وأقول : لا يخفي ضعف هذه الوجوه ، وضعف الرواية العامية مع ضعف دلالتها وضعف دلالة رواية محمد بن مسلم والعمدة في متمسكهم رواية موسى بن بكر ، وعندي أنها مع ضعفها غير صريحة في المطلوب أيضا ، فان المتاع ما يتمتع به فيؤل إلى أنه

[544]


يتمتع بها الذين لا يوقنون ، وتعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية .
قال في المصباح المنير : المتاع في اللغة كل ما ينتفع به كالطعام والبز وأثاث البيت وأصل المتاع ما يتمتع به من الزاد ، وهو اسم من متعته ، بالتثقيل ، إذا أعطيته ذلك وفي القاموس المتاع المنفعة والسلعة والاداة ، وما تمتعت به من الحوائج ، والجمع أمتعة ، وقوله تعالى : " ابتغاء حلية " أي ذهب أو فضة " أومتاع " أي حديد وصفر و نحاس ورصاص ، وبالضم ، ما يتبلع به من الزاد ويكسر ، وفي الصحاح المتاع السلعة والمتاع أيضا المنفعة وما تمتعت به .
وقال الراغب : المتوع الامتداد والارتفاع والمتاع انتفاع ممتد الوقت ، يقال متعه الله بكذا وأمتعه قال تعالى : " ومتعناهم إلى حين " وقال تعالى : " ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين " تنبيها على أن لكل انسان من الدنيا تمتع مدة معلومة ، وقوله تعالى : " قل متاع الدنيا قليل " تنبيه على أن ذلك في جنب الاخرة غير معتد به ، ويقال لما ينتفع به في البيت : متاع قال تعالى : " ابتغاء حلية أومتاع " وكل ما ينتفع به على وجه ما هو متاع ومتعة ، وعلى هذا قوله : " ولما فتحوا متاعهم " أي طعامهم فسماه متاعا انتهى .
أقول : فظهر أن أصل المتاع المتمتع ، ثم استعمل فيما ينتفع به ، فهنا إما بمعنى المصدر والحمل على المبالغة ، أو بمعنى ما ينتفع به ; فالانتفاع مأخوذ فيه لما محض المالكية ولم يتفطن بهذا أحد وإنما تكلموا في سند الحديث ، وأما ما ذكروه من تزيين المجالس بها ، فالظاهر أنه أيضا انتفاع واستعمال ، فيلحق بالقسم الاول وكذا التقييد بالاحتواء عليها في المجمرة الظاهر أنه غير جيد إذ إحضارها في المجلس و طرح الطيب استعمال لها ، نعم بالنسبة إلى غير صاحب البيت إذا لم يباشر شيئا من ذلك واستشم ذلك ففيه إشكال من جهة الاستعمال ، وإن كان من جهة الحضور في مجلس الفسق إن كان محرما مطلقا منهيا عنه ، وكذا الاستضاءة بالشمع الذي نصب في ظرف الذهب والفضة ، لغير المباشر فيه إشكال ، ولا يبعد الجواز ، لا سيما إذا لم يكن في المجلس الذي أسرج فيه ، فانه لايعد هذا انتفاعا وتصرفا ، ولذا قالوا : لا يجوز للمالك منعهم

[545]


من الاستضاءة .
ويشكل هذا في المشاهد المقدسة التي يسرج فيها في تلك الظروف إذ يلزم ارتكاب المحرم لامر مستحب إذا قيل : بحرمة هذا الانتفاع ، والظاهر أنه لا تصير أمثال تلك الاحتياطات البعيدة سببا لترك تلك الفضايل العظيمة فان أصل كونها آنية في محل المنع كما ستعرف ، وكون مطلق الاستعمال محرما كذلك ، وكون ذلك استعمالا أبعد .
ويؤيده مارواه الكليني والشيخ في الحسن كالصحيح عن زرارة قال : حضر أبوجعفر عليه السلام جنازة رجل من قريش وأنا معه وكان فيها عطاء فصرخت صارخة فقال عطا : لتسكتن أو لنرجعن ، قال : فلم تسكت فرجع عطا ، قال : فقلت لابي جعفر عليه السلام : إن عطا قد رجع ، قال : ولم ؟ قلت صرخت هذه الصارخة ، فقال لها : لتسكتن أولارجعن ، فلم تسكت فرجع ، فقال : امض بنا ، فلو أنا إذا رأينا شيئا من الباطل مع الحق تركنا له الحق لم نقض حق مسلم ( 1 ) .
وأما ما يصنعه بعضهم فيأتي بشمعة فيقرء ويزور بها ، فكأنه لا ينفعه إلا إذا لم يصل إليه من أنوار تلك الشموع شئ ، وهذا غير ميسر غاليا ، ومع الوصول فالقراءة بجيمع الانوار والقصد لا يفيد في ذلك ، والعجب أن بعض أفاضل معاصرينا كان يبعث شمعة إلى الروضة المقدسة الرضوية صلوات الله على مشرفها ليقرء الناس بها لزعمه أنه ينفعهم .
قال المحقق الاردبيلي رحمه الله : ليس في خبر معتبر النهي عن الاستعمال ، نعم وقع " كرههما " في صحيحة محمد بن إسماعيل والنهي عن الاكل في آنية الفضة في حسنة الحلبي وهما أصح ما نقل على هذه المسألة في المنتهى فالظاهر أن المراد بالكراهة التحريم ، وهو كثير ، ويشعر به تتمة الخبر فتأمل وفتوى الاصحاب ، وحملوا النهي في الحسنة على التحريم فتأمل ، وباقي الاخبار غير الصحيحة مثل خبر داود بن سرحان وخبر محمد بن مسلم ورواية موسى بن بكر ، وعلى تقدير حمل النهي والكراهة على التحريم

______________________________________________________
( 1 ) الكافى 3 ر 171 .

[546]


وجد النهي تحريما عنهما ، والنهي عن الاعيان غير معقول فيحمل على ما هو المطلوب منه غالبا كما هو مقتضي الاصول ، وهو الاستعمال مطلقا لافي الاكل ولا في الشرب للظاهر ، ولانه أقرب إلى الحقيقة ، فعلم مما عرفت عدم دليل على تحريم الاتخاذ للقنية أيضا كما هو مذهب الاكثر ولا تزيين المجالس والبيوت وغير ذلك لعدم ثبوت ما يصلح دليلا عليه مع الاصل ومثل " من حرم زينة الله " وحصر المحرمات في بعض الايات وعدم دخوله فيها .
ثم قال رحمه الله : وبالجملة لو لا دعوى الاجماع ، وعدم ظهور الخلاف والفرق لكان القول بكراهة استعمال الاواني حسنا لعدم دليل التحريم للفظ " كرههما " وعطف النهي عن المفضض المحمول على الكراهة على نهيها ، مع أنه حسن ، فالاجماع مع ظهور بعض الاخبار يدل على بعض تحريم مطلق الاستعمال والاحتياط مع بعض الاخبار أيضا يدل على تحريم القنية أيضا فلا يترك انتهى .
وأقول : حمل النهي الوارد على الاعيان على مطلق الاستعمال أو الانتفاع محل نظر ، بل يحتمل حمله على الانتفاع الغالب الشايع كالاكل والشرب هنا ، والوطي في قوله تعالى : " حرمت عليكم أمهاتكم " والاكل " في حرمت عليكم الميتة " ، وأمثال ذلك كما أشرنا إليه سابقا .
الثانى : اختلف الاصحاب في الاواني المفضض ، فقال الشيخ في الخلاف : حكمها حكم الاواني المتخذة من الذهب والفضة ، وقال في المبسوط : يجوز استعمالها لكن يجب عزل الفم عن موضع الفضة ، واختاره العلامة رحمه الله وعامة المتأخرين قالوا : بالكراهة ، وهو أقوى لصحيحة عبدالله بن سنان .
احتج الشيخ على التحريم بحسنة الحلبي فان العطف يقتضي التساوي ، وبرواية بريد لان المراد بالكراهة في الاول التحريم فيكون في الثاني كذلك تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه ، واحترازا عن عموم الاشتراك والمجاز ، ورواية عمرو بن أبى المقدام واجيب بأن لزوم مطلق التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه ممنوع ، وخبر الحلبي محمول على الكراهة في المفضض ، جمعا بينه وبين ماهو أقوى منه ،

[547]


والكراهية في خبر بريد أعم من التحريم ، فالتشريك بين المعطوف والمعطوف عليه حاصل على القول بالكراهة ، ونزعه عليه السلام لا يدل على التحريم ، فيجوز أن تكون للكراهية ، واجتناب موضع الفضة على الوجوب عند الشيخ في المبسوط والعلامة وأكثر المتأخرين استنادا إلى الامر بالعزل في صحيحة ابن سنان .
وذهب المحقق رحمه الله في المعتبر إلى استحبابه لصحيحة معاوية بن وهب وهو حسن فان ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال دليل العموم .
وأقول : المفضض أنواع : الاول الظرف الذي تكون بعضها فضة وبعضها نحاسا أو غيره متميزا كل منهما عن الآخر كما تستعمل ظروف أصلها من الخزف أو ما يشبهه وفمها من الفضة ، الثاني ماكان جميعه مموها بالفضة وهو قسمان : أحدهما ماطلي بماء الفضة وإذا عرض على النار لا ينفصل عنه شئ ، وثانيهما مالبس بالسبايك وشبهها بحيث إذا عرض على النار انفصلت الفضة عن غيرها ، الثالث ما علق عليه قطعة أو حلقة أو سلسلة من الفضة ، الرابع أن يخلط الفضة بشئ آخر ، ويصنع منهما الآنية ، الخامس ما نقش بالفضة .
وظاهر أخبار المفضض شمولها للاول والثالث ، لكن ظاهر أكثرها ماكان بالضبة والقطعة الملصقة ، لا الحلقة والسلسلة ، للتصريح في بعضها بالضبة ، ولتجويز الحلقة في غير الاواني كما مر ، قال في الدروس : وفي المفضض روايات والكراهة أشبه نعم يجب تجنب موضع الفضة على الاقرب ، ولا بأس بقبيعة السيف ونعله من الفضة وضبة الاناء وحلقة القصعة .
وأما الثاني فالظاهر في الاولى التجويز ، وفي الثانية المنع لصدق الآنية على اللباس بل يمكن ادعاء صدق آنية الفضة على الجميع عرفا ، وللاخبار السابقة ، وإن وردت في غير الاواني ، ويحتمل القول بالجواز فيه لاصل الاباحة ، وعدم صراحة الاخبار في المنع ، وقال العلامة رحمه الله في النهاية : لو اتخذ إناء من حديد أو غيره وموهه بالذهب أو الفضة ، فان كان يحصل منهما شئ بالعرض على النار ، منع من

[548]


استعماله ، وإلا فاشكال ينشأ من عدم ظهوره للفقراء ، فلا يحصل الخيلاء ومن المشابهة لآنية الذهب والفضة انتهى .
وأما الرابع فلا يبعد اعتبار صدق الاسم ، فان صدق آنية الفضة عليه منع وإلا فلا ، فكأنه لا اعتبار للغلبة مع عدم صدق الاسم .
وأما الخامس فلا يبعد القول بالتفصيل فيه كالثاني بأن يقال : إن حصل منهما بالعرض على النار شئ كان في حكم المفضض وإلا فلا .
ثم اعلم : أن الاحاديث وردت في المفضض ، وهو مشتق من الفضة ، وهل يدخل فيها المذهبة أو المضببة بالذهب ؟ قال العلامة رحمه الله في المنتهي : لم أقف للاصحاب فيه على قول ، ثم قال : والاقوى عندي جواز اتخاذه عملا بالاصل ، والنهي إنما يتناول استعمال آنية الذهب والفضة ، نعم هو مكروه إذ لا ينزل عن درجة الفضة وهو حسن ، إلا أن إثبات الكراهة مع فقد النص لا يخلو من إشكال ، وقال رحمه الله في النهاية : لا فرق بين المضبب بالفضة أو الذهب في ذلك لتساويهما في المنع ، والعلة ، وقال السيد رحمه الله في المدارك : الاظهر أن الآنية المذهبة كالمفضضة في الحكم بل هي أولى بالمنع ، وقال المحقق الاردبيلي رحمه الله : الظاهر عدم الفرق بين الذهب والفضة في ثبوت الكراهة ، ووجوب عزل الفم فيه ، ثم قال : ولا يخفى أن وجوب عزل الفم يدل على تحريم الشرب في آنية الفضة فتأمل .
الثالث : قال الشيخ البهائي رحمه الله : لا يحرم المأكول والمشروب لعدم الدليل وأصالة الحل ، وعن المفيد رحمه الله تحريمه وهو اللايح من كلام أي الصلاح رحمه الله وربما يظن الايماء إليه فيما اشتهر من قول النبى صلى الله عليه وآله : الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم ، ورده شيخنا في الذكرى ، بأن الحديث محمول على أن الشرب المذكور سبب في دخول النار لامتناع إرادة الحقيقة انتهى ، ونحو ذلك ذكر غيره .
وأقول : كلامهم في هذا الباب مبهم لا يعرف معناه ولا يفهم مغزاه ، وتفصيله ان حرمة العين إذا لم يرد بها الاستعمال والانتفاع ، ليس له معنى محصل ، فان كان

[549]


مرادهم بحرمة المأكول أنه إذا دخل الطعام فيها حرم ولا يجوز الاكل منه ، وإن حول منها إلى آنية اخرى ايضا ، كما يدل عليه عبارة الذكرى ؟ فمعناه محصل لكن دليله في غاية الضعف إذ لم يدل عليه شئ من الاخبار المنقولة من طرق الخاصة والعامة ، قال في الذكرى : لا يحرم المأكول والمشروب ، وإن حرم الاستعمال لعدم تناول النهي المستعمل ، ويخرج عن المعصية بوضعه في غير الاناء ، ثم أكله ، وعن المفيد رحمه الله تحريمه ويلوح من كلام أبى الصلاح ثم ذكر مامر ، وإن أرادوا به أن عند الاكل من آنية الفضة تعلقت الحرمة بالمأكول أيضا أي يصدق عليه أنه أكل شيئا محرما كما أنه يصدق أنه أكل أكلا محرما كما يوهمه كلام بعضهم ، فلا محصل له كما عرفت ، فان المأكول المحرم لا معنى له إلا أن أكله محرم .
فان قيل : نجد الفرق بين الحكم المتعلق بالعين ، والمتعلق بالفعل ، في كلام القوم لحكمهم بكراهة الاكل متكئا وكراهة مكروهات الذبيحة ، وكذا الفرق واضح بين الاكل في المكان المغصوب ، وببين أكل لحم الخنزير ، قلت : جميع تلك الاحكام ترجع إلى فعل المكلف لكن اصطلحوا على أن الحرمة إذا كانت متعلقة بأكل شئ مثلا في جميع الاحوال الاختيارية كلحم الخنزير ، ينسبون الحرمة إلى المأكول ، وإن كانت مخصوصة بوضع خاص أو زمان خاص أو مكان مخصوص ينسبون التحريم إلى الفاعل غالبا .
فان كان غرضهم هذا الفرق فالنزاع قليل الجدوى ، ولا ثمرة له يعتد بها ، والظاهر أن مرادهم المعنى الاول لكن كلام أبي الصلاح لا دلالة فيه على شئ من
-بحار الانوار مجلد: 59 من ص 549 سطر 19 الى ص 554 سطر 18 الوجهين ، حيث قال في الكافي : ما يحرم أكله على ضربين : أحدهما يتعلق التحريم بعينه ، الثاني بوقوعه على وجه ، الضرب الاول البغل والخنزير والكلب ، إلى قوله الضرب الثاني ميتة ذوات الانفس السائلة إلى قوله : وطعام الكفار ، وما باشروه ببعض أعضائهم ، وما شرب عليه الخمر من الطعام ، والطعام في آنية الذهب والفضة ، ثم قال : فصل فيما يحرم شربه : قليل المسكر وكثيره خمر محرم ، إلى أن قال : وما

[550]


ينجس من الطاهرات والشرب فيما لا يجوز الاكل فيه من الاواني انتهى .
وكلامه في الشرب صريح في المشهور وكلام المفيد رحمه الله لم أظفر عليه بعينه .
الرابع : اختلف الاصحاب في بطلان الطهارة إذا تطهر من إنائي الذهب والفضة قال في المعتبر : لا يبطل وضوؤه ولا غسله ، لان انتزاع الماء ليس جزء من الطهارة بل لا يحصل الشروع فيها إلا بعده ، فلا يكون له أثر في بطلان الطهارة ، واستوجه العلامة رحمه الله في المنتهى البطلان ، لان الطهارة لاتتم إلا بانتزاع الماء المنهي عنه ، فيستحيل الامر بها لاشتماله على المفسدة ، وقال في المدارك : هو جيد ، حيث ثبت التوقف المذكور ، وأما لو تطهر منه مع التمكن من استعمال غيره قبل فوات الموالات ، فالظاهر الصحة لتوجه الامر باستعمال الماء ، حيث لا يتوقف على فعل محرم ، وخروج الانتزاع المحرم عن حقيقة الطهارة انتهى .
وكذا اختلفوا في البطلان لو جعلت مصبا لماء الوضوء أو الغسل ، وعدم البطلان هنا أظهر .
الخامس : قال في المنتهى : تحريم الاستعمال مشترك بين الرجال والنساء لعموم الادلة ، وإباحة التحلي للنساء بالذهب لا يقتضي إباحة استعمالهن الآنية منه إذ الحاجة وهي التزين ماسة في التحلي وهو مختص به ، فتخصص به الاباحة انتهى وادعى في الذكرى عليه الاجماع .
السادس : قال في المنتهى : لو اتخذ إناء من ذهب أو فضة مموهة بنحاس أو رصاص ، حرم استعماله لوجود النهي عنه ، وهو أحد قولي الشافعي ، وفي الآخر لا يحرم ، لانه لا يظهر للناس السرف فيه ، فلا يخشي منه فتنة الفقراء ، ولا إظهار التكبر ، والجواب السرف موجود فيه ، وإن لم يظهر انتهى .
وأقول : هذه العلل غير منصوصة والعدة صدق الاسم ليدخل تحت النهي وهو ممنوع ودعوى الصدق غير بعيد .
السابع : اختلف الاصحاب في جواز اتخاذ الظروف الصغيرة التي لا تصلح للاكل والشرب كالمكحلة وظرف الغالية وأشباه ذلك ، للشك في صدق الآنية عليها

[551]


بل ادعى بعضهم أن المتبادر من الآنية والاواني الظروف المستعملة في الاكل والشرب فلا تصدق على ما يوضع فيه الشموع والمصابيح ، ولا ظروف التتن والقناديل المعلقة في المشاهد والمساجد .
ويؤيده ما مر في خبر على بن جعفر حيث قال : إنما كره استعمال مايشرب منه ولا يقصر عن الصحيح لرواية الحميري والبرقي من كتاب على بن جعفر وكتابه كان أشهر من الشمس ، والآن أيضا موجود عندنا وأما اللغويون فأكثرهم أحالوه على الشهرة والعرف ، فقالوا : الاناء معروف والجمع آنية ، وجمع الجمع أوانى ، وقال في المصباح المنير : الاناء والآنية كالوعاء والاوعية ، وقال الراغب : الآنية مايوضع فيه الشئ انتهى ، وما قال الاناء هو الظرف ، والظرف كل ما يستقر فيه الشئ فلا مستند له ، ومعلوم في العرف أنه إذا قال رجل : اثتني باناء فاتي بظرف غالية أو مكحلة لا يعد في العرف مؤتمرا ، ويؤيده تجويز الخواتيم ، وأوعية الدعاء ، ونعل السيف وأمثالها ، مع أن جميع ذلك مما يستقر فيه الشئ .
والحاصل أن كل ما علم لغة أو في عرفهم عليهم السلام صدق الانية عليه ، يدخل في النهي إن عممناه ، وإلافأصل الاباحة أقوى ، وإن كان الاحوط الاحتراز عن الجميع إلا ما علم استثناؤه ، ولنذكر بعض ما ذكره الاصحاب رضي الله عنهم في ذلك .
قال الشهيد رحمه الله في الذكرى : الاقرب تحريم المكحلة منها وظرف الغالية وإن كان بقدر الضبة لصدق الاناء ، أما الميل فلا ، ونحوه قال في الدروس ، وقال العلامة رحمه الله في التذكرة : في المكحلة الصغيرة وظرف الغالية للشافعية وجهان : التحريم وهو المعتمد ، لانه يسمى إناء ، والاباحة لان قدره يحتمل ضبة للشئ ، فكذلك وحده ، وقال صاحب المدارك : في جواز اتخاذ المكحلة وظروف الغالية من ذلك تردد منشاؤه الشك في إطلاق اسم الاناء عليه حقيقة .
الثامن : اختلفوا أيضا في تحلية المشاهد والمساجد بالقناديل من الذهب والفضة والحكم بالتحريم مشكل ، للشك في صدق الانية عليها ، لا سيما إذا كانت مكشوفة الطرفين ، وقال في الذكري : وفي المساد والمشاهد نظر لفحوى النهي ، وشعار التعظيم

[552]


وقال المحقق الاردبيلي رحمه الله : على تقدير ثبوت التحريم لا ينبغي الفرق بين المشاهد وغيرها بعدم التحريم فيها بدليل التعظيم ، وميل قلوب الناس إليها ، لان مثله لا يصلح لتخصيص الدليل لو كان موجودا ، ولعل عدم المنع من المتقدمين على تقدير القدرة لعدم تحريم غير الاستعمال .
التاسع : قال العلامة رحمه الله في المنتهي : لا بأس باتخاذ الفضة اليسيرة كالحلية للسيف ، والقصعة والسلسلة التي يتشعب بها الاناء ، وأنف الذهب ، وما يربط به أسنانه ، لما رواه الجمهور في قدح رسول الله صلى الله عليه وآله ، والخاصة في مرآة موسى ، وروي الجمهور أن عرفجة بن سعد أصيب أنفه يوم الكلاب ، فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبى صلى الله عليه وآله أن يتخذ من ذهب ، وللحاجة إلى ذلك واتخاذ ذلك جايز مع الحاجة ، وبدونها خلافا لبعض ، وأما ماليس باناء فالوجه الكراهية فيه ، وذلك كالصفايح في قايم السيف ، والميل لما فيه من النفع ، ولما رواه أنس قال : كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وآله من فضة ، وقبيعة سيفه فضة ، وما بين ذلك حلق الفضة ورواية محمد بن إسماعيل لما أمر موسى عليه السلام بكسر قضيب العباس الملبس بالفضة قد تحمل على الكراهة .
ونحو ذلك قال في المعتبر : وقال صاحب الوسيلة : الحلي ثلاثة أضرب : ذهب وفضة وجوهر فالذهب حرام على الرجال التزين به ، حلال للنساء إلا في حال الحداد ، والفضة والجوهر يجوز للرجل التزين بهما كما يجوز للمرأة ، ولبس ما يختص بأحدهما مكروه للاخر ، والمموه من الخاتم والمجرى فيه الذهب والمصوغ من الحنسين على وجه لا يتميز والمدروس من الطرز مع بقاء أثره حل للرجال أيضا .
وقال صاحب الجامع : لا يحل استعمال أواني الذهب والفضة لرجل أوامرأة وموضع الفضة من المفضض ، والدهن والمشط ، والمرآة من ذلك ، ولا بأس بالبرة سن الذهب والفضة وقال رحمه الله : لا يجوز للرجال التحلي بالذهب ، ويجوز للنساء ويتحلي الرجال بالفضة خاتما ومنطقة وحلية سيف وبرة بعير .

[553]


وقال في الذكري : أما نحو الحلقة للقصعة وقبيعة السيف والسلسلة فانه جايز ، ثم ذكر الاخبار العامية والخاصية المتقدمة في ذلك ، وقال في الدروس : ولا بأس بقبيعة السيف ونعله من الفضة ، وصبة الاناء ، وحلقه الفضة ، وتحلية المرآت وروي جواز تحلية السيف والمصحف بالذهب والفضة ، وقال في الذكري : هل ضبة الذهب كالفضة ؟ يمكن ذلك كأصل الاناء ، والمنع لقوله صلى الله عليه وآله في الذهب والحرير : هذان حرامان على ذكور امتي انتهى .
وأقول : قد مر التفصيل في السرير والسرج واللجام ، ولم أر أحدا من الاصحاب تعرض لذلك ، وروي عن الصادق عليه السلام أنه كانت برة ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله من فضة .
وأقول : روت العامة أن طرفة بن عرفجة الصحابي اصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذها من ورق فأنتن فرخص عليه السلام له في الذهب ، وفي شرح الشواهد : الكلاب كغراب موضع وماء وقال حمزة بن الحسن الاصبهاني في كتاب التنبيه على حروف التصحيف : قد فضح التصحيف في دولة الاسلام خلقا من الفقهاء والعلماء والكتاب والامراء وذوي الهيئات من القراء كحيان بن بشر قاضي اصبهان وقد تولي قضاء الحضرة أيضا ، فانه كان روي عن أصحاب الحديث أن عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب ، وكان مستحليه رجلا يقال له كحيحة ، فقال : أيها القاضي إنما هو يوم الكلاب ، فأمر بحسبه فدخل الناس إليه فقالوا : ما دهاك ؟ فقال : قطع أنف عرفجة يوم الكلاب في الجاهلية ، وامتحنت أنا به في الاسلام .