- 22
[353]
الحمدلله أحق من خشي وحمد ، وأفضل من اتقي وعبد ، وأولى من عظم و مجد ، نحمده لعظيم غنائه ، وجزيل عطائه ، وتظاهر نعمائه .
وحسن بلائه .
نؤمن بهداه الذي لا يخبو ضياؤه .
ولا يتمهد سناؤه ( 1 ) ولا يوهن عراه ، ونعوذ بالله من سوء كل الريب .
وظلم الفتن ، ونستغفره من مكاسب الذنوب ( 2 ) ونستعصمه من مساوي الاعمال ومكاره الآمال والهجوم في الاهوال ومشاركة أهل الريب ( 3 ) والرضا بما بعمل الفجار في الارض بغير الحق ، اللهم اغفرلنا وللمؤمنين والمؤمنات ، الاحياء منهم والاموات ، الذين توفيتهم على دينهك وملة نبيك صلى الله عليه وآله ، اللهم تقبل حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم ، وأدخل عليهم المغفرة والرحمة والرضوان ، واغفر للاحياء من المؤمنين والمؤمنات ، الذين وحدوك ، وصدقوا رسولك ، وتمسكوا بدينك وعملوا بفرائضك ، واقتدوا بنبيك ، وسنوا سنتك ، وأحلوا حلالك ، وحرموا حرامك ، خافوا عقابك ، ورجوا ثوابك ، ووالوا أولياءك ، وعادوا أعداءك ، اللهم اقبل حسناتهم ، وتجاوز عن سيئاتهم ، وأدخلهم برحمتك في عبادك الصالحين ، إله الحق آمين .
32 - كا : من الروضة ( 4 ) خطبة لامير المؤمنين عليه السلام علي بن الحسن المؤدب عن أحمد بن محمد بن خالد ، وأحمد بن محمد ( 5 ) ، عن علي بن الحسن التيمي جميعا عن إسماعيل بن مهران قال : حدثني عبدالله بن الحارث ، عن حابر ، عن أبي جعفر
____________________________________________________
( 1 ) في بعض نسخ المصدر " لا يهمد " والسنا مقصورا ضوء البرق وممدودا : الرفعة .
( 2 ) أى من شركل شك وشبهة يعترى في الدين .
-بحار الانوار مجلد: 70 من ص 353 سطر 19 الى ص 361 سطر 18 ( 3 ) أى الذين يشكون ويرتابون في الدين أو الذين يريبون الناس فيهم بالخيانة والسرقة .
( 4 ) المصدر ص 352 تحت رقم 550 .
( 5 ) أحمد بن محمد عطف على على بن الحسن وهو العاصمى ، والتيمى هو ابن فضال وقل من تفطن لذلك ( قاله المؤلف ) وفى بعض نسخ المصدر " أحمد بن محمد بن أحمد " وفى بعضها " عن على الحسين المؤدب " .
[354]
عليه السلام قال : خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس بصفين ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد النبي صلى الله عليه وآله ثم قال : أما بعد فقد جعل الله تعالى عليكم حقا بولاية أمركم ومنزلتي التي أنزلني الله عز ذكره بها منكم ، ولكم من الحق مثل الذي لي عليكم ( 1 ) والحق أجمل الاشياء في التواصف وأوسعها في التناصف ( 2 ) لا يجري لاحد إلا جرى عليه ، ولا يجري عليه إلا جرى له ، ولو كان لاحد أن يجري ذلك له ، ولا يجري عليه لكان ذلك الله عزوجل خالصا دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه ضروب قضائه ( 3 ) ولكن جعل حقه على العباد أن يطيعوه وجعل كفارتهم ( 4 ) عليه بحسن الثواب تفضلا منه وتطولا بكرمه ، وتوسعا بما هومن المزيد له أهلا ثم جعل من حقوقه حقوقا فرضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافى ( 5 ) في وجوهها
____________________________________________________
( 1 ) الذى له عليهم من الحق هو وجوب طاعته وامحاض نصيحته والذى لهم عليه من الحق هو وجوب معدلته فيهم .
( 2 ) التواصف أن يصف بعضهم لبعض والتناصف أن ينصف بعضهم بعضا وانما كان الحق أجمل الاشياء في التواصف لانه يوصف بالحسن والوجوب وكل جميل وانما كان أوسعها في التناصف لان الناس لو تنا صفوا في الحقوق لما ضاق عليهم أمر من الامور وفى النهج " والحق أوسع الاشياء في التواصف واضيقها في التناصف " وهو أوضح ومعناه أن الناس كلهم يصفون الحق ولكن لا ينصف بعضهم بعضا .
وفى بعض نسخ المصدر " التراصف " موضع التواصف .
( 3 ) أى أنواعه المتغيرة المتوالية .
وفى بعض نسخ المصدر " صروف قضائه " .
( 4 ) انما سمى جزاؤه تعالى على الطاعة كفارة لانه يكفر ما يزعمونه من أن طاعتهم له تعالى حق لهم عليه يستوجبون به الثواب مع أنه ليس كذلك لان الحق له عليهم حيث أقدرهم على الطاعة والهمهم اياها ولهذا سماه التفضل والتطول والتوسع بالانعام الذى هو للمزيد منه أهل لانه الكريم الذى لا تنفذ خزائنه بالاعطاء والجود تعالى مجده وتقدس .
وفى نهج البلاغة " وجعل جزاء هم عليه " وعلى هذا فلا يحتاج إلى التكلف .
( 5 ) أى جعل كل وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله ، فحق الوالى - وهو الطاعة من
[355]
ويوجب بعضها بعضا ، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض ( 1 ) فأعظم مما افترض الله تبارك وتعالى من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية ، وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها الله عزوجل لكل على كل ، فجعلها نظام الفتهم ، وعزا لدينهم ( 2 ) وقواما لسنن الحق فيهم .
فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية ، فاذا أدت الرعية من الوالي حقه وأدى إليها الوالي كذلك عز الحق بينهم ، فقامت مناهج الدين ، واعتدلت معالم العدل وجرت على أذلالها السنن ( 3 ) وصلح بذلك الزمان ، وطاب بها العيش ، وطمع في بقاء الدولة ، ويئست مطامع الاعداء وإذا غلبت الرعية على واليهم وعلا الوالي الرعية ، اختلف هنالك الكلمة وظهرت مطامغ الجور ، وكثر الادغال في الدين ، وتركت معالم السنن ( 4 ) فعمل بالهوى ، وعطلت الآثار ، وكثر علل النفوس ( 5 ) ولا يستوحش لجسيم حق عطل ولا لعظيم باطل اثل ، فهنالك تذل الابرار وتعز الاشرار ، وتخرب البلاد ( 6 )
____________________________________________________
الرعية مقابل بمثله وهو العدل فيهم وحسن السيرة .
( 1 ) كما أن الوالى اذا لم يعدل لم يستحق الطاعة .
( 2 ) فانها سبب اجتماعهم به ويقهرون اعداء هم ويعزدينهم .
وقوله : " قواما " أى به يقوم جريان الحق فيهم وبينهم .
( 3 ) في القاموس : ذل الطريق - بالكسر - : محجته .
وامور الله جارية اذلالها وعلى أذلالها أى مجاريها جمع ذل - بالكسر - .
( 4 ) الادغال : بكسر الهمزة وهو أن يدخل في الشئ ما ليس منه وهو الابداع والتلبيس أو - بفتحها - جمع الدغل - بالتحريك : الفساد .
( 5 ) قال البحرانى : علل النفوس أمراضها بملكات السوء كالغل والحسد والعداوة ونحوها وقيل : عللها وجوه ارتكابها للمنكرات فتاتى في كل منكر بوجه ورأى فاسد .
( 6 ) التأثيل : التأصيل .
ومجد مؤثل أى مجموع ذوأصل .
وفى النهج " فعل " مكان أثل والتبعة ما يتبع اعمال العباد من العقاب وسوء العاقبة .
[356]
وتعظم تبعات الله عزوجل عند العباد .
فهلم أيها الناس إلى التعاون على طاعة الله و عزوجل ، والقيام بعدله ، و الوفاء بعهده ، والانصاف له في جميع حقه ، فانه ليس العباد إلى شئ أحوج منهم إلى التناصح في ذلك ، وحسن التعاون عليه ، وليس أحد وإن اشتد على رضى الله حرصه ، وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما أعطى الله من الحق أهله ، ولكن من واجب حقوق الله عزوجل على العباد النصيحة له بمبلغ جهدهم .
والتعاون على إقامة الحق فيهم ، ثم ليس امرء وإن عظمت في الحق منزلته وجسمت في الحق فضيلته ، بمستغن عن أن يعان على ما حمله الله عزوجل من حقه ، ولا لامرء مع ذلك خسئت به الامور ، واقتحمته العيون ( 1 ) بدون ما أن يعين على ذلك ويعان عليه وأهل الفضيلة في الحال وأهل النعم العظام أكثر في ذلك حاجة وكل في الحاجة إلى الله عزوجل شرع سواء ( 2 ) .
فأجابه رجل من عسكره لا يدرى من هو ، ويقال : إنه لم ير في عسكره قبل
____________________________________________________
( 1 ) " ولا لا مرء " يعنى مع عدم الاستغناء عن الاستعانة وقوله : " خسئت به الامور " يقال : خسئت الكلب خسئا طردته وخسأ الكلب بنفسه يتعدى ولا يتعدى .
وقد تعدى بالباء أى طردته الامور أو يكون الباء للسببية أى بعدت بسببه الامور .
وفى بعض نسخ المصدر " حست " بالمهملتين أى اختبرته .
واقتحمه : احتقره ، وفى النهج " ولا امرء وان صغرته النفوس واقتحمته العيون " .
وقوله : " بدون ما أن يعين " أى بأقل من أن يستعان به ويعان والحاصل كما في الوافى أن الشريف والوضيع جميعا محتاجون في أداء الحقوق إلى اعانة بعضهم بعضا واستعانة بعضهم ببعض وكل من كانت النعمة عليه اعظم فاحتياجه في ذلك أكثر لان الحقوق عليه أوفر لا زياد الحقوق بحسب ازدياد النعم .
( 2 ) " سواء " بيان لقوله : " شرع " وتأكيد وانما ذكره عليه السلام ذلك لئلا يتوهم أنهم يستغنون باعانة بعضهم بعضا عن ربهم تعالى بل هو الموفق والمعين لهم في جميع امورهم ولا يستغنون بشئ عن الله تعالى وانما كلفهم بذلك ليختبر طاعتهم ويثيبهم على ذلك واقتضت حكمته البالغة أن يجرى الاشياء باسبابها وهو المسبب لها والقادر على امضائها بلا سبب .
( منه )
[357]
ذلك اليوم ولا بعده .
فقام وأحسن الثناء على الله عزوجل بما أبلاهم وأعطاهم من واجب حقه عليهم والاقرار ( 1 ) بكل ما ذكر من تصرف الحالات به وبهم ، ثم قال : أنت أميرنا ، ونحن رعيتك بك أخرجنا الله عزوجل من الذل ، وبإ عزازك أطلق عباده من الغل ( 2 ) ، فاختر علينا فأمض اختيارك ، وائتمر فأمض ائتمارك ( 3 ) فانك القائل المصدق ، والحاكم الموفق ، والملك المخول ( 4 ) ، لا نستحل في شي ء من معصيتك ، ولا نقيس علما بعلمك ، يعظم عندنا في ذلك خطرك ( 5 ) ، ويجل عنه في أنفسنا فضلك .
فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال : إن من حق من عظم جلال الله في نفسه و جل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه ، وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعم الله عليه ، ولطف إحسانه إليه ، فإنه لم تعظم نعم الله على أحد إلا زاد حق الله عليه عظما ، وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس ( 6 ) أن يظن بهم حب الفخر ، ويوضع أمر هم على الكبر ، وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني احب الاطراء ( 7 ) واستماع الثناء ، ولست بحمدالله كذلك ، ولو
____________________________________________________
( 1 ) " أبلاهم " : انعمهم .
" من واجب حقه " يعنى من حق أمير المؤمنين " ع " .
( 2 ) أشار به إلى قوله تعالى : " ويضع عنهم اصرهم والاغلال التى كانت عليهم " أى يخفف عنهم ما كانوا به من التكاليف الشاقة .
( 3 ) الايتمار بمعنى المشاورة .
( 4 ) أى الملك الذى اعطالك الله للامرة علينا وجعلنا خدمك وتبعك .
( 5 ) أى في العلم بأن تكون كلمة " في " تعليلية ويحتمل أن يكون اشارة إلى مادل عليه من الكلام من اطاعته عليه السلام .
والخطر : القدر والمنزلة .
( 6 ) السخف : رقة العيش ورقة العقل ، والسخافة رقة كل شئ ، أى أضعف أحوال الولاة عند الرعية أن يكونوا متهمين عند هم بهذه الخصلة المذمومة .
( 7 ) جال بالجيم من الحولان بالواو .
والاطراء : مجاوزة الحد في الثناء .
[358]
كنت احب أن يقال ذلك لتر كته انحطاطا لله سبحانه ( 1 ) عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء ، وربما استحلى الناس ( 2 ) الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لاخراجى نفسي إلى الله وإليكم ( 3 ) من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها و فرائض لابد من إمضائها ، فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة .
ولا تتخفظو امني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ، ولا تخالطوني بالمصانعة ( 4 ) ولا تظنوا لي استثقالا
____________________________________________________
( 1 ) أى تواضعا له تعالى وفى بعض نسخ المصدر القديمة " ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتناهيت له أغنانا الله واياكم عن تناول ما هو أحق به من التعاظم وحسن الثناء " والتناهى : قبول النهى والضمير في " له " راجع إلى الله تعالى .
وفى النهج كما في النسخ المشهورة .
( 2 ) يقال : استحلاه أى وجده حلوا قال ابن ميثم رحمه الله : هذا يجرى مجرى تمهيد العذر لمن أثنى عليه فكأنه يقول : وأنت معذور في ذلك حيث رأيتنى اجاهد في الله و أحث الناس على ذلك ومن عادة الناس أن يستهل الثناء عند أن يبلو بلاءا حسنا في جهاد أو غيره من سائر الطاعات ثم أجاب عن هذا العذر في نفسه بقوله : " ولا تثنوا على بجميل ثناء " أى لا تثنوا على لا جل ما ترونه منى من طاعة الله فان ذلك انما هو اخراج لنفسى إلى الله من حقوقه الباقية على لم افرغ بعد أدائها وهى حقوق نعمه وفرائضه التى لا بد من المضى فيها وكذلك اليكم من الحقوق التى أو جبها الله على من النصيحة في الدين والارشاد إلى الطريق الافضل والتعليم لكيفية سلوكه .
( 3 ) أى لا عترافى بين يدى الله وبمحضر منكم ، ان على حقوقا في ايالتكم ورئاستى عليكم لم اقم بها بعد وأرجو من الله القيام بها .
وفى بعض نسخ المصدر " من التقية " يعنى من أن يتقونى في مطالبة حقوق لكم افرغ من ادائها وعلى هذا يكون المراد بمستحلى الثناء الذين يثنيهم الناس اتقاء شرهم وخوفا من بأسهم .
( 4 ) أهل البادرة الملوك والسلاطين .
والبادرة : الحدة والكلام الذى يسبق من الانسان في الغضب أى لا تثنوا على كما يثنى على أهل الحدة من الملوك خوفا من سطوتهم أولا تحتشموا منى كما يحتشم من السلاطين والامراء كترك المسارة والحديث اجلالا وخوفا منهم وترك مشاورتهم ، أو اعلامهم ببعض الامور والقيام بين أيديهم .
والمصانعة : الرشوة والمداراة .
[359]
في حق قيل لي ، ولا التماس إعظام لنفسي ، فإنه من استثقل الحق أن يقال له ، أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه .
فلا تكفوا عن مقالة بحق ، أو مشورة بعدل ، فاني لست في نفسي بفوق أن اخطئ ولا آمن ذلك من فعلي ( 1 ) إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني ، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لارب غيره ، يملك منا ما لانملك من أنفسنا ، وأخرجنا مما كنا فيه ( 2 ) إلى ما صلحنا عليه ، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى .
فأجابه الرجل الذي أجابه من قبل فقال : أنت أهل ما قلت ، والله [ والله ] فوق ما قلته ، فبلاؤه عندنا ما لا يكفر ( 3 ) وقد حملك الله تبارك وتعالى رعايتنا ، وولاك سياسة امورنا ، فأصبحت علمنا الذي نهتدي به ، وإمامنا الذي نقتدي به ، وأمرك كله رشد ، وقولك كله أدب ، قد قرت بك في الحياة أعيننا ، وامتلات من سرور بك قلوبنا .
وتحيرت من صفته ما فيك من بارع الفضل ( 4 ) عقولنا .
ولسنا نقول لك
____________________________________________________
( 1 ) هذا من قبيل هضم النفس ، ليس بنفى العصمة مع أن الاستثناء يكفينا مؤونة ذلك وقال المؤلف رحمه الله : هذا من الانقطاع إلى الله والتواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق وعد نفسه من المقصرين في مقام العبودية والاقرار بأن عصمته من نعمه تعالى عليه .
( 2 ) أى من الجهالة عدم العلم والمعرفة والكمالات التى يسرها الله تعالى لنا ببعثه الرسول صلى الله عليه وآله ، قال ابن أبى الحديد : ليس هذا اشارة إلى خاص نفسه عليه السلام لانه لم يكن كافرا فاسلم ولكنه كلام يقوله ويشيربه إلى القوم الذين يخاطبهم في أفياء الناس فيأتى بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا .
( 3 ) أى نعمته عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها وسترها ، أولا يجوز كفرانها وترك شكرها .
( 4 ) برع في الشئ فاق أقرانه فيه .
[360]
أيها الامام الصالح تزكية لك .
ولا نجاوز القصد في الثناء عليك .
ولم يكن ( 1 ) في أنفسنا طعن على يقينك ، أو غش في دينك فنتخوف أن يكون أحدثت بنعمة الله تبارك وتعالى تجبرا ، أو دخلك كبر ، ولكنا نقول لك ما قلنا تقربا إلى الله عزو جل بتوقيرك ، وتوسعا بتفضيلك ، وشكرا بإعظام أمرك ، فانظر لنفسك ولنا ، و آثر أمرالله على نفسك وعلينا ، فنحن طوع فيما أمرتنا ، ننقاد من الامور مع ذلك فيما ينفعنا .
فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال : وأنا أستشهد كم عندالله على نفسي لعلمكم فيما وليت به من اموركم وعما قليل يجمعني وإياكم الموقف بين يديه ، والسؤال عما كنا فيه ، ثم يشهد بعضنا على بعض ، فلا تشهدوا اليوم بخلاف ما أنتم شاهدون غدا ، فان الله عزوجل لا يخفى عليه خافية ، ولا يجوز عنده إلا مناصحة الصدور في جميع الامور .
فأجابه الرجل ويقال لم يرالرجل بعد كلامه هذا لامير المؤمنين عليه السلام فأجابه وقد عال الذي ( 2 ) في صدره فقال والبكاء تقطع منطقه ، وغصض الشجى تكسر صوته إعظاما لخطر مرزئته ، ووحشة ؟ من كون فجيعة ( 3 ) .
فحمدالله وأثنى عليه ثم شكى إليه هول ما أشفى عليه ( 4 ) من الخطر العظيم والذل الطويل في فساد زمانه ، وانقلاب جده ( 5 ) وانقطاع ما كان من دولته ، ثم
____________________________________________________
( 1 ) قال المؤلف رحمه الله : " لم يكن " على بناء المجهول من كننت الشئ : سترته .
أو بفتح الياء وكسر الكاف من وكنت الطائر بيضه يكنه اذا حضنه وفى بعض نسخ المصدر " لم يكن " وفى النسخة القديمة " لن يكون " .
( 2 ) عال بالمهملة : اشتد وتفاقم وغلبه وثقل عليه وأهمه .
( 3 ) الغصة بالضم : ما اعترض في الحلق وكذا الشجا .
والمرزئة : المصيبة وكذا الفجيعة والضميران راجعان إلى أمير المؤمنين عليه السلام .
( 4 ) أى أشرف عليه ، والضمير في قوله : " اليه " راجع إلى الله تعالى .
( 5 ) الجد : البحت وقديقر الحد وهو الحدود والاحكام والعقوبة وما يعترى الانسان من الغضب .
[361]
نصب المسألة إلى الله عزوجل بالامتنان عليه ، والمدافعة عنه بالتفجع وحسن الثناء .
فقال : يارباني العباد ، ويا سكن البلاد ( 1 ) أين يقع قولنا من فضلك ، وأين يبلغ وصفنا من فعلك ، وأنى نبلغ حقيقة حسن ثنائك أو نحصي جميل بلائك ؟ و كيف وبك جرت نعم الله علينا ، وعلى يدك اتصلت أسباب الخير إلينا ، ألم تكن لذل الذليل ملاذا وللعصاة الكفار إخوانا ( 2 ) فبمن إلا بأهل بيتك وبك أخرجنا الله عزوجل من فظاعة تلك الخطرات ، أو بمن فرج عنا غمرات الكربات ( 3 ) وبمن إلا بكم أظهر الله معالم ديننا ، واستصلح ما كان فسد من دنيانا ، حتى استبان بعد الحور ذكرنا ( 4 ) ، وقرت من رخاء العيش أعيننا ، لما وليتنا بالاحسان جهدك ووفيت لنا بجميع وعدك ، وقمت لنا على جميع عهدك ، فكنت شاهد من غاب منا وخلف أهل البيت لنا ، وكنت عز ضعفائنا ، وثمال فقرائنا ( 5 ) ، وعماد عظمائنا يجمعنا في الامور عدلك ، ويتسع لنا في الحق تأنيك ( 6 ) ، فكنت لنا أنسا إذا
____________________________________________________
( 1 ) السكن بالتحريك : كل ما يسكن اليه وفى بعض المصدر " يا ساكن البلاد " .
( 2 ) أى كنت تعاشر من يعصيك ويكفر نعمتك معاشرة الاخوان شفقة منك عليهم أو المراد الشفقة على الكفار والعصاة والاهتمام في هدايتهم ويحتمل أن يكون المراد المنافقين الذين كانوا في عسكره وكان يلزمه رعايتهم بظاهر الشرع هذا قول المؤلف والظاهر " ألم نكن " بالنون على صيغة المتكلم مع الغير والمعنى كنا ملا ذا لذل الذليل لا للذليل واخوانا للعصاة والكفرة فبك وأهل بيتك دون غيركم أخرجنا الله من فظاعة ؟ .
-بحار الانوار مجلد: 70 من ص 361 سطر 19 الى ص 369 سطر 18 ( 3 ) الفظاعة : الشناعة .
وفظاعة تلك الخطرات : شناعتها وشدتها والغمرات الشدائد والمزدحمات .
( 4 ) قال الجوهرى : نعوذ بالله من الحور بعد الكور أى من النقصان بعد الزيادة .
وفى بعض نسخ المصدر " بعد الجور " بالمعجمة .
( 5 ) في النهاية الثمال بالكسر : الملجأ والغياث وقيل هو المطعم في الشدة .
( 6 ) أى صار مدارا تك وتأنيك وعدم مبادرتك في الحكم علينا بما نستحقه سببا لوسعة
[362]
رأيناك ، وسكنا إذا ذكر ناك ، فاي الخيرات لم تفعل ، وأي الصالحات لم تعمل ولو أن الامر الذي نخاف عليك منه يبلغ تحويله جهدنا ( 1 ) وتقوى لمدافعته طاقتنا ، أو يجوز الفداء عنك منه بأنفسنا وبمن نفديه بالنفوس من أبنائنا ، لقدمنا أنفسنا وأبناءنا قبلك ، ولاخطرناها ( 2 ) وقل خطرها دونك ، ولقمنا بجهدنا في محاولة من حاولك ، وفي مدافعة من ناواك ( 3 ) ولكنه سلطان لا يحاول ، وعز لا يزاول ( 4 ) ورب لا يغالب ، فإن يمنن علينا بعافيتك ، ويترحم علينا ببقائك ، و يتحنن علينا بتفريج ( 5 ) هذا من حالك إلى سلامة منك لنا ، وبقاء منك بين أظهرنا نحدث لله عزوجل بذلك شكرا نعظمه ، وذكرا نديمه ( 6 ) ونقسم أنصاف أموالنا صدقات ، وأنصاف رقيقنا عتقاء ( 7 ) ونحدث له تواضعا في أنفسنا ، ونخشع في جميع امورنا ، وأن يمض بك إلى الجنان ، ويجري عليك حتم سبيله ، فغير متهم فيك قضاؤه ، ولا مدفوع عنك بلاؤه ، ولا مختلفة مع ذلك قلوبنا بأن اختياره لك ما عنده على ما كنت فيه ، ولكنا نبكي من غير إثم لعز هذا السلطان أن يعود ذليلا ( 8 )
____________________________________________________
الحق علينا وعدم تضيق الاموربنا .