![]() |
![]() |
![]() |
8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن علي بن عيسى رفعه قال (1): إن موسى (ع) ناجاه الله تبارك وتعالى فقال له في مناجاته:
يا موسى لا يطول في الدنيا أملك فيقسو لذلك قلبك وقاسي القلب مني بعيد.
يا موسى كن كمسرتي فيك (2) فإن مسرتي أن أطاع فلا اعصي، فأمت قلبك بالخشية وكن خلق الثياب (3) جديد القلب تخفى على أهل الارض وتعرف في أهل السماء، حلس البيوت (4) مصباح الليل واقنت بين يدي قنوت الصابرين وصح إلي من كثرة الذنوب صياح المذنب الهارب من عدوه واستعن بي على ذلك فإني نعم العون ونعم المستعان.
يا موسى إني أنا الله فوق العباد والعباد دوني وكل لي داخرون (5) فاتهم نفسك على نفسك ولا تأتمن ولدك على دينك إلا أن يكون ولدك مثلك يحب الصالحين.
____________
(1) كذا مرفوعا، مجهولا، موقوفا.
(2) هذا تشبيه للمبالغة وحاصله: كن على حال أكون مسرورا بفعالك فكانك تكون مسرورا.
(3) الخلق محركة: البالي.
(4) الحلس: بساط يبسط في البيت.
(5) اي صاغرون، عاجزون. (*)
===============
(43)
يا موسى اغسل واغتسل واقترب من عبادي الصالحين.
يا موسى كن إمامهم في صلاتهم وإمامهم فيما يتشاجرون (1) واحكم بينهم بما أنزلت عليك فقد أنزلته حكما بينا وبرهانا نيرا ونورا ينطق بما كان في الاولين وبما هو كائن في الآخرين.
اوصيك يا موسى وصية الشفيق المشفق بابن البتول عيسى ابن مريم صاحب الاتان والبرنس والزيت والزيتون والمحراب (2) ومن بعده بصاحب الجمل الاحمر الطيب الطاهر المطهر، فمثله في كتابك أنه مؤمن مهيمن (3) على الكتب كلها وأنه راكع ساجد، راغب، راهب، إخوانه المساكين وأنصاره قوم آخرون (4) ويكون في زمانه أزل وزلزال (5) وقتل، وقلة من المال، اسمه أحمد، محمد الامين من الباقين من ثلة الاولين الماضين، يؤمن بالكتب كلها ويصدق جميع المرسلين ويشهد بالاخلاص لجميع النبيين امته مرحومة مباركة ما بقوا في الدين على حقائقه، لهم ساعات مؤقتات يؤدون فيها الصلوات أداء العبد إلى سيده نافلته، فبه فصدق ومنهاجه فاتبع فإنه أخوك.
يا موسى إنه أمي وهو عبد صدق يبارك له فيما وضع يده عليه ويبارك عليه كذلك كان في علمي وكذلك خلقته، وبه أفتح الساعة وبامته أختم مفاتيح الدنيا (6) فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا اسمه ولا يخذلوه وإنهم لفاعلون، وحبه لي حسنة، فأنا معه
____________
(1) التشاجر: التنازع والتخاصم.
(2) الاتان بالفتح: الحمارة. والبرنس بالضم: قلنسوة طويلة وكان النساك يلبسونها في صدر الاسلام. والمراد بالزيتون والزيت: التمرة المعروفد ودهنها لانه (عليه السلام) كان ياكلهما او نزلتا له في المائدة من السماء او المراد بالزيتون مسجد دمشق او جبال الشام كما ذكره الفيروزآبادى اي اعطاه الله بلاد الشام. وبالزيت الدهن الذي روى انه كان في بنى اسرائيل وكان غليانها من علامات النبوة. والمحراب لزومه وكثرة العبادة فيه. (آت).
(3) المهيمن هنا: المشاهد والمؤتمن.
(4) اي ليسوا من قومه وعشيرته. (5) الازل: الضيق والشدة.
(6) (به افتح) الباء للملابسة والغرض اتصال امته ودولته ونبوته بقيام الساعة. (آت). (*)
===============
(44)
وأنا من حزبه (1) وهو من حزبي وحزبهم الغالبون، فتمت كلماتي لاظهرن دينه على الاديان كلها ولاعبدن بكل مكان ولانزلن عليه قرآنا فرقانا شفاءا لما في الصدور من نفث الشيطان فصل عليه يا ابن عمران فإني أصلي عليه وملائكتي.
يا موسى أنت عبدي وأنا إلهك، لا تستذل الحقير الفقير ولا تغبط الغني بشئ يسير وكن عند ذكري خاشعا وعند تلاوته برحمتي طامعا واسمعني لذاذة التوراة بصوت خاشع حزين، اطمئن عند ذكري وذكر بي من يطمئن إلي واعبدني ولا تشرك بي شيئا وتحر مسرتي (2) إني أنا السيد الكبير، إني خلقتك من نطفة من ماء مهين (3)، من طينة أخرجتها من أرض ذليلة ممشوجة (4) فكانت بشرا فأنا صانعها خلقا فتبارك وجهي وتقدس صنيعي (5)، ليس كمثلي شئ وأنا الحي الدائم لا أزول.
يا موسى كن إذا دعوتني خائفا مشفقا وجلا، عفر وجهك لي في التراب واسجد لي بمكارم بدنك واقنت بين يدي في القيام وناجني حين تناجيني بخشية من قلب وجل واحي بتوراتي أيام الحياة وعلم الجهال محامدي وذكرهم آلائي ونعمتي وقل لهم لا يتمادون في غي ماهم فيه، فإن أخذي أليم شديد.
ياموسى إذا انقطع حبلك مني لم يتصل بحبل غيري، فاعبدني وقم بين يدي مقام العبد الحقير الفقير، ذم نفسك فهي أولى بالذم ولا تتطاول بكتابي على بني اسرائيل فكفى بهذا واعظا لقلبك ومنيرا وهو كلام رب العالمين جل وتعالى.
يا موسى متى ما دعوتني ورجوتني فإني سأغفر لك على ماكان منك، السماء تسبح لي وجلا والملائكة من مخافتي مشفقون والارض تسبح لي طمعا وكل الخلق
____________
(1) اي انصره واعينه. (آت).
(2) التحري: الطلب.
(3) المهين: الحقير والقليل والضعيف.
(4) اي مخلوطة من انواع والمراد: اني خليقتك من نطفة واصل تلك النطفة حصل من شخص خلقته من طينة الارض وهو آدم (عليه السلام) واخذت طينته من جميع وجه الارض المشتملة على ألوان وأنواع مختلفة. (آت).
(5) في بعض النسخ (صنعى). (*)
===============
(45)
يسبحون لي داخرون (1) ثم عليك بالصلاة، الصلاة فإنها مني بمكان ولها عندي عهد وثيق وألحق بها ما هو منها زكاة القربان من طيب المال والطعام فإني لا أقبل إلا الطيب يراد به وجهي.
واقرن مع ذلك صلة الارحام فإني أنا الله الرحمن الرحيم والرحم أنا خلقتها فضلا من رحمتي ليتعاطف بها العباد ولها عندي سلطان في معاد الآخرة وأنا قاطع من قطعها وواصل من وصلها وكذلك أفعل بمن ضيع أمري.
يا موسى أكرم السائل إذا أتاك برد جميل أو إعطاء يسير فإنه يأتيك من ليس بإنس ولا جان، ملائكة الرحمن يبلونك كيف أنت صانع فيما أوليتك وكيف مؤاساتك فيما خولتك (2)؟ واخشع لي بالتضرع واهتف لي بولولة الكتاب (3) واعلم أني أدعوك دعاء السيد مملوكه ليبلغ به شرف المنازل وذلك من فضلي عليك وعلى آبائك الاولين.
يا موسى لا تنسني على كل حال ولا تفرح بكثرة المال فإن نسياني يقسي القلوب ومع كثرة المال كثرة الذنوب، الارض مطيعة والسماء مطيعة والبحار مطيعة وعصياني شقاء الثقلين وانا الرحمن الرحيم، رحمن كل زمان، آتي بالشدة بعد الرخاء وبالرخاء بعد الشدة وبالملوك بعد الملوك وملكي دائم قائم لا يزول ولا يخفى علي شئ في الارض ولا في السماء وكيف يخفى علي ما مني مبتداه وكيف لا يكون همك فيما عندي وإلي ترجع لا محالة.
يا موسى اجعلني حرزك وضع عندى كنزك من الصالحات وخفني ولا تخف غيري إلي المصير.
يا موسى ارحم من هو أسفل منك في الخلق ولا تحسد من هو فوقك فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
____________
(1) في بعض النسخ (داخرين) وهو حال عن الضمير في يسبحون.
(2) التخويل: التمليك.
(3) الولولة: صوت متتابع بالويل والاستغاثة، ورفع الصوت بالبكاء والصياح. (*)
===============
(46)
يا موسى إن ابني آدم تواضعا في منزلة لينا لا بها من فضلي ورحمتي فقربا قربانا ولا أقبل إلا من المتقين، فكان من شأنهما ما قد علمت فكيف تثق بالصاحب بعد الاخ والوزير.
يا موسى ضع الكبر ودع الفخر واذكر أنك ساكن القبر فليمنعك ذلك من الشهوات.
يا موسى عجل التوبة وأخر الذنب وتأن في المكث بين يدي في الصلاة ولا ترج غيري، اتخذني جنة للشدائد وحصنا لملمات الامور.
يا موسى كيف تخشع لى خليقة لا تعرف فضلي عليها وكيف تعرف فضلي عليها وهي لا تنظر فيه وكيف تنظر فيه وهي لا تؤمن به وكيف تؤمن به وهي لا ترجو ثوابا وكيف ترجو ثوابا وهي قد قنعت بالدنيا واتخذتها مأوى وركنت إليها ركون الظالمين.
يا موسى نافس في الخير أهله فإن الخير كاسمه ودع الشر لكل مفتون.
يا موسى اجعل لسانك من وراء قلبك تسلم وأكثر ذكري بالليل والنهار تغنم ولا تتبع الخطايا فتندم فإن الخطايا موعدها النار (1).
يا موسى أطب الكلام لاهل الترك للذنوب وكن لهم جليسا واتخذهم لغيبك إخوانا وجد معهم يجدون معك (2).
يا موسى الموت يأتيك لا محالة فتزود زاد من هو على ما يتزود وارد على اليقين.
يا موسى ما أريد به وجهي فكثير قليله وما أريد به غيري فقليل كثيره وإن أصلح أيامك: الذي هو أمامك فانظر أي يوم هو فأعد له الجواب فإنك موقوف ومسؤول وخذ موعظتك من الدهر وأهله فإن الدهر طويله قصير وقصيره طويل وكل شئ فان فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة فإن ما بقي من الدنيا كما ولى منها وكل عامل يعمل على بصيرة ومثال فكن مرتادا لنفسك (3)
يا ابن عمران لعلك تفوز غدا يوم السؤال فهنالك يخسر المبطلون.
يا موسى ألق كفيك ذلا بين يدي كفعل العبد المستصرخ إلى سيده فإنك إذا فعلت ذلك رحمت وأنا أكرم القادرين.
____________
(1) يعني إذا اردت الكلام فابدأ باستعمال قلبك وعقلك.
(2) في بعض النسخ (يجودون معك).
(3) الارتياد: الطلب. (*)
===============
(47)
يا موسى سلني من فضلي ورحمتي فإنهما بيدي لا يملكهما أحد غيري وانظر حين تسألني كيف رغبتك فيما عندي، لكل عامل جزاء وقد يجزي الكفور بما سعى.
يا موسى طب نفسا عن الدنيا وانطو عنها فإنها ليست لك ولست لها مالك ولدار الظالمين إلا لعامل فيها بالخير فإنها له نعم الدار.
يا موسى ما آمرك به فاسمع ومهما أراه فاصنع، خذ حقائق التوراة إلى صدرك و تيقظ بها في ساعات الليل والنهار ولا تمكن أبناء الدنيا من صدرك فيجعلونه وكرا كوكر الطير (1).
يا موسى أبناء الدنيا وأهلها فتن بعضهم لبعض فكل مزين له ما هو فيه والمؤمن من زينت له الآخرة فهو ينظر إليها ما يفتر، قد حالت شهوتها بينه وبين لذة العيش فادلجته بالاسحار (2) كفعل الراكب السائق إلى غايته يظل كئيبا ويمسى حزينا (3) فطوبى له لو قد كشف الغطاء ماذا يعاين من السرور.
يا موسى الدنيا نطفة (4) ليست بثواب للمؤمن ولا نقمة من فاجر فالويل الطويل لمن باع ثواب معاده بلعقة لم تبق وبلعسة لم تدم (5) وكذلك فكن كما أمرتك وكل أمري رشاد.
____________
(1) الوكر والوكرة: عش الطائر.
(2) الادلاج: السير بالليل وظاهر العبارة انه استعمل هنا متعديا بمعنى التسيير بالليل ولم يات فيما عندنا من كتب اللغة قال الفيروزآبادي: الدلج محركة والدلجة بالضم والفتح:
السير من اول الليل وقد ادلجوا، فان ساروا من آخره فادلجوا بالتشديد انتهى ويمكن ان يكون على الحذف والايصال ان ادلجت الشهوة معه وسيرته بالاسحار كالراكب الذي يسابق قرينه إلى الغاية التي يتسابقان اليها والغاية هنا الجنة والفوز بالكرامة والقرب والحب والوصال او الموت وهو الاظهر. (آت) وقال الفيض رحمه الله: هو كناية عن عبادته واجتهاده.
(3) الكآبة: الغم وسوة الحال والانكسار من الحزن والمعنى انه يكون في نهاره مغموما وفي ليله محزونا لطلب الاخرة ولكن لو كشف الغطاء حتى يرى ماله في الاخرة يحصل له السرور ما لا يخفى. (آت).
(4) النطفة: ما يبقى في الدلو او القربة من الماء، كنى بها عن قلتها. (في). (5) اللعقة: القليل مما يلعق واللعس بالفتح: العض والمراد هنا ما يقطعه باسنانه وفي بعض النسخ (بلعقة لم تبق وبلعة لم تدم). (*)
===============
(48)
يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت لي عقوبته وإذا رايت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين ولا تكن جبارا ظلوما ولا تكن للظالمين قرينا.
ياموسى ماعمر وإن طال يذم آخره وماضرك ما زوى عنك إذا حمدت مغبته (1)
يا موسى صرخ الكتاب إليك صرخا بما أنت إليه صائر فكيف ترقد على هذا العيون أم كيف يجد قوم لذة العيش لو لا التمادي في الغفلة والاتباع للشقوة والتتابع للشهوة ومن دون هذا يجزع الصديقون.
يا موسى مر عبادي يدعوني على ماكان بعد أن يقروا لي أني أرحم الراحمين، مجيب المضطرين وأكشف السوء وابدل الزمان وآتي بالرخاء وأشكر اليسير واثيب الكثير وأغني الفقير وأنا الدائم العزيز القدير، فمن لجأ إليك وانضوى إليك (2) من الخاطئين فقل: أهلا وسهلا، يا رحب (3) الفناء بفناء رب العالمين واستغفر لهم وكن لهم كأحدهم ولا تستطل عليهم بما أنا أعطيتك فضله وقل لهم فليسألوني من فضلي ورحمتي فإنه لا يمكلها أحد غيري وأنا ذو الفضل العظيم.
طوبى لك يا موسى كهف الخاطئين وجليس المضطرين ومستغفر للمذنبين، إنك مني بالمكان الرضى فادعني بالقلب النقي واللسان الصادق وكن كما أمرتك أطع أمري ولا تستطل على عبادي بما ليس منك مبتداه وتقرب إلي فإني منك قريب فإني لم أسألك ما يؤذيك ثقله ولحمله إنما سألتك أن تدعوني فأجيبك وأن تسألني فأعطيك وان تتقرب إلي بما مني أخذت تأويله وعلي تمام تنزيله.
يا موسى انظر إلى الارض فإنها عن قريب قبرك وارفع عينك إلى السماء فإن فوقك فيها ملكا عظيما وابك على نفسك ما دمت في الدنيا وتخوف العطب (4) و
____________
(1) زوى عنك اي بعد عنك: والمغبة: العاقبة.
(2) انضوى اليه: انضم، وفي بعض النسخ (وانطوى). (3) الرحب بالضم: السعة. وبالفتح: الواسع. ولعل المراد ان من لجأ اليك يا موسى من عبادي الخاطئين لتستغفر له وتدخل باستشفاعك في زمرة الساكنين في جوار قبولي فلا ترد مسألته فان رحمتي قد سبقت عضبي، فقل له: اهلا وسهلا ومرحبا فانك رحب الفناء بسبب كونك في فناء قبولي ورحمتي الواسعة، فآمنه من سخطي واسكنه باستغفارك وشفاعتك المقبولة في فناء فضلي ومغفرتي.
(كذا وجدته في هامش بعض النسخ المخطوطة) وقد يقرء في بعض نسخ الحديث (بأرحب الفناء) والظاهر هو الاصح.
(4) العطب بالتحريك: الهلاك. (*)
===============
(49)
المهالك ولا تغرنك زينة الدنيا وزهرتها ولا ترض بالظلم ولا تكن ظالما فإني للظالم رصيد (1) حتى اديل منه المظلوم.
يا موسى إن الحسنة عشرة أضعاف ومن السيئة الواحدة الهلاك، لا تشرك بي، لا يحل لك أن تشرك بي، قارب وسدد (2) وادع دعاء الطامع الراغب فيما عندي، النادم على ما قدمت يداه، فإن سواد الليل يمحوه النهار وكذلك السيئة تمحوها الحسنة وعشوة (3)
الليل تأتي على ضوء النهار وكذلك السيئة تأتي على الحسنة الجليلة فتسودها.
9 - علي بن محمد، عمن ذكره، عن محمد بن الحسين، وحميد بن زياد، عن الحسن ابن محمد الكندي جميعا، عن أحمد بن الحسن الهيثمي، عن رجل من أصحابه قال: قرأت جوابا من أبي عبدالله (ع) إلى رجل من أصحابه، أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله، فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب ويرزقه من حيث لا يحتسب فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ويأمن العقوبة من ذنبه فإن الله عزوجل لا يخدع عن جنته ولاينال ماعنده إلا بطاعته إن شاء الله.
10 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن عيثم بن أشيم (4)
عن معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: خرج النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وهو مستبشر يضحك سرورا فقال له الناس: أضحك الله سنك يا رسول الله وزادك سرورا فقال:
رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا ولي فيهما تحفة من الله، ألا وإن ربي أتحفني في يومي هذا بتحفة لم يتحفني بمثلها فيما مضى، إن جبرئيل أتاني فأقرأني من ربي السلام وقال: يا محمد إن الله عزوجل اختار من بني هاشم سبعة، لم يخلق مثلهم فيمن مضى ولا يخلق مثلهم فيمن بقي، أنت يا رسول الله سيد النبيين وعلي بن أبي طالب وصيك سيد
____________
(1) اي رقيب، منتظر لجزائه وفي تحف العقول (بمرصد) واديل اي اغلب المظلوم عليه. (آت).
(2) (قارب وسدد) قال في النهاية: وفيه سددوا وقاربوا اي اقتصدوا في الامور كلها واتركوا العلو فيها والتقصير، يقال: قارب فلان في الامور إذا اقتصد. وقال في السين والدال:
فيه: قاربوا وسددوا اي اطلبوا باعمالكم السداد والاستقامة وهو القصد في الامر والعدل فيه. (آت).
(3) عشوة الليل: ظلمته.
(4) في بعض النسخ (عثيم) ولعله الاظهر. (*)
===============
(50)
الوصيين والحسن والحسين سبطاك سيد الاسباط وحمزة عمك سيد الشهداء وجعفر ابن عمك الطيار في الجنة يطير مع الملائكة حيث يشاء ومنكم القائم يصلي عيسى بن مريم خلفه إذا أهبطه الله إلى الارض من ذرية علي وفاطمة من ولد الحسين (ع).
11 - سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان الديلمي المصري (1)، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (ع) قال: قلت له قول الله عزوجل: " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " (2) قال: فقال: إن الكتاب لم ينطق ولن ينطق ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الناطق بالكتاب قال الله عزوجل: " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " قال: قلت: جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا، فقال: هكذا والله نزل به جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) ولكن فيما حرف من كتاب الله.
12 - جماعة، عن سهل، عن محمد، عن أبيه [عن أبي محمد]، عن أبي عبدالله (ع) قال:
سألته عن قول الله عزوجل: " والشمس وضحيها " قال: الشمس رسول الله (صلى الله عليه وآله) به أوضح الله عزوجل للناس دينهم، قال: قلت: " القمر إذا تليها "؟ قال: ذاك أميرالمؤمنين (ع)
تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونفثه بالعلم نفثا، قال: قلت: " والليل إذايغشيها "؟ قال: ذاك أئمة الجور الذين استبدوا بالامر دون آل الرسول (صلى الله عليه وآله) وجلسوا مجلسا كان آل الرسول أولى به منهم فغشوا دين الله بالظلم والجور فحكى الله فعلهم فقال: " والليل إذا يغشيها “
: قال: قلت: " والنار إذا جليها "؟ قال: ذلك الامام من ذريتة فاطمة (عه) يسأل عن دين رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيجليه لمن سأله فحكى الله عزوجل قوله فقال: " والنهار إذا جليها ".
13 - سهل، عن محمد، عن أبيه، عن أبي عبدالله (ع) قال: قلت: " هل أتيك حديث الغاشية "؟ قال: يغشاهم القائم بالسيف، قال: قلت: " وجوه يومئذ خاشعة "؟
قال: خاضعة لا تطيق الامتناع، قال: قلت: " عاملة "؟ قال: عملت بغير ما أنزل الله، قال:
قلت: " ناصبة "؟ قال: نصبت غير ولاة الامر، قال: قلت: " تصلى نارا حامية "؟ قال:
تصلى نار الحرب في الدنيا على عهد القائم وفي الآخرة نار جهنم.
14 - سهل، عن محمد، عن، أبيه، عن أبي بصير قال: قلت: لابي عبدالله (ع)
____________
(1) في رجال الشيخ (البصري) وذكر ابن داود (النصري) بالنون. (آت).
(2) الجاثية: 28. (3) الشمس: 1 إلى 4. (*)
===============
(51)
- قوله تبارك وتعالى: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (1) "؟ قال: فقال لى: يا أبا بصير ماتقول في هذه الآية؟ قال:
قلت: إن المشركين يزعمون ويحلفون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إن الله لا يبعث الموتى قال: فقال:
تبا لمن قال هذا، سلهم هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللات والعزى؟ قال:
قلت: جعلت فداك فأوجدنيه قال: فقال لي: يا أبا بصير لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قوما من شيعتنا قباع سيوفهم (2) على عواتقهم فيبلغ ذلك قوما من شيعتنا لم يموتوا فيقولون:
بعث فلان وفلان وفلان من قبورهم وهم مع القائم فيبلغ ذلك قوما من عدونا فيقولون:
يا معشر الشيعة ما أكذبكم هذه دولتكم وأنتم تقولون فيها الكذب لا والله ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يوم القيامة قال: فحكى الله قولهم فقال: " وأقسموا بالله جهد أيمانكم لا يبعث الله من يموت ".
15 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال عن ثعلبة بن ميمون، عن بدر ابن الخليل الاسدي قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول في قول الله عزوجل: " فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون " قال: إذا قام القائم وبعث إلى بني امية بالشام [ف] هربوا إلى الروم
____________
(1) النحل: 41. (2) قبيعة السيف: ما على طرف مقبضه من فضة او حديد.
(3) الانبياء: 12. اي فلما ادركوا شدة عذابنا ادراك المشاهد المحسوس إذا هم منها يركضون اي يهربون مسرعين، راكضين دوابهم ومشبهين بهم من فرط اسراعهم. (لا تركضوا) على ارادة القول اي قيل لهم استهزاء ا: لا تركضوا اما بلسان الحال او المقال والقائل ملك او من مضى من المؤمنين، (وارجعوا إلى ما اترفتم فيه من التنعم والتلذذ او الاتراف إبطار النعمة، (ومساكنكم).
التي كانت لكم. (لعلكم تسالون) غدا عن اعمالكم او تعذبون فان السؤال من مقدمات العذاب ولم يروا وجه النجاة فلذلك لم ينفعهم (فما زالت تلك دعواهم) فما زالوا يرددون ذلك وانما سماه دعوى لان المولول كانه يدعو الويل ويقول: يا ويل تعال فهذا اوانك. وكل من (تلك)
و (دعواهم) يحتمل الاسمية والخبرية (حتى جعلناهم حصيدا) مثل الحصيد وهو النبت المحصود ولذلك لم يجمع. (خامدين) ميتين من خمدت النار وهو مع (حصيدا) بمنزلة المفعول الثاني كقولك:
جعلته حلوا حامضا اذ المعنى جعلناهم جامعين لمماثلة الحصد والخمود او صفة له او حال من ضميره
(آت عن البيضاوي). (*)
===============
(52)
فيقول لهم الروم: لا ندخلنكم حتى تتنصروا فيعلقون في أعناقهم الصلبان فيدخلونهم فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الامان والصلح فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا، قال: فيدفعونهم إليهم فذلك قوله: " لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون " قال: يسألهم الكنوز وهو أعلم بها قال: فيقولون " يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعويهم حتى جلعناهم حصيدا خامدين (1) " بالسيف.
رسالة أبي جعفر (عليه السلام) إلى سعد الخير (2)
16 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، والحسين بن محمد الاشعري، عن أحمد بن محمد بن عبدالله، عن يزيد بن عند الله، عمن حدثه قال: كتب أبوجعفر (ع) إلى سعد الخير:
بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله عزوجل يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله (3) ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله، وبالتقوى نجا نوح ومن معه في السفينة و صالح ومن معه من الصاعقة، وبالتقوى فاز الصابرون ونجت تلك العصب (4) من المهالك ولهم إخوان على تلك الطريقة يلتمسون تلك الفضيلة، نبذوا طغيانهم من الايراد بالشهوات لما بلغهم في الكتاب من المثلات، حمدوا ربهم على ما رزقهم وهو أهل الحمد وذموا أنفسهم على مافرطوا وهم أهل الذم وعلموا أن الله تبارك وتعالى الحليم العليم إنما غضبه على من لم يقبل منه رضاه وإنما يمنع من لم يقبل منه عطاه وإنما
____________
(1) الانبياء: 14 و 15.
(2) في هامش غير واحد من النسخ: (وهو سعد بن عبدالملك الاموي صاحب نهر السعيد بالرحبة)
وكانه من المؤلف رحمه الله كما يظهر من بعض النسخ حيث جعلها في المتن قبل ذكر الرسالة.
(3) عزب اي بعد، وفي بعض النسخ (نفي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله).
(4) العصب: جمع العصبة او هي من الرجال والخيل والطير ما بين العشرة إلى الاربعين. (آت). (*)
===============
(53)
يضل من لم يقبل منه هداه، ثم أمكن أهل السيئات من التوبة بتبديل الحسنات، دعا عباده في الكتاب إلى ذلك بصوت رفيع لم ينقطع ولم يمنع دعاء عباده فلعن الله الذين يكتمون ما أنزل الله وكتب على نفسه الرحمة فسبقت قبل الغضب فتمت صدقا وعدلا، فليس يبتدئ العباد بالغضب قبل أن يغضبوه وذلك من علم اليقين وعلم التقوى وكل امة قد رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه وولاهم عدوهم حين تولوه وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده فهم يروونه ولا يرعونه والجهال يعجبهم حفظهم للرواية والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية وكان من نبذهم الكتاب أن ولوه الذين لا يعلمون (1) فأوردوهم الهوى وأصدروهم إلى الردى وغيروا عرى الدين، ثم ورثوه في السفه والصبا (2) فالامة يصدرون عن أمر الناس بعد أمر الله تبارك وتعالى وعليه يردون، فبئس للظالمين بدلا ولاية الناس بعد ولاية الله (3) وثواب الناس بعد ثواب الله ورضا الناس بعد رضا الله فأصبحت الامة كذلك وفيهم المجتهدون في العبادة على تلك الضلالة، معجبون مفتونون، فعبادتهم فتنة لهم ولمن اقتدى بهم وقد كان في الرسل ذكرى للعابدين إن نبيا من الانبياء كان يستكمل الطاعة (4)، ثم يعصي الله تبارك وتعالى في الباب الواحد فخرج به من الجنة (5) وينبذ به في بطن
____________
(1) اي جعلوا ولي الكتاب والقيم عليه والحاكم به الذين لا يعلمونه وجعلوهم رؤساء على انفسهم يتبعونهم في الفتاوى وغيرها. (آت).
(2) اي جعلوه ميراثا يرثه كل سفيه جاهل او صبي غير عاقل وقوله: (بعد امر الله) اي صدوره او الاطلاع عليه او تركه، والورود والصدور كنايتان عن الاتيان للسؤال والاخذ والرجوع بالقبول. (آت).
(3) (ولاية الناس) هو المخصوص بالذم.
(4) اشار به إلى يونس (عليه السلام). والمراد بعصيانه غضبه على قومه وهربه منهم بغير اذن ربه، روى انه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل ان يامره الله تعالى. واعلم ان العصيان هنا ترك الافضل والاولى وذلك لانه لم يكن هناك امر من الله تعلى حتى عصاه بترك الاتيان به او نهى منه حتى خالفه بارتكابه فاطلاق لفظ العصيان مجاز عن ترك الاولى والافضل وذلك بالنسبة إلى درجات كمالهم بمنزلة العصيان.
(5) اطلاق الجنة على الدنيا لعل بالاضافة إلى بطن الحوت. كما قاله الفيض رحمه الله. (*)
===============
(54)
الحوت، ثم لا ينجيه إلا الاعتراف والتوبة، فاعرف أشباه الاحبار والرهبان الذين
ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، ثم أعرف أشباههم من هذه الامة الذين أقاموا حروف الكتاب وحرفوا حدوده (1) فهم مع السادة والكبرة (2) فإذا تفرقت قادة الاهواء كانوا مع أكثرهم دنيا وذلك مبلغهم من العلم (3)، لا يزالون كذلك في طبع وطمع، لا يزال يسمع صوت إبليس على ألسنتهم بباطل كثير، يصبر منهم العلماء على الاذى والتعنيف ويعيبون على العلماء بالتكليف والعلماء في أنفسهم خانة إن كتموا النصيحة إن رأوا تائها ضالا لا يهدونه أو ميتا لا يحيونه، فبئس ما يصنعون لان الله تبارك وتعالى أخذ عليهم الميثاق في الكتاب أن يأمروا بالمعروف وبما أمروابه وان ينهوا عما نهوا عنه وأن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الاثم والعدوان، فالعلماء من الجهال في جهد وجهاد إن وعظت قالوا:
طغت وإن علموا الحق (5) الذي تركوا قالوا: خالفت وإن اعتزلوهم قالوا: فارقت وإن قالوا: هاتوا برهانكم على ما تحدثون قالوا: نافقت وإن أطاعوهم قالوا: عصيت الله عزوجل فهلك جهال فيما لا يعلمون، اميون فيما يتلون يصدقون بالكتاب عند التعريف (6) ويكذبون به عند التحريف، فلا ينكرون، اولئك أشباه الاحبار والرهبان قادة في الهوى، سادة في الردى وآخرون منهم جلوس بين الضلالة والهدى لا يعرفون إحدى الطائفتين من الاخرى، يقولون ما كان الناس يعرفون هذا ولا يدرون ما هو وصدقوا تركهم رسول الله
____________
(1) انما شبه هؤلاء العباد وعلماء العوام المفتونين بالحطام بالاحبار والرهبان لشرائهم الدنيا بالاخرة بكتمانهم العلم وتحريفهم الكلم عن مواضعها واكلهم اموال الناس بالباطل وصدهم عن سبيل الله كما انهم كانواكذلك على ما وصفهم الله في القرآن في عدة مواضع والمراد بالسادة والكثرة السلاطين والحكام واعوانهم الظلمة. (في).
(2) في بعض النسخ (والكثرة).
(3) اشارة إلى الاية 31 من سورة النجم. والطبع بالتحريك: الرين وبالسكون: الختم.
(4) (منهم) اي من اشباه الاحبار والرهبان (العلماء) يعني العلماء بالله الربانيين.
(بالتكليف) يعني تكليفهم بالحق (في). (5) في بعض النسخ (عملوا الحق).
(6) في بعض النسخ (عند التحريف). (*)
===============
(55)
(صلى الله عليه وآله) على البيضاء (1) ليلها من نهارها، لم يظهر فيهم بدعة ولم يبدل فيهم سنة لا خلاف عندهم ولا اختلاف فلما غشى الناس ظلمة خطاياهم، صاروا إمامين داع إلى الله تبارك وتعالى وداع إلى النار فعند ذلك نطق الشيطان فعلا صوته على لسان أوليائه و كثر خيله ورجله (2) وشارك في المال والولد من أشركه فعمل بالبدعة وترك الكتاب والسنة ونطق أولياء الله بالحجة وأخذوا بالكتاب والحكمة فتفرق من ذلك اليوم أهل الحق وأهل الباطل وتخاذل (3) وتهادن أهل الهدى وتعاون أهل الضلالة حتى كانت الجماعة مع فلان وأشباهه فاعرف هذا الصنف وصنف آخر فأبصرهم رأي العين نجباء (4) وألزمهم حتى ترد اهلك، فإن الخاسرين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين.
إلى ههنا رواية الحسين وفي رواية محمد بن يحيى زيادة:
لهم علم بالطريق فإن كان دونهم بلاء فلا تنظر إليهم فإن كان دونهم (5) عسف من أهل العسف وخسف (6) ودونهم بلاياتنقضي، ثم تصير إلى رخاء ثم اعلم أن إخوان الثقة ذخائر بعضهم لبعض ولولا أتذهب بك الظنون عني (7) لجليت لك عن أشياء من الحق غطيتها ولنشرت لك أشياء من الحق كتمتها ولكني أتقيك وأستبقيك وليس الحليم الذي لا يتقي أحدافي مكان التقوى والحلم لباس العالم فلا تعرين منه والسلام.
____________
(1) يعني الشريعة الواضح مجهولها عن معلومها وعالمها عن جاهلها.
(2) الخيل: جماعة الفرسان والرجل: جماعة المشاة اي اعوانه القوية والضعيفة. (آت).
(3) اي تركوا نصرة الحق. وفي بعض النسخ (تخادن) من الخدن وهو الصديق. وتهادن من المهادنة بمعنى المصالح وفي بعض النسخ (تهاون) اي عن نصرة الحق وهذا انسب بالتخاذل كما ان التهادن انسب بالتخادن. (آت).
(4) بالنون والجيم والباء الموحدة وفي بعض النسخ (تحيا) من الحياة. (في).
(5) في بعض النسخ (اليه فان دونهم) وهو الصواب اي فلا ينظرون إلى البلاء لانه ينقضى ولا يبقى.
(6) العسف: الجور والظلم وهو في الاصل ان ياخذ المسافر على غير طريق ولا جادة ولا علم وقبل: هو ركوب الامر من غير روية. والخسف: النقصان والهوان. وقوله: (ينقضى) جزاء الشرط. (في).
(7) أي يصير ظنك السئ بي سببا لانحرافك عني وعدم اصغائك الي بعد ذلك. (آت). (*)
===============
(56)
رسالة منه (عليه السلام) إليه أيضا
17 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة ابن بزيع قال: كتب أبوجعفر (ع) إلى سعد الخير:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر فيه معرفة ما لا ينبغي تركه وطاعة من رضى الله رضاه، فقلت من ذلك لنفسك ما كانت نفسك مرتهنة لو تركته تعجب (1) إن رضى الله وطاعته ونصيحته لا تقبل ولا توجد ولا تعرف إلا في عباد غرباء، أخلاء من الناس قد اتخذهم الناس سخريا لما يرمونهم به من المنكرات وكان يقال: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون أبغض إلى الناس من جيفة الحمار ولو لا أن يصيبك من البلاء مثل الذي أصابنا فتجعل فتنة الناس كعذاب الله - واعيذك بالله وإيانا من ذلك - لقربت على بعد منزلتك.
واعلم رحمك الله أنه لا تنال محبة الله إلا ببغض كثير من الناس ولا ولايته إلا بمعاداتهم وفوت ذلك قليل يسير لدرك ذلك من الله لقوم يعلمون.
يا أخي إن الله عزوجل جعل في كل من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون معهم على الاذى، يجيبون داعي الله ويدعون إلى الله فأبصرهم رحمك الله فإنهم في منزلة رفيعة وإن أصابتهم في الدنيا وضيعة أنهم يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرن بنور الله من العمى، كم من قتيل لابليس قد أحيوه وكم من تائه ضال
____________
(1) في بعض النسخ (فعجب).
(2) المستفاد من قوله (عليه السلام): تذكر فيه إلى آخره) ان سعدا ذكر في كتابه انه عرف كذا وانه قبل منه لنفسه كذا وانه تعجب من كذا بان يكون إلى قوله: (ومن جيفة الحمار)
من كلام سعد ويحتمل ان يكون فعجب او تعجب على اختلاف النسختين من كلام الامام (عليه السلام). (في)
وقوله: (اخلاء). جمع خلو بالكسر وهو الخالى عن الشئ ويكون بمعنى المنفرد ويقال: اخلاء إذا انفرد اي هم اخلاء عن اخلاق عامة الناس واطوارهم الباطلة او منفردون عن الناس معتزلون عن شرارهم. (آت). (*)
===============
(57)
قد هدوه، يبذلون دماءهم دون هلكة العباد وما أحسن أثرهم على العباد وأقبح آثار العباد عليهم.
18 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير قال: بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا إذ أقبل أمير المؤمنين (ع) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن فيك شبها من عيسى بن مريم (1) ولو لا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولا لا تمر بملا من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة قال: فغضب الاعرابيان و المغيرة بن شعبة وعدة من قريش معهم، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمه مثلا إلا عيسى ابن مريم فأنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: " ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالواء آلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل * ولو نشاء لجعلنا منكم (يعني من بني هاشم) ملائكة في الارض يخلفون (2) " قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهري فقال:
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك إن بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فأنزل الله عليه مقالة الحارث ونزلت هذه الآية " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (3) " ثم قال له:
يا بن عمروإما تبت وإما رحلت؟ فقال: يا محمد بل تجعل لسائر قريش شيئا مما في يديك فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ليس ذلك إلي ذلك إلى الله تبارك وتعالى، فقال: يا محمد قلبي ما يتابعني على التوبة ولكن ارحل عنك فدعا براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة (4) فرضخت هامته ثم أتى الوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: " سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين بولاية علي) (5) ليس له دافع *
____________
(1) اي لزهده وعبادته وافتراق الناس فيه ثلاث فرق. (آت).
(2) الزخرف: 56 إلى 59. (3) الانفال: 33.
(4) الجندل كجعفر: ما يعمله الرجل من الحجارة (فرضخت) اي كسرت وفي بعض النسخ
(فرضت) اي دقت. والهامة: وسط الرأس.
(5) ليست جملة (بولاية علي) في بعض النسخ في المتن بل تكون في الهامش. (*)
===============
(58)
من الله ذي المعارج (1) " قال: قلت: جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا، فقال: هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله) وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمة (عه) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتاه ما استفتح به قال الله عز وجل: " واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد " (2).
19 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن النعمان، عن أبن مسكان، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) في قوله عزوجل: " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس (3) " قال: ذاك والله حين قالت الانصار: " منا أمير ومنكم أمير ". 20 - وعنه وعن محمد بن علي، عن ابن مسكان، عن ميسر، عن أبي جعفر (ع) قال:
قلت: قول الله عزوجل: " ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها (4) " قال: فقال: يا ميسر إن الارض كانت فاسدة فأصلحها الله عزوجل بنبيه (صلى الله عليه وآله) فقال: " ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها ".
خطبة لامير المؤمنين (عليه السلام)
21 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عثمان، عن سليم بن قيس الهلالي قال: خطب أمير المؤمنين (ع) فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم قال:
ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان (5): اتباع الهوى وطول الامل أما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الامل فينسي الآخرة، ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة ولكن واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وإن غدا حساب ولا عمل وإنما بدء وقوع الفتن من أهواء تتبع وأحكام تبتدع، يخالف فيها حكم الله يتولى فيها رجال رجالا، ألا إن الحق لو خلص لم يكن اختلاف ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى (6) لكنه يؤخذ
____________
(1) المعارج: 1 إلى 3. (2) ابراهيم: 15. (3) الروم: 41.
(4) الاعراف 55 و 84. (5) اي خصلتان. (6) الحجى بالكسر: العقل. (*)
===============
(59)
من هذا ضغث ومن هذا ضغث (1) فيمزجان فيجللان (2) معا فهنالك يستولى الشيطان على أوليائه ونجا الذين سبقت لهم من الله الحسنى، إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كيف أنتم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير (3) ويهرم فيها الكبير، يجري الناس عليها ويتخذونها سنة فإذا غير منها شئ قيل: قد غيرت السنة وقد أتى الناس منكرا ثم تشتد البلية وتسبى الذرية وتدقهم الفتنة كما تدق النار الحطب وكما تدق الرحا بثفالها (4) ويتفقهون لغير الله ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بأعمال الآخرة. ثم أقبل بوجهه وحوله ناس من أهل بيته وخاصته وشيعته فقال: قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده مغيرين لسنته ولو حملت الناس على تركها وحولتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي الذين عرفوا فضلي وفرض إمامتي من كتاب الله عزوجل وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم (ع) (5) فرددته إلى الموضع الذي وضعه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورددت فدك إلى ورثة فاطمة (عه) (6) و رددت صاع رسول (صلى الله عليه وآله) كما كان (7)، وأمضيت قطائع أقطعها رسول الله (صلى الله عليه وآله)
____________
(1) الضغث بالكسر: قبضة من حشيش مخالطة الرطب باليابس.
(2) جللت الشئ: إذا غطيته. وفي بعض النسخ (فيجتمعان) وفي بعضها (فيجلبان).
(3) اي يكبر وهو كناية عن امتدادها.
(4) بالمثلثة والفاء في النهاية: في حديث على (عليه السلام): (وتدقهم الفتن دق الرحا بثفالها)
الثفال بالكسر: جلدة تبسط تحت رحا اليد ليقع عليها الدقيق، ويسمى الحجر الاسفل: ثفالا بها والمعنى انها تدقهم دق الرحا للحب إذا كانت مثفلة ولا تثفل الا عند الطحن.
(5) اشارة إلى ما فعله عمر من تغيير المقام عن الموضع الذي وضعه فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى موضع كان فيه في الجاهلية رواه الخاصة والعامة. راجع كتاب النص والاجتهاد للعلامة الجليل سماحة السيد شرف الدين العاملى مد ظله.
(6) قصة فدك مشهورة لا تحتاج إلى البيان.
(7) الصاع في النهاية هو مكيال يسع اربعة امداد والمد عند الشافعي وفقهاء الحجاز رطل و ثلث بالعراقي وعند ابوحنيفة المد رطلان وبه اخذ فقهاء العراق فيكون الصاع خمسة ارطلان وثلثا او ثمانية ارطال وعند الشيعة على ما في كتاب الخلاف في حديث زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) يقال:
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمد ويغتسل بصاع والمد رطل ونصف والصاع ستة ارطال يعني رطل المدينة ا ه. وهو تسعة بالعراقي. (*)
===============
(60)
لاقوام لم تمض لهم ولم تنفذ (1)، ورددت دار جعفر إلى ورثته وهدمتها من المسجد (2) ورددت قضايا من الجور قضي بها (3)، ونزعت نساءا تحت رجال بغير حق فرددتهن إلى أزواجهن (4)
واستقبلت بهن الحكم في الفروج والارحام، وسبيت ذراري بني تغلب (5)، ورددت ما قسم من أرض خيبر، ومحوت دواوين العطايا (6) وأعطيت كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) (7)
____________
(1) القطيعة: طائفة من ارض الخراج (اقطعها) اي عينها وعزلها. (في).
(2) كانهم غصبوها وادخلوها في المسجد. (في).
(3) ذلك كقضاء عمر بالعول والتعصيب في الارث وكقضائه بقطع السارق من معصم الكف ومفصل ساق الرجل خلافا لما امر به النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم من ترك الكف والعقب وانفاذه في الطلاق الثلاث المرسلة ومعنه من بيع امهات الاولاد وان مات الولد وقال: هذا راى رايته فامضاه على الناس إلى غير ذلك من قضاياه وقضايا الاخرين. (في).
(4) كمن طلقت بغير شهود وعلى غير طهر كما ابدعوه ونفذوه وغير ذلك. (في)
(5) لان عمر رفع عنهم الجزية فيهم ليسوا باهل ذمة فيحل سبى ذراريهم كما روى عن الرضا (عليه السلام) انه قال: ان بنى تغلب من نصارى العرب انفوا واستنكفوا من قبول الجزية وسألوا عمر ان يعفيهم عن الجزية ويؤدوا الزكاة مضاعفا فخشى ان يلحقوا بالروم فصالحهم على ان صرف ذلك عن رؤوسهم وضاعف عليهم الصدقة فرضوا بذلك وقال محيي السنة (البغوى) روى ان عمر بن الخطاب رام نصارى العرب على الجزية فقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة فقال عمر: هذا فرض الله على المسلمين قالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية فراضاهم على ان ضعف عليهم الصدقة. (آت).
(6) أشار بذلك إلى ما ابتدعه عمر في عهده من وضعه الخراج على أرباب الزراعات و الصناعات والتجارات لاهل العلم واصحاب الولايات والرئاسات والجند وجعل ذلك عليهم بمنزلة الزكاة المفروضة ودون دواوين واثبت فيها اسماء هؤلاء واسماء هؤلاء واثبت لكل رجل من الاصناف الاربعة ما يعطى من الخراج الذي وضعه على الاصناف الثلاثة وفضل في الاعطاء بعضهم على بعض ووضع الدواوين على يد شخص سماه صاحب الديوان واثبت له أجرة من ذلك الخراج وعلى هذه البدعة جرت سلاطين الجور وحكامهم إلى الان ولم يكن شئ من ذلك على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا على عهد ابي بكر وانما الخراج للامام فيما يختص به من الاراضي خاصة يصنع به ما يشاء. (في).
(7) اي لا اجعله لقوم دون قوم حتى يتداولوه بينهم ويحرموا الفقراء. (*)
===============
(61)
يعطي بالسوية ولم أجعلها دولة بين الاغنياء وألقيت المساحة (1)، وسويت بين المناكح (2) وأنفذت خمس الرسول كما أنزل الله عزوجل وفرضه (3) ورددت مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ماكان عليه (4)، وسددت مافتح فيه من الابواب، وفتحت ماسد منه، وحرمت المسح على الخفين، وحددت على النبيذ (5) وأمرت باحلال المتعتين (6) وأمرت بالتكبير على الجنائز خمس تكبيرات (7) وألزمت الناس الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (8)
____________
(1) اشارة إلى ما عده الخاصة والعامة من بدع عمر انه قال: ينبغي مكان هذا العشر ونصف العشر دراهم ناخذها من ارباب الاملاك فبعث إلى البلدان من مسح على اهلها فالزمهم الخراج فاخذ من العراق يوما يليها ما كان اخذه منهم ملوك الفرس على كل جريب درهما واحدا وقفيزا من اصناف الحبوب واخذ من مصر ونواحيها دينارا وإردبا عن مساحة جريب كما كان ياخذ منهم ملوك الاسكندرية وقد روى محيى السنة وغيره عن علمائهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال:
(منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشام مدها ودينارها ومنعت مصر إردبها ودينارها) والاردب لاهل مصر اربعة وستون منا وفسره اكثرهم بانه قد محى ذلك شريعة الاسلام وكان اول بلد مسحه عمر بلد الكوفة وتفصيل الكلام في ذكر هذه البدع موكول إلى الكتب المبسوطة التي دونها اصحابنا لذلك كالشافي للسيد المرتضى. (آت).
(2) بان يزوج الشريف والوضيع كما فعله رسول الله صلى عليه وآله وزوج بنت عمه مقدادا
(آت). او اشارة إلى ما ابتدعه عمر من منعه غير قريش ان يتزوج في قريش ومنعه العجم من التزويج في العرب. (في).
(3) اشارة إلى منع عمر اهل البيت خمسهم كما ياتي بيانه في آخر هذه الخطبة. (في).
(4) يعني اخرجت منع ما زادوه فيه. (وسددت ما فتح فيه من الابواب) اشارة إلى ما نزل به جبرئيل (عليه السلام) من الله سبحانه من امره النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم بسد الابواب من مسجده الاباب على وكانهم قد عكسوا الامر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم (في).
(5) اشارة إلى ما ابتدعه عمر من اجازته لمسح على الخفين في الوضوء ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم وقد روت عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: (اشد الناس حسرة يوم القيامة من راى وضوءه على جلد غيره. (وحددت على النبيذ) وذلك انهم استحلوه. (في).
(6) يعني متعة النساء ومتعة الحج، قال عمر: (متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم وانا احرمهما واعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج). (في).
(7) وذلك ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يكبر على الجنائز خمسا، لكن الخليفة الثاني راقه ان يكون التكبير في الصلاة عليها اربعا فجمع الناس على الاربع، نص على ذلك جماعة من اعلام الامة كالسيوطي (نقلا عن العسكري) حيث ذكر اوليات عمر من كتابه (تاريخ الخلفاء) وابن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر سنة 3 2 من كتابه (روضة المناظر) المطبوع في هامش تاريخ ابن الاثير وغيرهما من اثبات المتتبعين. (نقل عن كتاب النص والاجتهاد ص 152).
(8) وذلك انهم يتخافتون بها او يسقطونها في الصلاة. (في). (*)
===============
(62)
وأخرجت من أدخل مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخرجه، وأدخلت من اخرج بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أدخله (1) وحملت الناس على حكم القرآن وعلى الطلاق على السنة (2)، وأخذت الصدقات على أصنافها وحدودها (3)، ورددت الوضوء والغسل والصلاة إلى مواقيتها وشائعها ومواضعها (4)، ورددت أهل نجران إلى مواضعهم (5)، ورددت سبايا فارس وسائر الامم إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) إذا لتفرقوا عني والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في
____________
(1) لعل المراد اخراجهما حيث دفنا والمراد باخراج الرسول اياهما سد بابهما عن المسجد.
(وادخلت من اخرج) لعل المراد به نفسه (عليه السلام) وباخراجه سد بابه وبادخاله فتحه. (في).
(2) وذلك انهم خالفوا القرآن في كثير من الاحكام منها وجوب الاشهاد على الطلاق وعدم وجوبه على النكاح فانهم عكسوا الامر في ذلك وابطلوا عدة من احكام الطلاق وابدعوا فيه بارائهم. (في).
(3) اي اخذتها من اجناسها التسعة وهي الدنانير والدراهم والحنطة والشعير والتمر والزبيب والابل والغنم والبقر فانهم اوجبوها في غير ذلك وتفصيل الكلام توجد في كتب القوم. وقوله (عليه السلام): (وحدودها) اي نصابها.
(4) ذلك انهم خالفوا في كثير منها كابداعهم في الوضوء مسح الاذنين وغسل الرجلين والمسح على العمامة والخفين وانتقاضه بملامسة النساء ومس الذكر واكل مامسته النار وغير ذلك مما لا ينقضه وكابداعهم الوضوء مع غسل الجنابة واسقاط الغسل في التقاء الختانين من غير انزال واسقاطهم من الاذان (حي على خير العمل) وزيادتهم فيه (الصلاة خير من النوم) وتقديمهم التسليم على التشهد الاول في الصلاة مع ان الفرض من وضعه التحليل منها وابداعهم وضع اليمين على الشمال فيها وحملهم الناس على الجماعة في النافلة وعلى صلاة الضحى وغير ذلك. (في) اقول: راجع في اثبات كل ذلك كتاب الشافي للسيد المرتضى رحمه الله وكتاب النص والاجتهاد للعلامة العاملي.
(5) نجران بالفتح ثم السكون وآخره نون وهو في عدة مواضع: منها نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة وبها كان خبر الاخدود واليها تنسب كعبة نجران وكانت ربيعة بها اساقفة مقيمون منهم السيد والعاقب اللذين جاء ا إلى النبي (عليه السلام) في اصحابهما ودعاهم إلى المباهلة وبقوا بها حتى اجلاهم عمر ونجران ايضا موضع على يومين من الكوفة إلى آخر ما قاله الحموي في مراصد الاطلاع ج 3 ص 1359 وفي كيفية اجلاء عمر اياهم وسببه راجع فتوح البلدان للبلاذري ص 70 إلى ص 75. (*)
===============
(63)
فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الاسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري (1) ما لقيت من هذه الامة من الفرقة وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار. وأعطيت من ذلك سهم ذي القربى الذي قال الله عزوجل: " إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان (3) " فنحن والله عنى بذي القربى الذي قرننا الله بنفسه وبرسوله (صلى الله عليه وآله) (4) فقال تعالى: " فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (فينا خاصة) كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتيكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله (في ظلم آل محمد) إن الله شديد العقاب (5) " لمن ظلمهم رحمة منه لنا وغنى أغنانا الله به ووصى به نبيه (صلى الله عليه وآله) ولم يجعل لنا في سهم الصدقة نصيبا أكرم الله رسوله (صلى الله عليه وآله) وأكرمنا أهل البيت أن يطعمنا من أوساخ الناس، فكذبوا الله وكذبوا رسوله وجحدوا كتاب الله الناطق بحقنا ومنعونا فرضا فرضه الله لنا، ما لقى أهل بيت نبي من أمته ما لقينا بعد نبينا (صلى الله عليه وآله) والله المستعان على من ظلمنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
22 - أحمد بن محمد الكوفي، عن جعفر بن عبدالله المحمدي، عن أبي روح فرج بن قرة، عن جعفر بن عبدالله، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (ع) قال: خطب أمير المؤمنين (ع)
بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى
____________
(1) يثوروا اي يهيجوا: وقوله: (ما لقيت من هذه الامة) كلام مستأنف للتعجب.
(2) رجوع إلى الكلام السابق ولعل التأخير من الرواة. (آت).
(3) الانفال: 41. وصدر الاية: (فاعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم.. الخ).
(4) لان سهمهم دائم قادم لهم إلى يوم القبامة كما كان لله ولرسوله واما اليتيم إذا انقطع يتمه ليس له سهم وكذلك أخويه.
(5) الحشر: 7. وصدر الاية (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول.. إلخ). (*)
===============
(64)
لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل ورخاء ولم يجبر كسر عظم من الامم إلا بعد أزل وبلاء (1)، أيها الناس في دون ما استقبلتم من عطب واستدبرتم من خطب معتبر (2)
وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر عين ببصير، عباد الله!
أحسنوا فيما يعنيكم النظر فيه (3)، ثم انظرواإلى عرصات من قد أقاده الله بعلمه (4)، كانوا على سنة من آل فرعون أهل جنات وعيون وزرع ومقام كريم، ثم انظروا بما ختم الله لهم بعد النضرة والسرور والامر والنهي ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان والله مخلدون ولله عاقبة الامور.
فيا عجبا وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصون (5) أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي ولا يؤمنون بغيب ولا يعفون عن عيب، المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا وكل امرئ منهم إمام نفسه، آخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات فلا يزالون بجور ولن يزدادوا إلا خطأ، لاينالون تقربا ولن يزدادوا إلا بعدا من الله عزوجل، انس بعضهم ببعض وتصديق بعضهم لبعض كل ذلك وحشة مما ورث النبي الامى (صلى الله عليه وآله) ونفورا مما أدى إليهم من أخبار فاطر السماوات والارض أهل حسرات وكهوف شبهات (6) وأهل عشوات وضلالة وريبة، من وكله الله إلى نفسه ورايه فهو مأمون عند من يجهله، غير المتهم عند من لا يعرفه، فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها وواأسفا من فعلات شيعتي من بعد قرب مودتها اليوم كيف يستذل بعدي بعضها بعضا وكيف يقتل بعضها بعضا، المتشتة غدا عن الاصل النازلة بالفرع، المؤملة الفتح من غير جهته، كل حزب منهم آخذ [منه] بغصن، أينما مال الغصن مال معه، مع أن الله - وله الحمد سيجمع هؤلاء لشر يوم لبني امية كما يجمع
____________
(1) الازل: الشدة والضيق.
(2) الخطب: الشان والامر. وفي بعض النسخ (ما استقبلتم من خطب واستدبرتم من خطب).
(3) اي فيما يهمكم. وفي بعض النسخ باعجام الغين وهو تصحيف. (في). (4) من القود فانهم قد اصابوا دماءا بغير حق. (في).
(5) في بعض النسخ (لا يقتفون) وهو بمعناه.
(6) في بعض النسخ (اهل خسران وكفر وشبهات). والعشوة بالتثليث: ركوب الامر على غير بيان. (*)
===============
(65)
قزع الخريف (1) يؤلف الله بينهم، ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب (2)، ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم (3) كسيل الجنتين سيل العرم حيث بعث عليه فارة فلم يثبت عليه أكمة ولم يرد سننه رض طود يذعذعهم الله في بطون أودية ثم يسلكهم ينابيع في الارض يأخذ بهم من قوم حقوق قوم ويمكن بهم قوما قي ديار قوم تشريدا لبني امية (4)
ولكيلا يغتصبوا ما غصبوا، يضعضع الله بهم ركنا وينقض بهم طي الجنادل من إرم ويملا منهم بطنان الزيتون (5) فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليكونن ذلك وكأني
____________
(1) القزع بالقاف والزاي ثم العين المهملة: قطع السحاب المتفرقة وانما خص الخريف لانه اول الشتاء والسحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم ولا مطبق ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك
(كذا في النهاية).
(2) الركام: المتراكب بعضه فوق بعض ونسبة هذا التاليف اليه تعالى مع انه لم يكن برضاه على سبيل المجاز تشبيها لعدم منعهم عن ذلك وتمكينهم من اسبابه وتركهم واختيارهم بتاليفهم وحثهم عليه ومثل هذا كثير في الايات والاخبار. (آت)
(3) اي محل انبعاثهم وتهييجهم وكانه اشار (عليه السلام) بذلك إلى فتن ابي مسلم المروزى و استئصالهم لبني امية وانما شبههم بسيل العرم لتخريبهم البلاد واهلها الذين كانوا في خفض و دعة واريد بالجنتين جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدتهم وجماعة عن شمالها، روى انها كانت اخصب البلاد واطيبها، لم تكن فيها عاهة ولا هامة. وفسر العرم تارة بالصعب واخرى بالمطر الشديد واخرى بالجرذ واخرى بالوادي واخرى بالاحباس التي تبنى في الاودية. ومنه قيل: انه اصطرخ اهل سبأ، قيل: انما اضيف السيل إلى الجرذ لانه نقب عليهم سدا ضربته لهم بلقيس فحقنت به الماء وتركت فيه ثقبا على مقدار ما يحتاجون اليه او المسناة التي عقدت سدا على انه جمع عرمة وهي الحجارة المركومة وكان ذلك بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله). (في).
(4) الاكمة: التل. والرض: الدق الجريش. والطود: الجبل. وفي بعض النسخ (رص طود)
بالصاد المهملة فيكون بمعنى الالزاق والضم والشد ولعله الصواب والمجرور في (سننه) يرجع إلى السيل او إلى الله تعالى. والذعذعة بالذالين المعجمتين والعينين المهملتين:
التفريق. والتشريد: التنفير. (في). وفي بعض النسخ (يدغدغهم).
(5) التضعضع: الهدم. والجنادل جمع جندل وهخو الصخر العظيم اي ينقض الله ويكسر بهم البنيان التي طويت وبنيت بالجنادل والاحجار من بلاد إرم وهي دمشق والشام إذ كان مستقر ملكهم في أكثر الازمان تلك البلاد لا سيما زمانه (صلى الله عليه وآله) (قاله المجلسي رحمه الله) والمراد بالزيتون مسجد دمشق أو جبال الشام أو بلد بالصين كما في القاموس. (*)
===============
(66)
أسمع صهيل خيلهم وطمطمة رجالهم (1) وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو و التمكين في البلاد كما تذوب الالية على النار (2) من مات منهم مات ضالا وإلى الله عزوجل يفضي منهم من درج (3) ويتوب الله عزوجل على من تاب ولعل الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء وليس لاحد على الله عز ذكره الخيرة بل لله الخيرة والامر جميعا.
أيها الناس إن المنتحلين للامامة من غير أهلها كثير ولو لم تتخاذلوا عن مر الحق ولم تهنوا عن توهين الباطل لم يتشجع (4) عليكم من ليس مثلكم ولم يقو من قوي عليكم وعلى هضم الطاعة وإزوائها عن أهلها (5) لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى [بن عمران] (ع) ولعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو اسرائيل ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني امية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة وأحييتم الباطل وخلفتم الحق وراء ظهوركم وقطعتم الادنى من أهل بدر ووصلتم الابعد من أبناء الحرب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم لدنا التمحيص للجزاء وقرب الوعد وانقضت المدة وبدا لكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق ولاح لكم القمر المنير، فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول (صلى الله عليه وآله) فتداويتم من العمى والصم والبكم وكفيتم مؤونة الطلب والتعسف ونبذتم الثقل الفادح (6) عن الاعناق ولا يبعد الله إلا من أبى وظلم واعتسف وأخذ ماليس له " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ".
____________
(1) الصهيل كامير: صوت الفرس. والطمطمة في الكلام ان يكون فيه عجمة. (في).
(2) الالية: الشحمة.
(3) اي يرجع من مات و (في) وفي بعض النسخ (يقضى).
(4) في بعض النسخ (يتجشع).
(5) الازواء: الصرف.
(6) اي طريق الديون المثقلة ومظالم العباد أو طاعة أهل الجور وظلمهم عليكم عن أعناقكم وقوله: (ولا يبعد الله) اي في ذلك الزمان أو مطلقا. (آت) والفادح: الصعب المثقل. (*)
===============
(67)
خطبة لامير المؤمنين (عليه السلام)
23 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب، ويعقوب السراج، عن أبي عبدالله (ع) أن أمير المؤمنين (ع) لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال: الحمد لله الذي علا فاستعلى ودنا فتعالى وارتفع فوق كل منظر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين وحجة الله على العالمين مصدقا للرسل الاولين وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما فصلى الله وملائكته عليه وعلى آله.
أما بعد أيها الناس فإن البغي يقود أصحابه إلى النار وإن أول من بغى على الله جل ذكره عناق بنت آدم وأول قتيل قتله الله عناق وكان مجلسها جريبا [من الارض]
في جريب وكان لها عشرون إصبعا في كل إصبع ظفران مثل المنجلين (1) فسلط الله عزوجل عليها أسدا كالفيل وذئبا كالبعير ونسرا مثل البغل فقتلوها وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا وأمات هامان وأهلك فرعون وقد قتل عثمان، ألا وإن بليتكم قد عات كهيئتها يوم بعث الله نبيه (صلى الله عليه وآله) والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة ولتساطن سوطة القدر (2) حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم وليسبقن سابقون كانوا قصروا وليقصرن سابقون كانوا سبقوا والله ما كتمت وشمة (3) ولا كذبت كذبه ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها واعطوا
____________
المنجل كمنبر: ما يحصد به.
(2) لتبلبلن اي لتخلطن، تبلبلت الالسن اي اختلطت والبلبلة أيضا الهم والحزن ووسوسة الصدر. ولتغربلن من الغربال الذي يغربل به الدقيق والغربلة ايضا: القتل. والسوط: التخليط والمسوط والمسواط: خشبة يحرك بها ما في القدر ليختلط.
(3) الوشمة: المرة، يقال: ما عصيت فلانا وشمة اي طرفة عين وفي بعض النسخ بالمهملة وهي العلامة.
(4) خيل الشمس بالضم جمع شموس وهي الدابة التي تمنع ظهرها ولا تطيع راكبها و هو مقابل الذلول (*).
===============
(68)
أزمتها فأوردتهم الجنة وفتحت لهم أبوابها وجدوا ريحها وطيبها وقيل لهم: " ادخلوها بسلام آمنين "، ألا وقد سبقني إلى هذا الامر من لم أشركه فيه ومن لم أهبه له ومن ليست له منه نوبة (1) إلا بنبي يبعث، ألا ولا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله)، أشرف منه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم. حق وباطل ولكل أهل، فلئن أمر الباطل لقديما فعل (2) ولئن قل الحق فلربما ولعل ولقلما أدبر شئ فأقبل ولئن رد عليكم أمركم أنكم سعداء وما علي إلا الجهد وإني لاخشى أن تكونوا على فترة ملتم عني ميلة كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي ولو أشاء لقلت: عفا الله عما سلف، سبق فيه الرجلان وقام الثالث كالغراب همه بطنه، ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنة والنار أمامه، ثلاثة وإثنان خمسة ليس لهم سادس: ملك يطير بجناحيه ونبي أخذ الله بضبعيه (3) وساع مجتهد وطالب برجوا ومقصر في النار، اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة عليها يأتي (7) الكتاب وآثار النبوة، هلك من ادعى وخاب من افترى إن الله أدب هذه الامة بالسيف والسوط وليس لاحد عند الامام فيهما هوادة (4)
فاستتروا في بيوتكم وأصلحوا ذات بينكم والتوبة من ورائكم، من أبدى صفحته للحق هلك (5).
* (حديث علي بن الحسين (عليهما السلام)) *
24 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هلال ابن عطية (6) عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (ع) قال: كان يقول: إن أحبكم إلى الله عزوجل أحسنكم عملا وإن أعظمكم عند الله عملا أعظمكم فيما عند الله رغبة
____________
(1) في بعض النسخ (توبة). (2) امر كفرح امرا وامرة: كثر.
(3) اي عضديه. يعني ان عباد الله المكلفين على خمسة اقسام: ملك يطير... الخ.
(4) الهوادة: السكون والرخصة والمحاباة.
(5) صفحة كل شئ وجهه، يعني من كاشف الحق مخاصما له هلك هلاكا اخرويا وهي كلمة جارية مجرى المثل. (في).
(6) في الفقيه (مالك بن عطية) وهو الظاهر. (آت). (*)
===============
(69)
وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله وإن أقربكم من الله أوسعكم خلقا وإن أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله وإن أكرمكم على الله أتقاكم لله.
25 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن موسى بن عمر الصيقل، عن أبي شعيب المحاملي، عن عبدالله بن سليمان، عن أبي عبدالله (ع) [قال:] قال أمير المؤمنين
(ع): ليأتين على الناس زمان يظرف فيه الفاجر ويقرب فيه الماجن (1) ويضعف فيه المنصف، قال: فقيل له: متى ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إذا اتخذت الامانة مغنما.
والزكاة مغرما. والعبادة استطالة. والصلة منا، قال: فقيل: متى ذلك يا أمير المؤمنين؟
فقال: إذا تسلطن النساء وسلطن الاماء وأمر الصبيان.
26 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن جعفر العقبى رفعه قال: خطب أمير المؤمنين (ع) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة وإن الناس كلهم أحرار ولكن الله خول بعضكم بعضا فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله عزوجل ألا وقد حضر شئ ونحن مسوون فيه بين الاسود والاحمر، فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما، قال:
فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير وأعطى رجلا من الانصار ثلاثة دنانير وجاء بعد غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير فقال الانصاري: يا أمير المؤمنين هذا غلام أعتقته بالامس تجعلني وإياه سواء ا؟ فقال: إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا.
* (حديث النبي (صلى الله عليه وآله) حين عرضت عليه الخيل) *
27 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن سالم، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن أحمد بن النضر، ومحمد بن يحيى، عن محمد بن أبي القاسم، عن الحسين بن أبي قتاده جميعا، عن عمرو بن
____________
(1) (يظرف) في بعض النسخ بالمهملة وكذا في بعض نسخ النهج والطريف ضد التالد وهو الامر المستطرف الذي يعده الناس حسنا لانهم يرغبون إلى الامور المحدثة والظريف من الظرافة بمعنى الفطنة والكياسة. والمجون ان لا يبالي الانسان ما صنع وقد مجن يمجن فهو ماجن. (مأخوذ من آت). (*)
===============
(70)
شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (ع) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعرض الخيل فمر بقبر أبي احيحة (1) فقال أبوبكر: لعن الله صاحب هذا القبر فوالله إن كان ليصد عن سبيل الله ويكذب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: خالد إبنه بل لعن الله أباقحافة فوالله ما كان يقري الضيف (2) ولا يقاتل العدو، فلعن الله أهونهما على العشيرة فقدا فألفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطام راحلته (3) على غاربها ثم قال: إذا أنتم تناولتم المشركين فعموا ولا تخصوا فيغضب ولده ثم وقف فعرضت عليه الخيل فمر به فرس فقال عيينة بن حصن: إن من أمر هذا الفرس كيت وكيت فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ذرنا فأنا أعلم بالخيل منك فقال: عيينة وأنا أعلم بالرجال منك، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى ظهر الدم في وجهه فقال له: فأي الرجال أفضل؟ فقال: عيينة بن حصن: رجال يكونون بنجد يضعون سيوفهم على عواتقهم ورماحهم على كواثب خيلهم (4) ثم يضربون بها قدما قدما فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كذبت بل رجال أهل اليمن أفضل، الايمان يماني والحكمة يمانية (5) ولولا الهجرة لكنت امرءا من أهل اليمن، الجفا والقسوة في الفدادين (6) أصحاب الوبر، ربيعة ومضر من حيث يطلع قرن الشمس (7) ومذحج أكثر قبيل يدخلون الجنة وحضرموت خير من عامر بن صعصعة - و
____________
(1) بضم الهمزة والمهملتين بينهما مثناة تحتانية مصغر يسمى بها ويكنى (في).
(2) اقراء الضيف: إكرامه.
(3) بالخاء المعجمة المكسورة زمام البعير. والغارب ما بين السنام والعنق.
(4) في النهاية: الكواثب جمع كاثبة وهي من الفرس مجتمع كتفيه فدام السرج.
(5) في النهاية: الايمان يمان، الحكمة يمانية، انما قال (عليه السلام) ذلك لان الايمان بدا من مكة وهي من تهامة من ارض اليمن ولهذا يقال: الكعبة الثمانية.
(6) في النهاية. ان الجفاء والقسوة في الفدادين، الفدادون بالتشديد: الذين تعلوا اصواتهم في حروثهم ومواشيهم واحدهم فداد، يقال: فد الرجل يفد فد يدا إذا اشتد صوته وقيل: هم المكثرون من الابل وقيل: هم الجمالون والبقارون والحمارون والرعيان وقيل: انما هم الفدادين مخففا واحدها فدان مشددا وهي البقر التي يحرث بها واهلها اهل جفاء وقسوة. (انتهى)
واصحاب الوبر هم الذين يتخذون بيوتهم منه.
(7) قال الجوهري: قرن الشمس: اعلاها واول ما يبدو منها في الطلوع لعل المراد اهل البوادي من هاتين القبيلتين الكائنتين في مطلع الشمس اي في شرقي المدينة. (آت). وربيعة ومضر ابوقبيلتين وكانا اخوين. ومذحج بالمعجمة ثم المهملة ثم الجيم على وزن مسجد ابوقبيلة باليمن. و حضر موت اسم قبيلة اسمان جعلا واحدا وقد جاء اسم بلد ايضا. (في). (*)
===============
(71)
روى بعضهم خير من الحارث بن معاوية - وبجيلة خير من رعل وذكوان وإن يهلك لحيان (1)
فلا أبالي ثم قال: لعن الله الملوك الاربعة جمدا ومخوسا ومشرحا وأبضعة واختهم العمردة لعن الله المحلل والمحلل له (2) ومن يوالي غير مواليه ومن ادعي نسبا لا يعرف والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ومن أحدث حدثا في الاسلام أو آوى محدثا ومن قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه ومن لعن أبويه فقال رجل: يا رسول الله أيوجد رجل يلعن أبويه؟ فقال: نعم، يلعن آباء الرجال وامهاتهم فيلعنون أبويه لعن
____________
(1) في القاموس بجيلة كسفينة: حي باليمن من معد. ورعل وذكوان قبيلتان من سليم ا ه.
ولحيان ابوقبيلة وهو لحيان بن هذيل بن مدركة. (الصحاح)، وفي الوافي (ان يهلك الحيان) وقال الفيض رحمه الله في بيانه: الحيان تثنية الحي يعني القبيلتين المذكورتين وحيان ابوقبيلة ايضا.
(2) في القاموس: مخوس كمنبر ومشرح وجمد وابضعة: بنو معد يكرب الملوك الاربعة الذين لعنهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولعن اختهم العمردة وفدوا مع الاشعث فاسلموا ثم ارتدوا فقتلوا يوم النجير. في النهاية: لعن الله المحلل والمحلل له وفي رواية المحل والمحل له وفي حديث بعض الصحابة لا اوتي بحال ولا محلل الا رحمتها، جعل الزمخشري هذا الاخير حديثا لا اثرا وفي هذه اللفظة ثلاث لغات: حللت بتششديد اللام واحللت وحللت مخففا فعلى الاولى جاء الحديث الاول يقال: حلل فهو محلل ومحلل له وعلى الثانية جاء الثاني تقول: احل فهو محل له وعلى الثالثة جاء الثالث تقول: حللت فانا حال وهو محلول له، وقيل: اراد بقوله: (لا اوتي بحال) اي بذي احلال مثل قولهم: ريح لاقح اي ذات القاح والمعنى في الجميع هو ان يطلق الرجل امراته ثلاثا فيتزوجها رجل اخر على شريطة ان يطلقها بعد وطئها لتحل لزوجها الاول، وقيل: سمى محللا بقصده إلى التحليل كما يسمى مشتريا إذا قصد الشراء انتهى. وقال المجلسي ره: يمكن ان يكون المراد: النسئ في الاشهر الحرم قال الزمخشرى كان جنادة بن عوف الكناني مطاعا في الجاهلية وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول باعلى صوته: ان آلهتكم قد احلت لكم المحرم فاحلوه ثم يقوم في القابل فيقول: ان آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه. وقال علي بن ابراهيم:
كان رجل من بني كنانة يقف في الموسم فيقول: قد احللت دماء المحللين طي وخثعم في شهر المحرم وانسأته وحرمت بدله صفر فاذا كان العام المقبل يقول: قد احللت صفر وانسأته وحرمت بدله شهر المحرم انتهى. ولعل هذا أوفق بروايات اصحابنا واصولهم. ويحتمل ان يكون المراد مطلق تحليل ما حرم الله انتهى. (*)
===============
(72)
الله رعلا وذكوان وعضلا ولحيان والمجذمين من أسد وغطفان (1) وأبا سفيان بن حرب وشهبلا ذا الاسنان وابني مليكة بن جزيم (2) ومروان وهوذة وهونة.
28 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله (ع) قال: إن مولى لامير المؤمنين (ع) ساله مالا فقال: يخرج عطائى فاقاسمك هو، فقال: لا أكتفي وخرج إلى معاوية فوصله فكتب إلى أمير المؤمنين (ع) يخبره بما أصاب من المال فكتب إليه أمير المؤمنين (ع): أما بعد فإن ما في يدك من المال قد كان له أهل قبلك وهو صائر إلى أهله بعدك وإنما لك منه ما مهدت لنفسك فآثر نفسك على صلاح ولدك فإنما أنت جامع لاحد رجلين: إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت وإما رجل عمل فيه بمعصية الله فشقى بما جمعت له وليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك ولا تبرد له على ظهرك، فارج لمن مضى رحمة الله وثق لم بقي برزق الله.
كلام علي بن الحسين (عليما السلام)
29 - حدثني محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن عبدالله بن غالب الاسدي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: كان علي بن الحسين (ع) يعظ الناس ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في أعمال الآخرة بهذا الكلام في كل جمعة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحفظ عنه وكتب كان يقول:
أيها الناس اتقوا الله واعلموا أنكم إليه ترجعون فتجد كل نفس ماعملت في هذه الدنيا من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه، ويحك يا ابن آدم الغافل وليس بمغفول عنه.
____________
(1) (عضلا) بالتحريك: ابوقبيلة. (والمجذمين) لعل المراد المنسوبين إلى الجذيمة ولعل اسدا وغطفان كلاهما منسوبتان اليها. قال الجوهرى: جذيمة: قبيلة من عبدالقيس ينسب اليهم جذمى بالتحريك وكذلك إلى جذيمة اسد. وقال الفيروزآبادى: غطفان محركة: حي من قيس. وشهيلا بالشين المعجمة والباءة الموحدة في بعض النسخ بالسين المهملة والياء المثناة ولعله اسم رجل وكذا ما ذكر بهده إلى آخر الخبر. (آت).
(2) في بعض النسخ (جريم... الخ) وفي بعضها (وهودة).
(3) اي لا تثبت له وزرا على ظهرك. (آت) وفي النهج (تحمل) وفي بعض نسخه (تحتمل). (*)
===============
(73)
يا ابن آدم إن أجلك أسرع شئ إليك، قد أقبل نحوك حثيثا يطلبك (1) ويوشك أن يدركك وكأن قد أوفيت أجلك وقبض الملك روحك وصرت إلى قبرك وحيدا فرد إليك فيه روحك واقتحم عليك فيه ملكان ناكر ونكير لمسائلتك وشديد امتحانك، ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده وعن نبيك الذي أرسل إليك وعن دينك الذي كنت تدين به وعن كتابك الذي كنت تتلوه وعن إمامك الذي كنت تتولاه، ثم عن عمرك فيما كنت أفنيته، ومالك من أين اكتسبته وفيما أنت أنفقته، فخذ حذرك وانظر لنفسك وأعد الجواب قبل الامتحان والمسائلة والاختبار فإن تك مؤمنا عارفا بدينك، متبعا للصادقين، مواليا لاولياء الله لقاك الله حجتك وأنطق لسانك (2) بالصواب وأحسنت الجواب وبشرت بالرضوان والجنة من الله عزوجل واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك ودحضت حجتك وعييت عن الجواب (3) وبشرت بالنار واستقبلتك ملائكة العذاب بنزل من حميم وتصلية جحيم.
واعلم يا ابن آدم إن من وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة، ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، يجمع الله عزوجل فيه الاولين والآخرين ذلك يوم ينفخ في الصور وتبعثر فيه القبور (4) وذلك يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين وذلك يوم لا تقال فيه عثرة (5) ولا يؤخذ من أحد فدية ولا تقبل من أحد معذرة ولا لاحد فيه مستقبل توبة، ليس إلا الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيئات، فمن كان من
____________
(1) أي مسرعا، حريصا.
(2) في بعض النسخ (انطلق لسانك).
(3) التلجلج: التردد في الكلام. ودحضت حجته دحوضا اي بطلت. وعييت عن الجواب اي عجزت عنه.
(4) بعثرت الشئ إذا استخرجته وكشفته وبعثرت حوضي اي هدمته وجعلت اسفله اعلاه وسمبت القيامة بالازفة لازوفتها اي لقربها إذا القلوب لدى الحناجر فانها ترتفع عن اماكنها فتلتصق بحلوقهم فلا تعود، فيتروحوا فلا تخرج فيستريحوا. (آت).
(5) من الاقالة وهي نقض البيع. والعثرة: الزلة. (*)
===============
(74)
المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده ومن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده.
فاحذروا أيها الناس من الذنوب والمعاصي ما قد نهاكم الله عنها وحذركموها في كتابه الصادق والبيان الناطق ولا تأمنوا مكر الله وتحذيره وتهديده عندما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا فإن الله عزوجل يقول: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (1) “
وأشعروا قلوبكم خوف الله (2) وتذكروا ما قد وعدكم الله في مرجعكم إليه من حسن ثوابه كما قد خوفكم من شديد العقاب فإنه من خاف شيئا حذره ومن حذر شيئا تركه ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الدنيا الذين مكروا السيئات فإن الله يقول في محكم كتابه: " أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف (3) " فاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه ولا تأمنواأن ينزل بكم بعض ما تواعد به القوم الظالمين في الكتاب والله لقد وعظكم الله في كتابه بغيركم فإن السعيد من وعظ بغيره ولقد أسمعكم الله في كتابه ما قد فعل بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال: " وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة " وإنما عنى بالقرية أهلها حيث يقول:
" وأنشأنا بعدها قوما آخرين " فقال عزوجل: " فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون * (يعني يهربون قال:) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون * (فلما أتاهم العذاب) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعويهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (4) " وأيم الله إن هذه عظة لكم وتخويف إن اتعظتم وخفتم، ثم رجع القول من الله في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب فقال عزوجل
____________
(1) الاعراف: 201، اي لمم من الشيطان وطائف فاعل منه، يقال طاف يطيف طيفا فهو طائف.
(2) اي اجعلوا خوف الله شعار قلوبكم ملازما لها غير مفارق عنها.
(3) النحل: 44 إلى 47. و (تخوف) اي تنقص.
(4) الانبياء: 11 إلى 15. ومضى بيان ما فيه ص 51 من هذا المجلد.
===============
(75)
ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن ياويلنا إنا كنا ظالمين (1) " فإن قلتم:
أيها الناس إن الله عزوجل إنما عنى بهذا أهل الشرك فكيف ذلك وهو يقول: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاوإن كان مثقال حبة من خردل أتينابها وكفى بنا حاسبين (2) ".
إعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا ينصب لهم الموازين ولا ينشر لهم الدواوين و إنما يحشرون إلى جهنم زمرا وإنما نصب الموازين ونشر الدواوين لاهل الاسلام.
قاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله عزوجل لم يحب زهرة الدنيا وعاجلها لاحد من أوليائه ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها وإنما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملا لآخرته وأيم الله لقد ضرب لكم فيه الامثال وصرف الآيات لقوم يعقلون ولا قوة إلا بالله.
فازهدوا فيما زهدكم الله عزوجل فيه من عاجل الحياة الدنيا فإن الله عز وجل يقول وقوله الحق: " إنما مثل الحيوة الدنيا كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما ياكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (3) " فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكرون ولا تركنوا إلى الدنيا فإن الله عزوجل قال لمحمد (صلى الله عليه وآله): " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار (4) " ولا تركنوا إلى زهرة الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان فإنها دار بلغة ومنزل قلعة (5) ودار عمل، فتزودوا الاعمال الصالحة فيها قبل تفرق أيامها وقبل الاذن من الله في خرابها فكان قد أخربها الذي عمرها أول مرة وابتدأها وهو ولي ميراثها فأسأل الله العون لناولكم على تزود التقوى
____________
(1) الانبياء: 46. والنفحة: الدفعة من الشئ دون معظمه.
(2) الانبياء: 47.
(3) يونس: 24. واخذت الارض زخرفها اي زينتها بالنبات.
(4) هود: 113. اي تطمئنوا اليهم وتسكنوا إلى قولهم.
(5) اي ليس بمستوطن. (*)
===============
(76)
والزهد فيها، جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل زهرة الحياة الدنيا، الراغبين لآجل ثواب الآخرة فإنما نحن به وله وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حديث الشيخ مع الباقر (عليه السلام)
30 - محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن إسحاق بن عمار قال: حدثني رجل من أصحابنا، عن الحكم بن عتيبة قال: بينما أنا مع أبي جعفر (ع)
والبيت غاص بأهله إذ أقبل شيخ يتوكؤ على عنزة له (1) حتى وقف على باب البيت فقال: السلام عليك با ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم سكت فقال أبوجعفر
(ع): وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال:
السلام عليكم، ثم سكت حتى أجابه القوم جميعا وردوا (عليه السلام) ثم أقبل بوجهه على أبي جعفر (ع) ثم قال: يا ابن رسول الله أدنني منك جعلني الله فداك فوالله إني لاحبكم وأحب من يحبكم ووالله ما أحبكم وأحب من يحبكم لطمع في دنيا (والله) إني لابغض عدوكم وأبرأ منه ووالله ما أبغضه وأبرأ منه لو تر كان (2)
بيني وبينه والله إني لاحل حلالكم وأحرم حرامكم وأنتظر أمركم فهل ترجو لي جعلني الله فداك؟ فقال أبوجعفر (ع): إلي إلي حتى أقعده إلى جنبه ثم قال:
أيها الشيخ إن أبي علي بن الحسين (ع) أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه فقال له أبي (ع): إن تمت ترد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى علي والحسن و الحسين وعلي بن الحسين ويثلج قلبك ويبرد فؤادك وتقر عينك وتستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين ولو قد بلغت نفسك ههنا وأهوى بيده إلى حلقه وإن تعش ترى ما يقر الله به عينك وتكون معنا في السنام الاعلى، [ف] قال الشيخ: كيف قلت: يا
____________
(1) العنزة عصا في رأسها حديد. وهي بالتحريك اطول من العصا واقصر من الرمح.
(2) الوتر: الذحل وهو: الحقد والعداوة. وايضا: الجناية. (*)
===============
(77)
أبا جعفر؟ فأعاد عليه الكلام فقال الشيخ: الله أكبر يا أبا جعفر إن أنا مت أرد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين (عل) وتقر عيني ويثلج قلبي ويبرد فؤادي وأستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسي إلى ههنا وإن أعش أرى ما يقر الله به عيني فأكون معكم في السنام الاعلى؟! ثم أقبل الشيخ ينتحب، ينشج (1) هاهاها حتى لصق بالارض وأقبل أهل البيت ينتحبون وينشجون لما يرون من حال الشيخ وأقبل أبوجعفر (ع) يمسح بإصبعه الدموع من حماليق عينيه وينفضها، ثم رفع الشيخ رأسه فقال لابي جعفر (ع): يا ابن رسول الله ناولني يدك جعلني الله فداك فناوله يده فقبلها ووضعها على عيينه وخده، ثم حسر عن بطنه (3)
وصدره فوضع يده على بطنه وصدره، ثم قام فقال: السلام عليكم وأقبل أبوجعفر (ع)
ينظر في قفاه وهو مدبر ثم أقبل بوجهه على القوم فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فقال: الحكم بن عتيبة لم أر ماتما قط يشبه ذلك المجلس.
![]() |
![]() |
![]() |