وسادسا : أن ما ذكره من مناسبة كون الشمس خلقت في الشرطين على ما نقله من صاحب كتاب الانواء على تقدير حجية المنقول عنه لا يفيد إلا كونها حين الخلقة في أوائل صورة الحمل ، فإنهما نجمان قريبان من رأسها يعدان منزلا بحارالانوار ج 59 8

[129]

من منازل القمر ، فلو كان ذلك مناسبا لاعظام اليوم الذي عادت الشمس فيه إلى هذا الموضع لكان ينبغي إعظام يوم كونها فيه وهو في زمان النبي صلى الله عليه وآله كان في أواسط برج الحمل وفي زماننا انتقل إلى أواخره ، بناء على أن حركة الثوابت ومنها كواكب الصور في كل سبعين سنة درجة كما هو المشهور بين أهل الارصاد .
وبهذا ظهر حال ما ذكره من مناسبة ما قيل من ابتداء خلق العالم في شهر " نيسان " لعدم مطابقة شئ من أيام شهر نيسان من زمان النبي صلى الله عليه وآله إلى زماننا لاول الحمل الذي هو المطلوب إثباته ، فتأمل أو لا في حاصل قوله " ولا شك أن نيسان يدخل والشمس في الحمل " ثم فيما أتبعه تفريعا عليه بقوله " وإذ كان الخ " فتحير واعتبر .
وسابعا : أن ما ذكره من نزول الشمس الحمل في التاسع عشر الخ فقد عرفت عدم دلالته على المطلوب على تقدير مطابقته بحسب الحساب أيضا فضلا عن المخالفة .
وثامنا : أن ما ذكره من كون صب الماء المسنون في ذلك اليوم أوفق لاول الحمل لا الجدي ، لو ساغ مثله في إثبات مناط الاحكام الشرعية لكان مؤيد العاشر أيار لا لاول الحمل ، فإنه أوفق لذلك من كل من الجدي والحمل ، لكونه بعد أول الحمل بقريب من شهرين ، وكونه أقرب إلى اليوم المرسوم في زماننا " آب باشان " هذا إذا كان المراد بصب الماء في الرواية رشه على طريق الرسم الجاري في بعض البلاد ، ولكن يظهر من ابن جمهور أنه حمل سنة صب الماء فيها على استحباب الغسل في النيروز وذلك ليس ببعيد .
وتاسعا : أن ما ذكره من أن طلوع الشمس فيه كما في الرواية مناسب لاول الحمل بناء على مناسبة خلقها في الشرطين مبني كما مر على الخلط بين صورة الحمل وبرجه ، على أن ما قدمناه من حديث الرضا عليه السلام يدل على أن أول خلق الشمس في موضع شرفها وهو الدرجة التاسعة عشر من الحمل ، ولا يبعد أن يكون الشرطان أيضا حينئذ في تلك الدرجة ، فلا يكون ما ذكره صاحب كتاب الانواء مخالفا للحديث المذكور ، فيكونان متفقين في عدم مطابقتهما لاول الحمل

[130]

كما هو المطلوب .
ثم إن خلق الشمس غير طلوعها فلما كانت حين خلقها في وسط السماء كما في الحديث المذكور فالظاهر أنه أشار به ههنا إلى موافقة اليوم التالي لخلقها للنيروز لا يوم خلقها فتدبر .
وعاشرا : أن ما ذكره من مناسبه ما في الرواية من خلق زهرة الارض فيه لاول الحمل دون الجدي غير ظاهر ، إذا لقائل أن يقول : لعل مبدأ خلقها أول الجدي ، وظهورها على وجه الارض بعده ، مع أن ذلك متفاوت بحسب البلاد جدا ، وأيضا كونه غير مناسب للجدي لا يدفع سائر التفسيرات المذكورة للنيروز ولا يتعين بدونه المطلوب ، فيجوز أن يكون خلق زهرة الارض وكذا خلق الشمس أو طلوعها في يوم يكون موافقا من جهة الحساب المتداول بين الفرس في سنيهم لاول فروردينهم ، فجعل يدور في الفصول على طبق دورانه فيها بالاسباب التي ذكرناها غير مرة ، فلو فرضناه في أول الخلق مطابقا لاول نزول الشمس برج الحمل أيضا لكان مثل مطابقته حينئذ لسائر الاوضاع الغير المطلوبة كمواضع سائر الكواكب فحفظ تلك المطابقة فيه غير لازم لئلا يختل به ما هو المطلوب مما استقر بينهم إلى زمان النبي صلى الله عليه وآله واستمر بعده إلى زماننا من ضوابط حساب السنين .
فان قلت : رعاية الكبيسة كما نقل عن الفرس دالة على أن مقصود أقدميهم منها محافظة وضع معين للشمس بالنسبة إلى مبدأ سنيهم في الجملة ، فالمظنون أنهم كانوا عينوا لذلك أول الربيع كما قيل لظهور امتيازه عن غيره بالحسن واعتدال الهواء وقوة النشوء والنماء في معظم المعمورة ، فبمحض حدوث دورانه في الفصول بحسب تجدد الرسوم الاصطلاحية كيف سقط مقصودهم الاصلي عن درجة الاعتبار بالكلية وصار المعتبر مقتضى ما استقر بينهم من الرسوم الحادثة ؟ قلنا : سملنا قصدهم بدون مضايقة في تعيينهم أول الربيع لذلك أيضا مع أن ما يحصل من ضبط كبيستهم في مائة وعشرين سنة يحصل بدونها أيضا في مدة أكثر منه ، والفرق بين القلة والكثرة في مثلها مشكل ، ومع أن الروم أيضا مشاركون لهم في رعاية الكبيسة بل أضبط منهم فيها بدون التعيين المذكور ولكن نعلم أن المصالح

[131]

متغيرة بتغير الازمنة والطبائع والعادات ، فلعل الباعث لهم على الاتفاق على خلاف ما سبق من بعضهم عروض مصلحة أهم منه لهم ، والباعث لاعتبار مقتضى مصلحتهم في نظر الشارع مصلحة وحكمة اخرى خفية محجوبة عن عقولنا ، فنحن الآن مكلفون في الاحكام بتتبع آثار الصادقين من ظواهر ما نقل إلينا عنهم ، و الاحتياط عن الوقوع في متابعة آرائنا بأمثال تلك الاستحسانات .
قال بعض الافاضل بعد إيراد جملة مما ذكرنا : فتبين أن المراد بنيروز الفرس لابد أن يكون أول سنتهم الذي هو أول فروردينهم بلاخلاف ، وأنه دائر في الفصول من قديم الايام بأسباب شتى وخصوصا من زمان النبي صلى الله عليه وآله بسبب إهمال معاصريهم منهم في حفظ الكبيسة واستقرار أمرهم عليه إلى الآن ، فيكون أيام سنتهم دائما ثلاثمائة وخمسة وستين بلا عروض وتفاوت فيه قط ، وأن يوم الغدير في السنة العاشرة من الهجرة كان مطابقا له ، فإن اعتبر بما وقع بعدها في جلوس يزدجرد من إسقاط ما مضى من سنتهم وتجديد فروردينهم في التاريخ المذكور كما هو الظاهر بناء على أنه على طبق رسمهم المتداول بينهم وأن النيروز مبني على مقتضى رسمهم يكون النيروز المعتبر شرعا هو ما يضبطه المنجمون في التقاويم من أول فروردينهم في كل سنة ، وهو فيما نحن فيه من الزمان سنة ثمان وثمانين وألف من الهجرة مطابق ليوم الجمعة عاشر شهر شعبان وموافق للثامن والعشرين من أيلول الرومي والثالث والعشرين من مهرماه الجلالي ، وإن لم يعتبر بالاسقاط اليزدجردي بناء على أنه وقع بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وإكمال الدين وأن مثل ذلك في حكم المبتدعات الغر المعتبرة في الشرع يكون النيروز المذكور قبل فروردينهم المضبوط عند المنجمين بقدر الايام الساقطة ، وعلى كل من الاحتمالين بتقدم في كل أربع سنين بيوم على اليوم المطابق له من أيام شهور الروم ، وفي كل أربع سنين أو خمس سنين بيوم على ما كان مطابقا له من أيام الشهور الجلالية ، ويتأخر في كل سنة بأحد عشر يوما غالبا وبعشرة أيام في سني ، كبائس العرب عما كان موافقا له من أيام الشهور العربية وأيضا يتأخر في كل سنة بيوم عما كان مطابقا له من أيام الاسبوع دائما ، فظهر

[132]

من هذا التصوير أن ما اشتهر من مطابقة نيروزهم ليوم انتقال الخلافة الصورية أيضا إلى أميرالمؤمنين عليه السلام بعد قتل عثمان كمطابقته ليوم الغدير إن كان مستندا إلى نص كما قيل يؤيد الاحتمال الاول ، فإن كلا من الواقعتين كان في أواخر شهر ذي الحجة الحرام ، وبينهما خمس وعشرون سنة ، ولا يمكن أن يتفق ذلك بدون إسقاط إلا في نيف وثلاثين سنة ، فالنص على كون كل من اليومين مطابقا للنيروز هو في حكم النص على اعتبار الاسقاط المذكور ، وأيضا ثبوت الواقعتين المذكورتين في النيروز من أوضح الدلائل على بطلان كون المراد به يوم نزول الشمس ببرح الحمل ، فإن
وأقول : مما يؤيد مامر ما ذكره أبوريحان في كتاب " الآثار الباقية من القرون الخالية " حيث قال في عداد التواريخ المشهورة : ثم تاريخ ملك يزدجرد ابن شهريار بن كسرى ابرويز ، وهو على سني الفرس غير مكبوسة ، وقد استعمل في الازياج لسهولة العمل به ، وإنما اشتهر تاريخ هذا الملك من بين سائر ملوك فارس لانه قام بعد تبدد الملك واستيلاء النساء عليه والمتغلبة ممن لا يستحقه وكان مع ذلك آخر ملوكهم ، وجرت على يده أكثر الحروب المذكورة والوقائع المشهورة مع عمر بن الخطاب ، حتى زالت الدولة وانهزم ، فقتل بمرو الشاهجان .
ثم قال : ثم تاريخ أحمد بن طلحة المعتضد بالله ، وهو على سني الروم وشهور الفرس بمأخذ آخر ، وهو أنها تكبس في كل أربع سنين بيوم ، وكان السبب في ذلك على ما ذكر أبوبكر الصولي وحمزة بن الحسن الاصبهاني أن المتوكل بينا هو يطوف في متصيد له إذرأى زرعا لم يدرك بعد ولم يستحصد ، فقال : استأذنني عبيدالله بن يحيى في فتح الخراج وأرى الزرع أخضر فمن أين يعطي الناس الخراج ؟ فقيل له : إن هذا قد أضر بالناس فهم يقترضون ويتسلفون وينجلون عن أوطانهم

[133]

وكثرت لهم شكاياتهم .
فقال : هذا شئ حدث في أيامي أم لم يزل كذا ؟ فقيل له : بل هو جار على ما أسسه ملوك الفرس من المطالبة بالخراج في إبان النيروز ، وصاروا به قدوة لملوك العرب .
فأحضر المؤبد وقال له : قد كثر الخوض في هذا ولست أتعدى رسوم الفرس ، فكيف كانوا يفتحون الخراج على الرعية مع ما كانوا عليه من الاحسان والنظر ؟ ولم استجازوا المطالبة في هذا الوقت الذي لم تدرك فيه الغلات والزروع ؟ فقال المؤبد : وإنهم وإن كانوا يفتحونها في النيروز ، فما كان يجبى إلا وقت إدراك .
فقال : وكيف ذلك ! فبين له حال السنين وكمياتها وإحتياجها إلى الكبس ، ثم عرف أن الفرس كانوا يكبسونها فلما جاء الاسلام عطل ، فأضر ذلك بالناس ، واجتمع الدهاقنة زمن هشام بن عبدالملك إلى خالد القسري فشرحوا له هذا وسألوه أن يؤخروا النوروز شهرا ، فأبى وكتب إلى هشام بذلك ، فقال : إني أخاف أن يكون هذا من قول الله " إنما النسئ زيادة في الكفر ( 1 ) " فلما كان أيام الرشيد اجتمعوا إلى خالد بن يحيى بن برمك وسألوه أن يؤخروا النوروز نحو الشهرين ، فعزم على ذلك فتكلم أعداؤه فيه وقالوا : أنه يتعصب للمجوسية فأضرب عن ذلك وبقي الامر على حاله .
فأحضر المتوكل إبراهيم بن العباس الصولي وأمره أن يوافق المؤبد على ما ذكره من النيروز ويحسب الايام ويجعل له قانونا غير متغير ، وينشئ عنه كتابا إلى بلدان المملكة في تأخير النوروز ، فوقع العزم على تأخيره إلى سبعة عشر يوما من حزيران ، ففعل ذلك ونفذت الكتب إلى الآفاق في المحرم سنة ثلاث وأربعين ومأتين .
فقال البختري في ذلك قصيدة يمدح فيها المتوكل ، وقتل المتوكل ولم يتم له مادبر ، حتى قام المعتضد بالخلافة واسترد بلدان المملكة من المتغلبين عليها ، وتفرغ للنظر في امور الرعية ، فكان أهم شئ إليه أمر الكبيسة وإتمامه ، فاحتذى ما فعله المتوكل في تأخير النوروز ، غير أنه نظر من جهة اخرى ، وذلك أن المتوكل أخذ ما بين سنته وبين أول تاريخ الملك يزدجرد ، وأخذ المعتضد ما بين سنته وبين السنة التي زال فيها ملك الفرس بهلاك يزدجرد

__________________________________________________________________
( 1 ) التوبة : 38 .

[134]

ظنا منه أو ممن تولى ذلك له أن إهمالهم أمر الكبس هو من لدن ذلك الوقت ، فوجده مأتين وثلاثا وأربعين سنة ، وحصتها من الارباع ستون يوما وكسر ، فزاد ذلك على النوروز في سنة ، وجعله منتهى تلك الايام ، وهو أول يوم من خرداد ماه في تلك النسة ، وكان يوم الاربعاء وافقه اليوم الحادي عشر من حزيران ، ثم وضع النوروز على شهور الروم لتنكبس شهوره إذا كبست الروم شهورها ، وكان المتولي لامضاء ما أمر وزيره أبوالقاسم عبيدالله بن سليمان بن وهب ، وقال علي بن يحيى في ذلك " شعر " : يوم نيروزك يوم واحد لا يتأخر * من حزيران يوافي أبدا في أحد عشر وهذا وإن دقق في تحصيله فلم يعد به النوروز إلى ما كان عليه عند الكبس في دولة الفرس ، وذلك أن إهمال كبسهم كان قبل هلاك يزدجرد بقريب من سبعين سنة ، لانهم كانوا كبسوا السنة في زمان يزدجرد بن شابور بشهرين : أحدهما لما لزم السنة من التأخر وهو الواجب ، ووضعوا اللواحق خلفه علامة له ، وكانت النوبة لابان ماه كما سنذكره ، والشهر الآخر للمستأنف ليكون مفروغا منه إلى مدة طويلة ، فإذا اسقط عن السنين التي بين يزدجرد بن شابور وبينه مائة وعشرون سنة بقي بالتقريب سبعون سنة لا بالتحقيق ، فإن تواريخ الفرس مضطربة جدا وتكون حصة هذا السبعين سنة من الارباع قريبا من سبعة عشر يوما ، فكان يجب بالتحليل من القياس أن يؤخر سبعة وسبعين يوما لا ستين يوما ، حتى يكون النوروز في ثمانية وعشرين
-بحار الانوار جلد: 52 من صفحه 134 سطر 18 إلى صفحه 142 سطر 18 من حزيران ، ولكن المتولي لذلك ظن أن طريقة الفرس في الكبس كانت شبيهة بالتي يسلكه الروم فيه ، فحسب الايام من لدن زوال ملكهم ، والامر فيها على خلاف ذلك كما بينا وسنبين .
ثم قال : هذا التاريخ آخر المشهور ، ولعل أن يكون للامم الشاسعة ديارها من ديارنا تواريخ لم تتصل بنا أو متروكة كالمجوس في مجوسيتها ، فانها كانت تؤرخ بقيام ملكوكهم أولا فأولا ، فاذا مات أحدهم تركوا تاريخه وانتقلوا إلى تاريخ القائم بعده منهم .
انتهى ما أردت إيراده من كتابه .

[135]

وهذا وإن كان مؤيدا لترك الكبس في زمان يزدجرد ودوران النيروز في الفصول لكن لا يدل على الاسقاط وينافي بعض الضوابط المتقدمة ، وسيأتي مما سننقل عنه ما يؤيد ذلك أيضا .
وبالجملة الامر في الاخبار الواردة في ذلك مردد بين امور : الاول : أن يكون بناؤها على إسقاط الارباع والخمسة أيضا كما كانت سنة الملوك البيشدادية أو بعض ملوك الهند كما أو مأنا إليهما سابقا ، ويومئ إليه قوله عليه السلام في خبر المعلى " هي أيام قديمة من الشهور القديمة كل شهر ثلاثون يوما بلا زيادة فيه ولا نقصان " ويؤيده الاخبار الكثيرة الدالة على أن السنة ثلاثمائة وستون يوما فيكون أول الفروردين على هذا الحساب نوروزا .
ويرد عليه أن حوالة النيروز والسنة على اصطلاح متروك لا يعلم تعيينه ولا ابتداء شهورها بعيد عن مقنن القوانين كما عرفت .
الثانى : أن تكون مبنية على ( 1 ) الفرس القديم الذي مر ذكره وهو قوي لكن بناء أمر من الامور الشرعية على اصطلاح متبدل متغير يتبع في كل زمان رأي سلطان من سلاطين الجور أو غفلتهم أو عدم تمكنهم من الكبس كما وقع بعد يزدجرد بعيد جدا ، وأيضا الظاهر أن فضل هذا اليوم إما بسبب الامور المقارنة له والاحوال الواقعة فيه وكثير من الامور متعلقة بما قبل زمان يزدجرد وكان قبل ذلك مبنيا على الكبس وبعده سقط ذلك ، وإما بسبب بعض الاوضاع الفلكية أو الارضية كدخول برج من البروج أو درجة من درجاتها أو ظهور الازهار ونبات النباتات والاشجار ونحو ذلك وشئ منها غير منضبط في النيروز بهذا المعنى ، ومع جميع ذلك فهو بحسب الدليل كأنه أقوى من الجميع .
الثالث : أن يكون المراد بها النيروز القديم المبني على الكبس في كل مائة وعشرين سنة كما عرفت ، لانه الاصل عند الفرس وإنما طرأ إسقاط الكبس لاختلال أحوالهم وعدم تمكنهم من ضبط قواعدهم .
ويرد عليه ما مر من أن بناء

__________________________________________________________________
( 1 ) كذا .

[136]

تكليف عام يشترك فيه عوامهم وخواصهم على أمر غامض لا يطلع عليه إلا الاوحدي من المنجمين والهيويين بل لا يمكن معرفته على التحقيق لاحد كما مر بعيد غاية البعد ، إلا أن يقال إنه عليه السلام علم قاعدته المعلى ولم يروها أو ترك الناس روايتها وهو أيضا بعيد .
الرابع : أن يكون المراد ما اصطلح عليه الآن المنجمون وهو دخول الشمس برج الحمل ، بأن يكون عليه السلام علم أن قاعدة الفرس في القديم كان كذلك فتركت وأحروا الكبس إلى المائة والعشرين تسهيلا للامر .
أو يقال : إن نيروز الفرس هو أول فروردين مع رعاية الكبس بأي وجه كان في زمان قصير أو زمان طويل فيشمل النيروز الجلالي عموما وإن لم يحدث بعد خصوص هذا النوع .
ويؤيده أن الاحكاميين من الفرس وغيرهم جعلوا مبدأ السنة تحويل الشمس إلى الحمل كما قال كوشيار في كتاب مجمل الاصول " معلوم أن تحويل سنة العالم هو حلول الشمس أول ثانية من الحمل وطالع ذلك طالع السنة " وأمثال ذلك من كلماتهم وقد اشتمل الخبر على أن النيروز أول سنة الفرس ، وايد أيضا بما ورد أن ابتداء خلق العالم كان الشمس في الحمل ، وبأنا إذا حسبنا على القهقرى وجدنا عيد الغدير في السنة العاشرة من الهجرة مطابقا لنزول الشمس أول الحمل ، والظاهر أن ذلك مبني على بعض الارصاد ، وعلى بعضها يتقدم بيوم كما أومأ إليه ابن فهد رحمه الله وعلى بعضها بيومين كما أشار إليه غيره ، وموافقته على بعض الارصاد كاف في ذلك ، وبأنه أول نمو أبدان الحيوانات والاشجار والنباتات كما قال سبحانه " ألم تر أن الله يحيي الارض بعد موتها " ( 1 ) " وعنده تظهر قدرة الصانع وحكمته ولطفه ، ورحمته ، فهو أولى بأن يشكر فيه الرب الكريم ، وأن يجعل مبدأ السنة والعيد العظيم ، وقد مر الكلام في أكثر ذلك فيما مضى .

__________________________________________________________________
( 1 ) الاية ليست كذلك ، ففى الاية ( 19 ) من سورة الروم " ويحيى الارض بعد موتها " وفي الاية ( 50 ) منها " كيف يحيى الموتى " وفي الاية ( 17 ) من سورة الحديد " اعلموا أن الله يحيى الارض بعد موتها " .

[137]

ومما يدل على عدم كونه مراد أنه معلوم أنه لم يكن هذا مشهورا في زمان الصادق عليه السلام وقد قال المعلى : " دخلت على الصادق عليه السلام يوم النيروز " فلا بد من أن يكون يوما معروفا في ذلك الزمان ولم يكن إلا التاريخ اليزد جردي فلا يستقيم هذا إلا بتكلف أو مأنا إليه في أول الكلام والله يعلم حقائق الامور .
الفائدة الثالثة : اعلم أنه قد يستشكل في الاحاديث بأن وقوع النيروز بأي تفسير كان في التواريخ الماضية المذكورة في الروايتين المضبوطة عند المورخين سنة وشهرا ويوما كيوم المبعث وفتح مكة ونص الغدير غير ممكن ، لعدم جواز اجتماع يومين في ذلك فضلا عن الجميع ، لان المبعث كان قبل الهجرة بقريب من ثلاث عشرة سنة ، وفتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة ونص الغدير في العاشرة منها فكان وضع الاول بالنسبة إلى كل من الاخيرين يقتضي أن تكون الفاصلة بين النيروزين الواقعين فيهما بحسب الشهور العربية أكثر من سبعة أشهر ، ووضع أحد الاخيرين بالنسبة إلى الآخر يقتضي أن تكون الفاصلة أقل من شهر ، مع أن الاول كان في أواخر رجب ، والثاني في أواخر شهر رمضان ، والثالث في أواخر شهر ذي الحجة .
ويمكن الجواب عنه بوجهين : الاول : ما ذكره بعض الافاضل ، وهو أن يقال : من السنة التاسعة عشر من مبعثه صلى الله عليه وآله التي وقع فيها قتل " برويز " من ملوك العجم إلى آخر زمانه صلى الله عليه وآله اتفق جلوس ثلاثة من ملوك العجم ، هم : شيرويه ، وأردشير ، وتوران دخت ، و كان الاولان قبل فتح مكة والاخير بعده ، فيمكن إسقاط كل منهم برهة مما مضى من السنة عند جلوسه كما هو عادتهم المستمرة ، فكان ذلك منشأ لهذا الاختلاف فهذا أيضا دليل بل دلائل اخرى مستنبطة من الروايتين المذكورتين على بطلان كون المراد بالنيروز المعتبر شرعا هو الاعتدال الربيعي ، فإنه على ذلك لا يمكن توجيه التواريخ المذكورة فيهما أصلا ، وكذا حال سائر ما مر من تفاسيره سوى أول فروردين فتعين أن المراد به أول فروردين كما هو المطلوب ( انتهى ) .

[138]

الثانى : ما خطر ببالي وهو أنه لم يصرح في الحديث بالمبعث ، بل قال : هبط فيه جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله ولا تلازم بينهما إذا لمبعث هو أمر الرسول بتبليغ الرسالة إلى القوم ، ويمكن أن يكون نزول جبرئيل عليه صلى الله عليه وآله قبل ذلك بسنين كما يومئ إليه بعض الاخبار أيضا .
وأما كون كسر الاصنام في فتح مكة فلا يظهر من هذا الخبر ولا من أكثر الاخبار الواردة فيه ، بل صريح بعض الاخبار وظاهر بعضها كون ذلك قبل الهجرة فيمكن الجمع بينهما بالقول بتعدد وقوع ذلك ، ويكون أحدهما موافقا للنيروز كما روي من كشف الغمة من مسند أحمد بن حنبل ، عن أبي مريم ، عن علي عليه السلام قال : انطلقت أنا والنبي صلى الله عليه وآله حتى أتينا الكعبة ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : اجلس واصعد على منكبي ، فنهضت به فرأى بي ضعفا ، وجلس لي نبي الله صلى الله عليه وآله و قال لي : اصعد على منكبي ، فصعدت على منكبيه ، قال : فنهض بي ، قال : فانه يختل إلي أني لو شئت لنلت افق السماء ، حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس ، فجعلت ازاوله عن يمينه وشماله ومن بين يديه ومن خلفه ، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : اقذف به ، فقذفت به فتكسر كما تكسر القوارير .