معنى التقية لغة واصطلاحاً


التقية في اللغة :
عرّفوا التقية لغةً بأنّها : الحذر والحيطة من الضرر، والاسم : التقوى، وأصلها : إوتَقى، يُوتَقي، فقُلبت الواو إلى ياء للكسرة قبلها، ثمّ اُبدلت إلى تاء واُدغمت، فقيل : اتّقى، يتَّقي(1).
وعن ابن الاعرابي : التقاة، والتقية، والتقوى، والاتقاء كلّه واحد، ولهذا جاء في بعض القراءات القرآنية : <(إِلا أن تتَّقُوا مِنهُم تَقِيَّةً)(2)، في موضع (تقاة).
وفي الحديث الشريف : «تبَقَّه وتوَقَّه»‍ ! ومعناه : استبقِ نفسك ولا تعرّضها للهلاك والتلف، وتحرّر من الآفات واتّقها(3).
وفي الحديث أيضاً : «قلت : وهل للسيف من تقيّة ؟ قال : نعم، تقيّة على إقذاء، وهدنة على دخن».
ومعناه : إنهم يتّقون بعضهم بعضاً، ويُظهرون الصلح والاتّفاق، وباطنهم


______________________________
(1) تاج العروس / الزبيدي 10 : 396 - «وقي».
(2) آل عمران 3 : 28.
(3) النهاية في غريب الحديث / ابن الأثير 5 : 217.

22


بخلاف ذلك(1).
التقية في الاصطلاح :

لا يختلف تعريف التقية عند أهل السُّنّة عن تعريفها عند الشيعة الإمامية لا في قليل ولا في كثير إلا من حيث فنّية التعبير وصياغة الألفاظ في تصوير المعنى الاصطلاحي للتقية، وهذا إن دلّ على شيء إنّما يدل على اتّفاقهم من حيث المبدأ على أنّ التقية ليست كذباً، ولا نفاقاً، ولا خداعاً للآخرين.
فقد عرّفها السرخسي الحنفي (ت / 490ه‍) بقوله : «والتقية : أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره، وإن كان يضمر خلافه»(2).
وعرّفها ابن حجر العسقلاني الشافعي (ت / 852ه‍) بقوله : «التقية : الحذر من إظهار ما في النفس - من معتقد وغيره - للغير»(3).
وقال الآلوسي الحنبلي الوهابي (ت / 1270ه‍) - في تفسير قوله تعالى : <(إِلا أن تتَّقُوا مِنهُم تُقَاةً)(4) : «وعرّفوها (أي : التقية) بمحافظة النفس أو العرض، أو المال من شر الأعداء».
ثمّ بيّن المراد من العدوّ فقال :
«والعدو قسمان :
الأول : من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم.


______________________________
(1) لسان العرب / ابن منظور 15 : 401.
(2) المبسوط / السرخسي 24 : 45.
(3) فتح الباري بشرح صحيح البخاري / ابن حجر العسقلاني 12 : 136.
(4) آل عمران 3 : 28.

23


والثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية، كالمال، والمتاع، والملك، والإمارة»(1).
وهذا التعريف وإن كان صريحاً بجواز التقية بين المسلمين أنفسهم، وعدم حصرها بتقية المسلم من الكافر، إلا أن ما يؤخذ عليه بأنّه غير جامع لأفراد التقية إذ أخرج منها التقية من سيّئ الخلق الذي يتّقي الناس لسانه بمداراته، كما نصّ عليه البخاري وغيره من المحدّثين والمفسّرين - كما سيأتي بيانه - ولا شكّ أنّ سيّئ الخلق ليس من العدوّ بقسميه.
وعرّفها السيد محمّد رشيد رضا (ت / 1354ه‍) بأنّها : «ما يقال أو يُفعل مخالفاً للحقّ لأجل توقّي الضرر»(2).
وهذا التعريف من أجود تعاريف التقية اصطلاحاً، وهو جامع مانع، ومنطبق تماماً مع تعريف الشيعة الإمامية للتقية، وإن كانت التعاريف السابقة لا تختلف عن تعريف الشيعة كثيراً.
قال الشيخ الأنصاري من الشيعة (ت / 1282ه‍) : «التقية : اسم لاتّقى يتّقي، والتاء بدل عن الواو كما في النهمة والتخمة.
والمراد هنا : التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق»(3).
وعرّفها الشيخ المراغي المصري (ت / 1364ه‍) بقوله : «التقية، بأن يقول


______________________________
(1) روح المعاني / الآلوسي 3 : 121.
(2) تفسير المنار / السيد محمّد رشيد رضا 3 : 280.
(3) التقية / الشيخ مرتضى الأنصاري : 37.

24


الإنسان، أو يفعل ما يخالف الحقّ، لأجل التوقّي من ضرر الأعداء، يعود إلى النفس، أو العِرض، أو المال»(1).
ثم اُدخل في التقية ما لم يدخله في تعريفها كمداراة الكفرة، والظلمة، والفسقة، وإلانة الكلام لهم والتبسّم في وجوههم، وغير ذلك ممّا سيأتي في هذا البحث.
وعرّفها موسى جار اللّه التركماني (ت / 1369ه‍) فقال : «والتقية : هي وقاية النفس عن اللائمة والعقوبة، وهي بهذا المعنى من الدين، جائزة في كل شيء»(2).


______________________________
(1) تفسير المراغي : 3 : 137.
(2) الوشيعة / موسى جار اللّه : 72.