22 - ومن خطبه عليه السلام ( 5 ) في استنفار الناس إلى أهل الشام وقد تثاقلوا : أف لكم قد سئمت عتابكم ، أرضيتم من الاخرة بالحياة الدنيا عوضا ، وبالذل من العز خلقا ، إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارات أعينكم كأتكم من الموت في غمرة ، ومن الذهول في سكرة ترتج عليكم حواري فتعمهون ( 6 ) فكأن قلوبكم

____________________________________________________
( 1 ) اندمج الشئ اذ أدخل في شئ واستحكم فيه ، والارشية جمع رشاء بمعنى الحبل والطوى : جمع طوية وهى البئر والبعيدة أى العميقة .
( 2 ) مطالب السؤول ص 59 .
والنهج تحت رقم 28 .
( 3 ) المنية : الموت .
( 4 ) الظعن : الرحيل .
( 5 ) مطالب السؤول ص 59 .
والنهج تحت رقم 34 .
( 6 ) الغمرة : الشدة وغمرات الموت شدائده .
ويرتج أى يغلق .
والحوار : هو مراجعة الكلام .
والعمة : عمى البصيرة .
أى لا تهتدون لفهمه .
وتتحيرون وتترددون ، والذهول : النيسان لشغل والترك والغيبة عن الرشد .

[334]


مألوسة فأنتم لا تعقلون ، ما أنتم لي بثقة سجيس الليالي ، وما أنتم لي بركن يمال بكم ، ولا زوافر عز يفتقر إليكم ( 1 ) ما أنتم إلا كابل ضل رعاتها ، فكلما جمعت من جانب انتشرت من جانب ، لبئس لعمر الله سعر نارالحرب أنتم ، تكادون ولا تقتدون ( 2 ) وتنتقص أطرافكم ولا تمتعضون ( 3 ) ، ولا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون ، غلب والله المتخاذلون ، وأيم الله إني لاظل بكم أن لو حمس الوغى ( 4 ) واستحر الموت فقد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج الرأس ( 5 ) والله إن امرءا يمكن عدوه من نفسه يعرق لحمه ويهشم عظمه ، ويفري جلده لعظيم عجزه ، ضعيف قلبه ( 6 ) ، حرج صدره ، أنت ( 7 ) فكن ذاك إن شئت فأما أنا فوالله دون أن اعطي ذاك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام ( 8 ) ، وتطيع السواعد والاقدام ( 9 ) ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء .

____________________________________________________
( 1 ) المألوسة : المخلوطة بمس الجنون .
وسجيس - بفتح فكسر - كلمة تقال بمعنى أبدا وأصله من سجس الماء بمعنى تغير وكدر .
أى انهم ليسوا بثقاة عنده يركن اليهم أبدا .
وزو افرالمجد : أسبابه وأعمدته .
ومن البناء ركنه ، ومن الرجل عشيرته وأنصاره .
وقوله " يمال بكم " أى يمال على العدو بعزكم وقوتكم ، وهو وصف لهم بالضعف والذل .
( 2 ) السعر : أصله مصدر " سعر النار " من باب نفع - : أوقدها أى لبئس ما توقد به الحرب أنتم - ويقال : ان " سعر " جمع ساعر .
وفى النهج " تكادون ولا تكيدون " .
( 3 ) امتعض أى غضب .
( 4 ) حمس - كفرح - اشتد وصلب .
والوغى : الحرب .
( 5 ) مثل لشدة التفرق يعنى أن الرأس اذا انفرج عن الجسد لا يعود اليه ثانيا .
( 6 ) عرق اللحم كنصر - أكله ولم يبق منه على العظم .
والهشم : الكسر ، وفراه يفريه : مزقه .
وفى النهج " ضعيف ما ضمنت عليه جوانح صدره " .
( 7 ) الخطاب في " أنت " عام لكل من مكن عدوه من نفسه .
( 8 ) " أنا " مبتدأ و " ضرب " خبره بمعنى الضارب و " أعطى " على صيغة المعلوم .
( 9 ) أى لايمكن عدوه من نفسه حتى يكون دون ذلك ضرب بالمشرفية .
وهى السيوف التى تنسب إلى مشارف وهى قرى من أرض العرب تدنو من الريف .
وقيل : ان المشرفية نسبة إلى موضع في بلاد اليمن لا إلى مشارف الشام .
وفراش

[335]


23 - ومن خطبة عليه السلام ( 1 ) : الحمدلله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدث الجليل ( 2 ) فانه لا ينجو من الموت من خافه ، ولا يعطي البقاء من أحبه ، ألا وإن الوفاء توأم الصدق ، ولا أعلم جنة أوقى منه ، وما يغدر من علم كيف المرجع ( 3 ) ولقد أصبحنا في زمان اتخذ أكثر أهل الغدر كيسا ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحلية ، ما لهم قاتلهم الله ؟ قديرى الحول القلب بوجه الحيلة ، ودونها مانع من أمر الله تعالى ونهيه ( 4 ) فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين ( 5 ) .
24 - ومن كلامه في بعض مواقف صفين ( 6 ) : معاشر المسلمين استشعر واالخشية ، وتجلببوا السكينة ، وعضوا على النواجذ فانه أنبى للسيوف عن الهام ( 7 ) وأكملوا اللامة ، وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل

____________________________________________________
الهام : العظام الرقيقة التى تلى القحف .
وقوله " تطيع السواعد " أى تسقط وفعله كباع .
( 1 ) مطالب السؤول ص 59 .
( 2 ) قولهم : جل الخطب أى عظم الامرو الشأن .
والفادح : الثقيل .
والحدث : الامر الحادث المنكر .
( 3 ) المرجع اما مصدر أى علم كيف الرجوع إلى الله ، اواسم مكان أى علم بكيفية المعاد .
( 4 ) رجل حول قلب بعضم الاول وتشديد الثانى من اللفظين - : أى بصير بتحويل الامور وتقليبها قديرى وجه الحيلة في بلوغ مراده لكن يجد دون الوصول بمراده مانعا من أمرالله ونهيه ، فيدع الحيلة وهو قادر عليها وتركها خوفا من عقاب الله سبحانه .
( 5 ) الانتهاز اغتنام الفرصة والحريجة بالحاء المهملة - : التحرج أى التحرز من الاثم .
( 6 ) المصدر ص 51 .
( 7 ) استشعر : لبس الشعار ، وهو مايلى البدن من التياب ، والجلباب ما تغطى به المرأة ثيابها من فوق .
والنواجذ جمع الناجذ وهو أقص الاضراس والهام : الرأس .
( 1 ) اللامة بفتح اللام والهمزة الساكنة الدرع واكمالها أن يراد عليها البيضة

[336]


سلها والحظوا الخزر ، واطعنوا الشزر ، ونافحوا بالظبى ، وصلوا السيوف بالخطا ، و اعلمو أنكم يعين الله تعالى ( 1 ) ومع ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله فعاودوا الكر واستحيوا من الفر ، فانه عار في الاعقاب ، ونار يوم الحساب ، وطيبوا عن أنفسكم نفسا ، و امشوا إلى الموت مشيا سجحا ( 2 ) ، وعليكم بهذا السواد الاعظم والرواق المطنب فاضربوا ثبجه ، فان الشيطان كامن في كسره ، قد قدم للوثبة يدا ، وأخر للنكوص رجلا ، فصمدا صمدا حتى ينجلي لكم عمود الحق وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ( 3 ) .
25 - ومن كلامه في خطبة ( 4 ) رحم الله امرءا تبع حكما فوعى ، ودعي إلى رشاد فدنا ، وأخذ بحجزة ( 5 )

____________________________________________________
ونحوها وقد يراد بها آلات الحرب والدفاع واكمالها استيفاؤها .
وفائدة القلقلة التحرز من عدم خروجها حالة الحاجة .
والخزر محركة : النظر بلحظ العين .
والشرر بالفتح الطعن عن اليمين والشمال .
والمنافجة : المضاربة والمدافعة .
والظبى بالضم : جمع ظبة بالضم أيضا وهى طرف السيف وحده .
و " صلوا " من الوصل ، أى اجعلوا سيوفكم متصلة بخطا أعدائكم .
أو اذا قصرت سيوفكم عن الوصول إلى أعدائكم فصلوها بخطاكم .
وقوله " بعين الله " أى ملحوظون بها .
( 2 ) " طيبوا عن أنفسكم نفسا " أى ارضوا ببذلها فكم تبذلونها لتحروزها غدا والسجح بضمتين وتقديم المعجمة : السهل .
( 3 ) والرواق ككتاب الفسطاط ، والمطنب : المشدود بالاطناب .
وثبج الشئ بالتحريك وسطه .
والكسر بكسر الكاف شقه الاسفل وكمن كنصر أى استخفى ، والمراد بالسواد الاعظم أهل الشام وبالرواق المطنب معاوية نفسه ، والشيطان الكامن لعله عمروبن العاص .
وقوله فصمدا صمدا أى فاثبتوا على قصدكم ، والصمد : القصد .
ولن يتركم أى لا ينقصكم شيئا .
( 4 ) مطالب السؤول ص 59 .
( 5 ) الحجزة بالضم : موضع شد الازار .
ومعقده ومن السراويل موضع التكة و المراد الاقتداء والتمسك .

[337]


هادفنجا ، وراقب ربه ، وخاف ذنبه ، وقدم خالصا ، واكتسب مذخورا ( 1 ) واجتنب محذورا ، ورمى غرضا ( 2 ) وأحرز عوضا ، وكابر هواه ( 3 ) ، وكذب مناه وجعل الصبر عطية نجاته ، والتقوى عدة وفاته ، وركب الطريقة الغراء ، ولزم المحجة البيضاء ، واغتنم المهل ( 4 ) وبادر الاجل ، وتزود من العمل قبل انقطاع الامل .
26 - ومن خطبه عليه السلام : ( 5 ) يوبخ أهل الكوفة وقد تثاقلوا في الخروج إلى الخوارج معه : أيتها الفئة المجتمعة أبدانهم المتفرقة أديانهم إنه والله ما غرت دعوة من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم ( 6 ) كلامكم يوهن الصم الصلاب ، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم المرتاب ، إذا دعوتكم إلى أمر فيه صلاحكم والذب عن حريمكم اعتراكم الفشل وجئتم بالعلل ، ثم قلتم : كيت وكيت وذيت وذيت أعاليل بأضاليل وأقوال الاباطيل ثم سألتموني التأخير ، دفاع ذي الدين المطول ( 7 ) هيهات هيهات إنه لا يدفع الضيم

____________________________________________________
( 1 ) أى عمل بما افترض الله عليه ويذخر ثوابه ليوم حاجته .
( 2 ) أى قصد إلى الحق فأصابه .
( 3 ) كابره : غالبه وخالفه ، والمكابرة : المغالبة .
( 4 ) الغراء : النيرة الواضحة ، والمحجة : جادة الطريق ومعظمه والمراد سبيل الحق ومنهج العدل .
والمهل هنا بمعنى مدة الحياة مع العافية .
( 5 ) روى أن هذه الخطبة خطبها أمير المؤمنين عند اغارة الضحاك بن قيس بعد قصة الحكمين وعزمه على المسير إلى قتال معاوية .

-بحار الانوار مجلد: 70 من ص 337 سطر 19 الى ص 345 سطر 18 ( 6 ) قاساه - مقاساة الالم : كابده وعالج شدته .
( 7 ) " كيت وكيت " يكنى بهما عن الحديث والخبر ، يقول فلان كيت وكيت .
و هكذا ذيت وذيت كناية عن الحديث والفعل .
وقوله " أعاليل بأضاليل " خبر مبتدأ محذوف أى واذا دعوتكم إلى القتال تعللتم بأعاليل هى باطلة ضلالا عن سبيل الله .
والمطول تطويل الموعد والمطل فيه ، والكثير المطل بالفتح وهو التسويف بالعدة أى دفاعكم كدفاعه .

[338]


الذل ( 1 ) ولا يدرك الحق إلا بالجد ، فخبروني يا أهل العراق مع أي إمام بعدي تقاتلون أم أية دار تمنعون ، الذليل والله من نصرتموه ، والمغرور من غررتموه وأصبحت ولا أطمع في نصركم ، ولا أصدق قولكم ، فرق الله بيني وبينكم وأبدلكم بي غيري وأبدلني بكم من هو خير لي منكم ، أما إنه ستلقون بعدي ذلا شاملا وسيوفا قاطعة ، وأثرة قبيحة ، ويتخذها الظالمون عليكم سنة .
فتبكي عيونكم ، ويدخل الفقر بيوتكم وقلوبكم ، وتتمنون في بعض حالاتكم إنكم رأيتموني فنصر تموني ، و أرقتم دماءكم دوني فلا يبعد الله إلا من ظلم .
يا أهل الكوفة أعظكم فلا تتعظون ، وأو قظكم فلا تستيقظون إن من فازبكم فقد فاز بالخيبة ، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل ، اف لكم لقد لقيت منكم ترحا ( 2 ) يوما اناديكم ويوما اداجيكم ( 3 ) فلا أحرار عند النداء ولا ثبتة عند المصائب فيالله ما ذا منيت به منكم ( 4 ) لقد منيت بصم لا يسمعون وكمه لا يبصرون ، وبهم لا يعقلون ، أما والله لو أني حين أمرتكم بأمري حملتكم على المكروه مني فإذا استقمتم هديتم وإن أبيتم بدأت بكم لكانت الزلفي ولكني تواخيت لكم وتوانيت عنكم وتماديت في غفتلكم فكنت أنا وأنتم كما قال الاول : أمرتهم بأمري بمنعرج اللوى * فلم تستبينوا الرشد إلا ضحى الغد ( 5 )

____________________________________________________
( 1 ) كذا ، والضيم : الظلم وفى النهج وأمالى الشيخ ج 1 ص 183 " ولا يدفع الضيم الذليل " .
وهو الاصواب .
( 2 ) الافوق من السهام : المكسور الفوق .
والفوق موضع الوتر من السهم .
والناصل : العارى عن النصل ولا يخفى طيش السهم الذى لا فوق له ولا نصل فانه لا يكاد يتجاوز عن القوس ، أى من رمى بهم فكأنما رمى بسهم لا يثبت في الوتر حتى يرمى ، وان رمى به لم يصب مقتلا اذا لا نصل له .
والترح : ضد الفرح .
( 3 ) أى اداريكم .
وفى النهج " انا جيكم " .
( 4 ) منيت أى بليت .
( 5 ) البيت من قصيدة دريد بن الصمة .
ومنعرج اللوى اسم مكان ، وأصل اللوى من الرمل : الجدد بعد الرملة .
ومنعرجه : منعطفه يمنة ويسرة .

[339]


اللهم إن دجلة والفرات نهران أصمان أبكمان فأرسل عليهم ماء بحرك ، و انزع عنهم ماء نصرك ، حبذا إخواني الصالحين ، إن دعوا إلى الاسلام قبلوه ، وقرؤا القرآن فأحكموه ، وندبوا إلى الجهاد فطلبوه ، فحقيق لهم الثناء الحسن ، واشوقاه إلى تلك الوجوه ، ثم ذرفت عيناه ونزل عن المنبر ، وقال : إنالله وإنا إليه راجعون إلى ما صرت إليه ، صرت إلى قوم إن أمرتهم خالفوني وإن اتبعتهم تفرقوا عني جعل الله لي منهم فرجا عاجلا .
ثم دخل منزله فجاءه رجل من أصحابه فقال : يا أمير المؤمنين إن الناس قد ندموا على تثبطهم وقعودهم وعلموا أن الحظ في إجابتك لهم ، فعاودهم في الخطبة فلما أصبح من الغد دخل المسجد الاعظم ونودي في الناس فاجتمعوا فلما غص المسجد بالناس صعدالمنبر وخطب هذه الخطبة .
27 - فقال بعد أن حمد الله تعالى : أيها الناس ألا ترون إلى أطرافكم قدا نتقصت وإلى بلاد كم تغرى ، وأنتم ذوعدد جم وشوكة شديدة ، فما بالكم اليوم لله أبوكم من أين تؤتون ومن أين تسخرون ، وأنى تؤفكون ، انتبهوا رحكم الله وتحركوا لحرب عدوكم فقد أبدت الرغوة عن الصريخ لذي عينين وقد أضاء الصبح لذي عشاء فاسمعوا قولي هدا كم الله إذا قلت ، وأطيعوا أمري إذا أمرت فوالله لئن أطعتموني لن تغووا ، وإن عصيتموني لن ترشدوا ، خذوا للحرب اهبتها ( 1 ) وأعدوالها عدتها ، واخرجوا لها فقد شبت وأوقدت نارها ، وتحرك لكم الفاسقون لكي يطفئوا نور الله ويغزوا عبادالله ، فوالله أن لولقيتم وحدي وهم أضعاف ما هم عليه لما كنت بالذي أهابهم ، ولا أستوحش [ منهم و ] من قتالهم ، فإني من ضلالتهم التي هم عليها والحق الذي [ أنا عليه لعلى بصيرة ويقين ، وإني إلى لقاء ربي لمشتاق ، وبحسن ثوابه لمنتظر ، وهذا القلب الذي ألقاهم به هو القلب الذي ] لقيت به الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهو القلب الذي لقيت به أهل الجمل وأهل صفين ليلة الهرير فاذا أنا نفرتكم فانفروا خفافا وثقالا ، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله

____________________________________________________
( 1 ) الاهبة : الاسباب والالات .

[340]


ذلكم خيرلكم إن كنتم تعلمون ، اللهم اجعلنا وإياهم على الهدى وجنبا وإياهم البلوى ، واجعل الاخرة لناولهم خيرا من الاولى ، فلما فرغ من كلامه أجابه الناس سراعا ، فخرج بهم إلى الخوارج .
28 - ونقل : أن جماعة حضروا لديه وتذاكروا فضل الخط وما فيه فقالوا : ليس في الكلام أكثر من الالف ويتعذر النطق بدونها فقال لهم في الحال هذه الخطبة من غير سابق فكرة ولا تقدم روية ، وسردها وليس فيها ألف .
حمدت من عظمت منته ، وسبغت نعمته ، وتمت كلمته ، ونفذت مشيته ، و بلغت حجته ، وعدلت قضية ، وسبقت غضبه رحمته ، حمدته حمد مقر بربوبيته متخضع لعبوديته ، متنصل من خطيئته ، معترف بتوحيده ، مستعيذ من وعيده مؤمل من ربه مغفرة تنجيه ، يوم يشغل كل عن فصيلته وبنيه ، ونسعينه ونستر شده ونؤمن به ونتوكل عليه ، وشهدت له شهود عبد مخلص موقن ، وفردته تفريد مؤمن متيقن ، ووحدته توحيد عبد مذعن ، ليس له شريك في ملكه ، ولم يكن له ولي في صنعه ، جل عن مشير ووزير ( 1 ) وعون ومعين ونظير ، علم فستر ، وبطن فخبر ، وملك فقهر ، وعصي فغفر ، وعبد فشكر ، وحكم فعدل ، وتكرم وتفضل ، لن يزول ، ولم يزل ، ليس كمثله شئ ، وهو قبل كل شئ ، وبعد كل شئ ، رب متفرد بعزته متمكن بقوته ، متقدس بعلوه ، متكبر بسموه ، ليس يدركه بصر ، ولم يحط به نظر ، قوي منيع بصير سميع ( 2 ) رؤوف رحيم ، عجز عن وصفه من وصفه ، وضل عن نعته من عرفه ، قرب فبعد ، وبعد فقرب ، يجيب دعوة من يدعوه ويرزقه و يحبوه ، ذولطف خفي ، وبطش قوي ، ورحمة موسعة ، وعقوبة موجعه ، رحمته جنة عريضة مونقة ، وعقوبته جحيم ممدودة موبقة ، وشهدت ببعث محمد عبده ورسوله ونبيه وصفيه وحبيبه وخليله ، بعثه في خير عصر وحين فترة وكفر ، رحمة لعبيده ومنة لمزيده ، ختم به نبوته ، ووضحت به حجته ، فوعظ ونصح وبلغ وكدح ، رؤوف

____________________________________________________
( 1 ) وفى " كف " أى مصباح الكفعمى " وتنزه عن مثل - خ ل " .
( 2 ) زاد في كف " على حكيم " .

[341]


بكل مؤمن ، رحيم سخي رضي ولي زكي ، عليه رحمة وتسليم ، وبركة وتعظيم وتكريم ، من رب غفور رحيم ، قريب مجيب حليم .
وصيتكم معشر من حضر بوصية ربكم وذكر تكم سنة نبيكم ، فعليكم برهبة تسكن قلوبكم ، وخشية تدري دموعكم ، وتقية تنجيكم قبل يوم يذهلكم و يبتليكم .
يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته ، وخف وزن سيئته ، وعليكم بمسألة ( 1 ) ذل وخضوع ، وتملق وخشوع ، وتوبة ونزوع وليغنم كل ( 2 ) منكم صحته قبل سقمه وشيبته قبل هرمه ، وسعته قبل فقره ( 3 ) وفرغته قبل شغله ، وحضره قبل سفره ، و حياته قبل [ موته ، قبل ] يهن ويهرم ، ويمرض ويسقم ، ويمله طبيبه ، ويعرض عنه حبيبه ، وينقطغ عمره ، ويتغير عقله .
ثم قيل : هومو عوك وجسمه منهوك ، ثم جد في نزع شديد ، وحضره كل قريب وبعيد ، فشخص ببصره ، وطمح بنظره ، ورشح جبينه وخطفت عرينه ، وجدبت نفسه وبكت عرسه ، وحضر رمسه ، ويتم منه ولده ، وتقرق عنه عدده ، وفصم جمعه ، و ذهب بصره وسمعه ، وجرد وغسل ، وعري ونشف وسجى ، وبسط له وهيئ ، ونشر عليه كفنه ( 4 ) وشد منه ذقنه ، وحمل فوق سرير ، وصلى عليه بتكبير بغير سجود وتعفير ونقل من دور مزخرفة ، وقصور مشيدة ، وفرش منجدة ( 5 ) فجعل في ضريح ملحود ضيق مرصود ، بلبن منضود ، مسقف بجلمود ، وهيل عليه عفره ، وحشى مدره ، وتحقق حذره ، ونسي خبره ، ورجع عنه وليه ونديمه ونسيبه وحميمه ، وتبدل به قرينه وحبيبه ، فهو حشوقبر ، ورهين حشر ، يدب في جسمه دود قبره ، ويسيل صديده من

____________________________________________________
( 1 ) في بعض نسخ المصدر " ولتكن مسئلتكم مسألة " .
( 2 ) زاد في كف " ندم ورجوع ، وليغتنم كل مغتنم " .
( 3 ) في كف " عدمه وخلوته قبل فقره " .
( 4 ) زاد في كف " وقمص وعمم ولف وودع وسلم " .
( 5 ) زاد في كف " وحجر منضدة " .

[342]


منخره ، وتسحق تربته لحمه ، وينشف دمه ، ويرم عظمه ، حتى يوم حشره فينشره من قبره ، وينفخ في صور ، ويدعى لحشر ونشور ، فثم بعثرت قبور ، وحصلت سريرة [ في ] صدور .
وجئ بكل نبي وصديق وشهيد ومنطيق ، وقعد لفصل حكمه قدير ( 1 ) ، بعبده خبير بصير ، فكم حسرة تضنيه ( 2 ) في موقف مهيل ، ومشهد جليل ، بين يدي ملك عظيم بكل صغيرة وكبيرة عليم ، فحينئذ يلجمه عرقه ، ويخفره قلقه ، فعبرته غير مرحومة وصرخته غير مسموعة ( 3 ) وبرزت صحيفته ، وتبينت جريرته ، فنظر في سوء عمله ( 4 ) وشهدت عينه بنظره ، ويده ببطشه ، ورجله بخطوه ، وجلده بلمسه ، وفرجه بمسه ، و يهدده منكر ونكير ، وكشف له حيث يصير ، فسلسل جيده ، وغلت يده ، فسيق يسحب وحده .
فورد جهنم بكره شديد ، وظل يعذب في جحيم ، ويسقى شربة من حميم ، تشوي وجهه وتسلخ جلده ( 5 ) يستغيث فيعرض عنه خزنة جهنم ، ويستصرخ فيلبث حقبه بندم ، نعوذ برب قدير من شر كل مصير ، ونسأله عفو من رضي عنه ، ومغفرة من قبل منه وهو ولي مسألتي ، ومنجح طلبتي ، فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه وخلد في قصور ( 6 ) ونعمه ، وملك بحورعين وحفدة ، وتقلب في نعيم وسقى من تسنيم ( 7 ) مختوم بمسك وعنبر ( 8 ) يشرب من خمر معذوب شربه ، ليس ينزف لبه .

____________________________________________________
( 1 ) في بعض نسخ المصدر " قعد وتولى لفصل حكمه عند رب قدير " .
( 2 ) أى تهزله وتضعفه ، وفى بعض نسخ المصدر " فكم زمرة تغنيه " .
( 3 ) زاد في كف " وحجته مقبولة " .
( 4 ) زاد في كف " فنطق كل عضو بسوء عمله " .
( 5 ) زاد في كف " يضرب زبينه بمقمع من حديد يعود جلده بعد نضجه بجلد جديد " والزبينة : الشرطى .
( 6 ) زاد في كف " وطيف عليه بكؤوس وسكن حضيرة مشيدة ومكن فردوس " .
( 7 ) زاد في كف " ويشرب من عين سلسبيل ، ممزوجة بزنجبيل " .
( 8 ) زاد في كف " مستديم للبحور مستشعر للسرور يشرب من خمور في روض مشرق

[343]


هذه منزلة من خشي ربه وحذر نفسه ، وتلك عقوبة من عصى منشئه ، وسولت له نفسه معصية مبدئه ، لهو ذلك قول فصل ، وحكم عدل ، خير قصص قص ، ووعظ به و نص ، تنزيل من حكيم حميد ( 1 ) .