( من كتاب ابن دأب في فضل امير المؤمنين عليه السلام ) من كتاب ابن دأب في فضل امير المؤمنين عليه السلام فيه سبعون منقبة له ليس لاحد فيها نصيب بسم الله الرحمن الرحيم حدثنا عبدالله - رحمه الله - قال: حدثنا أحمد بن علي بن الحسن بن شاذان قال: روى لنا أبوالحسين محمد بن علي بن الفضل بن عامر الكوفي قال: أخبرنا أبوعبدالله الحسين بن الفرزدق فزاري البزاز قراء‌ة عليه قال: حدثنا أبوعيسى محمد بن علي بن عمرويه الطحان وهو الوراق قال: حدثنا أبومحمد الحسن بن موسى قال: حدثنا علي بن أسباط، عن غير واحد من أصحاب ابن دأب (1) قال: لقيت الناس يتحدثون أن العرب كانت تقول: إن يبعث الله فينا نبيا يكون في أصحابه سبعون خصلة من مكارم الدنيا والآخرة، فنظروا وفتشوا هل يجتمع عشر خصال في واحد فضلا عن سبعين، فلم يجدوا خصالا مجتمعة للدين والدنيا ووجدوا عشر خصال مجتمعة في الدنيا وليس في الدين منها شئ ووجدوا زهير بن حباب الكلبي ووجدوه شاعرا، طبيبا، فارسا، منجما، شريفا أيدا، كاهنا، قائفا، عائفا، زاجرا (2) وذكروا أنه عاش ثلاث مائة سنين وأبلى أربعة لحم.

___________________________________
(1) قال المحدث القمى - رحمه الله - في الكنى والالقاب، أبوالوليد عيسى بن يزيد بن بكر ابن دأب - كفلس- كان من أهل الحجاز من كنانة معاصرا لموسى الهادى العباسى وكان أكثر أهل عصره أدبا وعلما ومعرفة بأخبار الناس وأيامهم وكان موسى الهادى يدعو له متكئا ولم يكن غيره يطمع منه في ذلك وكان يقول له: يا عيسى ما استطلت بك يوما ولا ليلة ولا غبت عنى الا ظننت أنى لا أرى غيرك، ذكر المسعودى في مروج الذهب بعض أخباره مع الهادى ثم قال: ولابن دأب مع الهادى أخبار حسان يطول ذكرها ويتسع علينا شرحها ولا يتأتى لنا ايراد ذلك في هذا الكتاب لاشتراطنا فيه على انفسنا الاختصار والايجاز انتهى قلت: ويظهر من رواية نقلها صاحب الاختصاص عنه في الخصال الشريفة التى جمعت في امير المؤمنين عليه السلام ولم تجتمع في أحد غيره تشيعه والرواية طويلة أوردها العلامة المجلسى في البحار ج 9 ص 450 لا يحتمل المقام ذكرها.قال ابن قتيبة ولابن دأب عقب بالبصرة وأخوه يحيى بن يزيد وكان أبوهما يزيد أيضا عالما بأخبار العرب واشعارها وكان شاعرا أيضا وأغلب على آل دأب الاخبار. انتهى. (2) الايد - ككيس -: القوى.والقائف: الذى يعرف النسب بفراسته ونظره إلى اعضاء المولود.والعائف: المتكهن بالطير أو غيرها.


[145]

قال ابن دأب: ثم نظروا وفتشوا في العرب وكان الناظر في ذلك أهل النظر، فلم يجتمع في أحد خصال مجموعة للدين والدنيا بالاضطرار على ما أحبوا وكرهوا إلا في علي بن أبي طالب عليه السلام فحسدوه عليها حسدا أنغل القلوب (1) وأحبط الاعمال، وكان أحق الناس وأولاهم بذلك إذ هدم الله عزوجل به بيوت المشركين ونصر به الرسول صلى الله عليه وآله واعتز به الدين في قتله من قتل من المشركين في مغازي النبي صلى الله عليه وآله. قال ابن دأب: فقلنا لهم: وما هذه الخصال؟ قالوا: المواساة للرسول صلى الله عليه وآله وبذل نفسه دونه، والحفيظة، ودفع الضيم عنه، والتصديق للرسول صلى الله عليه وآله بالوعد، والزهد و ترك الامل، والحياء، والكرم، والبلاغة في الخطب، والرئاسة، والحلم، والعلم، والقضاء بالفصل، والشجاعة، وترك الفرح عند الظفر، وترك إظهار المرح، وترك الخديعة والمكر والغدر، وترك المثلة وهو يقدر عليها، والرغبة الخالصة إلى الله، وإطعام الطعام على حبه، وهو ان ما ظفر به من الدنيا عليه، وتركه أن يفضل نفسه وولده على أحد من رعيته و طعامه أدنى ما تأكل الرعية، ولباسه أدنى ما يلبس أحد من المسلمين، وقسمه بالسوية و عدله في الرعية، والصرامة في حربه (2) وقد خذله الناس، وكان في خذل الناس وذهابهم عنه بمنزلة اجتماعهم عليه طاعة لله وانتهاء إلى أمره، والحفظ وهو الذي تسميه العرب العقل حتى سمي اذنا واعية، والسماحة، وبث الحكمة، واستخراج الكلمة، والابلاغ في الموعظة، وحاجة الناس إليه إذا حضر، حتى لا يؤخذ إلا بقوله، وانغلاق كلما في الارض (3) على الناس حتى يستخرجه، والدفع عن المظلوم وإغاثة الملهوف، والمروء‌ة، وعفة البطن والفرج، وإصلاح المال بيده ليستغني به عن مال غيره، وترك الوهن والاستكانة وترك الشكاية في موضع ألم الجراحة، وكتمان ما وجد في جسده من الجراحات من قرنه إلى قدمه وكانت ألف جراحة في سبيل الله، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود ولو على نفسه، وترك الكتمان فيما لله فيه الرضا على ولده، وإقرار الناس بما

___________________________________
(1) انغل القلوب أى أفسدها. (2) الصرامة - بفتح الصاد - ورجل صرامة أى مستبد برأيه، ماض في اموره. (3) في بعض النسخ


[ وانفلاق ما في الارض ]

.


[146]

نزل به القرآن من فضائله وما يحدث الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله من مناقبه واجتماعهم على أنه لم يرد على رسول الله صلى الله عليه وآله كلمة قط، ولم ترتعد فرائصه في موضع بعثه فيه قط، وشهادة الذين كانوا في أيامه أنه وفر فيئهم وظلف نفسه عن دنياهم، (1) ولم يرتشي في أحكامهم، وزكاء القلب، وقوة الصدر عندما حكمت الخوارج عليه - وهرب كل من كان في المسجد وبقي على المنبر وحده - وما يحدث الناس أن الطير بكت عليه، وما روي عن ابن شهاب الزهري أن حجارة أرض بيت المقدس قلبت عند قتله فوجد تحتها دم عبيط والامر العظيم حتى تكلمت به الرهبان وقالوا فيه، ودعاؤه الناس إلى أن يسألوه عن كل فتنة تضل مائة أو تهدي مائة، وما روى الناس من عجائبه في إخباره عن الخوارج وقتلهم، وتركه مع هذا أن يظهر منه استطالة أو صلف (2)، بل كان الغالب عليه إذا كان ذلك غلب البكاء عليه، والاستكانة لله حتى يقول له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذا البكاء يا علي؟ فيقول: أبكي لرضاء رسول الله عني، قال: فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله وملائكته ورسوله عنك راضون، وذهاب البرد عنه في أيام البرد، وذهاب الحر عنه في أيام الحر، فكان لا يجد حرا ولا بردا، والتأييد بضرب السيف في سبيل الله، والجمال قال: أشرف يوما على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما ظننت إلا أنه أشرف علي القمر ليلة البدر، ومباينته للناس في احكام خلقه، قال: وكان له سنام كسنام الثور، بعيد ما بين المنكبين، وإن ساعديه لا يستبينان من عضديه من إدماجهما من إحكام الخلق، لم يأخذ بيده أحدا قط إلا حبس نفسه، فإن زاد قليلا قتله. قال ابن دأب: فقلنا: أي شئ معنى أول خصاله المواساة؟ قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله له: إن قريشا قد أجمعوا على قتلي فنم علي فراشي، فقال: بأبي أنت وأمي السمع والطاعة لله ولرسوله فنام على فراشه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله لوجهه، وأصبح علي وقريش يحرسه فأخذوه فقالوا: أنت الذي غدرتنا منذ الليلة؟ فقطعوا له قضبان الشجر فضرب حتى كادوا يأتون على نفسه، ثم أفلت من أيديهم وأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في الغار

___________________________________
(1) ظلف نفسه عن الشئ أي كف عنه. ورجل ظلف النفس: مترفع عن الدنايا. (2) الصلف - محركة -: الادعاء ما فوق القدر اعجابا وتكبرا، ومجاوزة قدر الظرف.


[147]

أن أكثر ثلاثة أباعر: واحدا لي وواحدا لابي بكر وواحدا للدليل واحمل أنت بناتي إلى أن تلحق بي، ففعل. قال: فما الحفيظة والكرم؟ قالوا: مشى على رجليه وحمل بنات رسول الله صلى الله عليه وآله على الظهر، وكمن النهار وسار بهن الليل ماشيا على رجليه، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وقد تعلقت قدماه دما ومدة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: هل تدري ما نزل فيك؟ فأعلمه بما لا عوض له لو بقي في الدنيا ما كانت الدنيا باقية، قال: يا علي نزل فيك " فاستجاب لهم ربي أني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى (1) " فالذكر أنت والاناث بنات رسول الله صلى الله عليه وآله يقول الله تبارك وتعالى: " فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب (2) ". قال: فما دفع الضيم؟ قالوا: حيث حصر رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب، حتى أنفق أبوطالب ماله ومنعه في بضع عشرة قبيلة من قريش وقال أبوطالب في ذلك لعلي عليه السلام (3) وهو مع رسول الله صلى الله عليه وآله في اموره وخدمته وموازرته ومحاماته. قال: فما التصديق بالوعد؟ قالوا: قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وأخبره بالثواب والذخر، وجزيل المآب لمن جاهد محسنا بماله ونفسه ونيته، فلم يتعجل شيئا من ثواب الدنيا عوضا من ثواب الآخرة، ولم يفضل نفسه على أحد للذي كان عنده وترك ثوابه ليأخذه مجتمعا كاملا يوم القيامة، وعاهد الله أن لا ينال من الدنيا إلا بقدر البلغة، ولا يفضل له شئ مما أتعب فيه بدنه، ورشح فيه جبينه، إلا قدمه قبله فأنزل الله " وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله " (4). قال: فقيل لهم: فما الزهد في الدنيا؟ قالوا: لبس الكرابيس وقطع ما جاوز من أنامله وقصر طول كمه، وضيق أسفله، كان طول الكم ثلاثة أشبار وأسفله اثنى عشر شبرا، وطول البدن ستة أشبار (5).

___________________________________
(1) آل عمران: 194. (2) آل عمران: 195. (3) كذا. يعنى قال لعلى عليه السلام ما قال وأوصاه به صلى الله عليه وآله. (4) البقر: 110. (5) كذا. وفى الكافى عن زرارة قال: رأيت قميص على عليه السلام الذى قتل فيه عند ابى جعفر عليه السلام فاذا أسفله اثنى عشر شبرا وبدنه ثلاثة اشبار.


[148]

قال: قلنا: فما ترك الامل؟ قالوا: قيل له: هذا قد قطعت ما خلف أناملك فمالك لا تلف كمك؟ قال الامر أسرع من ذلك، فاجتمعت إليه بنو هاشم قاطبة وسألوه وطلبوا إليه لما وهب لهم لباسه، ولبس لباس الناس، وانتقل عما هو عليه من ذلك، فكان جوابه لهم البكاء والشهيق (1)، وقال: بأبي وامي من لم يشبع من خبز البر حتى لقى الله، وقال لهم: هذا لباس هدى يقنع به الفقير ويستر به المؤمن. قال: فما الحياء؟ قالوا: لم يهجم على أحد قط أراد قتله فأبدا عورته إلا انكفأ عنه حياء منه. قال: فما الكرم؟ قالوا: قال له سعد بن معاذ وكان نازلا عليه في العزاب في أول الهجرة: ما منعك أن تخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ابنته؟ فقال عليه السلام: أنا أجتري أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله؟ والله لو كانت أمة له ما اجترأت عليه، فحكى سعد مقالته لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قل له يفعل فإني سأفعل، قال: فبكى حيث قال له سعد، قال: ثم قال: لقد سعدت إذا ان جمع الله لي صهره مع قرابته، فالذي يعرف من الكرم هو الوضع لنفسه وترك الشرف على غيره وشرف أبي طالب ما قد علمه الناس وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله لابيه وامه أبوه أبوطالب بن عبدالمطلب بن هاشم وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم التي خاطبها رسول الله صلى الله عليه وآله في لحدها، وكفنها في قميصه، ولفها في ردائه، وضمن لها على الله أن لا تبلى أكفانها، وأن لا تبدي لها عورة، ولا يسلط عليها ملكي القبر، وأثنى عليها عند موتها، وذكر حسن صنيعها به وتربيتها له، وهو عند عمه أبي طالب وقال: ما نفعني نفعها أحد. ثم البلاغة مال الناس إليه حيث نزل من المنبر فقالوا: ما سمعنا يا أمير المؤمنين أحد قط أبلغ منك ولا أفصح، فتبسم وقال: وما يمنعني؟ وأنا مولد مكي، ولم يزدهم على هاتين الكلمتين. ثم الخطب فهل سمع السامعون من الاولين والآخرين بمثل خطبه وكلامه، وزعم أهل الدواوين لولا كلام علي بن أبي طالب عليه السلام وخطبه وبلاغته في منطقه ما أحسن أحد

___________________________________
(1) الشهيق: تردد البكاء في الصدر.


[149]

أن يكتب إلى أمير جند ولا إلى رعية. ثم الرئاسة فجميع من قاتله ونابذه على الجهالة والعمى والضلالة، فقالوا: نطلب دم عثمان ولم يكن في أنفسهم ولا قدروا من قلوبهم أن يدعوا رئاسته معه، وقال هو: أنا أدعوكم إلى الله وإلى رسوله بالعمل بما اقررتم لله ورسوله من فرض الطاعة، وإجابة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الاقرار بالكتاب والسنة. ثم الحلم قالت له صفية بنت عبدالله بن خلف الخزاعي: أيم الله نساء‌ك منك كما أيمت نساء‌نا وأيتم الله بنيك منك كما أيتمت أبناء‌نا من آبائهم، فوثب الناس عليها، فقال: كفوا عن المرأة فكفوا عنها، فقالت لاهلها: ويلكم الذين قالوا هذا سمعوا كلامه قط عجبا من حلمه عنها (1). ثم العلم، فكم من قول قد قاله عمر: " لولا علي لهلك عمر ". ثم المشورة في كل أمر جرى بينهم حتى يجيبهم بالمخرج. ثم القضاء لم يقدم إليه أحد قط فقال له: عد غدا أو دفعه، إنما يفصل القضاء مكانه، ثم لو جاء‌ه بعد لم يكن إلا ما بدر منه أولا. ثم الشجاعة كان منها على أمر لم يسبقه الاولون ولم يدركه الآخرون من النجدة والبأس ومباركة الاخماس علي أمر لم ير مثله، لم يول دبرا قط، ولم يبرز إليه أحد قط إلا قتله ولم يكع عن أحد قط (2) دعاه إلى مبارزته ولم يضرب أحدا قط في الطول إلا قده، ولم يضربه في العرض إلا قطعه بنصفين، وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله حمله على فرس، فقال: بأبي أنت وامي مالي وللخيل أنا لا أتبع أحدا ولا أفر من أحد وإذا ارتديت سيفي لم أضعه إلا للذي أرتدي له. ثم ترك الفرح وترك المرح، أتت البشرى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تترى بقتل من قتل يوم احد من أصحاب الالوية فلم يفرح ولم يختل وقد اختال أبودجانة ومشى بين الصفين مختالا فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع.

___________________________________
(1) كذا في النسختين وفيه تصحيف. وأوردنا القضية بتفصيلها في آخر الكتاب فليراجع. (2) كع يكع كعا: ضعف وجبن.


[150]

ثم لما صنع بخيبر ما صنع من قتل مرحب، وفرار من فر بها قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار، فإخباره أنه ليس بفرار معرضا عن القوم الذين فروا قبله، فافتتحها وقتل مرحبا وحمل بابها وحده فلم يطقه دون أربعين رجلا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فنهض مسرورا فلما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد أقبل إليه انكفأ إليه (1) فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: بلغني بلاؤك فأنا عنك راض فبكى علي عليه السلام عند ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أمسك ما يبكيك؟ فقال: ومالي لا أبكي ورسول الله عني راض؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله وملائكته ورسوله عنك راضون، وقال له: لولا أن يقول فيك الطوائف من امتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملا من المسلمين قلوا أو كثروا إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يطلبون بذلك البركة. ثم ترك الخديعة والمكر والغدر، اجتمع الناس عليه جميعا، فقالوا له: اكتب يا أمير المؤمنين إلى من خالفك بولايته ثم اعزله (2)، فقال: المكر والخديعة والغدر في النار. ثم ترك المثلة قال لابنه الحسن عليه السلام: يا بني اقتل قاتلي وإياك والمثلة فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كرهها ولو بالكلب العقور. ثم الرغبة بالقربة إلى الله بالصدقة، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ما عملت في ليلتك؟ قال: ولم يا رسول الله؟ قال: نزلت فيك أربعة معالي، قال: بأبي أنت وامي كانت معي أربعة دراهم فتصدقت بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية، قال: فإن الله أنزل فيك " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (3) " ثم قال له: فهل عملت شيئا غير هذا فإن الله قد أنزل علي سبعة عشر آية يتلو بعضها بعضا من قوله: " إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا - إلى قوله: - إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا " قوله:

___________________________________
(1) انكفأ إلى كذا اى مال إليه. (2) يعنون معاوية بن أبي سفيان. (3) البقرة: 273.


[151]

" ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (1) " قال: فقال العالم: أما إن عليا لم يقل في موضع: " إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " ولكن الله علم من قلبه أنما أطعم لله فأخبره بما يعلم من قلبه من غير أن ينطق به. ثم هو ان ما ظفر به من الدنيا عليه، أنه جمع الاموال ثم دخل إليها فقال: هذا جناي وخياره فيه *** إذ كل جان يده إلى فيه (2) ابيضي واصفري وغري غيري أهل الشام غدا إذا ظهروا عليك، وقال: أنا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة (3)، ثم ترك التفضيل لنفسه وولده على أحد من أهل الاسلام دخلت عليه اخته ام هاني بنت أبي طالب فدفع إليها عشرين درهما، فسألت أم هاني مولاتها العجمية فقالت: كم دفع إليك أمير المؤمنين عليه السلام؟ فقالت: عشرين درهما فانصرفت مسخطة، فقال لها: انصرفي رحمك الله ما وجدنا في كتاب الله فضلا لاسماعيل على إسحاق، وبعث إليه من خراسان بنات كسرى فقال لهن: ازوجكن؟ فقلن له: لا حاجة لنا في التزويج فإنه لا أكفاء لنا إلا بنوك، فإن زوجتنا منهم رضينا فكره أن يؤثر ولده بما لا يعم به المسلمين، وبعث إليه من البصرة من غوص البحر بتحفة لا يدرى ما قيمتها فقالت له ابنته ام كلثوم: يا أمير المؤمنين أتجمل به؟ ويكون في عنقي؟ فقال: يا أبا رافع أدخله إلى بيت المال ليس إلى ذلك سبيل، حتى لا تبقي امرأة من المسلمين إلا ولها مثل ذلك. وقام خطيبا بالمدينة حين ولي فقال: يا معشر المهاجرين والانصار يا معشر قريش اعلموا والله أني لا أرزؤكم من فيئكم شيئا ما قام لي عذق بيثرب (4)، أفتروني مانعا نفسي و ولدي ومعطيكم، ولاسوين بين الاسود والاحمر؟ فقام إليه عقيل بن أبي طالب فقال: لتجعلني وأسودا من سودان المدينة واحدا؟ فقال له: اجلس رحمك الله تعالى أما كان ههنا من يتكلم غيرك؟ وما فضلك عليهم إلا بسابقة أو تقوى.

___________________________________
(1) الدهر: 4 إلى 21. (2) الجنى: ما يجنى من الثمرة من جنى يجنى فهو جان. وخيار الشئ افضله. (3) اليعسوب: الرئيس الكبير، يقال: هو يعسوب قومه اى رئيسهم. (4) رزأه ماله - كجعله - رزء‌ا: اصاب منه شيئا. والعذق - بالكسر -: كل غصن له شعب.


[152]

ثم اللباس استعدى زياد بن شداد الحارثي (1) صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله على أخيه عبيدالله بن شداد فقال: يا أمير المؤمنين ذهب أخي في العبادة وامتنع أن يساكنني في داري ولبس أدنى ما يكون من اللباس (2)، قال: يا أمير المؤمنين تزينت بزينتك، ولبست لباسك، قال: ليس لك ذلك إن إمام المسلمين إذا ولي امورهم لبس لباس أدنى فقيرهم لئلا يتبيغ بالفقير فقره فيقتله (3) فلاعلمن ما لبست إلا من أحسن زي قومك، " وأما بنعمة ربك فحدث " فالعمل بالنعمة أحب إلي من الحديث بها. ثم القسم بالسوية والعدل في الرعية، ولى بيت مال المدينة عمار بن ياسر وابا الهيثم ابن التيهان فكتب: العربي والقرشي والانصاري والعجمي وكل من كان في الاسلام من قبائل العرب وأجناس العجم


[ سواء ]

فأتاه سهل بن حنيف بمولى له أسود فقال: كم تعطي هذا فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: كم أخذت أنت؟ قال: ثلاثة دنانير وكذلك أخذ الناس قال: فأعطوا مولاه مثل ما أخذ ثلاثة دنانير، فلما عرف الناس أنه لا فضل لبعضهم على بعض إلا بالتقوى عند الله، أتى طلحة والزبير عمار بن ياسر وأبا الهيثم بن التيهان فقالا: يا أبا اليقظان استأذن لنا على صاحبك قال: وعلى صاحبي إذن قد أخذ بيد أجيره واخذ مكتله ومساحته وذهب يعمل في نخلة في بئر الملك، وكانت بئر ينبع سميت بئر الملك فاستخرجها علي بن أبي طالب عليه السلام وغرس عليها النخل، فهذا من عدله في الرعية وقسمه بالسوية. قال ابن دأب: فقلنا: فما أدنى طعام الرعية؟ فقال: يحدث الناس أنه كان يطعم الخبز واللحم، ويأكل الشعير والزيت، ويختم طعامه مخافة أن يزاد فيه، وسمع

___________________________________
(1) استعدى الرجل استعان به واستنصره. (2) كذا. (3) بيغ وتبيغ اى هاج، والتبيغ: الهيجان والغلبة. وروى مثله الكلينى في المجلد الاول من الكافى ص 411 وفيه مكان " عبيدالله بن شداد " ربيع بن زياد ومكان " زياد بن شداد الحارثى " عاصم بن زياد الحارثى ومثله في النهج قبل كلامه عليه السلام في احاديث البدع واختلاف الخبر وقال ابن ابى الحديد: ان الذى رويته عن الشيوخ ورأيته بخط احمد بن عبدالله الخشاب ان الربيع بن زياد الحارثى اصابه نشابة في جبينه - إلى ان قال:- قال الربيع يا امير المؤمنين: الا اشكو اليك عاصم بن زياد اخى؟ قال: لبس العباء وترك الملاء وغم اهله الخ راجع ج 3 ص 19 من طبع بيروت.


[153]

مقلى في بيته فنهض وهو يقول: في ذمة علي بن أبي طالب مقلى الكراكر، قال: ففزع عياله وقالوا: يا أمير المؤمنين إنها امرأتك فلانة نحرت جزورا في حيها فأخذلها نصيب منها فأهدى أهلها إليها، قال: فكلوا هنيئا مريئا، قال: فيقال: إنه لم يشتك ألما إلا شكوى الموت وإنما خاف أن يكون هدية من بعض الرعية وقبول الهدية لوالي المسلمين خيانة للمسلمين. قال: قيل: فالصرامة؟ قال: انصرف من حربه فعسكر في النخيلة، وانصرف الناس إلى منازلهم واستأذنوه، فقالوا: يا أمير المؤمنين كلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا (1) فإذن لنا ننصرف فنعيد بأحسن من عدتنا، وأقام هو بالنخيلة وقال: إن صاحب الحرب الارق (2) الذي لا يتوجد من سهر ليله وظمأ نهاره ولا فقد نسائه وأولاده، فلا الذي انصرف فعاد فرجع إليه، ولا الذي أقام فثبت معه في عسكره أقام، فملا رأى ذلك دخل الكوفة فصعد المنبر فقال: لله أنتم ! ما أنتم إلا أسد الشرى (3) في الدعة، وثعالب رواغة، ما أنتم بركن يصال به (4) ولا زوافر عز يفتقر إليها، أيها المجتمعة أبدانهم والمختلفة أهواؤهم ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم (5)، مع أي إمام بعدي تقاتلون

___________________________________
(1) كان ذلك بعد منصرفه عليه السلام من نهروان. والاسنة: جمع سنان. و " نصلت اسنة رماحنا " اى زال اثرها. (2) الارق: السهر بالليل، وفى النهاية: رجل - ارق ككتف -: إذا سهر لعلة فان كان السهر من عادته قيل: ارق بضم الهمزة والراء -. (3) الشرى: موضع تنسب اليه الاسد، وقيل: هو شرى الفرات وناحيته وبه غياض وآجام و مأسدة. والاسد: جمع أسد. والدعة: خفض العيش اى في وقت الدعة والخفض. والرواغ: كثير الخداع والمكر، يقال: هو ثعلب رواغ وهم ثعالب رواغة. (4) في النهج " بركن يمال بكم " اى يمال إلى العدو بقوتكم. وفى تاريخ الطبرى والامامة والسياسة " بركن يصال بكم ". وقوله " زوافر عز يفتقر اليها " في الطبرى والامامة " ذى عز يعتصم إليه ". والزوافر جمع زافرة وهى من البناء: ركنه ومن الرجل: عشيرته وانصاره وخاصته وفى بعض خطب النهج " ولا زوافر عز يعتصم اليها ". (5) " المختلفة اهواؤهم " في البيان والتبيين للجاحظ ج 2 ص 56 " المختلفة اهواؤكم " وهذا على الالتفات. يعنى المختلفة اراؤهم وميولهم وما تميل اليه قلوبهم. والعزة في الاصل الغلبة و القوة واسناد المنفى إلى الدعوة توسع والمراد ذلة من دعاهم لعدم الاجابة. وقوله: " قاساكم " في بعض النسخ


[ ماشاكم ]

.


[154]

وأي دار بعد داركم تمنعون، فكان في آخر حربه أشد أسفا وغيظا وقد خذله الناس.(1) قال: فما الحفظ؟ قال: هو الذي تسميه العرب العقل، لم يخبره رسول الله صلى الله عليه وآله بشئ قط إلا حفظه، ولا نزل عليه شئ قط إلا وعى به، ولا نزل من أعجايب السماء شئ قط إلى الارض إلا سأل عنه حتى نزل فيه " وتعيها اذن واعية " (2). وأتى يوما باب النبي صلى الله عليه وآله وملائكته يسلمون عليه وهو واقف حتى فرغوا، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وآله فقال له: يا رسول الله سلم عليك أربع مائة ملك ونيف، قال: وما يدريك؟ قال: حفظت لغاتهم. فلم يسلم عليك ملك إلا بلغة غير لغة صاحبه. قال السيد: (3) فظل يعقد بالكفين مستمعا *** كأنه حاسب من أهل دارينا أدت إليه بنوع من مفادتها *** سفائن الهند يحملن الربا بينا (4) قال ابن دأب: وأهل دارينا قرية من قرى أهل الشام


[ أ ]

وأهل جزيرة أهلها أحسب قوم. ثم الفصاحة، وثب الناس إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين ما سمعنا أحدا قط أفصح منك ولا أعرب كلاما منك، قال: وما يمنعني وأنا مولدي بمكة. قال ابن دأب: فأدركت الناس وهم يعيبون كل من استعان بغير الكلام الذي يشبه الكلام الذي هو فيه (5) ويعيبون الرجل الذي يتكلم ويضرب بيده على بعض جسده أو على الارض أو يدخل في كلامه ما يستعين به فأدركت الاولى وهم يقولون: كان عليه السلام يقوم فيتكلم بالكلام منذ ضحوة (6) إلى أن تزول الشمس، لا يدخل في كلامه غير الذي تكلم

___________________________________
(1) هذه الخطبة مروية في البيان والتبيين ج 2 ص 56 وتاريخ الطبرى ج 4 ص 67 ونهج البلاغة بتغييرات. (2) الحاقة: 11. (3) اراد به السيد اسماعيل الحميرى المعروف مادح اهل البيت. (4) الربا بين جمع ربان - بضم الراء وشد الباء الموحدة - هو رئيس الملاحين. وفى بعض النسخ


[ سفائن الهند يعلقن الربابينا ]

. (5) هكذا في النسختين وفى البحار. (6) الضحوة: ارتفاع النهار بعد طلوع الشمس.


[155]

به ولقد سمعوه يوما وهو يقول: والله ما أتيتكم اختيارا ولكن أتيتكم سوقا (1)، أما والله لتصيرن بعدي سبايا سبايا يغيرونكم ويتغاير بكم، أما والله إن من ورائكم الادبر، لا تبقى ولا تذر، والنهاس الفراس القتال الجموح (2)، يتوارثكم منهم عدة يستخرجون كنوزكم من حجالكم ليس الآخر بأرأف بكم من الاول، ثم يهلك بينكم دينكم و دنياكم، والله لقد بلغني أنكم تقولون: إني أكذب فعلى من أكذب أعلى الله؟ ! فأنا أول من آمن بالله أم على رسوله؟ ! فأنا أول من صدق به، كلا والله أيها اللهجة عمتكم شمسها (3) ولم تكونوا من أهلها، وويل لامه، كيلا بغير ثمن، لو أن له وعاء (4) ولتعلمن نبأه بعد حين، إني لو حملتكم على المكروه الذي جعل الله عاقبته خيرا إذا كان فيه وله، فإن استقمتم هديتم، وإن تعوجتم أقمتكم، وإن أبيتم تداركتكم، لكانت الوثقى التي لا تعلى، ولكن بمن؟ وإلى من؟، اداويكم بكم واعاتبكم بكم (5)، كناقش الشوكة بالشوكة أن ضلعها معها (6)، يا ليت لي من بعد قومي قوما، وليت أن أسبق يومي. هنالك لو دعوت أتاك منهم *** رجال مثل أرمية الحميم (7)

___________________________________
(1) في بعض نسخ النهج " والله ما اتيتكم اختيارا ولا جئت اليكم شوقا ". (2) النهاس: الاسد والذئب وبمعنى النهاش. والفراس: الاسد. والجموح معرب (جموش)، وفى الاحتجاج والارشاد " النهاس الفراس الجموع المنوع ". (3) كذا وفى النهج


[ كلا والله ولكنها لهجة غبتم عنها ]

. وفى الاحتجاج للطبرسى " كلا ولكنها لهجة خدعة كنتم عنها اغنياء ". وهكذا في الارشاد ولعل ما في الكتاب تصحيف. (4) في النهج " ويلمه كيلا بغير ثمن لو كان له وعاء " ويلمه مخفف " ويل لامه ". (5) في النهج " اريد أن اداوى بكم وانتم دائى ". (6) الضلع - بفتح الضاد وسكون اللام -: الميل وهو مثل يضرب لمن يستعان به على خصم و كان ميله وهواه مع الخصم، وفى الاصل " لا تنقش الشوكة بالشوكة فان ضلعها معها " ونقش الشوكة اخراجها من العضو تدخل فيه. (7) قال الشريف الرضى في النهج ذيل خطبة 26: الارمية جمع رمى وهو السحاب والحميم ههنا وقت الصيف، وانما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر لانه اشد جفولا واسرع خفوفا، لانه لا ماء فيه وانما يكون السحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء وذلك لا يكون في الاكثر إلا زمان الشتاء، وانما اراد الشاعر وصفهم بالسرعة اذا دعوا والاغاثة اذا استغيثوا، والدليل على ذلك قوله: " هنالك لو دعوت اتاك منهم " انتهى. اقول: قوله: " خفوفا " مصدر غريب لخف بمعنى انتقل وارتحل مسرعا والمصدر المعروف الخف.


[156]

اللهم إن الفرات ودجلة نهران (1) أعجمان أصمان أعميان أبكمان، اللهم سلط عليهما بحرك وانزع منهما نصرك، لا النزعة بأشطان الركي (2)، أين القوم الذين دعوا إلى الاسلام فقبلوه وقرؤوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الرماح زحفا زحفا، وصفا صفا، صف هلك وصف نجا، لا يبشرون بالنجاة، ولا يعزفون عن الفناء، اولئك إخواني الذاهبون فحق لنا أن نظمأ إليهم. ثم رأيناه وعيناه تذرفان وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون إلى عيشة بمثل بطن الحية، متى؟ لامتى لك منهم، لامتي. قال ابن دأب: هذا ما حفظت الرواة الكلمة بعد الكلمة وما سقط من كلامه أكثر وأطول، مما لا يفهم عنه. ثم الحكمة واستخراج الكلمة بالفطنة التي لم يسمعوها من أحد قط بالبلاغة في الموعظة فكان مما حفظ من حكمته وصف رجلا أن قال: ينهى ولا ينتهي ويأمر الناس بما لا يأتي ويبتغي الازدياد فيما بقي ويضيع ما اوتي، يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويبغض المسيئين وهو منهم، يبادر من الدنيا ما يفنى، ويذر من الآخرة ما يبقى، يكره الموت لذنوبه ولا يترك الذنوب في حياته. قال ابن دأب: فهل فكر الخلق إلى ما هم عليه من الوجود بصفته إلى ما قال غيره. ثم حاجة الناس إليه وغناه عنهم إنه لم ينزل بالناس ظلماء عمياء كان لها موضعا غيره مثل مجيئ اليهود يسألونه ويتعنتونه ويخبر بما في التوراة وما يجدون عندهم، فكم من يهودي قد أسلم وكان سبب إسلامه هو.

___________________________________
(1) في بعض النسخ


[ دجلة نهروان ]

. (2) الاشطان جمع شطن وهو الحبل. والركى جمع ركية وهى البئر. وفى النهج " اللهم قد ملت اطباء هذا الداء الدوى وكلت النزعة بأشطان الركى ".


[157]

وأما غناه عن الناس فإنه لم يوجد على باب أحد قط يسأله عن كلمة ولا يستفيد منه حرفا. ثم الدفع عن المظلوم وإغاثة الملهوف، قال: ذكر الكوفيون ان سعيد بن القيس الهمداني رآه يوما في شدة الحر في فناء حائط فقال: يا أمير المؤمنين بهذه الساعة؟ قال: ما خرجت إلا لاعين مظلوما أو اغيث ملهوفا، فبينا هو كذلك إذ أتته امرأة قد خلع قلبها، لا تدري أين تأخذ من الدنيا حتى وقفت عليه، فقالت: يا أمير المؤمنين ظلمني زوجي وتعدى علي وحلف ليضربني فاذهب معي إليه، فطأطأ رأسه ثم رفعه وهو يقول: لا والله حتى يؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع (1) وأين منزلك؟ قالت: في موضع كذا وكذا، فانطلق معها حتى انتهت إلى منزلها، فقالت: هذا منزلي، قال: فسلم فخرج شاب عليه إزار ملونة فقال: اتق الله فقد أخفت زوجتك، فقال: وماأنت وذاك والله لاحرقنها بالنار لكلامك، قال: وكان إذا ذهب إلى مكان أخذ الدرة بيده والسيف معلق تحت يده فمن حل عليه حكم بالدرة ضربه ومن حل عليه حكم بالسيف عاجله، فلم يعلم الشاب إلا وقد أصلت السيف وقال له: آمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر وترد المعروف تب وإلا قتلتك، قال: وأقبل الناس من السكك يسألون عن أمير المؤمنين عليه السلام حتى وقفوا عليه قال: فاسقط في يد الشاب (2) وقال: يا أمير المؤمنين اعف عني عفا الله عنك والله لاكونن أرضا تطأني، فأمرها بالدخول إلى منزلها وانكفأ وهو يقول: " لا خير في كثير من نجويهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس " الحمد لله الذي أصلح بي بين مرأة وزوجها، يقول الله تبارك وتعالى: " لا خير في كثير من نجويهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما " (3). ثم المروء‌ة وعفة البطن والفرج وإصلاح المال، فهل رأيتم أحدا ضرب الجبال بالمعاول فخرج منها مثل أعناق الجزر كلما خرجت عنق قال: بشر الوارث ثم يبدو له فيجعلها صدقة

___________________________________
(1) تعتعه: حركه بعنف وقلقلة، وتعتع في الكلام: تردد فيه من عى. (2) اسقط في يده - على المجهول - اى ندم على فعله. (3) النساء: 114.


[158]

بتلة (1) إلى أن يرث الله الله الارض ومن عليها ليصرف النار عن وجهه ويصرف وجهه عن النار، ليس لاحد من أهل الارض أن يأخذوا من نبات نخلة واحدة حتى يطبق كلما ساخ عليه ماؤه. قال ابن دأب: فكان يحمل الوسق فيه ثلاث مائة ألف نواة، فيقال له: ما هذا؟ فيقول: ثلاث مائة ألف نخلة إن شاء الله، فيغرس النوى كلها فلا تذهب منه نواة ينبع وأعاجيبها (2). ثم ترك الوهن والاستكانة، أنه انصرف من احد وبه ثمانون جراحة يدخل الفتائل من موضع ويخرج من موضع فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله عائدا وهو مثل المضغة على نطع (3) فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله بكى فقال له: إن رجلا يصيبه هذا في الله لحق على الله أن يفعل به ويفعل، فقال مجيبا له وبكى: بأبي أنت وامي الحمد لله الذي لم يرني وليت عنك ولا فررت، بأبي وامي كيف حرمت الشهادة؟ قال: إنها من ورائك إن شاء الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أبا سفيان قد أرسل موعدة بيننا وبينكم حمراء الاسد، فقال: بأبي أنت و امي والله لو حملت على أيدي الرجال ما تخلفت عنك، قال: فنزل القرآن " وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (4) " ونزلت الآية فيه قبلها " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (5) ". ثم ترك الشكاية في ألم الجراحة شكت المرأتان (6) إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ما يلقى و قالتا، يا رسول الله قد خشينا عليه مما تدخل الفتائل في موضع الجراحات من موضع إلى موضع. وكتمانه ما يجد من الالم، قال: فعد ما به من أثر الجراحات عند خروجه من الدنيا فكانت

___________________________________
(1) أى قطعية بحيث لا خيار ولا عود فيها. (2) كذا. (3) النطع - بكسر النون وفتحها وسكون الطاء ومحركة وبكسر النون وفتح الطاء -: بساط من الجلد يفرش تحت المحكوم عليه بالعذاب. (4) آل عمران: 145. (5) آل عمران: 144. (6) احداهما نسيبة الجراحة والاخرى امرأة غيرها تتصديان معالجة الجرحى في الغزوات.


[159]

ألف جراحة من قرنه إلى قدمه صلوات الله عليه. ثم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: خطب الناس وقال: أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر فإن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرب أجلا ولا يؤخر رزقا، وذكروا أنه توضأ مع الناس في ميضأة المسجد (1) فزحمه رجل فرمى به فأخذ الدرة فضربه به ثم قال له: ليس هذا لما صنعت بي ولكن يجيئ من هو أضعف مني فتفعل به مثل هذا فتضمن، قال: واستظل يوما في حانوت من المطر فنحاه صاحب الحانوت. ثم إقامة الحدود ولو على نفسه وولده، أحجم الناس (2) عن غير واحد من أهل الشرف والنباهة وأقدم هو عليهم بإقامة الحدود فهل سمع أحد أن شريفا أقام عليه أحد حدا غيره منهم عبيدالله بن عمر بن الخطاب ومنهم قدامة بن مظعون ومنهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط شربوا الخمر فأحجم الناس عنهم وانصرفوا وضربهم بيده حيث خشي أن تعطل الحدود. ثم ترك الكتمان على ابنته ام كلثوم أهدى لها بعض الامراء عنبرا فصعد المنبر فقال: أيها الناس إن ام كلثوم بنت علي خانتكم عنبرا وأيم الله لو كانت سرقته لقطعتها من حيث أقطع نساء‌كم. ثم القرآن وما يوجد فيه من مغازي النبي صلى الله عليه وآله مما نزل من القرآن وفضائله وما يحدث الناس مما قام به رسول الله صلى الله عليه وآله من مناقبه التي لا تحصى. ثم أجمعوا أنه لم يرد على رسول الله صلى الله عليه وآله كلمة قط ولم يكع عن موضع بعثه وكان يخدمه في أسفاره ويملا رواياه وقربه ويضرب خباء‌ه ويقوم على رأسه بالسيف حتى يأمره بالقعود والانصراف، ولقد بعث غير واحد في استعذاب ماء من الجحفة وغلظ عليه الماء فانصرفوا ولم يأتوا بشئ، ثم توجه هو بالرواية فأتاه بماء مثل الزلال واستقبله أرواح فأعلم بذاك النبي صلى الله عليه وآله فقال: ذلك جبرئيل في ألف وميكائيل في ألف ويتلوه إسرافيل في ألف فقال السيد الشاعر: (3) ذاك الذي سلم في ليلة *** عليه ميكال وجبريل

___________________________________
(1) الميضأة - بكسر الميم وسكون الياء وفتح الضاد -. موضع يتوضأ فيه. (2) أحجم عن الشئ: كف او نكس هيبة. (3) أراد به السيد اسماعيل الحميرى المعروف مادح اهل البيت عليهم السلام.


[160]

ميكال في ألف وجبريل في *** ألف ويتلوهم سرافيل ثم دخل الناس عليه قبل أن يستشهد بيوم فشهدوا جميعا أنه قد وفر فيئهم وظلف عن دنياهم ولم يرتشي في


[ إجراء ]

أحكامهم، ولم يتناول من بيت مال المسلمين ما يساوي عقالا، ولم يأكل من مال نفسه إلا بقدر البلغة، وشهدوا جميعا أن أبعد الناس منهم بمنزلة أقربهم منه. هذا آخر كتاب ابن دأب والحمد لله والمنة وصلى الله على محمد وآله. (1) قال الفزاري: وحدثنا أبوعيسى قال: حدثنا أبومحمد الحسن بن موسى قال: حدثنا محمد بن عمر الانصاري، عن معمر، عن أبيه، عن عبيدالله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من طنت اذنه فليصل علي، ومن ذكرني بخير ذكره الله بخير. وبمثل إسناده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا توضأ للصلاة حرك خاتمه ثلاثا.

___________________________________
(1) نقله المجلسى - رحمه الله - في البحار ج 9 ص 450 إلى 454.