قلنا : يكفي في نسبته إليهم أن يقول به طائفة منهم ، وإن قصروا في العدد عمن لم يقل به .
ألا ترى إلى قوله تعالى " وقالت اليهود عزيزابن الله وقالت النصارى

[119]

المسيح ابن الله " ( 1 ) وليس القائل بذلك كل اليهود ولا كل النصارى ، ومثله قوله تعالى " والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما انزل إليك " ( 2 ) ليس إشارة إلى أهل الكتاب بأجمعهم بل إلى عبدالله بن سلام وأصحابه .
زيادة : ومما ورد في فضله ويعضد ما قلناه ما حدثني به المولى السيد المرتضى العلامة بهاء الدين علي بن عبدالحميد النسابة دامت فضائله رواه بإسناده إلى المعلى بن خنيس عن الصادق عليه السلام أن يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ فيه النبي صلى الله عليه وآله لاميرالمؤمنين عليه السلام العهد بغدير خم ، فأقروا له بالولاية ، فطوبى لمن ثبت عليها ، والويل لمن نكثها ، وهو اليوم الذي وجه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام إلى وادي الجن ، فأخذ عليهم العهود والمواثيق ، و هو اليوم الذي ظفر فيه بأهل النهروان وقتل ذاالثدية ، وهو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا أهل البيت وولاة الامر ويظفره الله تعالى بالدجال فيصلبه على كناسة الكوفة ، وما من يوم نوروز إلا نحن نتوقع فيه الفرج ، لانه من أيامنا ، حفظته الفرس وضيعتموه .
ثم إن نبيا من أنبياء بني إسرائيل سأل ربه أن يحيي القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فأماتهم الله ، فأوحى إليه أن صب عليهم الماء في مضاجعهم ، فصب عليهم الماء في هذا اليوم ، فعاشوا وهم ثلاثون ألفا فصار صب الماء في يوم النيروز سنة ماضية لا يعرف سببها إلا الراسخون في العلم .
وهو أول يوم من سنة الفرس .
قال المعلى : وأملى علي ذلك وكتبته من إملائه ، وعن المعلى أيضا قال : دخلت على أبي عبدالله عليه السلام في صبيحة يوم النيروز ، فقال : يا معلى ! أتعرف هذا اليوم ؟ قلت : لا ، لكنه [ يوم ] يعظمه العجم يتبارك فيه .
قال : كلا والبيت العتيق الذي ببطن مكة ما هذا اليوم إلا لامر قديم افسره لك حتى تعلمه قلت : تعلمي هذا من عندك أحب إلى من أن أعيش أبدا ويهلك الله أعداءكم .
قال : يا معلى ! يوم النيروز هو اليوم الذي أخذ الله ميثاق العباد أن يعبدوه ولا يشركوا

__________________________________________________________________
( 1 ) التوبة : 31 .
( 2 ) الرعد : 38 .

[120]

به شيئا ، وأن يدينوا برسله وحججه وأوليائه ، وهو أول يوم طلعت فيه الشمس ، و هبت فيه الرياح اللواقح ، وخلقت فيه زهرة الارض ، وهو اليوم لذي استوت فيه سفينة نوح عليه السلام على الجودي ، وهو اليوم الذي أحيى الله فيه القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت ، فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم [ الله ] وهو اليوم الذي هبط [ فيه ] جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله ، وهو اليوم الذي كسر فيه إبراهيم عليه السلام أصنام قومه ، وهو اليوم الذي حمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله أميرالمؤمنين عليه السلام على منكبيه حتى رمى أصنام قريش من فوق البيت الحرام وهشمها الخبر بطوله والشاهد في هذين الحديثين من وجوه : الاول : قوله أنه اليوم الذي اخذ فيه العهد بغدير خم ، وهذا تاريخ ، و كان ذلك سنة عشرة من الهجرة وحسب فوافق نزول الشمس الحمل في التاسع عشر من ذي الحجة على حساب التقويم ، ولم يكن الهلال رؤي بمكة ليلة الثلاثين ، فكان الثامن عشر من ذي الحجة على الرؤية .
الثانى : كون صب الماء في ذلك اليوم سنة شائعة ، والظاهر أن مثل هذه السنة العامة الشاملة لسائر المكلفين أن يكون صب الماء في وقت لا ينفر منه الطبع ويأباه ، ولا يتصور ذلك مع كون الشمس في الجدي .
لانه غاية القر ( 1 ) في البلاد الاسلامية .
الثالث : قوله في الحديث الثاني " وهو أول يوم خلقت فيه الشمس " وهو مناسب لما قيل إن الشمس خلقت في الشرطين .
الرابع : قوله " وفيه خلقت زهرة الارض " وهذا إنما يكون في الحمل دون الجدي وهو ظاهر ( انتهى كلامه ره ) .
وأقول : تحقيق الكلام في هذا المقام هو أنك قد عرفت فيما مضى أن السنة الشمسية عبارة عن مدة دورة الشمس بحركتها الخاصة من أي مبدأ فرض ، وتلك

__________________________________________________________________
( 1 ) القر بالضم البرد .

[121]

المدة على ما استقر عليه رصد أبر خس ومن وافقه من المتقدمين ثلاث مائة وخمسة و ستون يوما وربع تام من يوم ، وعلى سائر الارصاد المشهورة لا يبلغ الكسر إلى الربع ، بل أقل منه بدقائق معدودة ، وهي على ما فصله البرجندي في شرح التذكرة على رصد التباني ثلاثة عشر دقيقة وثلاثة أخماس دقيقة ، وعلى حساب المغربى اثنتا عشرة دقيقة وعلى رصد مراغة إحدى عشرة دقيقة ، وعلى رصد بعض المتأخرين تسع دقائق وثلاثة أخماس دقيقة ، وعلى رصد بطليموس أربع دقائق وأربعة أخماس دقيقة .
فالفرس من زمان جمشيد أو قبله والروم من عهد إسكندر أو بعده كانوا يعتبرون الكسر ربعا تاما موافقا لرصد أبرخس ، وإنما الفرق بينهما أن الروم كانوا يكبسون الربع المذكور في كل أربع سنين فيزيدون على الرابعة يوما تصير به ثلاثمائة وستة وستين ، وأن الفرس إلى عهد يزدجرد آخر ملوك العجم أو بعض الاكاسرة السابقة عليه كانوا يكبسونه في كل مائة وعشرين سنة ، فيزيدون على الاخيرة ثلاثين يوما تصير به ثلاث مائة وخمسة وتسعين يوما ، وقد كان يتفق لهم تجديد التاريخ وإسقاط ما مضى من السنة عند جلوس ملك جديد منهم .
وأما بعد ذلك العهد فكانوا لا يلتفتون إلى كبس الكسر المذكور أصلا ، فكانت سنوهم دائما ثلاث مائة وخمسة وستين ، فمبدأ سني كل من هذه الطوائف كأول تشرين الاول للروم وأول فروردين ماه المسمى بالنيروز لطوئف الفرس وكذا كل جزء من شهورهم كان غير مطابق لمبدأ سنى الاخرى ، ولا لجزء معين منها دائما بل كل جزء من كل من هذه التواريخ لاختلاف طريق حسابهم دائر في كل جزء من الآخر بمرور الايام وأيضا لم يكن شئ من تلك المبادى ولا سائر الاجزاء مطابقا دائما لمبدأ فصل من الفصول ولا لشئ من أجزائها ، بل كل منها دائر في أجزاء الفصول وبالعكس هكذا الحال إلى عهد السلطان جلال الدين ملك شاه السلجوقي ، فأحب أن يوضع تاريخ في زمانه باسمه ممتارا عن التواريخ المشهورة ، فأمر من بحضرته من أهل الخبرة بذلك ، فبنوا الحساب على رصد بطليموس أو من وافقه في نقصان الكسر عن الربع ، اعتقادا منهم أنه أصح من الرصد المبني عليه التواريخ المذكورة ، ثم

[122]

اعتبروا أول السنة حفظا من أن يدور في الفصول يوم انتقال الشمس إلى الاعتدال الربيعي قبل نصف النهار ، فكان حينئذ قد اتفق ذلك الانتقال يوم الجمعة عاشر شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وأربعمائة ، وكان مطابقا للثامن عشر من فروردين ماه اليزد جردي أول سنتهم ، فجعلوا اليوم المذكور أول فروردين ماه من السنة الجلالية ، وأسقطوا الايام السابقة عليه من درجة الاعتبار ، وسموا هذا اليوم بالنوروز السلطاني ، فاستقر الامر في حساب السنين الشمسية على أن يعدوا من النيروز المذكور ثلاثمائة وخمسة وستين يوما ، فيجعلون اليوم السادس نيروز السنة الآتية ، ثم يكبسون الكسر لكونه أقل من الربع في كل أربع سنين أو خمس سنين فتصير سنة الكبيسة ثلاثمائة وستة وستين يوما .
وهذه الطريقة مستمرة إلى زماننا .
إذا عرفت هذا فنقول أولا إن ما يلوح من توقع ابن إدريس عن الشيخ أن يعين نيروز الفرس بيوم من الشهور العربية أو الرومية ، وكذا منا نقله عن بعض المحصلين من تعيينه بعاشر أيار من الشهور الرومية غريب جدا ، لما عرفت من دوران أيام شهور الفرس قديمهم وحديثهم في العربية والرومية وبالعكس ، لا ختلاف اعتباراتهم في حساب السنين ، فكيف يتصور تعيين يوم معين أو شهر معين من إحداها بيوم أو شهر من الاخرى على وجه مصون من التغيير والتبديل بمر الدهور ؟ فليس لتعيينه بعاشر أيار من بعض المحصلين وجه محصل سوى أنه وجده مطابقا له في بعض الازمنة السابقة كزمان الصادق عليه السلام المستند إليه الروايات الواردة في النيروز فتوهم لزوم حفظ تلك المطابقة له دائما ، فإنه يستنبط مما سيتضح عن قريب من التواريخ أن اتفاق المطابقة المذكورة كان في أواسط المائة الثانية من الهجرة ، و هو قريب من أواخر زمان الصادق عليه السلام .
ومثل هذا التوهم غير عزيز من الناس كما أورد الكفعمي ره في بيان الاعمال المتعلقة بشهر شعبان أن الثالث والعشرين منه هو النيروز المعتضدي مضبوطا بالحادي عشر من حزيران تاسع شهور الروم كما هو مذكور في سرائر ابن إدريس مع وجهه ، ومعلوم أن [ مثل ] ذلك لا يمكن

[123]

أن ينضبط بالشهور العربية لدوران كل منهما في الاخرى .
وثانيا : أن ترديد الشهيد ره نيروز الفرس بين أول يوم من سنتهم وبين غيره كأول الحمل وعاشر أيار ترديد غريب شبيه بترديد مبتدأ السنة المعمولة عند العرب بين أول المحرم وبين غيره ، وذلك لان كون النيروز أول يوم من سنة الفرس أمر في غاية الظهور ، ومع ذلك منصوص عليه في أكثر أسانيد الرواية ، فإنما المطلوب هنا تعيين أول يوم من سنتهم بيوم معروف في زماننا هل هو أول الحمل أو غيره .
وثالثا : إن ما ذكره ابن فهد ره من شهرة كونه أول سنة الفرس بين فقهاء العجم حق موافق للرواية ، ولكن جعلهم ذلك عند نزول الشمس الجدي مبني على ما ذكرنا من توهم المطابقة الدائمة من اتفاق الموافقة في بعض الازمنة غفلة عن دورانه في الفصول كما بينا ، وهكذا حال ما نسبه صاحب كتاب الانواء إلى بعض العلماء من أنه السابع عشر من كانون الاول المطابق لما بعد نزول الشمس الجدي بيومين ، وكذا ما اختاره من أنه اليوم التاسع من شباط .
وبالجملة : البناء على الغفاة المذكورة من الاعراض العامة لجميع هذه التفسيرات ، فمنشأ توهم بعض العلماء الذي نقل مقالته صاحب كتاب الانواء يمكن أن يكون اتفاق الموافقة المذكورة في زمانه إن كان في أواسط المائة الثامنة من الهجرة ، فإن الضوابط الحسابية كما سيتضح دالة على أن أول فروردين ماه الفرس الموسوم بالنيروز عندهم كان في السنة العاشرة من الهجرة قريبا من نزول الشمس أول برج الحمل ، وكان ذلك موافقا لاواسط " آذار " من الرومية ، و مطابقا لثامن عشر ذي الحجة من العربية يوم عهد النبي صلى الله عليه وآله لاميرالمؤمنين عليه السلام بالولاية في غدير خم بعد الرجوع عن حجة الوداع كما صرح به في الرواية ، ثم في السنة الحادية عشر منها بعد رحلة النبي صلى الله عليه وآله انتقلت سلطنة العجم إلى يزدجرد آخر ملوكهم ، فاسقط ما مضى من السنة وجعل يوم جلوسه أول فروردين ويوم

[124]

النيروز كما كان رسمهم ( 1 ) وكان ذلك موافقا لاواسط حزيران ومطابقا للثاني و العشرين من ربيع الاول ، وقد عرفت أن بناء حساب الفرس في عهد يزدجرد بل قبيله في زمان النبي صلى الله عليه وآله أيضا على أخذ كل سنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما بدون رعاية الكبائس التي كانت متداولة بين قدمائهم ، فلا محالة كان ينتقل نيروزهم في كل أربع سنين إلى يوم آخر من أيام الشهور الرومية قبل اليوم الذي كان فيه ، لاعتبارهم الكبيسة في كل أربع ، وقس عليه حال انتقاله بالنسبة إلى موضع الشمس من البروج أيضا .
فإن التفاوت لو كان لكان في كل سنة بقدر نقصان الكسر عن الربع في الواقع ، وهو قليل جدا كما مر .
وبالجملة : انتقاله من أواسط حزيران وأواخر الجوزاء التي كان فيها في السنة الحادية عشر من الهجرة إلى أواسط كانون الاول وأوائل الجدي وهو مدة ستة أشهر تقريبا إنما هو في قريب من سبعمائة وثلاثين سنة ، فيكون في أواسط المائة الثامنة كما ذكرنا .
وأما منشأ توهم صاحب كتاب الانواء فلا يمكن أن يكون مثله من وقوع الموافقة المذكورة في زمانه لئلا يلزم تقدم زمان الناقل على زمان المنقول عنه ، فإن انتقاله إلى بعض أيام شباط إنما يكون قبل انتقاله إلى بعض أيام كانون لما عرفت من أن انتقالاته في تلك الشهور ، وكذا في البروج على خلاف تواليهما لزيادة قدرهما على قدره بمقدار ربع يوم أو قريب منه فغاية توجيهه أن يقال : يجوز أن يكون منشأ توهمه موافقا لما مر نقله من بعض المحصلين في اعتبار زمان الصادق عليه السلام فيه ، والفرق أن بناء حساب بعض المحصلين كان على اعتبار الاسقاط اليزدجردي ، لو قوعه على طبق عادتهم المستمرة ، وبناء حساب صاحب كتاب الانواء ، على عدم اعتباره ، لو قوعه بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وكونه بمنزلة سائر التغيرات الواقعة في السنن والآداب المعروفة في زمانه ، فإن ما بين تاسع شباط وعاشر أيار قريب من المدة التي أسقطها

__________________________________________________________________
( 1 ) لعمرى جعل موضوع الحكم الشرعى ما يتغير بانتقال السلطنة من ملك إلى آخر في غاية البعد .

[125]

يزدجرد كما عرفت .
ورابعا : بأن ما استدل أولا على ما اختاره من التفاسير الستة وهو كونه يوم نزول الشمس برج الحمل بأنه أعرف بين الناس إلى آخره دعوى بين البطلان عند أهل الخبرة بالحساب والتواريخ ، فإن كون نيروز الفرس دائرا في الفصول سيما من زمان النبي صلى الله عليه وآله إلى زمان ملكشاه أمر لم يسمع خلافه من أحد منهم بل صرح في شروح التذكرة وغيرها بأن الروم والفرس كانوا لم يلاحظوا في مبدأ سنيهم موضع الشمس ، وأن جعل الاعتدال الربيعي مبدأ السنة مخصوص بالتاريخ الملكي ولا يوافقه شئ من التواريخ المشهورة ، فكيف يمكن أن يجعل مثل ذلك مناطا للاحكام الشرعية الثابتة قبل زمان ملكشاه بقريب من خمسمائة سنة ؟ و أن ما ذكره من انصراف اللفظ عند فقدان العرف الشرعي إلى لغة العرب مسلم ولكن أين إطلاق لفظ النيروز عند العرب على أول يوم نزول الشمس برج الحمل ؟ بل إن بعض أهل اللغة فسره على طبق ما في الرواية بأول سنة الفرس إعتمادا على الشهرة ، وبعضهم كأحمد ابن محمد الميداني وهو من أقدمهم وأتقنهم لم يكتف به بل صرح في كتابه المسمى بالسامي في الاسامي بعد ذكر أسامي شهور الفرس وأيامهم المشهورة بترجمة النيروز " نخست روز أز فروردين ماه " ثم إن أغمضنا عن مثل تلك الحقيقة والتجأنا إلى حمله على العرف فلا شك لمن تتبع من مظانه أن العرف فيه لم يكن متعددا في زمان الخطاب ، بل إنما تجدد بعده بدهور طويلة ، فسمى ملكشاه يوم نزول الشمس برج الحمل بالنوروز السلطاني ، وخوارزم شاه يوم نزولها الدرجة التاسعة عشر منه وهي شرفها عند المنجمين بالنوروز الخوارزم شاهي وآخر يوما آخر بالنوروز المعتضدي وهكذا ، وإنكار الحدوث في الاول منها بل دعوى التقدم على الاسلام والاغماض عن تقييده تارة بالسلطاني وتارة بالجلالى وتارة بالملكي نسبة إلى كل من ألقاب السلطان جلال الدين ملكشاه كما هو مضبوط في الدفاتر والتقاويم ومحفوظ في مدونات أهل الهيئة والتنجيم مما يقضى منه العجب .
فان قيل : لعل دعوى التقدم على الاسلام مبنية على ما اشتهر أن مبدأ

[126]

تاريخهم في عهد جمشيد أو غيره كان موافقا لاول الحمل ، وانتقاله منه ودورانه في الفصول إنما هو بسبب الكبائس والاسقاطات التي مر ذكرها .
قلنا : لو سلمنا ذلك فلا ريب أن المراد بنيروزهم يوم يتجدد في كل سنة يعتبرونه أولها لا مالا يتفق وقوعه إلا نادرا كما يلزم من التزام مطابقته لاول الحمل .
فان قلت : لا يخرج عن ثلاثة احتمالات : إما أول الحمل مطلقا ، وإما فروردينهم مطلقا ، وإما أول فروردينهم المطابق لاول الحمل .
والثالث ساقط بأنه لا يتفق إلا في مدة مديدة ، ومعلوم أن المراد به ما يتجدد في كل سنة ، و الثاني أيضا ساقط من جهة الحساب ، فإنا إذا جمعنا الايام من فروردينهم المضبوط في تقاويم زماننا إلى ثامن عشر شهر ذى الحجة من السنة العاشرة من الهجرة المنصوص في الرواية أنه كان مطابقا لنيروزهم فقسمنا على أيام سنتهم الخالية من الكبائس من زمان النبي صلى الله عليه وآله إلى زماننا وهو ثلاثمائة وخمسة وستون يبقى اثنان وتسعون أو ثلاث وتسعون ، فيظهر أن فروردينهم كان بعد التاريخ المذكور بمثل هذه الايام فإذا سقط الاحتمالان تعين الاحتمال الاول وهو المطلوب ، مع أنه مؤيد أيضا بالحساب الدال على أن التاريخ المذكور كان قريبا من أول الحمل بيوم أو يومين مع احتمال المطابقة أيضا بنحو المسامحة .

-بحار الانوار جلد: 52 من صفحه 126 سطر 17 إلى صفحه 134 سطر 17 قلنا : سقوط الثاني ممنوع والبيان الحسابي المذكور مبني على غفلة ، أو تغافل عن الاسقاط اليزد جردي الواقع في السنة الحادية عشر من الهجرة كما مر ، فإنه لو اعتبر الاسقاط المذكور في الحساب لظهر أن مطابقة فروردينهم اليزدجردي المضبوط في التقاويم لما بعد التاريخ المذكور لا ينافي أن يكون التاريخ المذكور أيضا مطابقا لفروردينهم المتداول قبل يزدجرد ، فإن جلوس يزدجرد كان في يوم الثلثاء الثاني والعشرين من شهر ربيع الاول من السنة الحادية عشر كما مر ، و تفاوت التاريخين موافق للمدة المذكورة .
فتبين أن الحساب لو جعل دليلا على كون المراد به أول فروردين لكان أوفق للمطابقة من جعله دليلا على أول الحمل

[127]

للتفاوت بيوم أو يومين ، فإنه قادح ولو كان قليلا ، ولو فرضنا مطابقته أيضا لكان غاية الامر أن يكون في يوم الغدير اتفق الامران الغير المتفقين إلا في مدة مديدة فلا يفيد المطلوب .
على أن مطابقة يوم الغدير للنيروز بأي معنى كان لا ينفع في المطلوب بدون مطابقة سائر الايام المذكورة في الروايتين موافقتها له ، وستتضح عن قريب استحالة مطابقتها لاول الحمل دون فروردين .
فان قيل : يظهر من كلام كوشيار وأبي ريحان في بعض تصانيفهما أن الاعتدال الربيعي معتبر عند الاحكاميين في طالع السنة وحساب الادوار ، وفيهم المشهورون من أهل الفرس كزر دشت وجاماسب ، فعلى ذلك يمكن أن يكون المراد بالنيروز المعتبر بأول سنة الفرس في الرواية ذلك الوقت بالاعتبار المذكور .
قلنا : أولا سلمنا اعتبار الوقت المذكور عندهم فيما اعتبروه فيه ، ولكن لم ينقل أنهم يعبرون عنه بالنيروز أو يتباركون فيه ويجعلونه عيدا كما يفهم من الرواية .
وثانيا : أن التعبير عن الاحكاميين بالفرس بمحض كون بعضهم منهم بعيد جدا ، بل معلوم لاهل اللسان أن إطلاق الفرس المستعمل في مقابل الروم والعرب ليس إلا على الطائفة العظيمة التي من رعايا الملوك المشهورة من جمشيد وافريدون إلى كسرى ويزدجرد ، فالمراد بنيروزهم وأول سنتهم يوم كان جعله عيدا في كل سنة معمولا عند الملوك المذكورة في زمانهم ، ولا خلاف بين أهل الخبرة في أنه كان أول فروردينهم الدائر في الفصول بالاسباب التي قررنا .
وثالثا : أن من تأمل وأنصف علم أن التعبير عن ذلك اليوم بنيروز الفرس تارة وأول سنتهم اخرى لاجل أنه ليس يوما معينا بحسب الفصل ، وإلا فما المانع من التعبير عنه بأول الربيع وأول الحمل المعلوم لكل أحد بدون احتياج إلى تفسير أصلا ؟ ورابعا : أن أهل اللغة صرحوا بتفسير النيروز بأول يوم من فروردين الفرس ، وإطلاقه على أول الربيع من زمان ملك شاه وفي زماننا مجاز بعلاقة ما

[128]

التزموه من موافقة أول فروردينهم لاول الربيع دائما ، ووجوب انصراف اللفظ إلى الحقيقة سيما المستعمل منه قبل حدوث المجاز مما أطبق عليه أهل اللسان .
والعلامات المذكورة في الروايتين للنيروز لا يمكن تطبيقها على أول الربيع ، فيجب حمله على أول فروردين ، لامكان التطبيق .
وخامسا : أن ما ذكره بقوله " ولانه المعلوم من عادة الشرع وحكمته الخ " قياس مع الفارق ، فإن انتقال الشمس من برج الحوت إلى برج الحمل ليس كوصولها إلى نصف النهار وأمثاله المعلومة بالحس والعيان ، بل محتاج إلى رصد وحساب لا يتيسر تحقيقه لاكثر مهرة فن الهيئة والحساب فضلا عن غيرهم وكفى بذلك عدم توافق رصدين فيه ، فإن اليوم المذكور على ما يقتضيه رصد المتاخرين المبني عليه أكثر التقاويم في زماننا مقدم على ما يقتضيه رصد أبر خس بأيام ، وعلى ما يقتضيه رصد بطليموس بأقل منها ، ومؤخر عما يقتضيه رصد المحقق الطوسي بقليل ، وعما يقتضيه رصد التباني والمغربي بأكثر ، فهل يجوز من له أدنى معرفة بعادة الشرع في التكليفات أن تكون لمعرفة النيروز مكلفين بتتبع آراء هؤلاء ثم التمييز بين الحق والباطل منها ، أو العمل بمقتضى كل منها مع ظهور التناقض ، أو اختيار ما شئنا منها ، أو الانكال على ما اشتهر في زماننا سيما مع علمنا بأنه غير مشهور بل غير مذكور أصلا في زمان النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام ؟ ولهذا ما وقع في أحكام الشريعة من أمثاله ككراهة النكاح والسفر في زمان كون القمر في العقرب حمله المحققون على زمان كونه في صورتها المعلوم لاكثر عوام المكلفين لا في برجها المحتاج إلى استخراج تقويمه ، فعلى هذا يكون المناسب لعادة الشرع وحكمته التفسير الاول من التفسيرات المذكورة لخلوه عن الكبائس ، و غنائه عن الاحتياج إلى الارصاد ، وتيسر حسابه على عامة المكلفين .