نعمها من أيوب ويوسف، وهما من موسى وهارون، أو الترتيب
من حيث الفضل الدينى فالظاهر أن موسى وهارون أفضل من أيوب ويوسف، وهما أفضل من داود
وسليمان لجمعهما بين الصبر في الضراء والشكر في السراء.
والقسم الثاني: زكريا ويحيى وعيسى وإلياس، وهؤلاء قد امتازوا بشدة الزهد في الدنيا،
والاعراض عن لذائذها، والرغبة عن زينتها، ولذلك خصهم هنا بوصف الصالحين لان هذا
الوصف أليق بهم عند مقابلتهم بغيرهم وإن كان كل نبى صالحا ومحسنا على الاطلاق.
والقسم الثالث: إسماعيل واليسع ويونس ولوط، وأخر ذكرهم لعدم الخصوصية إذ لم يكن لهم
من ملك الدنيا وسلطانها ما كان للقسم الاول ولا من المبالغة من الاعراض عن الدنيا
ما كان للقسم الثاني، انتهى ملخصا.
وفي
تفسير الرازي ما يقرب منه وإن كان ما ذكره أوجه بالنسبة إلى ما ذكره الرازي، ويرد
على ذكراه جميعا أنهما جعلا القسم الثالث من لا خصوصية له يمتاز به وهو غير مستقيم
فإن إسماعيل
(عليه السلام)
قد ابتلاه الله بأمر الذبح فصبر على ما امتحنه الله تعالى به قال تعالى: فبشرناه
بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ما ذا
ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني أن شاء الله من الصابرين - إلى أن قال - إن هذا
لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الاخرين) (الصافات: 108) وهذا
من الخصائص الفاخرة التى اختص الله بها إسماعيل
(عليه السلام)،
وبلاء مبين امتاز به حتى جعل الله تعالى التضحية في الحج طاعة عامة مذكرة لمحنته في
جنب الله وترك عليه في الاخرين على أنه شارك أباه الكريم في بناء الكعبة وكفى به
ميزا.
وكذلك يونس النبي
(عليه السلام)
امتحنه الله تعالى بما لم يمتحن به أحدا من أنبيائه وهو ما التقمه الحوت فنادى في
الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين.
وأما لوط فمحنه في جنب الله مذكورة في القرآن الكريم فقد قاسى المحن في أول أمره مع
إبراهيم
(عليهما السلام)
حتى هاجر قومه وأرضه في صحابته، ثم أرسله الله إلى
أهل
سدوم وما والاه مهد الفحشاء التى لم يسبقهم إليها أحد من العالمين حتى إذا شملهم
الهلاك لم يوجد فيهم غير بيت المسلمين وهو من بيت لوط خلا امرأته.
وأما اليسع فلم يذكر له في القرآن قصة، وإنما ورد في بعض الروايات أنه كان وصى
إلياس وقد أتى قومه بما أتى به عيسى بن مريم
(عليه السلام)
من إحياء الموتى وإبراء الاكمه والابرص وقد ابتلى الله قومه بالسنة والقحط العظيم.
فالاحسن أن يتمم الوجه المذكور لترتيب الاسماء المعدودة في الاية بأن يقال: إن
الطائفة الاولى المذكورين - وهم ستة - اختصوا بالملك والرئاسة مع الرسالة، والطائفة
الثانية - وهم أربعة - امتازوا بالزهد في الدنيا والاعراض عن زخارفها، والطائفة
الثالثة - وهم أربعة - أولوا خصائص مختلفة ومحن إلهية عظيمة يختص كل بشئ من
المميزات.
والله أعلم.
ثم
إن الذى ذكره في أثناء كلامه من تفضيل موسى وهارون على أيوب ويوسف، وتفضيلهما على
داود وسليمان بما ذكره من الوجه، وكذا جعله الصلاح بعنى الزهد والاحسان كل ذلك
ممنوع لا دليل عليه.
قوله تعالى: (ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم) هذا التعبير يؤيد ما قدمناه أن المراد
بيان اتصال سلسلة الهداية حيث أضاف الباقين إلى المذكورين بأنهم متصلون بهم بابوة
أو بنوة أو اخوة.
قوله تعالى: (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) قال الراغب في المفردات: يقال:
جبيت الماء في الحوض جمعته والحوض الجامع له جابية وجمعها (جواب) قال الله تعالى:
وجفان كالجواب، ومنه استعير جبيت الخراج جباية ومنه قوله تعالى: يجبى إليه ثمرات كل
شئ، والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء قال عزوجل: فاجتباه ربه.
قال: واجتباء الله العبد تخصيصه إياه بفيض إلهى يتحصل له منه أنواع من النعم بلا
سعى من العبد، وذلك للانبياء وبعض من يقارنهم من الصديقين والشهداء كما قال تعالى:
وكذلك يجتبيك ربك، فاجتباه ربه فجعله من الصالحين واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط
مستقيم وقوله تعالى: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى، وقال عزوجل: يجتبى إليه من يشاء
ويهدى إليه من ينيب، انتهى.
[صفحة247 ]
والذى ذكره من معنى الاجتباء وإن كان كذلك على ما يفيده موارد وقوعه في كلامه تعالى
لكنه لازم المعنى الاصلى بحسب انطباقه على صنعه فيهم والذى يعطيه سياق الايات إن
العناية تعلقت بمعنى الكلمة الاصلى وهو الجمع من مواضع وأمكنة مختلفة متشتتة فيكون
تمهيدا لما يذكر بعده من الهداية إلى صراط مستقيم كأنه يقول: وجمعناهم على تفرقهم
حتى إذا اجتمعوا وانضم بعضهم إلى بعض هديناهم جميعا إلى صراط كذا وكذا.
وذلك لما عرفت أن المقصود بالسياق بيان اتصال سلسلة المهتدين بهذه الهداية الفطرية
الالهية، والمناسب لذلك أن يتصور لهم اجتماع وتوحد حتى تشمل جمعهم الرحمة الالهية،
ويهتدوا مجتمعين بهداية واحدة توردهم صراطا واحدا مستقيما لا اختلاف فيه أصلا فلا
يختلف بحسب الاحوال، ولا بحسب الازمان، ولا بحسب الاجزاء، ولا بحسب الاشخاص
السائرين فيه، ولا بحسب المقصد.
وذلك أن صراطهم الذى هداهم الله إليه وإن كان يختلف بحسب ظاهر الشرائع سعة وضيقا
إلا أن ذلك إنما هو بحسب الاجمال والتفصيل وقلة استعداد الامم وكثرته، والجميع متفق
في حقيقة واحدة وهو التوحيد الفطري والعبودية التى تهدى إليه البنية الانسانية بحسب
نوع الخلقة التى أظهرها الله سبحانه على ذلك ومن المعلوم أن الخلقة الانسانية بما
أنها خلقة إنسانية لا تتغير ولا تتبدل تبدلا يقضى بتبدل أصول الشعور والارادة
الانسانيين فحواس الانسان الظاهرة وإحساساته وعواطفه الباطنة ومبدء القضاء والحكم
الذى فيه وهو العقل الفطري لا تزال تجرى بحسب الاصول على وتيرة واحدة وإن اختلفت
الاراء والمقاصد بحسب الاستكمال التدريجي الذى يتعلق بالنوع والتنبه بجهات حوائج
الحياة.
فلا
يزال الانسان يشعر بحاجته في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمنكح ويشتهي ما
يريح نفسه الشحيحة، ويكره ما يؤلمه ويضربه، ويأمل سعادة الحياة ويخشى الشقاء وسوء
العاقبة وأن اختلفت مظاهر حياته وصور أعماله عصرا بعد عصر وجيلا بعد جيل.
قال
تعال: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله
ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم: 30) فالدين الحنيف
[صفحة248 ]
الالهى الذى هو قيم على المجتمع الانساني هو الذى تهدى إليه الفطرة وتميل إليه
الخلقة البشرية بحسب ما تحس بحوائجها الوجودية، وتلهم بما يسعدها فيها من الاعتقاد
والعمل، وبتعبير آخر من المعارف والاخلاق والاعمال.
وهذا أمر لا يتغير ولا يتبدل لانه مبنى على الفطرة التكوينية التى لا سبيل للتغير
والتبدل إليها فلا يختلف بحسب الاحوال والازمان بأن يدعو إلى السعادة الانسانية في
حال دون حال أو في زمان دون زمان، ولا بحسب الاجزاء بأن يزاحم بعض أحكام الدين
الحنيف بعضه الاخر بتناقض أو تضاد أو أي شئ آخر يؤدى إلى إبطال بعضها بعضا فإن
الجميع ترتضع من ثدى التوحيد الذى يعدلها أحسن تعديل كما أن القوى البدنية إذا
تنافت أو أراد بعضها أن يطغى على بعض فإن هناك حاكما مدبرا يدبر كلا على حسب ما له
من الوزن والتأثير في تقويم الحياة الانسانية.
ولا
بحسب الاشخاص فإن المهتدين بهذه الهداية القيمة الفطرية لا يختلف مسيرهم، ولا يدعو
آخرهم إلا إلى ما دعا إليه أولهم وإن اختلفت دعوتهم بالاجمال والتفصيل بحسب اختلاف
أعصار الانسانية تكاملا ورقيا كما قال تعالى: (إن الدين عند الله الاسلام) (آل
عمران: 19)، وقال: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا
به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيمو الدين ولا تتفرقوا فيه، (الشورى: 13).
ولا
بحسب المقصد والغاية فإنه التوحيد الذى يؤول إليه شتات المعارف الدينية والاخلاق
الفاضلة والاحكام الشرعية قال تعالى: (وهديناهم إلى صراط مستقيم) وقد نكر الصراط من
غير أن يذكر على طريق العهد كما في قوله: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت
عليهم) (الحمد) لننوجه عناية الذهن إلى اتصافه بالاستقامة - والاستقامة في الشئ
كونه على وتيرة واحدة في صفته وخاصته - فالصراط الذى هدوا إليه صراط لا اختلاف فيه
في جهات وولا حال من الاحوال لما أنه صراط مبنى على الفطرة كما أن الفطرة الانسانية
وهى نوع خلقته وكونه لا تختلف من الاحوال لما أنه صراط مبنى على الفطرة الانانية
وهى نوع خلقته إنسانية والاهتداء إلى مقاصد الانسان التكوينية.
فهؤلاء المهديون إلى مستقين الصراط في أمن إلهى من خطرات السير وعثرات
/
صفحة249 /
الطريق إذا كان الصراط الذى يسلكونه والمسير الذى يضربونه فيه لا اختلاف فيه
بالهداية والاضلال والحق والباطل والسعادة واشقاوة بل هو مؤتلف الاجزاء ومتساوى
الاحوال يقوم على الحق ويؤدى إلى الحق لا يدع صاحبه في حيرة، ولا يورده إلى ظلم
وشقاء ومعصية قال تعالى: (الذين آمنو ولم يلبسو إيمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم
مهتدون) (الانعام 82).
قوله تعالى: (ذالك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده) إلى آخر الاية.
تعالى أن الذى ذكره من صفة الهداية التى هدى بها المذكورين من أنبيائه هو المعرف
لهداه الخاص به الذى يهدى به من يشاء من عباده فالهدى إنما يكون هدى - حق الهدى -
إذا كان من الله سبحانه، والهدى إنما يكون هدى الله إذا أورد المتلبس به صراطا
مستقيما اتفق على الورود فيه أصحاب الهدى وهم الانبياء المكرمون
(عليهم السلام)
واتفق أجزاء ذلك الصراط في الدعوة إلى كلمة التوحيد وإقامة دعوة الحق والاتسام بسمة
العبودية والتقوى.
أما
الطريق الذى يفرق فيه بين رسل الله فيؤمن فيه ببعض ويكفر ببعض أو يفرق فيه بين
أحكام الله وشرائعه فيؤخذ فيه ببعض ويترك بعض، والطرق التى لا تضمن سعادة حياة
المجتمع الانساني أو يسوق إلى بعض ما ليس فيه السعادة الانسانية فتلك هي الطرق التى
لا مرضاة فيها لله سبحانه وقد انحرفت فيها عن شريعة الفطرة إلى مهابط الضلال ومزالق
الاهواء، والاهتداء إليها ليس اهتداء بهدى الله سبحانه.
قال
تعالى: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون
نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، اولئك هم الكافرون حقا)
(النساء: 151) وقال: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم
إلا خزى في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) (البقرة: 85) وقال:
(ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين) (القصص:
50) يريد أن الطريق الذى فيه اتباع الهوى إنما هو ضلال لا يورد سالكه سعادة الحياة
وليس بهدى الله لان فيه ظلما والله سبحانه لم يجعل الظلم ولن يجعله مما يتوسل به
إلى سعادة ولا أن السعادة تنال بظلم.
[صفحة250 ]
وبالجملة هدى الله سبحانه من خاصته أنه لا يشتمل على ضلال ولا يجامع ضلالا بالتأدية
إليه، وإنما هو الهدى محضا تتلوه السعادة محضة عطاء غير مجذوذ لكن لا على حد
العطايا المعمولة فيما بيننا التى ينقطع معها ملك المعطى (بالكسر) عن عطيته وينتقل
إلى المعطى (بالفتح) فيحوزه على أي حال سواء شكرأو كفر.
بل
هذه العطية الالهية إنما تقوم على شريطة التوحيد والعبودية فلا كرامة لاحد عليه
تعالى ولا أمن له منه إلا بالعبودية محضا، ولذلك ذيل الكلام بقوله: (ولو أشركوا
لحبط عنهم ما كانوا يعملون) وإنما ذكر الاشراك لان محط البيان إنما هو التوحيد.
قوله تعالى: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة) الاشارة باللفظ المفيد
للبعد للدلالة على علو شأنهم ورفعة مقامهم، والمراد بإيتائهم الكتاب وغيره إيتاء
جمعهم ذلك بوصف المجموع وإن كان بعضهم لم يؤتوا بعض المذكورات كما مر في تفسير
قوله: (واجتبيناهم وهديناهم) فإن الكتاب إنما أوتيه بعض الانبياء كنوح وإبراهيم
وموسى وعيسى
(عليه السلام).
والكتاب إذا نسب في كلامه تعالى إلى الانبياء
(عليهم السلام)
نوعا من النسبة يراد به الصحف التى تشتمل على الشرائع ويقضى بها بين الناس فيما
اختلفوا فيه كقوله تعالى: (كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين
وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) (البقرة: 213) وقوله:
(إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون - إلى أن قال - وأنزلنا إليك
الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل
الله) (المائدة: 48).
إلى
غير ذلك من الايات.
والحكم هو إلقاء النسبة التصديقية بين أجزاء الكلام كقولنا: فلان عالم، وإذا كان
ذلك في الامور الاجتماعية والقضايا العملية التى تدور بين المجتمعين عد نوع النسبة
حكما كما تسمى نفس القضية حكما كما يقال: يجب على الانسان أن يفعل كذا ويحرم عليه
أن يفعل كذا أو يجوز له أن يفعل كذا أو احب أو أكره أن تفعل كذا فتسمى الوجوب
والحرمة والجواز والاستحباب والكراهة أحكاما كما تسمى القضايا المشتملة عليها
أحكاما، ولاهل الاجتماع أحكام اأخرنا شئة من نسب أخرى كالملك والرئاسة والنيابة
والكفاية