أوقات الحجامة

كما تقدم في البحث السابق أن للحجامة أماكن معينة في البدن، كذلك للحجامة أوقات معينة في الأشهر والأيام. وقد تحدثت عنها الروايات والأطباء في الطب الحديث، فالوقت بالنسبة للحجامة له أهمية كثيرة جداً وخطيرة كما سيتضح هذا فيما بعد، والآن نستعرض الروايات بشكل إجمالي:

الحجامة في الأشهر:

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة تمضي من الشهر دواء لداء سنة . [1]

وعنه أيضاً (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: الحجامة في سبع وعشر من الشهر شفاء. [2]

عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: لا تدع الحجامة في سبع من حزيران، فإن فاتك فأربع عشرة . [3]

عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن سعد، عن البرقي، عن أبي الخزرج عن سليمان بن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من احتجم بدم الثلاثاء لسبع عشرة أو أربع عشرة أو لاحدى وعشرين من الشهر كانت له شفاء أدواء السنة كلها . [4]

الطب: قال أبو عبد الله (عليه السلام) من احتجم في آخر من الشهر في أول النهار سُلّ منه الداء سلاًّ . [5]

وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) : إن أول ثلاثاء تدخل في شهر «آذار» بالرومية، الحجامة فيه صحة وسنّة بإذن الله. [6]

فهذا اختصار للرواية الّتي تتحدث عن توقيت الحجامة فيستفاد منها أن الوقت المناسب في حزيران والسابع أو الرابع عشر من كل شهر وإحدى وعشرين أيضاً .

أما عن الشتاء فإنه يزيد لزوجة الدم ويقلل ميوعته فيكون له دور مهيئ مساعد في ترسيب الشوائب الدموية في منطقة الكاهل (في حال المثابرة على الحجامة) فهو يهيئ للربيع تماماً كما تُهيَّأ الأرض بالفلاحة استعداداً لزراعتها، وكذا موضوع توليد وتحرير العناصر الدموية وتدفئة الجسم والتكيف مع برودة الشتاء يعود ليطرح نفسه .

أما عن فصل الربيع فقد ذكر الأقدمون عنه قولهم: وأول هذا الفصل بالإجماع إذا حلت الشمس بأول دقيقة من برج الحمل (الكبش).. قال بطليموس: يكون ذلك في (15) آذار.

وهذا الفصل حار رطب على طبع الدم فيه يستوي الليل والنهار (الاستواء الربيعي) ويتعدَّى الزمان وينبت العشب والأزهار وتورق الأشجار... وتخلق الحيوانات وتمتد الأنهار ويكثر الدم وتتحرك الأخلاط وتقوى القوى الغازية والمنمية وسائر القوى الحيوانية فينبغي على المرء أن ينحو بتدبيره منحىً بما (يولِّد دماً نقياً معتدلاً) ويُغذى غذاءً صالحاً.

أما العالم ابن سينا فقد أضاف أيضاً ملاحظاته عن الربيع بأنه موسم تهيج فيه الأمراض، حيث بيَّن أن للشتاء دوراً سلبياً أيضاً في التهيؤ للأمراض، فإذا ما صادف الدم تحليله في فصلي الربيع والصيف كثرت المشكلات المتأصلة علاقاتها بالدم، فقد ورد في كتاب (القانون في الطب) في المجلد الأول الفصل السادس في فعل كيفيات الطب بخصوص فصل الربيع وتأثيراته على فيزيولوجية الجسم تحت عنوان (الأهوية ومقتضيات الفصول):

والربيع إذا كان مزاجه فهو أفضل، وهو مناسب لمزاج الروح والدم، وهو مع اعتداله الذي ذكرناه يميل عن قرب إلى حرارة لطيفة سمائية ورطوبة طبيعية وهو يحمر اللون لأنه يجذب الدم باعتدال ولم يبلغ أن حلله تحليل الصيف الصائف والربيع تهيج فيه ماليخوليا ـ الاكتئاب النفسي ـ أصحاب الماليخوليا ومن كَثرت أخلاطه في الشتاء لنهمه وقلة رياضته استعدَّ في الربيع للأمراض الّتي تهيج من تلك المواد بتحليل الربيع لها، وإذا طال الربيع واعتداله قلَّت الأمراض الصيفية وأمراض الربيع واختلاف الدم والرعاف وسائر الخراجات .ويكثر فيه انصداع العروق ونفث الدم والسعال وخصوصاً في الشتوي منه الذي يشبه الشتاء، ويسوء أحوال من بهم هذه الأمراض وخصوصاً مرض (الساد Cataract). ولتحريه في البلغم تحدث فيه السكتة والفالج وأوجاع المفاصل وما يوقع فيها حركة من الحركات البدنية والنفسانية مفرطة وتناول المسخنات أيضاً .

ذكر ابن سينا وسيلة الشفاء والوقاية (فصد ـ استفراغ..): والحقيقة أن الحجامة شاملة وكليَّة ويعتبر الفصد نوعاً من الحجامة المصغَّرة وفائدته موضعية.

فالحجامة إذن هي المخلص الرئيسي والواقي من كل ما سينشأ .

إن أثر فصل الصيف على الدم جليٌ من خلال ملاحظة ظاهرة الرعاف عند الكثيرين، فنجد أن ميوعة الدم تزداد مما تؤدي إلى اختلاط الدم بعد أن تقلّ لزوجته، حيث أن لزوجة السوائل تتناسب عكساً مع درجة الحرارة فكلما ازدادت درجة الحرارة كلما قلَّت اللزوجة (ازدادت الميوعة)، فيتحرك بسهولة وسرعة في الشرايين والأوردة والشيعرات وهذا ما يُقلل تجمُّع الكريات الكهلة والعاجزة والشوائب الدموية عامة في منطقة الكاهل، بل تنتشر في كل أنحاء الجسم ممارسة فعلها السلبي على التروية الدموية ورفع الضغط.. فإذا ما أجرينا الحجامة في هذا الفصل (فصل الصيف) فَقَدَ الجسم من دمه الجيد العامل بدلاً من العاطل الحاوي على نسبة عظمى من الكريات الحمراء الهرمة والمقبلة على الهرم وهذا يورث الضعف في الجسم، فهو بذلك يشبه عملية التبرع بالدم، الدم الذي به حياة الإنسان.

وقال الشيخ ابن سينا في القانون :

« يؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر، لأن الأخلاط قد تحركت وهاجت، ولا في آخره لأنها قد نقصت، بل في وسط الشهر حين تكون الأخلاط هائجة تابعة في تزيدها لتزيد النور في جرم القمر، يزيد الدماغ في الأقحاف، والمياه في الأنهار ذوات المدّ والجزر».

وفي الرسالة الذهبية عن الإمام الصادق (عليه السلام) : فإذا أردت الحجامة فليكن في اثنتي عشرة من الهلال إلى خمسة عشرة، فإنه أصح لبدنك، فإذا نقص الشهر فلا تحتجم إلا أن تكون مضطراً إلى ذلك وهو لأن الدم ينقص في الهلال ويزيد في زيادته . [7]


[1]  البحار: 56 / 56 .

[2]  نفس المصدر .

[3]  البحار: 56 / 143.

[4]  البحار: 59 / 110 .

[5]  البحار: 59 / 111 .

[6]  البحار: 59 / 118 و 119 .

[7]  راجع: طب الإمام علي (عليه السلام) : 392 ; الطب النبوي : 93 ; الفصل الرابع معجزة القرن العشرين .