[331]
قال أبو عبدالله عليه السلام : بذلك وصف نفسه ، وكذلك هو مستول على العرش بائن من
خلقه من غير أن يكون العرش حاملا له ، ولا أن يكون العرش حاويا له ، ولا أن العرش
محتازله ، ولكنا نقول : هو حامل العرش ، وممسك العرش ، ونقول من ذلك ما قال :
" وسع كرسيه السموات والارض " فثبتنا من العرش والكرسي ما ثبته ، ونفينا أن
يكون العرش أو الكرسي حاويا له ، وأن يكون عزوجل محتاجا إلى مكان أو إلى
شئ مما خلق ، بل خلقه محتاجون إليه .
قال السائل : فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء وبين أن تخفضوها
نحوالارض : قال أبوعبدالله عليه السلام : ذلك في علمه وإحاطته وقدرته سواء ، ولكنه عزو
جل أمر أولياءه وعباده برفع أيديهم إلى السماء نحوالعرش لانه جعله معدن الرزق فثبتنا
ما ثبته القرآن والاخبار عن الرسول صلى الله عليه وآله حين قال : ارفعوا أيديكم الله إلى الله عزوجل .
وهذا يجمع عليه فرق الامة كلها .
قال السائل : فتقول : إنه ينزل السماء الدنيا ؟ قال أبوعبدالله عليه السلام : نقول
ذلك ، لان الروايات قدصحت به والاخبار . قال السائل : وإذا نزل أليس قد حال
عن العرش وحوله عن العرش انتقال ؟ قال أبوعبدالله عليه السلام : ليس ذلك على ما يوجد
من المخلوق الذي ينتقل باختلاف الحال عليه والملالة والسأمة وناقل ينقله ويحوله
من حال إلى حال ، بل هو تبارك وتعالى لا يحدث عليه الحال ، ولا يجري عليه الحدوث ،
فلا يكون نزوله كنزول المخلوق الذي متى تنحى عن مكان خلامنه المكان الاول
ولكنه ينزل إلى السماء الدنيا بغير معاناة ولا حركة فيكون هو كمافي السماء السابعة
على العرش كذلك هو في سماء الدنيا إنما يكشف عن عظمته ، ويري أولياءه نفسه حيث
شاء ، ويكشف ماشاء من قدرته ، ومنظره في القرب والبعد سواء .
ثم قال : قال مصنف هذا الكتاب : قوله عليه السلام : إنه على العرش إنه ليس بمعنى
التمكن فيه ، ولكنه بمعنى التعالي عليه بالقدرة يقال : فلان على خير واستعانة على عمل
كذا وكذا ، ليس بمعنى التمكن فيه والاستقرار عليه ، ولكن ذلك بمعنى التمكن منه
والقدرة عليه ، وقوله في النزول ليس بمعنى الانتقال وقطع المسافة ، ولكنه على معنى
[332]
إنزال الامر من إلى سماء الدنيا لان العرش هو المكان الذي ينتهى إليه بأعمال العباد من
السدرة المنتهى إليه ، وقد يجعل الله عزوجل السماء الدنيا في الثلث الاخير من الليل وفي
ليالي الجمعة مسافة الاعمال في ارتفاعها أقرب منها في سائر الاوقات إلى العرش . وقوله :
يري أولياءه نفسه فإنه يعني بإظهار بدائع فطرته ، فقد جرت العادة بأن يقال للسلطان
إذا أظهر قوة وقدرة وخيلا ورجلا : قد أظهر نفسه ، وعلى ذلك دل الكلام ومجاز اللفظ .
أقول : من قول قال السائل إلى آخر كلامه لم يكن في أكثر النسخ وليس في
الاحتجاج أيضا .
36 - يد : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، وابن هاشم ، عن الحسن بن علي ، عن
داود بن علي اليعقوبي ، ( 1 ) عن بعض أصحابنا ، عن عبدالاعلى - مولى آل سام - عن أبي
عبدالله عليه السلام قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وآله يهودي يقال له : سبحت ( 2 ) فقال له : يا محمد جئت
أسألك عن ربك فإن أجبتني عما أسألك عنه وإلا رجعت . فقال له : سل عما شئت . فقال :
أين ربك ؟ فقال : هو في كل مكان ، ( 3 ) وليس هو في شئ من المكان بمحدود . قال : فكيف
هو ؟ فقال : وكيف أصف ربي بالكيف والكيف مخلوق ؟ والله لا يوصف بخلقه .
قال : فمن يعلم أنك نبي ؟ قال : فما بقي حوله حجر ولا مدر ولا غير ذلك إلا تكلم
بلسان عربي مبين : يا شيخ إنه رسول الله . ( 4 )
_________________________________________
( 1 ) بالياء المثناة كما هو المحكى عن الايضاح أو بالباء الموحدة نسبة إلى بعقوبا قرية من قرى
البغداد على ما حكى عن الشهيد الثانى رحمه الله ، وهو داود بن على الهاشمى المترجم في ص 115 من
رجال النجاشى بقوله : داود بن على اليعقوبى الهاشمى أبوعلى بن داود ، روى عن أبى الحسن موسى
عليه السلام ، وقيل : روى عن الرضا عليه السلام ، له كتاب يرويه جماعة ، منهم عيسى بن عبدالله
العمرى .
( 2 ) اختلفت النسخ في ضبطه ففى بعضها " سبحت " با الباء الموحدة ثم الحاء المهملة ، وفى بعض
آخر بالباء والخاء المعجمة ، وفى البحار المطبوع شجت " شبخت خ ل " وضبط بضم السين والباء و
سكون الحاء المهملة ، وبضم السين وسكون الباء وفتح الحاء ، وبضم السين وسكون الباء وضم الخاء
المعجمة ، وعلى أى حال كان رجلا من ملوك فارس ، وكان ذربا ، كما يأتى في حديث آخر .
( 3 ) في حديث آخرله : فقال : هو في كل مكان موجود بآياته .
( ) وفى نسخة : يا سبحت إنه رسول الله .
[333]
فقال سبحت : بالله ما رأيت كاليوم أبين ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنك
رسول الله صلى الله عليه وآله .
37 - ص : الصدوق ، عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق : عن أحمد بن محمد بن رميح ،
عن أحمد بن جعفربن ، عن أحمد بن علي ، عن محمد بن علي الخزاعي ، عن عبدالله بن جعفر ، عن أبيه ،
عن الصادق ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم مثله .
ير : إبراهيم بن هاشم ، عن الحسن بن علي مثله .
38 - يد : ابن المتوكل ، عن الحميري ، عن ابن عيسى ، عن ابن محبوب ، عن
حماد ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : كذب من زعم أن الله عزوجل من شئ ، أو في شئ ، أو
علي شئ .
39 - يد : ماجيلويه ، عن عمه ، عن البرقي ، عن أبيه ، عن محمد بن سنان ، عن
المفضل ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : من زعم أن الله عزوجل من شئ أو في شئ فقد
أشرك . ثم قال : من زعم أن الله من شئ فقد جعله محدثا ، ومن زعم أنه في شئ فقد
زعم أنه محصور ، ومن زعم أنه علي شئ فقد جعله محمولا . ( 1 )
40 - يد : ابن الوليد ، عن ابن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن ابن
حميد ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : من زعم أن الله عزوجل من شئ ، أو في
شئ ، أو على شئ فقد كفر . قلت : فسرلي . قال : أعني بالحواية من الشئ له ، أوبإمساك
له ، أو من شئ سبقه .
41 - وفي رواية اخرى قال : من زعم أن الله من شئ فقد جعله محدثا ، ومن زعم
أنه في شئ فقد جعله محصورا ، ومن زعم أنه على شئ فقد جعله محمولا .
بيان : قوله : بالحواية من الشئ له تفسير لقوله : في شئ ، وقوله : أوبإمساك
له تفسير لقوله : على شئ ، وقوله : أو من شئ سبقه تفسير لقوله : من شئ .
42 - يد : الطالقاني ، عن أحمد الهمداني ، عن أحمد بن محمد بن عبدالله الصغدي ،
عن محمد بن يعقوب العسكري وأخيه معاذ معا ، عن محمد بن سنان الحنظلي ، عن عبدالله بن
_________________________________________
( 1 ) تقدم الحديث عن المفضل بطريق آخر تحت الرقم 25 .
[334]
عاصم ، عن عبدالرحمن بن قيس ، عن أبي الهاشم الرماني ، عن زاذان ، عن سلمان الفارسي في
حديث طويل يذكر في قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى بعدقبض رسول الله صلى الله عليه وآله
وسؤاله أبابكر عن مسائل لم يجبه عنها ، ثم أرشد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
فسأله فأجابه فكان فيما سأله أن قال له : أخبرني عن الرب أين هو وأين كان ؟ قال علي
صلى الله عليه وآله : لا يوصف الرب جل جلاله بمكان ، وهو كماكان ، وكان كما هو ، لم يكن في مكان ،
ولم يزل من مكان إلى مكان ، ولا أحاط به مكان ، بل كان لم يزل بلاحد ولا كيف . قال :
صدقت ، فأخبرني عن الرب أفي الدنيا هو أوفي الآخرة ؟ قال علي عليه السلام : لم يزل ربنا
قبل الدنيا هومدبر الدنيا ، وعالم بالآخرة ، فأما أن يحيط به الدنيا والآخرة فلا ،
ولكن يعلم ما في الدنيا والآخرة . قال : صدقت يرحمك الله .
ثم قال : أخبرني عن ربك أيحمل أو يحمل ؟ فقال علي عليه السلام : إن ربنا جل جلاله
يحمل ولا يحمل . قال النصراني : وكيف ذلك ونحن نجد في الانجيل : ويحمل عرش
ربك فوقهم يومئذ ثمانية ؟ فقال علي عليه السلام : إن الملائكة تحمل العرش وليس العرش كما
تظن كهيئة السرير ، ولكنه شئ محدود مخلوق مدبر ، وربك عزوجل مالكه لاأنه عليه
ككون الشئ على الشئ ، وأمر الملائكة بحمله فهم يحملون العرش بما أقدرهم عليه .
قال النصراني : صدقت رحمك الله . والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة .
45 - يد : الدقاق ، عن الاسدي ، عن البرمكي ، عن جذعان بن نصر ، عن سهل ،
عن ابن محبوب ، عن عبدالرحمن بن كثير ، عن داود الرقي قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام
عن قوله عزوجل : " وكان عرشه على الماء " فقال لي : ما يقولون ؟ قلت : يقولون : إن
العرش كان على الماء والرب فوقه . فقال : فقد كذبوا ، من زعم هذا فقد صير الله محمولا ،
ووصفه بصفة المخلوقين ، وألزمه أن الشئ الذي يحمله أقوى منه . قلت : بين لي جعلت
فداك . فقال : إن الله عزوجل حمل دينه وعلمه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جن
أو إنس أو شمس أو قمر ، فلما أن أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم : من
ربكم ؟ فكان أول من نطق رسول الله وأمير المؤمنين والائمة عليهم السلام فقالوا : أنت ربنا
فحملهم العلم والذين ، ثم قال للملائكة ، هؤلاء حملة علمي وديني وامنائي في خلقي ، و
[335]
هو المسؤلون ، ثم قيل لبني آدم : أقروالله بالربوبية ، ولهؤلاء النفر بالطاعة . فقالوا :
ربنا أقررنا . فقال للملائكة اشهدوا . فقالت الملائكة : شهدنا على أن لا يقولوا إنا كنا
عن هذا غافلين ، أويقولوا : إنماأشرك أباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم
أفتهلكنا بمافعل المبطلون . يا داود ولايتنا مؤكدة عليهم في الميثاق .
قال الصدوق رحمه الله في التوحيد : إن المشبهة تتعلق بقوله عزوجل : " إن ربكم
الله الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل
النهار " ولا حجة لها في ذلك لانه عزوجل عني بقوله : استوى على العرش أي ثم
نقل العرش إلى فوق السماوات وهو مستولى عليه ومالك له ، فقوله عزوجل : " ثم "
إنما هو لدفع العرش إلى مكانه الذي هو فيه ، ونقله للاستواء ، ولا يجوز أن يكون
معنى قوله : استوى " استولى " لان الاستيلاء لله تعالى ( 1 ) على الملك وعلى الاشياء ليس هو
بأمر حادث ، بل كان لم يزل مالكا لكل شئ ومستوليا على كل شئ ، وإنما ذكر
عزوجل الاستواء بعدقوله : " ثم " وهو يعني الرفع مجازا ، وهو كقوله : " ولنبلونكم
حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين " فذكر " نعلم " مع قوله : " حتى " وهو عزوجل
يعني : حتى يجاهد المجاهدون ونحن نعلم ذلك ، لان حتى لا يقغ إلا على فعل حادث
وعلم الله عزوجل بالاشياء لا يكون حادثا ، وكذلك ذكر قوله عزوجل : " استوى على
العرش " بعد قوله " ثم " وهو يعني بذلك : ثم رفع العرش لاستيلائه عليه ، ولم يعن بذلك
الجلوس واعتدال البدن ، لان الله لايجوز أن يكون جسما ولا ذابدن ، تعالى الله عن
ذلك علوا كبيرا ( 2 )
_________________________________________
( 1 ) في نسخة : لان استيلاء الله تعالى .
( 2 ) قال السيد الرضى قدس الله روحه في كتابه تلخيص البيان بعد قوله تعالى : " ثم استوى على
العرش " : وهذه استعارة ، لان حقيقة الاستواء إنما توصف بها الاجسام التى تعلو وتهبط وتميل وتعتدل
والمراد بالاستواء ههنا الاستيلاء بالقدرة والسلطان ، لا بحلول القرار والمكان ، كما يقال : استوى
فلان الملك على سرير ملكة بمعنى استولى عليه تدبير الملك ، وملك معقد الامر والنهى ، ويحسن صفته
بذلك وإن لم يكن له في الحقيقة سرير يقعد عليه ، ولا مكان عال يشار إليه ، وإنما المراد نفاذ أمره
في مملكته ، واستيلاء سلطانه على رعيته .
فان قيل : فالله سبحانه مستول على كل شئ بقهره وغلبته ونفاذ أمره وقدرته ، فما معنى اختصاص *
[336]
سن : أبي ، عمن ذكره قال : اجتمعت اليهود إلى رأس الجالوت ، فقالوا :
إن هذاالرجل عالم - يعنون به علي بن أبي طالب عليه السلام - فانطلق بناإليه لنسأله فأتوه
فقيل ل : هو في القصر ، فانتظروه حتى خرج ، فقال له رأس الجالوت : يا أمير المؤمنين
جئنا نسألك . قال : سل يا يهودي عما بدالك ، قال . أسألك عن ربنا متى كان ؟ فقال : كان
بلا كينونة ، كان بلا كيف ، كان لم يزل بلاكم وبلاكيف ، كان ليس له قبل ، هو قبل القبل
بلا قبل ، ولا غاية ولا منتهى غاية ، ولا غاية إليها ، انقطعت عنه الغايات ، فهوغاية كل
غاية قال : فقال رأس الجالوت لليهود : امضوا بنا ( 1 ) فهذا أعلم ممايقال فيه . ( 2 )
بيان : ولا غاية إليها أي ينتهي إليها .
44 - سن : القاسم بن يحيى ، عن جده الحسن ، عن أبي الحسن موسى عليه السلام
- وسئل عن معنى قول الله : " على العرش استوى " - فقال : استولى على ما دق وجل .
ج : عن الحسن مثله .
45 - يد ، مع : ابن المتوكل ، عن الحميري ، عن ابن عيسى ، عن ابن محبوب
عن مقاتل بن سليمان قال : سألت جعفر بن محمد عليه السلام عن قول الله عزوجل : " الرحمن
على العرش استوى " قال : استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ .
46 - فس : محمد بن أبي عبدالله ، عن سهل ، عن ابن محبوب ، عن محمد بن مارد أن
أبا عبدالله عليه السلام سئل عن معنى قول الله عزوجل : " الرحمن على العرش استوى " فقال
استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ .
يد : ما جيلويه ، عن محمد العطار ، عن سهل ، مثله .
_________________________________________
العرش بالذكر ههنا ؟ قيل : كما ثبت أنه تعالى رب لكل شئ ، وقدقال في صفة نفسه : " رب العرش
العظيم " وقال : " رب العرش الكريم " .
فان قيل : فما معنى قولنا : عرش الله إن لم يرد بذلك كونه عليه ؟ قيل : كما يقال : بيت الله وان
لم يرد كونه فيه ، والعرش تطوف به الملائكة تعبدا ، كما أن البيت في الارض تطوف به الخلائق
تعبدا .
( 2 ) وفى نسخة : مروابنا .
( 2 ) وفى الرواية دلالة على كونه تعالى هو ؟ ؟ المطلق لكل شئ .
[337]
يد : ابن الوليد ، عن محمدالعطار ، عن سهل ، عن الخشاب رفعه عن ابي عبدالله
عليه السلام مثله .
47 - يد : أبي ، عن سعد ، عن محمد بن الحسين ، عن صفوان بن يحيى ، عن عبدالرحمن
ابن الحجاج قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عزوجل : " الرحمن على العرش
استوى " فقال : استوى كل من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ لم يبعد منه بعيد
ولم يقرب منه قريب ، استوى من كل شئ .
بيان : اعلم أن الاستواء يطلق على معان : الاول : الاستقرار والتمكن على الشئ
الثاني : قصد الشئ والاقبال إليه . الثالث : الاستيلاء علي الشئ . قال الشاعر :
قداستوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
الرابع : الاعتدال يقال : سويت الشئ فاستوى . الخامس : المساواة في النسبة .
فأما المعنى الاول فيستحيل على الله تعالى لما ثبت بالبراهين العقلية والنقلية من
استحالة كونه تعالى مكانيا ، فمن المفسرين من حمل الاستواء في هذه الآية على الثاني أي
أقبل على خلقه وقصد إلى ذلك ، وقد رووا أنه سئل أبوالعباس أحمد بن يحيى عن هذه الآية
فقال : الاستواء : الاقبال على الشئ ، ونحو هذا قال الفراء والزجاج في قوله عزوجل :
" ثم استوى إلى السماء " . والاكثرون منهم حملوها على الثالث أي استولي عليه وملكه و
دبره ، قال الزمخشري : لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل إلا مع
الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوافلان استوى على السرير ، يريدون ملكه ، وإن
لم يقعد على السرير ألبتة . وإنما عبروا عن حصول الملك بذلك ، لانه أصرح و
............................................................................
-بحار الانوار مجلد: 3 من ص 337 سطر 19 الى ص 339 سطر 14
أقوى في الدلالة من أن يقال : فلان ملك ، ونحوه قولك : يد فلان مبسوطة ، ويد فلان
مغلولة بمعنى أنه جواد أو بخيل ، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت ، حتى أن من لم
يبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له يد رأسا وهو جواد قيل فيه : يده مبسوطة ، لانه
لا فرق عندهم بينه وبين قولهم : " جواد " انتهى . ويحتمل أن يكون المراد المنى الرابع بأن
يكون كناية عن نفي النقص عنه تعالى من جميع الوجوه فيكون قوله تعالى : على العرش
[338]
حالية ، وسيأتي توجيهه ولكنه بعيد . وأما المعنى الخامس فهو الظاهر مما مر من
الاخبار .
فاعلم أن العرش قد يطلق على الجسم العظيم الذي أحاط بسائر الجسمانيات ،
وقد يطلق على جميع المخلوقات ، وقد يطلق على العلم أيضا كما وردت به الاخبار
الكثيرة ، ( 1 ) وسيأتي تحقيقه في كتاب السماء والعالم .
فإذا عرفت هذا فإما أن يكون عليه السلام فسر العرش بمجموع الاشياء ، وضمن
الاستواء ما يتعدي بعلى ، كالاستيلاء والاستعلاء والاشراف ، فالمعنى : استوت نسبته إلى
كل شئ حال كونه مستوليا عليها ، أو فسره بالعلم ويكون متعلق الاستواء مقدرا أي
تساوت نسبته من كل شئ حال كونه متمكنا على عرش العلم ، فيكون إشارة إلى بيان
نسبته تعالى وإنها بالعلم والاحاطة ، أوالمراد بالعرش عرش العظمة والجلال والقدرة كما
فسر بها أيضا في بعض الاخبار أي استوى من كل شئ مع كونه في غاية العظمة ومتمكنا
على عرش التقدس والجلالة ، والحاصل أن علو قدره ليس مانعا من دنوه بالحفظ و
التربية والاحاطة وكذا العكس ، وعلى التقادير فقوله : استوى خبر ، وقوله : على العرش
حال ، ويحتمل أن يكونا خبرين على بعض التقادير ، ولا يبعد على الاحتمال الاول جعل
قوله : على العرش متعلقا بالاستواء بأن تكون كلمة على بمعنى إلى ، ويحتمل على تقدير
حمل العرش على العلم أن يكون قوله : على العرش خبرا ، وقوله : استوى حالا من العرش
لكنه بعيد . وعلى التقادير يمكن أن يقال : إن النكتة في إيراد الرحمن بيان أن
رحمانيته توجب استواء نسبته إيجادا وحفظا وتربية وعلما إلى الجميع بخلاف الرحيميته
فإنها تقتضى إفاضة الهدايات الخاصة على المؤمنين فقط ، وكذا كثير من إسمائه الحسنى
تخص جماعة كما سيأتي تحقيقها . ويؤيد بعض الوجوه التي ذكرنا ما ذكره الصدوق
رحمه الله في كتاب العقائد حيث قال : اعتقادنا في العرش أنه جملة جميع الخلق ، والعرش
_________________________________________
( 1 ) قال الشيخ الطوسى قدس سره في كتابه التبيان ذيل قوله تعالى : " ثم استوى على العرش "
في سورة يونس : قيل : إن العرش المذكور ههنا هو السماوات والارض ، لانهن من بنائه ، والعرش :
البناء ، ومنه قوله : " يعشرون " أي يبنون ، وأما العرش المعظم الذى تعبدالله الملائكة بالحفوف به
والاعظام له وعناه بقوله : " الذين يحملون العرش ومن حوله " فهو غير هذا .
[339]
في وجوه آخر هو العلم ، وسئل عن الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل الرحمن على العرش
استوى فقال : استوى من كل شئ فليس شئ أقرب إليه من شئ انتهى . وإنما بسطنا
الكلام في هذا المقام لصعوبة فهم تلك الاخبار على أكثر الافهام .
اقول : قد مرت الاخبار المناسبة لهذا الباب في باب إثبات الصانع ، وباب نفي
الجسم والصورة ، وسيأتي في باب احتجاج أمير المؤمنين صلوات الله عليه على النصارى ،
وباب العرش والكرسي ، وباب جوامع التوحيد .
إلى هنا تم الجزء الثالث من كتاب بحار الانوار من هذه الطبعة
المزدانة بتعاليق نفيسة قيمة وفوائد جمة ثمينة ، ويساوي
هذا المجلد مع 104 صفحة من ثاني أجزاء الطبع
الكمباني ويحوي 276 حديثا في 14 بابا
والله الموفق للخير
والرشاد
جمادي الثانية 1376 ه .