" فان لم يستجيبوا لكم " ( 2 ) أيها المؤمنون من دعوتموهم إلى المعارضة ، أو أيها الكافرون من دعوتموهم إلى المعاونة " فاعلموا أنما انزل بعلم الله " أي متلبسا بما لا يعلمه إلا الله ، ولا يقدر عليه سواه " وأن لا إله إلا هو " لانه العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره ، لظهور عجز المدعوين " فهل أنتم مسلمون " أي ثابتون على الاسلام ، راسخون فيه ؟ أو داخلون في الاسلام مخلصون فيه .
" توفني مسلما " يدل ( 3 ) على إطلاق الاسلام على الايمان الكامل " وألحقني بالصالحين " أي في الرتبة والكرامة .
" ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " ( 4 ) أي إذا عاينوا في القيامة حالهم وحال المسلمين ، قالوا : يا ليتنا كنا مسلمين وفي تفسيري العياشى وعلي بن إبراهيم ( 5 ) عن الباقر والصادق عليهما السلام : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله لا يدخل الجنة إلا مسلم فيومئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين وفي المجمع ( 6 ) مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله قال : إذا اجتمع أهل النار في النار ، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة ، قال الكفار للمسلمين : ألم تكونوا مسلمين ؟ قالوا : بلى : قالوا : فما أغنى عنكم إسلاماكم وقد صرتم معنا في النار ؟ قالوا : كانت لنا ذنوب فاخذنا
__________________________________________________
( 1 ) المصدر ج 4 ص 363 .
( 2 ) هود : 14 .
( 3 ) يوسف : 101 .
( 4 ) الحجر : 2 .
( 5 ) تفسير العياشى ج 2 ص 239 ، تفسير القمى : 349 .
( 6 ) مجمع البيان ج 6 ص 328 .
[237]
بها فسمع الله عز اسمه ما قالوا ، فأمر من كان في النار من أهل الاسلام فاخرجوا منها ، فحينئذ يقول الكفار يا ليتنا كنا مسلمين .
" لعلكم تسلمون " ( 1 ) أي تنظرون في نعمه الفاشية فتؤمنون به وتنقادون لحكمه .
" تبيانا " أي ( 2 ) بيانا بليغا وروى العياشي ( 4 ) عن الصادق عليه السلام قال : نحن والله نعلم ما في السماوات وما في الارض ، وما في الجنة وما في النار ، وما بين ذلك ثم قال : إن ذلك في كتاب الله ثم تلا هذه الاية ، وعنه عليه السلام أن الله أنزل في القرآن تبيان كل شئ حتى والله ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد ، حتى لا يستطيع عبد يقول : لو كان هذا انزل في القرآن ، إلا أنزله الله فيه ، وقد مضت الاخبار الكثيرة في ذلك في كتاب الامامة .
" قل نزله روح القدس " ( 4 ) يعني جبرئيل عليه السلام " من ربك بالحق " أي متلبسا بالحكمة " ليثبت الذين آمنوا " أي على الايمان بأنه كلام الله ، فانهم إذا سمعوا الناسخ ، وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة ، رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم " وهدى وبشرى للمسلمين " المنقادين لحكمه .
" قل إنما يوحى إلي " ( 5 ) قيل أي ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد ، وذلك لان المقصود الاصلي من بعثته مقصور على التوحيد " فهل أنتم مسلمون " مخلصون العبادة لله على مقتضى الوحي ؟ وفي المناقب عن الصادق عليه السلام : فهل أنتم مسلمون الوصية بعدي ، نزلت مشددة ، ومآلهما واحد ، لان مخالفة الوصية عبادة للهوى والشيطان وأيضا التوحيد لا يتم إلا بالولاية ، إذ بالامام يعرف
-بحار الانوار مجلد: 61 من ص 237 سطر 19 الى ص 245 سطر 18 الله ، ويعرف طريق عبادته ، فهي كمال التوحيد ، وأصله وأساسه وغايته .
" فله أسلموا " ( 6 ) أي أخلصوا التقرب والذكر ولا تشوبوه بالاشراك " وبشر
____________________________________________________
( 1 ) النحل : 81 .
( 2 ) النحل : 89 .
( 3 ) تفسير العياشى ج 2 ص 266 .
( 4 ) النحل : 102 .
( 5 ) الانبياء : 108 .
( 6 ) الحج : 34 .
[238]
المخبتين " قيل أي المتواضعين أو المخلصين فان الاخبات صفتهم وقال علي بن إبراهيم : أي العابدين .
" وما أنت بهادي العمي " ( 1 ) سماهم عميا لفقدهم المقصود الحقيقي من الابصار أو لعمى قلوبهم أن تسمع فان إيمانهم يدعوهم إلى تلقي اللفظ ، وتدبر المعنى أو المراد بالمؤمن المشارف للايمان أو من هو في علم الله كذلك " فهم مسلمون " أي مخلصون من أسلم وجهه لله " وله كل شئ " ( 2 ) أي خلقا وملكا " وامرت أن أكون من المسلمين " أي المنقادين أو الثابتين على ملة الاسلام .
" الذين آتيناهم الكتاب " ( 3 ) قيل نزلت في مؤمني أهل الكتاب ، وقيل : في أربعين من أهل الانجيل من أهل الحبشة والشام " قالوا آمنا به " أي بأنه كلام الله " إنه الحق من ربنا " استيناف لبيان ما أوجب إيمانهم به " إنا كنا من قبله مسلمين " استيناف آخر للدلالة على أن إيمانهم به ليس مما أحدثوه حينئذ .
وإنما هو أمر تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة ، وكونهم على دين الاسلام قبل نزول القرآن أو تلاوته عليهم ، باعتقادهم صحته في الجملة .
" وقولوا آمنا " ( 4 ) قيل هي المجادلة بالتي هي أحسن ، وعن النبي صلى الله عليه وآله لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا آمنا بالله وبكتبه ورسله ، فان قالوا باطلا لم تصدقوهم ، وإن قالوا حقا لم تكذبوهم " ونحن له مسلمون " أي مطيعون له خاصة ، وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " أفمن شرح اللله صدره للاسلام " ( 5 ) حتى تمكن فيه بيسر ، عبر به عمن خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبوله ، غير متأبية عنه ، لان الصدر محل القلب ، المنبع للروح ، المتعلق للنفس القابل للاسلام " فهو على نور من ربه " يعني المعرفة والاهتداء إلى الحق ، وقد مر الخبر في ذلك ، وخبر " من " محذوف دل عليه قوله " فويل للقاسية قلوبهم من ذكرالله "
__________________________________________________
( 1 ) النمل : 81 .
( 2 ) النمل : 91 .
( 3 ) القصص : 52 .
( 4 ) العنكبوت 46 .
5 ) الزمر : 22 .
[239]
أي من أجل ذكره ، في رواية علي بن إبراهيم ( 1 ) نزل صدر الاية في أمير المؤمنين عليه السلام .
وفي رواية العامة : نزل في حمزة وعلي ، وما بعده في أبي لهب و ولده ، وروى علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام : أن القسوة والرقة من القلب و هو قوله " فويل " الاية .
" وكانوا مسلمين " ( 2 ) ظاهره كون الاسلام فوق الايمان .
" قالت الاعراب آمنا " قال الطبرسي ( 3 ) قدس سره هم قوم من بني أسد أتوا النبي صلى الله عليه وآله في سنة جدبة ، وأظهروا الاسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر إنما كانوا يطلبون الصدقة ، والمعنى أنهم قالوا صدقنا بما جئت به ، فأمره الله سبحانه أن يخبرهم بذلك ليكون آية معجزة له فقال " قل لم تؤمنوا " أي لم تصدقوا على الحقيقة في الباطن " ولكن قولوا أسلمنا " أي انقدنا واستسلمنا مخافة السبي والقتل .
ثم بين سبحانه أن الايمان محله القلب دون اللسان فقال " ولما يدخل الايمان في قلوبكم " قال الزجاج : الاسلام إظهار الخضوع ، والقبول لما أتى به الرسول صلى الله عليه وآله وبذلك يحقن الدم ، فان كان مع ذلك الاظهار اعتقاد وتصديق بالقلب ، فذلك الايمان وصاحبه المسلم المؤمن حقا فأما من أظهر قبول الشريعة ، واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم ، وباطنه غير مصدق ، وقد أخرج هؤلاء من الايمان بقوله : " ولما يدخل الايمان في قلوبكم " إن لم تصدقوا بعد ما أسلمتم تعوذا من القتل ، فالمؤمن مبطن من التصديق مثل مايظهر ، والمسلم التام الاسلام مظهر للطاعة ، وهو مع ذلك مؤمن بها ، والذي أظهر الاسلام تعوذا من القتل غير مؤمن في الحقيقة ، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين .
وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وآله : الاسلام علانية ، والايمان في القلب - وأشار إلى صدره .
ثم قال سبحانه : " وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا " ( 4 )
__________________________________________________
( 1 ) تفسير القمى : 577 .
( 2 ) الزخرف : 69 .
( 3 ) مجمع البيان ج 9 ص 138 .
والاية في الحجرات : 13 .
( 4 ) الحجرات : 14 .
[240]
أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا " إن الله غفور رحيم * إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " أي لم يشكوا في دينهم بعد الايمان " وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون " أي الذين صدقوا في ادعاء الايمان ، فيدل على أن للاعمال مدخلا في الايمان إما بالجزئية ، أو الاشتراط أو هي كاشفة منه كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله " قل أتعلمون الله بدينكم " أي أتخبرونه به بقولكم آمنا " والله يعلم ما في السموات وما في الارض والله بكل شئ عليم " هو تجهيل لهم وتوبيخ .
روي أنه لما نزلت الاية المتقدمة جاؤا وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه " يمنون عليك أن أسلموا " أي يعدون إسلامهم عليك منة ، وهي النعمة لا يستثيب مولاها ممن نزلها إليه " قل لا تمنوا علي إسلامكم " أي باسلامكم ، فنصب بنزع الخافض ، أو تضمين الفعل معنى الاعتداد " يل الله يمن عليكم أن هديكم للايمان " على ما زعمتم مع أن الهداية لا يلزم الاهتداء " إن كنتم صادقين " في ادعاء الايمان ، وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله أي فلله المنة عليكم .
وفي سياق الاية لطف ، وهو أنهم لما سموا ما صدر عنهم إيمانا ومنوا به نفى أنه إيمان وسماه إسلاما بأن قال يمنون عليك بما هو في الحقيقة إسلام ، وليس بجدير أن يمن عليك بل لوصح ادعاؤهم للايمان فلله المنة عليهم بالهداية له لا لهم .
" فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين " ( 1 ) قال البيضاوي : استدل به على اتحاد الايمان والاسلام وهو ضعيف ، لان ذلك لا يقتضي إلا صدق المؤمن والمسلم على من اتبعه ، وذلك لا يقتضي اتحاد مفهوميهما ، لجواز صدق المفهومات المختلفة على ذات واحدة .
وقال في قوله تعالى : " مسلمات مؤمنات " ( 2 ) مقرات مخلصات أو منقادات مصدقات .
__________________________________________________
( 1 ) الذاريات : 36 .
( 2 ) التحريم : 6 .
[241]
" أفنجعل المسلمين كالمجرمين " ( 1 ) قيل إنكار لقولهم إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه ، لم يفضلونا ، بل نكون أحسن حالا منهم ، كما نحن عليه في الدنيا .
" ومنا القاسطون " ( 2 ) أي الجائرون عن طريق الحق " فاولئك تحروا رشدا " أي توخوا رشدا عظيما يبلغهم إلى دار الثواب ، وروى على بن إبراهيم ( 3 ) عن الباقر عليه السلام أي الذين أقروا بولايتنا .
أقول : إذا تأملت في هذه الايات ، والايات المتقدمة في الباب السابق عرفت أن للايمان والاسلام معاني شتى كما سنفصله إنشاء الله تعالى .
الاخبار : - 1 ب : عن هارون ، عن ابن صدقة ، عن جعفر ، عن أبيه عليهما السلام : أنه قال له : إن الايمان قد يجوز بالقلب دون اللسان ؟ فقال له : إن كان ذلك كما تقول فقد حرم علينا قتال المشركين ، وذلك أنا لا ندري بزعمك لعل ضميره الايمان فهذا القول ، نقض لامتحان النبي صلى الله عليه وآله من كان يجيئه يريد الاسلام ، وأخذه إياه بالبيعة عليه وشروطه وشدة التأكيد ، قال مسعدة : ومن قال بهذا فقد كفر البتة من حيث لا يعلم ( 4 ) .
توضيح : " أنه قال له " ضمير قال راجع إلى الصادق عليه السلام ، ورجوعه إلى مسعدة بعيد ، وعلى الاول الكلام محمول على الاستفهام ، " وقد " للتقليل وعلى الثاني يحتمل التحقيق أيضا فلا يكون استفهاما ، ويكون النسبة إلى الاب بأن يكون نسب الجواب إلى أبيه عليهما السلام ولذا صار بعيدا ، وحاصل الجواب أنه لو كان الاسلام محض الاعتقاد القلبي ولم يكن مشروطا بعد الانكار الظاهري أو بوجود الاذعان والانقياد الظاهري ، لم يجز قتال المشركين ، إذ يحتمل إيمانهم باطنا وقوله عليه السلام :
__________________________________________________
( 1 ) القلم : 33 .
( 2 ) الجن : 14 .
( 3 ) تفسير القمى : 699 .
( 4 ) قرب الاسناد ص 22 ، ط حجر ، ص 33 ط النحف .
[242]
" فهذا القول " يحتمل أن يكون وجها آخر وهو أن هذا القول مناقض لفعل النبي صلى الله عليه وآله من تكليفه من يريد الاسلام بالبيعة والتأكيد فيها فانها أفعال سوى الاعتقاد ، أو يكون مرجع الجميع إلى دليل واحد هو أنه لو كان أمرا قلبيا فأما أن يكتفي في إثبات ذلك أو نفيه بقوله أم لا ، فعلى الثانى لا يمكن قتل المشرك و قتاله أصلا ، وعلى الاول فلا بد من الاكتفاء باقراره ، فلا حاجة إلى التبعية و غيرها ، مما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعتبره ويهتم به .
2 - ن : باسناد التميمي ، عن الرضا ، عن آبائه ، عن علي عليهم السلام قال : قال النبي صلى الله عليه وآله امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فاذا قالوها فقد حرم علي دماؤهم وأموالهم .
تبيين : روت العامة هذا الخبر بطرق مختلفة ( 1 ) وزيادة ونقصان في الالفاظ فمنها مارووه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوا : لا إله إلا الله ، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ، وقال الحسين بن مسعود في شرح السنة : حتى يقولوا لا إله إلا الله ، أراد به عبدة الاوثان دون أهل الكتاب ، لانهم يقولون لا إله إلا الله ثم لا يرفع عنهم السيف حتى يقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله أو يعطوا الجزية ، وقوله : " وحسابهم على الله " معناه فيما يستسرون به ، دون ما يخلون به ، من الاحكام الواجبة عليهم في الظاهر ، فانهم إذا أخلوا بشئ مما يلزمهم في الظاهر يطالبون بموجبه انتهى .
وأقول : كأن الاكتفاء بإحدى الشهادتين لتلازمهما ، والمراد بها الشهادتان معا ، بل مع ما تستلزمانه من الاقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله فانهم رووا أيضا أنه صلى الله عليه وآله قال : امرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام ، وحسابهم على الله ، وفي رواية اخرى : حتى
__________________________________________________
( 1 ) مشكاة المصابيح : 12 - 14 .
[243]
يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا ، وأن يصلوا صلاتنا ، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين ، وفي رواية اخرى : حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي ، وبما جئت به ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها .
قال القاضي عياض من علماء العامة : إختصاص عصم النفس والمال بمن قال لا إله إلا الله ، تعبير عن الاجابة إلى الايمان أو أن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الاوثان ومن لا يوحد ، وهم كانوا أول من دعي إلى الاسلام وقوتل عليه ، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا إله إلا الله ، إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده ، ولذلك جاء في الحديث الاخر : وأني رسول الله ، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة .
3 - سن : عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن الحكم بن أيمن ، عن القاسم الصيرفي شريك المفضل قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : الاسلام يحقن به الدم ، وتؤدى به الامانة ، ويستحل به الفرج ، والثواب على الايمان ( 1 ) .
كا : عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير مثله ( 2 ) .
بيان : يدل الخبر على عدم ترادف الايمان والاسلام ، وأن غير المؤمن من فرق أهل الاسلام لا يستحق الثواب الاخروى أصلا ، كما هو الحق والمشهور بين الامامية ، وستعرف أن كلا من الاسلام والايمان ، يطلق على معان ، والظاهر أن المراد بالايمان في هذا الخبر الاذعان بوجوده سبحانه وصفاته الكمالية ، و بالتوحيد والعدل والمعاد ، والاقرار بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله وإمامة الائمة الاثني عشر صلوات الله عليهم ، وبجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ما علم منها تفصيلا وما لم يعلم إجمالا ، وعدم الاتيان بما يخرجه عن الدين ، كعبادة الصنم ، والاستخفاف بحرمات الله .
__________________________________________________
( 1 ) المحاسن ص 285 .
( 2 ) الكافى ج 2 ص 24 .
[244]
والاسلام هو الاذعان الظاهري بالله وبرسوله ، وعدم إنكار ما علم ضرورة من دين الاسلام ، فلا يشترط فيه ولاية الائمه عليهم السلام ولا الاقرار القلبي ، فيدخل فيه المنافقون ، وجميع فرق المسلمين ، ممن يظهر الشهادتين ، عدا النواصب والغلاة والمجسمة ، ومن أتى بما يخرجه عن الدين كعبادة الصنم ، وإلقاء المصحف في القاذورات عمدا ، ونحو ذلك ، وسيأتي تفصيل القول في جميع ذلك إنشاء الله .
ثم إنه عليه السلام ذكر من الثمرات المترتبة على الاسلام ثلاثة الاول حقن الدم ، قال في القاموس حقنه يحقينه ويحقنه حبسه ، ودم فلان أنقذه من القتل انتهى وترتب هذه الفائدة على الاسلام الظاهري ظاهر لان في صدر الاسلام وفي زمن الرسول كانوا يكتفون في كف اليد عن قتل الكفار باظهارهم الشهادتين ، و بعده صلى الله عليه وآله لما حصلت الشبه بين الامة واختلفوا في الامامة خرجت عن كونه من ضروريات دين الاسلام فدم المخالفين وسائر فرق المسلمين محفوظة إلا الخوارج والنواصب فان ولاية أهل البيت عليهم السلام أي محبتهم من ضروريات دين جميع المسلمين وإنما الخلاف في إمامتهم ، والباغي على الامام يجب قتله بنص القرآن ، وهذا الحكم إنما هو إلى ظهور القائم عليه السلام إذ في ذلك الزمان ترتفع الشبه ، ويظهر الحق بحيث لا يبقى لاحد عذر ، فحكم منكر الامامة في ذلك الزمان حكم سائر الكفار في وجوب قتلهم وغير ذلك .
وأما المنافقون المظهرون للعقائد الحقة ، المبطنون خلافها ، فيحتمل عدم قبول ذلك عنهم لحكمه عليه السلام بعلمه في أكثر الاحكام ، ويحتمل أيضا قبوله منهم إلى أن يظهر منهم خلافه ، كما هو ظاهر أخبار دابة الارض ، والجزم بأحدهما مشكل .
الثاني أداء الامانة ، وظاهره عدم وجوب رد وديعة من لم يظهر الاسلام ، و هو خلاف المشهور ، وأكثر الاخبار ، فان المشهور بين الاصحاب وجوب رد الوديعة ، ولو كان المودع كافرا ، وقال أبوالصلاح إن كان حربيا وجب أن يحمل ما أودعه إلى سلطان الاسلام ، ويمكن حمل الخبر علي أن الرد علي المسلم آكد
[245]
أو أنه يحكم به أهل الاسلام أو على أن المراد بالامانة غير الوديعة مما حصل من أمواله ، في يد غيره أو أن الاسلام يصير سببا لان يؤدي الامانات إلى أهلها وفي الكل تكلف ، والحمل على مذهب أبي الصلاح أيضا يحتاج إلى تكلف لانه أيضا يوجب رد أمانة الذمي ، فيتكلف بأن رد أمانة الذمي أيضا بسبب الاسلام لتشبثه بذمة المسلمين .
الثالث استحلال الفرج بالاسلام ، فيدل على عدم جواز نكاح الكافرة مطلقا بل بملك اليمين أيضا إلا ما خرج بالدليل ، وكذا إنكاح الكافر ، ، وعلى جواز نكاح المسلمة مطلقا ، وكذا إنكاح المسلم من أي الفرق كان .
أما الاول فلا خلاف في عدم جواز نكاح المسلم غير الكتابية ، وفي تحريم الكتابية أقوال : التحريم مطلقا ، جواز متعة اليهودية والنصرانية اختيارا والدوام اضطرارا ، عدم جواز العقد بحال وجواز ملك المين ، جواز المتعة وملك اليمين لليهودية والنصرانية وتحريم الدوام كما هو مختار أكثر المتأخرين ، تحريم نكاحهن مطلقا اختيارا وتجويزه مطلقا اضطرارا وتجويز الوطي بملك اليمين ، الجواز مطلفا كما ذهب إليه الصدوق .
وفى المجوسية اختلاف في الاقوال والروايات ، و الاقرب جواز وطئها بملك اليمين ، والاحوط الترك في غير ذلك ، نعم إذا أسلم زوج الكتابية فالنكاح باق وإن لم يدخل بها .
وأما الثاني وهو تزويج غير المؤمن من فرق المسلمين فالمشهور اعتبار الايمان في جانب الزوج دون الزوجة ، وذهب جماعة إلى عدم اعتباره ، مطلقا ، والاكتفاء
-بحار الانوار مجلد: 61 من ص 245 سطر 19 الى ص 253 سطر 18 بمجرد الاسلام ولا يخلو من قوة في زمان الهدنة ، ولا يصح نكاح الناصب المبغض لاهل البيت عليهم السلام مطلقا .
ثم ذكر عليه السلام ثمرة الايمان ، وهو ترتب الثواب على أعماله في الاخرة فغير المؤمن الاثنى عشري المصدق قلبا لا يترتب على شئ من أعماله ثواب في الاخرة ، وهو يستلزم خلوده في النار كما مر وسيأتي إنشاء الله .