الثالث والعشرون : " ديبدين " سعد في أبان ، وسط في باقي الشهور .
الرابع والعشرون : " دين " سعد في فروردين ، ودي ، وبهمن ، وإسفندار مذ
[109]
وسط في تتمة الشهور .
الخامس والعشرون : " أرد " سعد في فروردين ، واردي بهشت .
ومهر وبهمن ، وإسفندار مذ ، وسط في تتمة الشهور .
السادس والعشرون : " أشتاد " سعد في تير ، وشهريور ، ودي ، وسط في تتمة الشهور .
السابع والعشرون : " آسمان " وسط في فروردين ، ومرداد ، ومهر ، و أبان ، وآذر ، وبهمن ، وإسفندار مذ ، سعد في تتمة الشهور .
الثامن والعشرون : " رامياد " سعد في دي ، وسط في باقي الشهور .
التاسع والعشرون : " مار اسفند " وسط في كل الشهور .
الثلاثون : " أنيران " نحس في خرداد ، وسط في تتمة الشهور .
أقول : هذه الروايات الاخيرة أخرجناه من كتب الاحكاميين والمنجمين لروايتهم عن أئمتنا عليهم السلام ولا أعتمد عليها ، وكانت في النسخ اختلافات كثيرة أشرنا إلى بعضها .
7 العلل والعيون : عن أحمد بن زياد الهمداني ، عن علي بن إبراهيم عن أبيه ، عن أبي الصلت الهروي ، عن علي بن موسى الرضا عن آبائه عليهم السلام قال : أتى على بن أبيطالب عليه السلام قبل مقتله بثلاثة أيام رجل من أشرف تميم ( 1 ) يقال له " عمرو " فقال له : يا أميرالمؤمنين أخبرني عن أصحاب الرس في أي عصر كانوا ؟ وأين كانت منازلهم ؟ ومن كان ملكهم ؟ وهل بعث الله عزوجل إليهم رسولا أم لا ! وبماذا اهلكوا ؟ فإني أجد في كتاب الله عزوجل ذكرهم ولا أجد خبرهم .
فقال له علي عليه السلام : لقد سألت عن حديث ما سألني عنه أحد قبلك ولا يحدثك به أحد بعدي إلا عني ، وما في كتاب الله عزوجل آية إلا وأنا أعرف تفسيرها ، وفي أي مكان نزلت من سهل أو جبل ، وفي أي وقت من ليل أونهار ، وإن ههنا لعلما جما وأشار إلى صدره ولكن طلابه يسير ، وعن قليل يندمون لو قد فقدوني !
__________________________________________________________________
( 1 ) في العلل ، بنى تميم .
[110]
كان من قصتهم يا أخاتميم أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر يقال لها " شاه درخت " كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها " وشناب " كانت انبطت لنوح عليه السلام بعد الطوفان ، وإنما سموا أصحاب الرس لانهم رسوانبيهم في الارض ، وذلك بعد سامان بن داود عليه السلام ، وكانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له " الرس " من بلاد المشرق ، وبهم سمي ذلك النهر ، ولم يكن يومئذ في الارض نهر أغزرمنه ، ولا أعذب منه ، ولا قرى أكثر ولا أعمر منها ، تسمى إحداهن " أبان " والثانية " آذر " والثالثة " دي " والرابعة " بهمن " والخامسة " إسفندار " والسادسة " فروردين " والسابعة " اردي بهشت " والثامنة " أرداد " و التاسعة " مرداد " والعاشره " تير " والحادية عشر " مهر " والثانيه عشر " شهريور " وكانت أعظم مدائنهم " اسفندار " وهي التي ينزلها ملكهم ، وكان يسمى تركوزبن غابوربن يارش بن سازن بن نمرود بن كنعان فرعون إبراهيم عليه السلام وبها العين والصنوبرة وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة ، وأجروا إليها نهرا من العين التي عند الصنوبرة ، فنبتت الحبة وصارت شجرة عظيمة ، وحرموا ماء العين والانهار فلا يشربون منها ( 1 ) ولا أنعامهم ، ومن فعل ذلك قتلوه ، ويقولون
-بحار الانوار جلد: 52 من صفحه 110 سطر 15 إلى صفحه 118 سطر 15 هو حياة آلهتنا فلا ينبغي لاحد أن ينقص من حياتها ، ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم ، وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيدا يجتمع إليه أهلها ، فيضربون على الشجرة التي بها كلة من حرير فيها من أنواع الصور ، ثم يأتون بشاة وبقر ، فيذبحونها قربانا للشجرة ، ويشعلون فيها النيران بالحطب ، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتارها في الهواء وحال بينهم وبين النظر إلى السماه خروا للشجرة سجدا ، ( 2 ) ويبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم فكان الشيطان يجيئ فيحرك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي أن قدر ضيت عنكم عبادي فطيبوا نفسا وقروا عينا فيرفعون رؤوسهم عند ذلك ، ويشربون الخمر
__________________________________________________________________
( 1 ) في العرائس : لا هم ولا أنعامهم .
( 2 ) في العلل : سجدا من دون الله عزوجل يبكون .
.
[111]
ويضربون بالمعازف ، ويأخذون الدستبند ، فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم ، ثم ينصرفون .
وإنما سمت العجم شهورها بأبان ماه وآذرماه وغيرهما اشتقاقا من أسماء تلك القرى ، لقول أهلها بعض لبعض هذا عيد شهر كذا وعيد شهر كذا حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليهم صغيرهم وكبيرهم ، فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقا من ديباج عليه من أنواع الصور ، له ( 1 ) اثنا عشر باباكل باب لاهل قرية منهم ويسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق ، ويقربون لها الذبائح أضعاف ماقربوا للشجرة ( 2 ) في قراهم ، فيجيئ إبليس عند ذلك فيحرك الصنوبرة تحريكا شديدا ، فيتكلم ( 3 ) من جوفها كلاما جهوريا ، ويعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعدتهم ومنتهم الشياطين كلها ، فيرفعون رؤوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط مالا يفيقون ولا يتكلمون من الشرب والعزف ، فيكونون على ذلك اثني عشر يوما ولياليها بعدد أعيادهم سائر السنة ، ثم ينصرفون .
فلما طال كفرهم بالله عزوجل وعبادتهم غيره بعث الله عزوجل إليهم نبيا من بني إسرائيل من ولد يهودا ابن يعقوب ، فلبث فيهم زمانا طويلا يدعوهم إلى عبادة الله عزوجل ومعرفة ربوبيته فلا يتبعونه ، فلما رأى شدة تماديهم في الغي والضلال ، وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد والنجاح ، وحضر عيد قريتهم العظمى قال : يا رب إن عبادك أبوا إلا تكذيبي ، والكفر بك ، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر ، فأيبس شجرهم أجمع ، وأرهم قدرتك وسلطانك .
فأصبح القوم وقد يبس شجرهم كلها ، فهالهم ذلك ، وقطع بهم وصاروا فرقتين : فرقة قالت سحر آلهتكم هذا الرجل الذي زعم ( 4 ) أنه رسول رب السماء والارض ( 5 )
__________________________________________________________________
( 1 ) في العلل : وجعلوا له اثنى عشر بابا .
( 2 ) في المصدرين : للشجرة التى في قراهم .
( 3 ) في المصدرين : ويتكلم .
( 4 ) في المصدرين : يزعم .
( 5 ) في المصدرين : والارض اليكم .
[112]
ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه ، وفرقة قالت : لا ، بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويقع فيها ويدعوكم إلى عبادة غيرها ، فحجبت حسنها و بهاءها لكي تغضبوا لها فتنصروا منه .
فاجمع رأيهم على قتله ، فاتخذوا أنابيب طوالا من رصاص واسعة الافواه ، ثم أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء واحدة فوق الاخرى مثل البرابخ ، ونزحوا ما فيها من الماء ، ثم حفروا في قرارها ( 1 ) بئرا ضيقة المدخل عميقة ، وأرسلوا فيها نبيهم ، وألقموا فاها صخرة عظيمة ، ثم أخرجوا الانابيب من الماء وقالوا : نرجو الآن أن ترضى عنا آلهتنا إذا رأت أنا قد قتلنا من كان يقع فيها ، ويصد عن عبادتها ، ودفناه تحت كبيرها ، يتشفى منه فيعودلنا نورها نضرتها ( 2 ) كما كان .
فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم عليه السلام وهو يقول : سيدي قد ترى ضيق مكاني ، وشدة كربي ، فارحم ضعف ركني ، و قلة حيلتي ، وعجل بقبض روحي ، ولا تؤخر إحابة دعوتي ( 3 ) .
حتى مات عليه السلام فقال الله جل جلاله لجبرئيل عليه السلام : يا جبرئيل ! أيظن عبادي هؤلاء الذين غرهم حلمي وأمنوا مكري وعبدوا غيري وقتلوا رسولي أن يقوموا لغضبي أو يخرجوا من سلطاني ؟ ! كيف وأنا المنتقم ممن عصاني ، ولم يخش عقابي ، وإني حلفت بعزتي وجلالي لاجعلنهم عبرة ونكالا للعالمين ، فلم يرعهم ( 4 ) وهم في عبدهم ذلك إلا بريح عاصف شديدة الحمرة فتحيروا فيها وذعروا منها ، وتضام ( 5 ) بعضهم إلى بعض ، ثم صارت الارض من تحتهم حجر كبريت يتوقد ، وأظلتهم سحابة سوداء ( 6 ) فألقت عليهم كالقبة جمرا يلتهب ، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في
__________________________________________________________________
( 1 ) في العلل : في قرارها من الارض بئرا عميقة ضيقة المداخل .
( 2 ) في العيون : نضارتها .
( 3 ) في العلل : اجابة دعائى .
( 4 ) : فلم يدعهم .
( 5 ) في العيون : وانضم .
( 6 ) في العلل : مظلمة فانكبت عليهم .
[113]
النار فتعوذ بالله تعالى ذكره من غضبه ونزول نقمته ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ( 1 ) .
بيان : قال الجوهري : " رسست رسا " أي حفرت بئرا ، ورس الميت أي قبر ( 2 ) ( انتهى ) والكلة بالكسر الستر الرقيق يخاط كالبيت يتوقى فيه من البق والقتار : بالضم ريح البخور والقدر والشواء .
والمعازف : الملاهي ، وكأن المراد بالدستنبد ما يسمى بالفارسية بالسنج أيضا ، أو المراد التزين بالاسورة ويقال " كلام جمهوري " أي عال وفي القاموس : قطع بزيد كعني فهو مقطوع به : عجز عن سفره بأي سبب كان ، أو حيل بينه وبين ما يؤمله ( 3 ) .
والبربخ بالبائين الموحدتين والخاء المعجمة ما يعمل من الخزف للبئر ومجاري الماء .
فوائد مهمة جليلة الاولى : اعلم أن الاسماء المذكورة في خبر المعلى لايام الشهر أكثرها موافق لما نقله المنجمون عن الفرس ، وظاهر في أن المراد بالشهور الواردة فيه هي شهور الفرس القديم لا الشهور العربية ، وقد تقدم القول فيه .
وسموا كل يوم من أيام الخمسة المسترقة أيضا باسم : الاول أهنود ، والثاني اشنود ، والثالث إسفند مذ ، والرابع دهشت ، والخامس هشتويش ، هذا هو المشهور ، وذكروا فيها أسماء اخر ، وذكروا أن كلا منها اسم ملك موكل بذلك اليوم .
ثم إن المحققين اختلفوا في هؤلاء الملائكة ، فمنهم من حملوها على ظواهر ما وقالوا إن الله وكل بكل شئ من المخلوقات ملكا يحفظه ويربيه ويصرفه إلى ما خلق له كما ورد في الاخبار : الملك الموكل بالبحار ، والملك الموكل بالجبال
__________________________________________________________________
( 1 ) العلل : ج 1 ، ص 38 41 ، العيون : ج 1 ، ص 205 209 .
( 2 ) الصحاح : ج 2 ، ص 931 .
( 3 ) القاموس : ج 3 ، ص 70 .
[114]
والملائكة الموكلة بالاشجار وسائر النباتات ، والملائكة الموكلة بالسحب والبروق والصواعق ، وبكل قطرة من الامطار ، والملائكة الموكلة بالايام والليالي و الشهور والساعات .
وبه يوجه ما ورد من كلام اليوم والشهر والارض والقبر وغيرها بأن المراد به كلام الملائكة الموكلة بها .
ومنهم من حملوها على أرباب الانواع المجردة التي أثبتها أفلاطون ومن تابعه من الاشراقيين ، فإنهم أثبتوا لكل نوع من أنواع الافلاك والكواكب والبسائط العنصرية والمواليد ربا يدبره ويربيه ويوصله إلى كماله المستعد له ، والاول هو الموافق لمسلك المليين و أرباب الشرائع ، والثاني طريقة من لا يثبت الصانع ويقول بتأثير الطبائع وإن تابعهم بعض من يظهر القول بالصانع أيضا ، وليس هذا مقام تحقيق هذا الكلام .
قال أبوريحان : كل واحد من شهور الفرس ثلاثون يوما ، ولكل يوم منها اسم مفرد بلغتهم ، وهي : ( 1 ) هرمز ( 2 ) بهمن ( 3 ) اردي بهشت ( 4 ) شهريور ( 5 ) إسفندار مذ ( 6 ) خرداد ( 7 ) مرداد ( 8 ) دي ( 9 ) باذر ( 10 ) آذر ( 11 ) آبان ( 12 ) خرماه ( 13 ) تير ( 14 ) جوش ( 15 ) ديبمهر ( 16 ) مهر ( 17 ) سروش ( 18 ) رشن ( 19 ) فروردين ( 20 ) بهرام ( 21 ) رام ( 22 ) باد ( 23 ) ديبدين ( 24 ) دين ( 25 ) أرد ( 26 ) أشتاد ( 27 ) آسمان ( 28 ) رامياد ( 29 ) مارسفند ( 30 ) أنيران .
لا اختلاف بينهم في أسماء هذه الايام ، وهي لكل شهر كذلك وعلى ترتيب واحد ، إلا في " هرمز " فإن بعضهم يسميه " فرخ " ، وفي " أنيران " فإن بعضهم يسميه " به روز " ويكون مبلغ جميعها ثلاث مائة وستين يوما ، وقد تقدم أن السنة الحقيقية هي ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم ، فاخذوا الخمسة الايام الزائدة عليها وسموها بأسماء غيره الموضوعة لايام كل شهر ، وهي : أهشد كاه ، اشتد كاه ، إسفند كاه ، إسفند مذكاه ، بهشيشكاه .
أقول : ثم ذكر ما مرمع وجوه كثيرة اخرى ، فصار مبلغ أيامهم ثلاث مائة وخمسة وستين يوما ، وأهملوا ربع يوم حتى اجتمع من الارباع أيام شهر تام وذلك في مائة وعشرين سنة فألحقوه بشهور السنة حتى صار شهور تلك السنة ثلاثة عشر
[115]
وسموها " كبيسة " وسموا أيام الشهر الزائد بأسماء أيام سائر الشهور ، وعلى ذلك كانوا يعملون إلى أن زال ملكهم ، وباد دينهم ، واهملت الارباع بعدهم ولم يكبس بها السنون حتى يعود إلى حالها الاولى ، ولا يتأخر عن الاوقات المحمودة كثير تأخر ، من أجل أن ذلك أمر كان يتولاه ملوكهم بمحضر الحساب وأصحاب الكتاب ، وناقلي الاخبار والرواة ، ومجمع الهرابذة والقضاة ، واتفاق منهم جميعا على صحة الحساب بعد استحضار من بالآفاق من المذكورين إلى دار الملك ومشاورتهم حتى يتفقوا ، واتفاق الاموال الجمة ، حتى قال المقل في التقدبر إنه كان ينفق ألف ألف دينار ، وكان يتخذ ذلك اليوم أعظم الاعياد قدرا ، وأشهرها حالا وأمرا ، ويسمى " عيد الكبيسة " ويترك الملوك لرعيته خراجها ، والذي كان يحول بينهم وبين إلحاق ربع يوم في كل أربع سنين يوما واحدا بأحد الشهور أو الخمسة قولهم أن الكبس يقع على الشهور لا على الاعوام لكراهتهم الزيادة في عدتها ، وامتناع ذلك في الزمزمة لما وجب في الدين من ذكر اليوم الذي يزمزم فيه ليصح إذا زيد في عدد الايام يوم زائد .
وكانت الاكاسرة رسمت لكل يوم نوعا من الرياحين والزهر يوضع بين يديه ، ولونا من الشراب على رسم منتظم لا يخالفونه في الترتيب ، والسبب في وضعهم هذه الايام الخمسة اللواحق في آخر أبان ماه ما بينه وبين آذر ماه أن الفرس زعموا أن مبدأ سنتهم من لدن خلق الانسان الاول ، وأن ذلك كان روز هرمز ، وماه فروردين ، و الشمس في نقطة الاعتدال الربيعي متوسطة السماء ، وذلك أول الالف السابع من الوف سني العالم عندهم ، وبمثله قال أصحاب الاحكام من المنجمين أن السرطان طالع العالم ، وذلك أن الشمس في أول أدوار السند هند هي في أول الحمل على منتصف نهايتي العمارة ، وإذا كانت كذلك كان الطالع السرطان ، وهو لابتداء الدور والنشوء عندهم كما قلنا .
وقد قيل : إنه سمي بذلك لانه أقرب البروج رأسا من الربع المعمور ، وفيه شرف المشتري المعتدل المزاج ، والنشوء لا يكون إلا إذا عملت الحرارة المعتدلة في الرطوبة ، فهو إذن أولى أن يكون طالع نشوء العالم
[116]
وقيل : إنما سمي بذلك لان بطلوعه تتم طلوع الطبائع الاربع ، وبتمامها تم النشوء ، وأمثال ذلك من التشبيهات .
قال : ثم لما أتى زرادشت وكبس السنين بالشهور المجتمعة من الارباع عاد الزمان إلى ما كان عليه ، وأمرهم أن يفعلوا بها بعده كفعله ، وائتمروا بأمره ، و لم يسموا شهر الكبيسة باسم عليحدة ، ولم يكرروا اسم شهر ، بل كانوا يحفطونه على نوب متوالية ، وخافوا اشتباه الامر عليهم في موضع النوب ، فأخذوا ينقلون الخمسة الايام ويضعونها عند آخر الشهر الذي انتهت إليه نوبة الكبيسة ، ولجلالة هذا الامر وعموم المنفعة فيه للخاص والعام والرعية والملك وما فيه من الاخذ بالحكمة والعمل بموجب الطبيعة كانوا يؤخرون الكبس إذا جاء وقته وأمر المملكة غير مستقيم لحوادث ، ويهملونه حتى يجتمع منه شهران ، ويتقدمون بكبسها بشهرين إذا كانوا يتوقعون وقت الكبس المستأنف ما يشغل عنه ، كما عمل في زمن يزدجرد بن شابور أخذا بالاحتياط ، وهو آخر الكبائس المعمولة ، تولاه رجل من الدستورين يقال له " يزدجرد الهزاري " وكانت النوبة في تلك الكبيسة لابان ماه فألحق الخمسة بآخره وبقيت فيه لاهمالهم الامر ( انتهى ) وإنما أوردت هذا الكلام لما فيه من تأسيس ما سنورده في الفائدة التالية ، ومزيد توضيح مامر في خبر الرضا عليه السلام في تقدم النهار على الليل وغير ذلك .
الفائدة الثانية : اعلم أن الشيخ الطوسي قدس سره القدوسي وسائر من تأخر عنه ذكروا النيروز والاعمال المتعلقة به : الغسل ، والصوم ، والصلاة ، و غيرها ، ولم يحققوا تعيين اليوم .
فلابد من التعرض له والاشارة إلى الاقوال الواردة فيه .
قال فحل الفقهاء المدققين محمد بن إدريس ره في السرائر : قال شيخنا أبوجعفر في مختصر المصباح : يستحب صلوة أربع ركعات ، وشرح كيفيتها في يوم نيروز الفرس ، ولم يذكر أي يوم هو من الايام ، ولا عينه بشهر من الشهور الرومية ولا العربية .
والذي قد حققه بعض محصلي الحساب وعلماء الهيئة وأهل هذه الصنعة في كتاب له أن يوم النيروز يوم العاشر من أيار وشهرأيار أحد وثلاثون
[117]
يوما فاذا مضى منه تسعة أيام فهو يوم النيروز .
يقال : نيروز ، ونوروز ، لغتان ( انتهى ) .
وفسره الشهيد ره بأول سنة الفرس ، أو حلول الشمس برج الحمل ، أو عاشر أيار .
قال جمال السالكين أحمد بن فهد الحلي ره في كتاب المهذب البارع في في شرح المختصر النافع : يوم النيروز جليل [ القدر ] وتعيينه من السنة غمض مع أن معرفته أمرمهم من حيث إنه تعلق به عبادة مطلوبة للشارع ، والامتثال موقوف على معرفته ، ولم يتعرض لتفسيره أحد من علمائنا سوى ما قاله الفاضل المنقب محمد بن إدريس ، وحكايته " والذي قد حققه بعض محصلي أهل الحساب و علماء الهيئة وأهل هذه الصنعة في كتاب له أن يوم النيروز يوم العاشر من أيار .
وقال الشهيد : وفسر بأول سنة الفرس أو حلول الشمس في برج الحمل أو عاشر أيار ، والثالث إشارة إلى قول ابن إدريس ، والاول إشارة إلى ماهو مشهور عند فقهاء العجم في بلادهم ، فإنهم يجعلونه عند نزول الشمس الجدي ، وهو قريب مما فاله صاحب كتاب الانواء ، وحكايته اليوم السابع عشر من كانون الاول هو صوم اليهود ، و فيه ترجع الشمس مصعدة إلى الشمال ، ويأخذ النهار من الليل ثلث عشر ساعة وهو مقدار ما يأخذ في كل يوم ، وينزل الشمس برج الجدي قبله بيومين ، وبعض العلماء جعله رأس السنة ، وهو النيروز ، فجعله حكاية عن بعض العلماء وقال بعد ذلك : اليوم التاسع من شباط ، وهو يوم النيروز ، ويستحب فيه الغسل ، وصلوة أربع ركعات لما رواه المعلى بن خنيس عن الصادق عليه السلام ثم ذكر الخبر ، فاختار التفسير الاخير ، وجزم به .
والاقرب من هذه التفاسير أنه يوم نزول الشمس برج الحمل لوجوه : الاول : أنه أعرف بين الناس وأظهر في استعمالهم ، وانصراف الخطاب المطلق الشامل لكل مكلف إلى معلوم في العرف وظاهر في الاستعمال أولى من انصرافه إلى ما كان على الضد من ذلك ، ولانه المعلوم من عادة الشرع وحكمته ألا ترى كيف علق أوقات الصلوة بسير الشمس الظاهر ، وصوم شهر رمضان برؤية
[118]
الهلال ، وكذا أشهر الحج وهي امور ظاهرة يعرفها عامة الناس بل الحيوانات ؟ فان قلت : استعماله في نزول الشمس برج الحمل غير ظاهر الاستعمال في بلاد العجم ، حتى أنهم لا يعرفونه وينكرون على معتقده ، فلم خصصت ترجيح العرف الظاهر في بعض البلاد دون بعض ؟ وأيضا فإن ما ذكرته حادث ويسمى " النيروز السلطاني " والاول أقدم ، حتى قيل : إنه منذ زمان نوح عليه السلام .
فالجواب عن الاول : أن العرف إذا تعدد انصرف إلى العرف الشرعي فإن لم تكن فإلى أقرب البلاد واللغات إلى الشرع ، فيصرف إلى لغة العرب وبلادها ، لانها أقرب إلى الشرع .
وعن الثاني بأن التفسيرين معا متقدمان على الاسلام .
الثانى : أنه مناسب لما ذكره صاحب الانواء من أن الشمس خلقت في " الشرطين " وهما أول الحمل ، فيناسب ذلك إعظام هذا اليوم الذي عادت فيه إلى مبدأ كونها .
الثالث : أنه مناسب لما ذكره السيد رضي الدين علي بن طاووس أن ابتداء العالم وخلق الدنيا كان في شهر نيسان ولا شك أن نيسان يدخل والشمس في الحمل .
وإذا كان ابتداء لعالم في مثل هذا اليوم يناسب أن يكون يوم عيد و
-بحار الانوار جلد: 52 من صفحه 118 سطر 16 إلى صفحه 126 سطر 16 سرور ، ولهذا ورد استحباب التطيب فيه بأطيب الطيب ، ولبس أنظف الثياب ، و مقابلته بالشكر والدعاء ، والتأهب لذلك بالغسل ، وتكميله بالصوم والصلاة المرسومة له ، حيث كان فيه ابتداء النعمة الكبرى ، وهي الاخراج من حيز العدم إلى الوجود ، ثم تعريض الخلق لثوابه الدائم ، ولهذا امرنا بتعظيم يوم المبعث والغدير حيث كان فيه ابتداء منصب النبوة والامامة ، وكذا المولدين .
فان قلت : نسبته إلى الفرس يؤيد الاول ، لانهم واضعوه ، والثاني وضعه قوم مخصوصون ، ولم يوافقهم الباقون .