أقول : وهذه الخطبة قد نقلها الكفعمي في كتاب المصباح ولكن مع اختلاف شديد ولذلك قد تعرضنا لتلك الاختلافات في الهامش .
29 - كا : من الروضة ( 2 ) عن أحمد بن محمد الكوفي ، عن جعفر بن عبدالله المحمدي عن أبي روح فرج بن قرة ، عن جعفر بن عبدالله ، عن مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : خطب أمير المؤمنين عليه السلام بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله .
ثم قال : أما بعد فإن الله تبارك وتعالى لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل ورخاء ، ولم يجبر كسر عظم من الامم إلا بعد أزل وبلاء ( 3 ) أيها الناس في دون ما استقبلتم من عطب واستدبرتم من خطب معتبر ( 4 ) وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ، ولا كل ذي ناظر عين ببصير ، عبادالله أحسنوا فيما يعنيكم ( 5 ) النظر فيه ثم انظروا إلى عرصات من قد أقاده الله بعلمه ( 6 ) كانوا على سنة من
____________________________________________________
مغدق ليس يصدع من شربه " .
والحبور : السرور .
( 1 ) زاد في كف " نزل به روح قدس مبين على نبى مهتد مكين صلت عليه رسل سفرة مكرمون بررة ، عذت برب رحيم من شر كل رجيم فيتضرع متضرعكم وليبتهل مبتهلكم فنستغفر رب كل مربوب لى ولكم " .
( 2 ) ص 63 تحت رقم 22 .
( 3 ) الازل : الشدة والضيق .
( 4 ) الخطب الشأن والامر .
وفى بعض نسخ المصدر .
" ما استقبلتم من خطب واستدبرتم من خطب " .
( 5 ) أى فيما يهمكم .
وفى بعض النسخ با عجام الغين وهو تصحيف .
( 6 ) من القود فانهم قد أصابوا دماء بغير حق .
[344]
آل فرعون ، أهل جنات وعيون وزروع ومقام كريم ، ثم انظروا بما ختم الله لهم بعد النضرة والسرور والامر والنهي ، ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان والله مخلدون ولله عاقبة الامور .
فيا عجبا ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها لا يقتفون ( 1 ) أثر نبي ، ولا يقتدون بعمل وصي ، ولا يؤمنون بغيب ، ولا يعفون عن عيب المعروف فيهم ما عرفوا ، والمنكر عند هم ماأنكروا ، وكل امرء منهم إمام نفسه أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات ، فلا يزالون بجور ولم يزدادوا إلا خطأ ، لا ينالون تقربا ، ولن يزدادوا إلا بعدا من الله عزوجل ، انس بعضهم ببعض وتصديق بعضهم لبعض ، كل ذلك وحشة مما ورث النبي الامي ، ونفورا مما أدى إليهم من أخبار فاطر السماوات والارض ، أهل حسرات وكهوف شبهات ، وأهل عشوات وضلالة وريبة ( 2 ) ، من وكله الله إلى نفسه ورأيه فهو مأمون عند من يجهله غير المتهم عند من لا يعرفه ، فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها ، وواأسفا من فعلات شيعتي من بعد قرب مودتها اليوم كيف يستذل بعدي بعضها بعضا ، وكيف يقتل بعضها بعضا ، المتشتت غدا عن الاصل النازلة بالفرع ، المؤملة الفتح من غير جهته كل حزب منهم آخذ [ منه ] بغصن أينما مال الغصن مال معه ، مع أن الله وله الحمد سيجمع هؤلاء لشر يوم لبني امية كما يجمع قزع الخريف ( 3 ) يؤلف الله بينهم ، ثم
____________________________________________________
( 1 ) في بعض النسخ " لا يقتصون " وهو بمعناه .
( 2 ) في بعض نسخ المصدر " أهل خسران وكفر وشبهات " .
والعشوة - بالتثليث - : ركوب الامر على غير بيان .
( 3 ) القزع - بالقاف والزاى ثم العين المهملة - : قطع السحاب المتفرقة وانما خص الخريف لانه أول الشتاء والسحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم ولا مطبق ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك كما في النهاية .
[345]
يجعلهم ركاما كركام السحاب ( 1 ) ، ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم ( 2 ) كسيل الجنتين سيل العرم حيث بعث عليه فارة فلم تثبت عليه أكمة ، ولم يرد سننه رض طود ، يذعذ عهم الله في بطون أودية ، ثم يسلكهم ينابيع في الارض ، يأخذ بهم من قوم حقوق قوم ، ويمكن بهم قوما في ديار قوم تشريدا لبني امية ( 3 ) ولكيلا يغتصبوا ما غصبوا ، يضعضع الله بهم ركنا ، وينقض بهم طي الجنادل من إرم ويملا منهم بطنان الزيتون ( 4 ) فوالذي فلق الحبة وبرئ النسمة ليكونن ذلك وكأني
____________________________________________________
( 1 ) الركام : المراكب بعضه فوق بعض ونسبة هذا التأليف اليه تعالى مع أنه لم يكن برضاه على سبيل المجاز تشبيها لعدم منعهم عن ذلك وتمكينهم من أسبابه وتركهم واختيار هم بتأليفهم وحثهم عليه ونظير هذا كثير في الايات والاخبار .
( 2 ) أى محل انبعاثهم وتهييجهم وكانه أشار عليه السلام بذلك إلى فتن أبى مسلم المروزى واستئصالهم لبنى امية وانما شبههم بسيل العرم لتخربيهم البلاد وأهلها الذين كانوا في خفض ودعة ، واريد بالجنتين جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدتهم وجماعة عن شمالها روى أنها كانت أخصب البلاد واطيبها ، لم تكن فيها عاهة ولا هامة .
وفسر العرم تارة بالصعب واخرى بالمطر الشديد واخرى بالجرذ واخرى بالوادى واخرى بالاحباس التى تبنى في الاودية .
ومنه قيل : انه اصطرخ أهل سبأ ، قيل : انما اضيف السيل إلى الجرذ لانه نقب عليهم سدا ضربته لهم بلقيس فحقنت به الماء وتركت فيه ثقبا على مقدار ما يحتاجون اليه أو المسناة التى عقدت سدا على أنه جمع عرمة وهى الحجارة المركومة وكان ذلك بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعليه .
( الوافى )
-بحار الانوار مجلد: 70 من ص 345 سطر 19 الى ص 353 سطر 18 ( 3 ) الاكمة : التل .
والرض : الدق الجريش .
والطود : الجبل .
وفى بعض النسخ " رص طود " بالصاد المهملة فيكون بمعنى الالزاق والضم والشد ولعله الصواب والمجرور في " سننه " يرجع إلى السيل أو إلى الله تعالى .
والذعذعة بالذالين المعجمتين والعينين المهملتين التفريق .
والتشريد : التنفير .
وفى بعض النسخ " يدغدغهم " .
( 4 ) التضعضع : الهدم .
والجنادل جمع جندل وهو الصخر العظيم أى ينقص الله ويكسر بهم البنيان التى طويت وبنيت بالجنادل والاحجار من بلا دارم وهى دمشق والشام اذ كان
[346]
أسمع صهيل خيلهم ، وطمطمة رجالهم ( 1 ) وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو والتمكين في البلاد كما تذوب الالية على النار ( 2 ) .
من مات منهم مات ضالا ، وإلى الله عزوجل يفضي منهم من درج ( 3 ) و يتوب الله عزوجل على من تاب .
ولعل الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء وليس لاحد على الله عز ذكره الخيرة بل لله الخيرة والامر جميعا .
أيها الناس إن المنتحلين للامامة من غير أهلها كثير ولولم تتخاذلوا عن مر الحق ولم تهنوا عن توهين الباطل لم يتشجع ( 4 ) عليكم من ليس مثلكم ، ولم يقومن قوي عليكم على هضم الطاعة وإزوائها عن أهلها ( 5 ) لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى [ بن عمران ] ولعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضغاف ما تأهت بنو إسرائيل .
ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني امية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة وأحييتم الباطل وخلفتم الحق وراء ظهوركم ، و قطعتم الادنى من أهل بدر ، ووصلتم الابعد من أبناء الحرب لرسول الله صلى الله عليه وآله ، و لعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم لدنا التمحيص للجزاء ، وقرب الوعد ، وانقضت المدة ، وبدالكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق ، ولاح لكم القمر المنير ، فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة .
____________________________________________________
مستقر ملكهم في أكثر الازمان تلك البلاد لا سيما زمانه صلى الله عليه وآله " قاله المؤلف - رحمه الله : " والمراد بالزيتون مسجد دمشق أوجبال الشام أوبلد بالصين كما في القاموس .
( 1 ) الصهيل كامير : صوت الفرس .
والطمطمة في الكلام أن يكون فيه عجمة .
( 2 ) الالية : الشحمة .
( 3 ) أى يرجع من مات .
وفى بعض نسخ المصدر " يقضى " بالقاف بمعنى القضاء والمحاكمة .
( 4 ) في بعض نسخ المصدر " يتخشع " .
( 5 ) الازواء : الصرف .
[347]
واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول صلى الله عليه وآله فتداويتم من العمى والصم والبكم ، وكفيتم مؤونة الطلب والتعسف ، ونبذتم الثقل الفادح عن الاعناق ( 1 ) ولا يبعد الله إلا من أبى وظلم واعتسف ، وأخذ ما ليس له وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
30 - كا : من الروضة ( 2 ) ، عن علي بن الحسين المؤدب وغيره ، عن أحمد ابن محمد بن خالد ، عن إسماعيل بن مهران ، عن عبدالله بن أبي الحارث الهمداني ، عن جابر ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : خطب أمير المؤمنين عليه السلام فقال : الحمدلله الخافض الرافع ، الضار النافع ، الجواد الواسع ، الجليل ثناؤه الصادقة أسماؤه ، المحيط بالغيوب وما يخطر على القلوب ، الذي جعل الموت بين خلقه عدلا وأنعم بالحياة عليهم فضلا فأحيا وأمات وقدر الاقوات ، أحكمها بعلمه تقديرا ، وأتقنها بحكمته تدبيرا ، إنه كان خبيرا بصيرا ، هو الدائم بلا فناء ، والباقي إلى غير منتهى ، يعلم ما في الارض وما في السماء وما بينهما وما تحت الثرى .
أحمده بخالص حمده ، المخزون بما حمده به الملائكة والنبيون ، حمدا لا يحصى له عدد ، ولا يتقدمه أمد ( 3 ) ولا يأتي بمثله أحد اومن به ، وأتوكل عليه وأستهديه وأستكفيه وأستقصيه بخير وأسترضيه ( 4 ) .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
____________________________________________________
( 1 ) يقال : فدحه الدين أى أثقلة .
أى طريق الديون المثقلة ومظالم العباد واطاعة أهل الجور وظلمهم عليكم عن أعناقكم ( منه ) .
( 2 ) ص 170 تحت رقم 193 .
( 3 ) في بعض النسخ " أحد " أى بالتقدم الزمانى بأن يكون حمده أحد قبل ذلك ، أو بالتقدم المعنوى بان يحمد أفضل منه .
والامد : الغاية .
( 4 ) استقصيه - بالصاد المهملة - من قولهم استقصى في المسألة وتقصى اذا بلغ الغاية وبالضاد المعجمة كما في بعض نسخ المصدر من قولهم : استقضى فلان أى طلب اليه أن يقضيه وقوله " بخير " بسبب طلب الخير .
[348]
أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، صلى الله عليه وآله .
أيها الناس إن الدنيا ليست لكم بدار ولا قرار ، إنما أنتم فيها كركب عرسوا فأناخوا ( 1 ) ثم استقلوا فغدوا وراحوا ، دخلوا خفافا وراحوا خفافا ( 2 ) لم يجدوا عن مضي نزوعا ( 3 ) ولا إلى ما تركوا رجوعا ، جد بهم فجدوا ، وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا حتى إذا اخذ بكظمهم وخلصوا إلي دار قوم جفت أقلا مهم ( 4 ) لم يبق من أكثر هم خبر ولا أثر ، قل في الدنيا لبثهم ، وعجل إلى الآخرة بعثهم فأصبحتم حلولا في ديارهم ، ظاعنين على آثارهم ، والمطايا بكم تسير سيرا ، ما فيه أين ولا تفتير ، نهاركم بأنفسكم دؤوب ، وليلكم بأرواحكم ذهوب ( 5 ) فأصبحتم تحكون من حالهم حالا ، وتحتذون من مسلكهم مثالا ( 6 ) فلا تغرنكم الحياة الدنيا فانما أنتم فيها سفر حلول ( 7 ) الموت بكم نزول ، تنتضل فيكم مناياه ( 8 ) وتمضي بأخباركم
____________________________________________________
( 1 ) الركب جمع راكب .
والتعريس : نزول القوم في السفر في آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة .
أنا خوا أى أقاموا .
و " استقلوا " أى مضوا وارتحلوا .
( 2 ) أى دخلوا في الدنيا عند ولادتهم خفافا بلازاد ولا مال وراحوا عند الموت كذلك ويحتمل أن يكون كناية عن الاسراع .
( 3 ) نزع عن الشئ نزوعا : كف وقلع عنه أى لم يقدروا على الكف عن المضى والظرفان متعلقان بالنزوع والرجوع .
( 4 ) أى جفت اقلام الناس عن كتابة آثار هم لبعد عهد هم ومحو ذكر هم .
( 5 ) " حلولا " جمع حال .
و " ظاعنين " أى سائرين .
والاين : الاعياء " ولا تفتير " أى ليست تلك الحركة موجبة لفتور تلك المطايا فتسكن عن السير زمانا .
و " نهاركم بانفسكم دؤوب " أى نهاركم يسرع ويجد ويتعب بسبب أنفسكم ليذهبها .
ويحتمل أن يكون الباء للتعدية أى نهاركم يتعبكم في أعمالكم وحركاتكم وذلك سبب لفناء أجسادكم .
( 6 ) " تحكون " أى أحوالكم تحكى وتخبر عن أحوالهم .
والاحتذاء : الاقتداء .
( 7 ) هما جمعان أى مسافرون حللتم بالدنيا .
والنزول - بفتح النون أى نازل .
( 8 ) الانتضال : رمى السهام للسبق .
والمنايا جمع المنية وهى الموت ولعل الضمير
[349]
مطاياه إلى دار الثواب والعقاب والجزاء والحساب .
فرحم الله امرءا راقب ربه ، وتنكب ذنبه ( 1 ) وكابر هواه ، وكذب مناه ، امرء أزم نفسه من التقوى بزمام ، وألجمها من خشية ربها بلجام ، فقادها إلى الطاعة بزمامها ، وقدعها عن المعصية بلجامها ( 2 ) رافعا إلى المعاد طرفه ( 3 ) متوقعا في كل أوان حتفه ( 4 ) دايم الفكر ، طويل السهر ، عزوفا عن الدنيا ، سأما كدوحا لا خرته متحافظا ( 5 ) امرءا جعل الصبر مطية نجاته ، والتقوى عدة وفاته ، ودواء أجوائه فاعتبر وقاس ، وترك الدنيا والناس ، يتعلم للتفقة والسداد ، وقد وقر قلبه ذكر المعاد وطوى مهاده ( 6 ) وهجر وساده ، منتصبا على أطرافه ، داخلا في أعطافه ، خاشعا لله عزوجل ، يراوح بين الوجه والكفين ( 7 ) خشوع في السر لربه ، لدمعه صبيب ولقلبه وجيب ( 8 ) شديدة أسباله ، ترتعد من خوف الله جل ذكره أوصاله ( 9 ) قد عظمت
____________________________________________________
راجع إلى الدنيا بتأويل الدهرأ وبتشبيهها بالرجل الرامى أى ترمى اليكم المنايا في الدنيا سهاما فتهلككم والسهام الامراض والبلايا الموجبة للموت ويحتمل أن يكون فاعل تنتضل الضمير الراجع إلى الدنيا ويكون المرمى المنايا والاول أظهر ( منه ) .
( 1 ) تنكب أى تجنب .
وكابر أى خالف وغالب .
وفى بعض نسخ المصدر " كابد " أى قاساه وتحمل المشاق في فعله .
( 2 ) قدعه كمنعه - : كفه .
وفى بعض نسخ المصدر " وقرعها " .
( 3 ) طرفه أى عينه .
( 4 ) الحتف : الموت .
( 5 ) عزفت عن كذا أى زهدت فيه وانصرفت عنه .
ساما أى ملولا .
والكدح : السعى والاهتمام .
( 6 ) الجوى : الحرقة من وجد اوحزن .
و " طوى مهاده " أى على اقدامه .
( 7 ) أعطاف جمع عطاف وهو الرداء .
" يراوح " أى يضع جبهته تارة للسجود ويرفع بدنه تارة في الدعاء ففى اعمال كل واحد منهما راحة للاخرى .
( 8 ) أى هو صاب كثير الصب لدمعه .
ولقلبه وجيب أى اضطراب .
واسبال جمع سبل - بالتحريك - المطر والدمع اذا هطل .
( 9 ) الاوصال : المفاصل .
[350]
فيما عند الله رغبته ، واشتدت منه رهبته ، راضيا بالكفاف من أمره ( 1 ) يظهر دون ما يكتم ، ويكتفي بأقل مما يعلم .
أولئك ودايع الله في بلاده ، المدفوع بهم عن عباده ، لو أقسم أحدهم على الله جل ذكره وتعالى لابره ، أودعا على أحد نصره الله ، يسمع إذا ناجاه ، ويستجيب له إذا دعاه ، جعل الله العاقبة للتقوى ، والجنة لاهلها مأوى ، دعاؤهم فيها أحسن الدعاء " سبحانك اللهم " دعاهم المولى على آتاهم ، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .
31 - كا : من الروضة ( 2 ) عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن محبوب عن محمد بن النعمان أو غيره ، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه ذكر هذه الخطبة لامير المؤمنين عليه السلام يوم الجمعة : الحمد لله أهل الحمد ووليه ، ومنتهى الحمد ومحله ، البدئ البديع الاجل الاعظم ، الاعز الاكرم ، المتوحد بالكبرياء ، والمتفرد بالالاء ، القاهر بعزه ، والمسلط بقهره ، الممتنع بقوته ، المهيمن بقدرته ، والمتعالى فوق كل شئ بجبروته ، المحمود بامتنانه وباحسانه ، المتفضل بعطائه وجزيل فوائده ، المتوسع برزقه ، المسبغ بنعمه ، نحمده على آلائه ، وتظاهر نعمائه ، حمدا يزن عظمة جلاله ويملا قدر آلائه وكبريائه .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي كان في أو ليته متقادما ، وفي ديموميته متسيطرا ( 3 ) خضع الخلايق لو حدا نيته وربوبيته ، وقديم أزليته ، ودانوا لدوام أبديته ( 4 ) .
وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله وخيرته من خلقه ، اختاره بعلمه ، و
____________________________________________________
( 1 ) زاد في الوافى " وان أحسن طول عمره " .
( 2 ) ص 173 تحت رقم 194 .
( 3 ) أى هو في دوامه مسلط على جميع خلقه .
( 4 ) أى أقروا وأذعنوا بدوام أبديته أو أطاعوا وخضعوا وذلوا لكونه دائم الابدية .
[351]
اصطفاه لوحيه ، وائتمنه على سره ، وارتضاه لخلقه ، وانتدبه لعظيم أمره ، ولضياء معالم دينه ، ومناهج سبيله ، ومفتاح وحيه ، وسببا لباب رحمته ، ابتعثه على حين فترة من الرسل ، وهدأة من العلم ( 1 ) واختلاف من الملل ، وضلال عن الحق ، وجهالة بالرب ، وكفر بالبعث والوعد ، أرسله إلى الناس أجمعين رحمة للعالمين بكتاب كريم قد فصله وفضله وبينه وأوضحه وأعزه ، وحفظه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه تنزيل من حكيم حميد .
ضرب للناس فيه الامثال وصرف فيه الايات لعلهم يعقلون ، أحل فيه الحلال وحرم فيه الحرام وشرع فيه الدين لعباده عذرا ونذرا لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، ويكون بلاغا لقوم عابدين ، فبلغ رسالته وجاهد في سبيله وعبده حتى أتاه اليقين صلى الله عليه وآله تسليما كثيرا .
اوصيكم عبادالله واوصي نفسي بتقوى الله الذي ابتدأ الامور بعلمه ، وإليه يصير غدا ميعادها ، وبيده فناؤها وفناؤكم ، تصرم أيامكم ، وفناء آجالكم ، وانقطاع مدتكم ، فكان قد زالت عن قليل عنا وعنكم كما زالت عمن كان قبلكم ، فاجعلوا عبادالله اجتهاد كم في هذه الدنيا التزود من يومها القصير ، ليوم الاخرة الطويل فإنها دار عمل والاخرة دار القرار والجزاء فتجافوا عنها ، فان المغتر من اغتر بها لن تعدوا الدنيا إذا تناهت إليها امنية أهل الرغبة فيها ، المحبين لها ، المطمئنين إليها ، المفتونين بها أن تكون كما قال الله عزوجل " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام الاية ( 2 ) " مع أنه لم يصب امرء منكم في هذه الدنيا حبرة إلا أورثته عبرة ( 3 ) ولا يصبح فيها في جناح أمن إلا وهو يخاف فيها نزول جائحة ( 4 ) أو تغير نعمة أو زوال عافية ما فيه ، مع أن الموت من وراء
____________________________________________________
( 1 ) الهدأة - بفتح الهاء وسكون الدال : السكون عن الحركات .
( 2 ) يونس : 24 .
الحبرة بالفتح - النعمة .
والعبرة : الدمعة .
( 4 ) الجائحة : الافة النبى تهلك الثمار والاموال .
وكل مصيبة عظيمة .
[352]
ذلك وهول المطلع ، والوقوف بين يدي الحكم العدل تجزى كل نفس بما عملت ، " ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " .
" فاتقوا الله عز ذكره وسارعوا إلى رضوان الله والعمل بطاعته والتقرب إليه بكل ما فيه الرضا فانه قريب مجيب ، جعلنا الله وإياكم ممن يعمل بمحابه ويجتنب سخطه ، ثم إن أحسن القصص وأبلغ الموعظة ، وأنفع التذكر كتاب الله عزوجل : " وإذا قرء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " ( 1 ) .
" أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم " بسم الله الرحمن الرحيم : والعصر إن الانسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " ( 2 ) " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما " ( 3 ) .
اللهم صل على محمد وآل محمد ، وبارك على محمد وآل محمد ، وتحنن ( 4 ) على محمد وآل محمد ، وسلم على محمد وآل محمد ، كأفضل ما صليت وباركت وترحمت وتحننت وسلمت على إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم أعط محمدا الوسيلة و الشرف والفضيلة والمنزلة الكريمة ، اللهم اجعل محمدا وآل محمد أعظم الخلائق كلهم شرفا يوم القيامة ، وأقربهم منك مقعدا ، وأو جههم عندك يوم القيامة جاها ، وأفضلهم عندك منزلة ونصيبا ، اللهم أعط محمدا أشرف المقام وحباء السلام ( 5 ) وشفاعة الاسلام اللهم وألحقنا به غير خزايا ولا نا كبين ( 6 ) ولا نادمين ولا مبدلين إله الحق آمين .
ثم جلس قليلا ثم قام فقال :
____________________________________________________
( 1 ) الاعراف : 203 .
( 2 ) العصر : إلى 3 .
( 3 ) الاحزاب : 56 .
( 4 ) التخنن : الترحم .
( 5 ) الحباء : العطاء أى أعطه عطية سلامتك بأن يكون سالما عن جميع ما يوجب نقصا أو خزيا .
( منه ) ( 6 ) في بعض نسخ المصدر " ولانا كثين " .