ثم يضيف إلى تلك الكتب كتاب الفقه الرضوي فيقول  : « وخصوصاً كتاب الفقه الرضوي ... فانه اشتمل على مدارك كثيرة للاحكام وقد خلت عنها هذه الاصول الاربعة وغيرها » .

ثم يعقب على كلامه بقوله  : « وقد اجاد فيها ، وحرر ، وفصل ، وأشاد وطبق المفصل ، وعليه المعتمد والمعول »[467] .

رابعاً  : في الاجماع  :

يذهب في مسألة الاجماع مذهب الاصولية أولا ، ويتبنى قول المحقق الحلي في « المعتبر » الذي مفاده  : « وأما الإجماع فهو عندنا حجة بانضمام المعصوم ... » إلاّ إنه يعود ويشكك في حصول هكذا اجماع بقوله « على ان تحقق هذا الاجماع في زمن الغيبة متعذر ، لتعذر ظهوره (عليه السلام) وعسر ضبطه العلماء على وجه يتحقق دخول قوله في جملة اقوالهم » ثم يقول  : « ... وعلى هذا فليس في عد الاجماع في الادلة إلاّ مجرد تكثير العدد واطالة الطريق ... »([468] .

خامساً  : في دليل العقل والاصول المستفادة منه  :

فانه يذهب إلى نفي اعتبار العقل مصدراً من مصادر الفقه .

كما انه يذهب إلى ان الاصول الفقهية المستفادة من دليل العقل ـ هي الأُخرى ـ غير معتبرة ، والمعتبر عنده هو الاصول المستفادة من احاديث اهل البيت (عليهم السلام) .

قال في المقدمة الثالثة من ( الحدائق )  : « وأما الثالث ـ من معاني الاصل وهو القاعدة ـ فان كانت تلك القاعدة مستفادة من الكتاب والسنة فلا اشكال في صحة البناء عليها ، ومنها قولهم  : الاصل في الاشياء الطهارة ـ أي القاعدة المستفادة من النصوص وهي قولهم (عليهم السلام)  : « كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر » ـ تقتضي طهارة كل شيء »[469] .

ولازم كلامه (قدس سره) عدم صحة البناء على القاعدة المستفادة من غير الكتاب والسنة وهي المستفادة من دليل العقل[470] .

سادساً  : في الاجتهاد والتقليد  :

لم يتعرض الفقيه البحراني (قدس سره) إلى ذكر الاجتهاد والتقليد ، وما يتبناه فيهما من رأي لا في مقدمات ( الحدائق ) ولا في ( الدرر ) .

إلاّ ان المتأمل في منهجه الاستدلالي يجزم بانه يقول بهما ، شريطة ان يكون المجتهد اخبارياً في منهج استدلاله وطريقة فتواه[471] .

وقد صرح (قدس سره) بهذا المعنى في كتابه المعروف بـ ( الكشكول ) في مسألة القضاء لغير المجتهد عند فقد المجتهد ، حيث قال  : « بل الذي تضمنته تلك الاخبار هو الرجوع إلى من تمسك بذيل الكتاب والسنة وأمن العثار ، ومدار احكامه انما هو عليهما في الايراد والاصدار ، فالعمل بحكمه عمل بحكمهم (عليهم السلام)والراد عليه راد عليهم في حلال او حرام » .

وقال في المصدر نفسه  : « إذا عرفت ذلك ، فاعلم ان المأمور بتقليده في احكامهم ، والقبول عنه لما ينقل عنهم ، هو الذي اشار إليه (عليه السلام) في مقبولة عمر بن حنظلة بقوله  : ( ينظر إلى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا ، فارضوا به حكماً ، فإني قد جعلته عليكم حاكماً ... ) ثم استشهد بروايات أُخرى ، منها التوقيع الوارد عن الامام الحجة ( عج )  : « واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله »[472] .

إلى هنا تنتهي هذه الجولة المختصرة في منهج المحدث والفقيه الشيخ يوسف البحراني واختلاف منهجه عن العلماء الاخباريين الذين كانوا في المرحلة السابقة على مرحلته ، ومرد ذلك الاختلاف إلى أمرين  :

الأول  : جعله الاجماع من مصادر الفقه ، ولو نظرياً .

ثانياً  : قوله بالاجتهاد والتقليد ، وتقيد ذلك بكون المجتهد اخبارياً في منهج استدلاله([473] .

وبهذا ننهي الكلام عن المرحلة الثانية من مراحل المدرسة الاخبارية .

المرحلة الثالثة للمدرسة الاخبارية  : الاخبارية المتطرفة  :

تبدأ هذه المرحلة من مراحل المدرسة الاخبارية بظهور الميرزا محمد الاخباري ( ت  1232 هـ ) . وكان شديداً في ارائه ، قاسياً في نقده للاصوليين ، كما يظهر ذلك جلياً من خلال سيرته ومؤلفاته .

ففي ايام الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء ( ت  1228 هـ ) عادت الحركة
الاخبارية إلى الظهور على الساحة المعركة الفكرية بقيادة محمد بن عبد النبي النيسابوري المعروف بالإخباري .

والميرزا الإخباري  : هو محمد بن عبد النبي بن عبد الصائغ بن عبد النبي بن مير أحمد ، ينتهي نسبه بالامام محمد الجواد (عليه السلام)([474] .

ولد في الهند سنة (1178 هـ) وجاور الغري، ثم الحائر، ثم الكاظمية، فقيل لأجل ذلك النيسابوري والداً ، والاسترآبادي جَدْاً ، والهندي مَوْلداً ، والمشهدي نُزُلا[475] .

تتلمذ للميرزا محمد مهدي الموسوي الشهرستاني ، والآقا محمد علي محمد باقر البهبهاني ، واجازه الشيخ موسى بن علي البحراني ، كلهم عن الشيخ يوسف البحراني([476] .

ومن سيرته يكتشف انه والشيخ جعفر الكبير ـ كاشف الغطاء ـ كانا زميلي دراسة ، ولكنه نهج منهجاً سلفياً ـ اخبارياً ـ على خلاف الشيخ جعفر ، فتحول ذلك التمايز إلى نفور ، اضطر الميرزا بعده إلى مغادرة العراق إلى الدولة القاجارية ، حيث كان الطابع السائد فيها هو الاخبارية .

فوقع الشاه تحت تأثير ( محمد الاخباري ) وأُخذ بقوة شخصيته ، وقد دفع هذا الشيخ جعفر الكبير ـ مجتهد الاصولية انئذ بعد وفاة السيد محمد مهدي بحر العلوم في النجف سنة ]  1212 هـ  [ ـ واتباعه إلى ان يخفوا إلى ايران لمحاربة هذه الظاهرة ، وقد نجح الشيخ جعفر في تصفية الحساب لصالحه ، ثم غادر الميرزا إيران إلى الكاظمية ، حيث قتل هو وابنه الأكبر سنة ( 1232 هـ ) .

كان الميرزا الاخباري شديداً على الاصوليين قاسياً في نقده لهم ، متعسفاً في نقده لافكارهم ، كثير التشنيع على العلماء الاصوليين ، وخاصة ما ينقل عنه من كلام عن الوحيد البهبهاني ، وعن الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، مما لا يسع لنا نقله لفضاحته[477] .

من مؤلفاته  :

كان الميرزا محمد الاخباري موسوعي المعارف ، حتى قال عنه الخوانساري في الروضات  :

« له يد طولى في الكلام والإلهيات ، والفقه والاصول ، ... والمعارف واللطائف »[478] .

وقد ترك الكثير من المؤلفات وضاع البعض منها[479] وقد توزعت مؤلفاته على ميادين وموضوعات متعددة ، منها ميدان التشريع ، ومنها ميدان الكلام والفلسفة ، ومنها عن طبيعة الفعل الانساني ، وغيرها .

ومن مؤلفاته التي لها علاقة بالخلاف بين الاصوليين والاخبارية  :

1 ـ منية المرتاد في ذكر نفاة الاجتهاد .

2 ـ الرسالة البرهانية في الفرق بين الاحكام والموضوعات([480] .

3 ـ معاول العقول في قطع اساس الاصول[481] .

4 ـ كشف القناع عن عورة الاجماع .

5 ـ مصادر الانوار في الاجتهاد والاخبار .

وعشرات من الكتب الأُخرى التي تخص جوانب الحياة الفكرية والثقافية[482] .

     منهج الميرزا محمد الاخباري في الاستدلال  :

لا يختلف منهج الميرزا الاخباري عن منهج سلفة الأمين الاسترآبادي .

فقد رفض مبدأ الاجتهاد في الشريعة باسلوب لا يخلو من نزعة فلسفية منطقية ، كما رفض الادوات العقلية في التشريع من قياس واستحسان ، ومصالح مرسله ... والملازمات العقلية ... كما رفض مبدأ المساواة بين المخطئ من المجتهدين والمصيب .

ووقف عند مفهوم الظن في الفرعيات فاحتمل وروده في عملية ترجيح الاخبار فقط ، ومن هنا رفض الظن الاستنباطي للمجتهد[483] .

كذلك عبر عن ايمانه باصالة طريقة المحدّثين من الاثني عشرية ... ووثّق ما خلص اليه مصنفو الاصول الحديثية من احاديث واخبار ، وخلص إلى القول  : « وإذا اردنا سنداً فليس إلاّ اليقين والتبرك والاقتداء بسنّة السلف ، وربما لم ينل بذكر سند فيه » ، وانتهى إلى مدح رواة الحديث واصحاب الاصول الاربعة وكل من سلك المسلك السلفي من القدماء ، ومن ممثلي الطريقة الاخبارية([484] .

وتكلم الميرزا الاخباري عن الاجتهاد في أكثر من مؤلف ورسالة وميز بين نوعين من الاجتهاد ، الاجتهاد في محل الحكم ، والاجتهاد في نفس الحكم ، فرفض الاول ، ومنع الثاني .

ورفض مقولة العلامة الحلّي التي اعتمدها الاجتهاديون وهي  : « ان ظنية الطريق لا تنافي علمية الحكم » ويعتمد بدلها طريق اليقين الآتي عن المعصوم ، حافظ الشريعة التي تنزل بها الوحي من الله إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ونقلها عنهم الرواة[485] .

وهكذا نجد المنهج نفسه الذي نهجه الامين الاسترآبادي يتجلى عند الميرزا الاخباري بلا فرق بينهما إلاّ باضافة ان التقليد لا يكون إلاّ للأئمة المعصومين ، ففي عصر الغيبة يقلّد الامام المهدي وليس الفقهاء .

وقد الف احد احفاده وهو الميرزا عباس جمال الدين (رحمه الله) في المسألة بعنوان « التقليد للأئمة المعصومين »[486] وقد طبع الكتاب في النجف سنة ( 1958 م )
مطبعة الآداب .

وكذلك للميرزا حسين جمال الدين كتاب بعنوان ( الدر المنظوم في تقليد المعصوم ) .

هذه هي أهم معالم المرحلة الثالثة والأخيرة للحركة الاخبارية ، حيث فرقنا بينها وبين المرحلتين السابقتين على اساس من الاختلاف في المنهج ، إذ اضافت هذه المرحلة للفكر الاخباري وجوب تقليد المعصوم (عليه السلام) .

ولم يعد بعد القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين وجود دراسي للفكر الاخباري وفق مناهجه ومن كتبه بمراكز الدراسات الامامية من حوزات علمية وغيرها .

ويرجع هذا إلى العوامل التالية  :

1 ـ عدم تدوين منهج فقهي كامل ـ من ناحية نظرية ـ يحتوي الخطى والقواعد للدراسة الفقهية في إطار الفكر الاخباري ، وما خلفته الحركة الاخبارية ما هو إلاّ نقد للمنهج الاصولي توزع في ثناياه شيء من قواعد المنهج الاخباري ، باستثناء كتاب « الحدائق الناضرة » للشيخ يوسف البحراني (رحمه الله) الذي طبق فيه منهجه النظري من خلال عملية الاستدلال الفقهي .

2 ـ حملات الطعن بالتبديع والتكفير التي شنّها امثال الامين الاسترآبادي والفيض الكاشاني ، والميرزا محمد الاخباري .

ذلك ان التجربة التاريخية المتكررة اثبتت ان سلاح الطعن بالتبديع والتكفير لا يكون في صالح قضية من يستعمله .

3 ـ مناهضة المدرسة الاصولية بقيادة الوحيد البهبهاني (رحمه الله) وتلامذته من امثال الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء ، والشيخ حسن النجفي صاحب الجواهر (رحمه الله)وامثالها ممن كانت لهم زعامة قوية فاعلة .

ولكن الاخبارية ـ تحولت ـ بعد هذا من مدرسة فقهية ذات حضور ومنظور علميّين في مراكز الدرس الفقهي الامامي إلى فرقة مذهبية ذات شعبتين هما  :

1 ـ الجمالية  : وتتميز عن رصيفتها بنفيها للاجتهاد ، وايجابها التقليد للمعصوم .

2 ـ البحرانية  : وتتميز عن الفرقة الاصولية بإيجابها الرجوع في امور التقليد الشرعي إلى الفقه الاخباري[487][488] .

الأسئلة  :

1 ـ ما هي المراحل التي مرّت بها المدرسة الاخبارية ؟ وما هي السمات الأساسية لكل مرحلة منها ؟ اذكر ذلك باختصار .

2 ـ ما هي أهم بحوث كتاب « الفوائد المدنية » للميرزا الاسترآبادي ؟ وما هو المنهج الفقهي الذي دعى إليه في كتابه ؟

3 ـ ما هي أهم ما يمكن استخلاصه من منهج الاخبارية في مرحلتها الأُولى ؟

4 ـ ما هو المنهج الذي سار عليه الفقيه البحراني في كتابه « الحدائق الناضرة » ؟ ولماذا وصفنا منهجه بالمنهج المعتدل ؟

5 ـ ما هي العوامل التي أدت التي توقف الدراسات والبحوث في الفكر الاخباري بعد القرن الثالث عشر الهجري ؟

6 ـ عدّد أقطاب كل مرحلة من المراحل الثلاث ، مع ذكر أهم كتبهم ؟


الدرس السابع عشر « ظهور الحركة الإخبارية » القسم الثالث

lملامح الافتراق بين الاصوليين والاخباريين .

l نسبة تحريم الاجتهاد إلى الحركة الاخبارية .

l من محاسن ظهور الحركة الاخبارية  :

1 ـ الحركة الإخبارية ونزعة التأليف الموسوعي الروائي .

2 ـ الاتجاه الاصولي خلال هذه المرحلة .

lانتصار علم الاصول وانحسار الاتجاه الاخباري .

lالوجه الآخر للحركة الاخبارية .

l الأسئلة


ظهور الحركة الإخبارية

القسم الثالث

     ملامح الافتراق بين الاصوليين والاخباريين  :

اشرنا سابقاً من خلال حديثنا عن مراحل المدرسة الاخبارية عن بعض محاور الخلاف بين المدرستين الاصولية والاخبارية ، ولكنها كانت اشارات مجملة تحتاج إلى نحو من التفصيل في اوجه هذه الفروق وعددها .

لقد حاول المحدث الفقيه الشيخ يوسف البحراني (رضي الله عنه) ـ وعلى طريقته المعتدلة ـ حصر هذه الفروق بين المدرستين في ثمانية فروق ، ومع ذلك فهي باعتقاده لا تستحق ان تسمى فروقاً وذلك كما يقول  : « لان ما ذكروه من وجوه الفرق بينهما جلّه ، بل كله عند التأمل لا تثمر فرقاً في المقام » و « إن هذه الفروق لا توجب تشنيعاً ولا قدحاً لانه نظير الاختلاف الحاصل بين علماء كل الطائفة »[489] .

إلاّ ان الحر العاملي ( ت  1104 هـ ) ـ وهو من اقطاب الحركة الاخبارية ـ يؤكد وجود هذه الفوارق ويعتبر انكارها عجز عن الاستدلال .

يقول في الفوائد الطوسية  : « واعلم ان كثيراً ما تَقوّل من يتعصب لاهل الاصول ان النزاع بينهم وبين الاخباريين لفظي وذلك عند العجز عن الاستدلال وبعضهم يقول ذلك جهلا منه بمحل النزاع .

وينبغي ان يقال لهذا القائل  : إذا كان النزاع لفظياً ، فإنكارك على الاخباريين لا
وجه له بل هو انكار على جميع الشيعة ، فلا يجوز التشنيع على الاخباريين .. والحق في النزاع بينهم لفظي في مواضع يسيرة جداً ، لا في جميع المواضع ولا في اكثرها »([490] .

إلاّ ان الملاحظ ـ بعد التسليم بوجود محاور للخلاف بين المدرستين ـان نقاط الفرق هذه ليست محددة ولا مضبوطة ، لا في حدودها ولا في عددها في كلمات الذين بحثوا الموضوع من كلا المدرستين .

فعندما نرجع إلى التراث الفكري الذي خلفته حركة النزاع بين المدرستين ، نجد انه بعد اعقاب الحملة العنيفة التي اثارها المحدث الاسترآبادي وزاد عليها الميرزا الاخباري ، ضد الحركة الاجتهادية وعلماء الاصول . قد أُلفت الكتب والمؤلفات من الطرفين في بيان واحصاء هذه الفروق .

يقول المحقق الخوانساري في الروضات  : ان الشيخ عبد الله بن صالح البحراني السماهيجي ( ت  1135 هـ ) ذكر في كتابه « منية الممارسين في جوابات مولانا
الشيخ ياسين » في الفرق بين العالم الاخباري والمجتهدين اربعين وجهاً ، او ثلاثة وأربعين فرقاً([491] .

والشيخ السماهيجي من اقطاب الحركة الاخبارية .

وذكر الميرزا محمد الاخباري في كتابه « الطهر الفاصل » تسعة وخمسين
فرقاً بينهما .

اما الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( ت  1228 هـ ) فقد ألف كتاباً خاصاً في هذا الموضوع اطلق عليه اسم « الحق المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الاخباريين »[492] ، حيث ذكر الفروق فأنهاها إلى ثمانين فرقاً .

وقفزت بهذه الفروق مصادر متطرفة وانهتها إلى ستة وثمانين فرقاً[493] .

إلاّ ان هذا التطرف في اكثار الفروق بين المدرستين فيه مبالغة واضحة ، ولا يقصد بها إلاّ توسعة رقعة الخلاف بين المدرستين .

ولو تتبعنا مسائل الخلاف بين المدرستين لوجدناها تتعلق ببعض المسائل الأساسية التي تخص مصادر الاستنباط الفقهي .

ويمكن تلخيص هذه الفروق بما يلي  :

أولا  : عدم جواز استنباط الاحكام الشرعية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة ، لطروّ مخصّصات ومقيدات من السنة على عمومه ومطلقاته ، ولما ورد من احاديث ناهية عن تفسير القرآن بالرأي([494] وهكذا وقفت الاخباريون عن العمل بظواهر القرآن الكريم .

اما المدرسة الاصولية فقد اعتمدت القرآن كمصدر اساسي من مصادر التشريع ، وبحثت الكتب الاصولية في دلالته ، وما يحتاج في تعيين ظهوره ، وتحديد المقصود من ألفاظ آياته، من خلال استخدام الوسائل العلمية وبخاصة ما يعرف بالاصول اللفظية.

وخلصت إلى ان ظواهر القرآن حجة[495] .

ثانياً  : قطعية صدور كل ما ورد في الكتب الحديثية الاربعة وغيرها من قبيل
فقه الرضا (عليه السلام)([496] ، لاهتمام اصحابها بتدوين الروايات التي يمكن العمل بها
والاحتجاج بها . وعليه فلا يحتاج الفقيه إلى البحث عن اسناد الروايات الواردة
في هذه الكتب ، ولا يحتاج إلى التقسيم الرباعي للاحاديث .

هذا هو ملخص رأي المدرسة الاخبارية .

اما الاصوليون فلهم رأي آخر ، فهم لا يرون صحّة كل ما ورد في الكتب الاربعة ولا في غيرها ، ومن هنا فهي تحتاج ـ وخاصّة في عصر الغيبة بسبب اختفاء القرائن التي كانت تساعد على الوثوق بصدور الحديث ـ إلى تعرّف احوال الرواة ، فوضعت لذلك كتب الرجال .

ونوّعوا من أجل هذا الحديث إلى الانواع الأربعة  : الصحيح والحسن والموثق والضعيف ، ويأخذون بالأولين او بالثلاثة الأول دون الأخير[497] ، اما عند الاخباريين فينتهي تقسيم الحديث إلى الصحيح والضعيف فقط .

ثالثاً  : نفي حجية الاجماع بجميع انواعه واقسامه المعروفة ، او التشكيك في حصوله في عصر الغيبة ، وهو رأي معروف للاخباريين ولهم مناقشات حادة ومؤلفات متعددة للرد على المدرسة الاصولية([498] .

وفي المقابل أيضاً هنالك جملة من الرسائل والمؤلفات المختصة بدليل الاجماع[499]من قبل الاصوليين حيث يثبتون بالدليل حجيته ويتمسكون به كدليل ، وهو المعروف عندهم بالاجماع ( المحصّل ) في مقابل الاجماع ( المدركي ) الذي لا يمكن التمسك به كدليل .

رابعاً  : عدم جريان البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية ، وهو رأي معروف عند الاخباريين ، وذهبوا إلى وجوب الاحتياط مستدلين على ذلك بادلة روائية وخلصوا إلى ان الأشياء عندهم مبنية على التثليث أي ( حلال بين ، وحرام بين ، وشبهات بين ذلك )([500] .

أما الاصوليون فيذهبون إلى صحة جريان البراءة في الشبهات الحكمية الوجوبية والتحريمية بالعقل والأدلة النقلية ، والأشياء عندهم مبنية على الحلال والحرام([501] .

خامساً  : يحصر المجتهدون الرعية في صنفين  : مجتهد ، او مقلد .

اما الاخباريون فيرون الرعية كلها مقلدة للمعصوم ، ولا يوجد مجتهد اصلا([502] .

سادساً  : نفي حجية حكم العقل، او نفي الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي .

وقد اختلفت واضطربت كلمات الاخباريين بشكل يصعب على الباحث ان يستخرج من كلماتهم شيئاً محدد المعالم ينسبه اليهم في هذا المجال ، فالذي يبدو من بعضهم انكار ادراك العقل للحُسْنِ والقُبح الواقعيين ، وبعضهم يعترف بذلك إلاّ انهم ينكرون الملازمة بينه وبين حكم الشرع ، وبعضهم يعترف بالادراك والملازمة إلاّ أنهم ينكرون وجوب اطاعة الحكم الشرعي الثابت من طريق العقل[503] .

والظاهر من كلمات اقطاب الحركة الاخبارية كالمحدّث الاسترآبادي ، والسيد نعمة الله الجزائري ، والشيخ يوسف البحراني ، هو القول بعدم حجية القطع الحاصل عن غير الكتاب والسنّة بعد حصوله[504] .

يقول المحدث الاسترآبادي  : « ان مناط تعلق التكاليف كلها السماع من الشرع »[505] كما انه يرى ان هناك فرقاً بين مسألة التحسين والتقبيح وبين حكم الشرع ، فالعقل لا يمكن الاعتماد عليه إلاّ في القضايا الضرورية البديهية يقول  : « بين المسألتين ـ أي مسألة التحسين والتقبيح ومسألة حكم الشرع ـ بون بعيد ، الا ترى ان كثيراً من القبائح العقلية ليس بحرام في الشريعة ، ونقيضه ليس بواجب في الشريعة »[506] .

وفي نفس المعنى يصب كلام المحدث الجزائري نعمة الله حيث يقول  : « فان قلت عزلت العقل عن الحكم في الاصول والفروع ، فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل ؟ قلت  : اما البديهيات فهي له وحده ، وهو الحاكم فيها »([507] .

ويقول المحدث البحراني  : « ان الاحكام الفقهية من عبادات وغيرها توقيفية تحتاج إلى السماع من حافظ الشرع ، لقصور العقل المذكور عن الإطلاع على اغوارها » .

ثم قال  : « نعم يبقى الكلام بالنسبة إلى ما لا يتوقف على التوقيف فنقول  : ان كان الدليل العقلي المتعلق بذلك بديهياً ظاهراً البداهة مثل  : الواحد نصف الاثنين فلا ريب في صحة العمل به »[508] .

وتبعاً لاختلاف كلمات الاخباريين في نفي حجية حكم العقل ، او نفي الملازمة ، اختلفت كلمات بعض العلماء الاصوليين في عرضهم لآراء الاخباريين في خصوص دليل العقل .

ففي الوقت الذي ينسب الشيخ الانصاري إلى الاخباريين مقولة عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدمات العقلية القطعية غير الضرورية لكثرة الاشتباه والغلط فيها فلا يمكن الركون إلى شيء منها[509] . معتمداً في ذلك على نص نقله عن المحدث الاسترآبادي في الفوائد([510] .

نجد المحقق الآخوند الخراساني ينكر ان يكون مقصود الاخباريين انكار حجية القطع فيما إذا كان بمقدمات عقلية ، وإنما تتجة كلماتهم إلى منع الملازمة بين حكم العقل بوجوب شيء ، وحكم الشرع بوجوبه[511] .

ومهما يكن من أمر فلا شكّ ان الذي يستطيع الباحث ان يستخلصه من كلمات الاخباريين ، ويطمئن إلى نسبته إليهم دون ان يضرّ بذلك اختلاف كلماتهم ، هو القول بلزوم توسط الاوصياء (عليهم السلام) في التبليغ ، فكل حكم لم يكن فيه وساطتهم فهو لا يكون واصلا إلى مرتبة الفعليّة والباعثية ، وان كان ذلك الحكم واصلا إلى المكلف بطريق آخر »[512] .

وعلى هذا فلا يمكن الاعتماد ـ بناء على هذه الدعوى ـ على العقل في الحكم والاجتهاد .

وبهذا يتحدد لنا موقف المدرسة الاخبارية من دليل العقل وملازماته ، وهم بهذا قد جمدوا على مصدرين فقط من مصادر التشريع هما الكتاب والسنة .

اما الاصوليون فانهم يرون ان العقل ، مصدر من مصادر الكشف عن التشريع حيث استقر الوسط العلمي الامامي على تربيع مصادر الفقه والحكم الشرعي وهي  : ( الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، والعقل ) .

وقالوا ان وظيفة العقل هو الكشف عن حكم التشريع وليس تشريع الحكم .

ولم يعتمد الاصوليون على العقل بما انه مشرّع وحاكم ، بل بما انه مُدرك ومُميز تميزاً كاملا امتاز به الانسان عن بقية الحيوانات[513] .

هذه هي اهم الفروق الاساسية بين المدرستين الاصولية والاخبارية .

وقد ناقش المحدّث البحراني ( الشيخ يوسف ) هذه الفروق نقاشاً علمياً يدل على اصالة فكرية وروح موضوعية عالية[514] .

نسبة تحريم الاجتهاد إلى المدرسة الاخبارية  :

ومن خلال هذا العرض الموجز لنشأة الحركة الاخبارية وادوارها ، وبواعثها النفسية والفكرية والسياسية ، وأوجه الفرق بينها وبين المدرسة الاصولية ، يتضح للباحث ان نسبة نفي الاجتهاد ، او حرمة الاجتهاد للمدرسة الاخبارية نسبة غير دقيقة بدليل  :

ان النزاع الاساسي بين المدرستين منحصر في خصوص ادلة التشريع ، وهي عند الاخباري لا تتعدى الكتاب والسنة ، وعند الاصولي اربعة أي باضافة الاجماع والعقل .

وعلى هذا فاطلاق كلمة الاجتهاد جار حتى على من اقتصر في استنباط الأحكام على الدليلين الأولين ، لأن استفادة الحكم الشرعي منهما تحتاج إلى ملكة ، وهذه الملكة هي الاجتهاد .

فالفقيه الاخباري مجتهد دون ان يصرح بذلك ، لانه عندما يحاول الرجوع إلى المصدرين الاساسيين ـ عند كل المذاهب الاسلامية ـ لابد ان يتمتّع بملكة يستطيع بها أن يفهم الحكم الشرعي ، وينقله لمقلده ، وإلاّ لما كانت له ميزة على غيره .

وهذه القابلية عندما يعملها في استنباط الاحكام فهو في الواقع قد اعمل ملكته في حدود المصادر التي اعتمد عليها ، وبهذا يكون مجتهداً .

يقول المرحوم الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء  : « والإخبارية ان لم يجتهدوا في المقدمات التي يتوقف عليها فهم الاخبار والروايات خرجوا عن طريقة الامامية ، فمرجع الطرفين إلى ما روي عن سادات الثقلين ، فالمجتهد اخباري عند التحقيق ، والاخباري مجتهد بعد النظر الدقيق .

إذ لا نزاع بيننا في اصول الدين ، ولا مانع عندنا من الرجوع إلى الطرفين في معرفة حكم رب العالمين ، وإنما جعل كل اسم على حده لحصول الخلاف بينهم في مسائل متعددة([515] .

وعلى هذه فان نسبة تحريم الاجتهاد للمدرسة الاخبارية نسبة غير دقيقة وغير صحيحة وعملهم يخالف هذه الدعوى .

من محاسن ظهور الحركة الاخبارية  :

رغم الصدمة العنيفة التي مني بها علم الاصول خاصة ، ومدرسة الاجتهاد الامامي عامة ، والتي أعاقت حركة نموه المتكاملة وعرضته لحملة شديدة ،
لانشغالها بالصراع العنيف مع الحركة الاخبارية ، والتي امتدت إلى أكثر من قرنين من الزمن .

رغم كل ذلك ، نجد ان هذه الفترة الزمنية قد شهدت اتجاهاً ايجابياً موفقاً تمثل في حركة علمية نشطة من اقطاب المدرستين معاً .

وقد تمثل هذا النشاط العلمي في اتجاهين رئيسين  :

الأول  : الاتجاه الموسوعي الروائي .

الثاني  : الاتجاه الاصولي .

وفيما يلي بيان لكلا الاتجاهين  :

     الحركة الاخبارية ونزعة التأليف الموسوعي الروائي  :

بعد ان رفض الاخباريون فكرة تربيع الحديث ، لأن الأحاديث عندهم إما صحيحة ، أو محفوفة بالقرائن الدالة على صحتها ، واعتبروا احاديث « الكتب الاربعة » قطعية السند ، أو موثوقة الصدور ، معرضين بذلك عن علم الدراية ... .

من هنا فقد ظهرت عندهم نزعة الاهتمام بالحديث ، وشروحه في هذه الفترة الزمنية ، وشهدت الساحة العلمية حركة نشطة لجمع الأحاديث ، وتأليف الموسوعات الضخمة في الروايات والاخبار .

وكان لاقطاب علماء المدرسة الاخبارية الدور الاساسي لظهور الموسوعات الحديثية والتي من اهمها  :

كتاب الوافي  : الذي ألفه محمد محسن المعروف بالفيض الكاشاني ( ت  1091 هـ ) والمشتمل على الأحاديث التي جاءت في الكتب الأربعة[516] مع اسقاط المتكرر فيها .

كما قدّم محمد بن الحسن الحر العاملي المتوفى سنة ( 1104 هـ ) كتابه « تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة »[517] الذي جمع فيه عدداً كبيراً من
الروايات المرتبطة بابواب الفقه ، ورتبها ترتيباً موضوعياً رائعاً ، ويعد الوسائل من اهم المراجع والمصادر الحديثية عند فقهاء الشيعة .

وألف محمد باقر المجلسي المتوفى سنة ( 1110 هـ ) كتاب بحار الأنوار وهو اكبر موسوعة اهتمت بجمع الحديث على الاطلاق[518] .

كذلك كتب السيد هاشم البحراني المتوفى في حدود سنة ( 1107 هـ ) . كتابه البرهان في تفسير القرآن جمع فيه المأثور من الروايات في تفسير القرآن[519] .

يقول السيد الشهيد الصدر (رضي الله عنه) معللا هذه الظاهرة ومبرزاً للاسباب الموضوعية الداعية لظهور هذه النزعة ـ نزعة التأليف الموسوعي للحديث ـ عند اقطاب الحركة الاخبارية ، وتأثيرات ذلك السلبية والايجابية على عملية الاستنباط .

« ... هذا الاتجاه العام في تلك الفترة إلى التأليف في الحديث لا يعني أن الحركة الاخبارية كانت هي السبب لخلقه وان كانت عاملا مساعداً في أكبر الظن ، بالرغم من أن بعض اقطاب ذلك الاتجاه لم يكونوا إخباريين ، وإنما تكوّن هذا الاتجاه العام نتيجة لعدة اسباب  :

ومن اهمها ان كتباً عديدة في الروايات اكتشفت خلال القرون التي اعقبت الشيخ ـ الطوسي ـ لم تكن مندرجة في كتب الحديث الاربعة[520] عند الشيعة ، ولهذا كان لابد لهذه الكتب المتفرقة من موسوعات جديدة تضمها ، وتستوعب كل ما كشف عنه الفحص والبحث العلمي من روايات وكتب احاديث .

وعلى هذا الضوء يمكن ان نعتبر العمل في وضع تلك الموسوعات الضخمة التي انجزت في تلك الفترة ، عاملا من العوامل التي عارضت نمو البحث الاصولي إلى صف الحركة الاخبارية ، ولكنه عمل مبارك على أي حال ، لان وضع تلك الموسوعات كان من مصلحة عملية الاستنباط نفسها التي يخدمها علم الاصول »[521] .

الاتجاه الاصولي خلال هذه المرحلة  :

على الرغم من الصدمة العنيفة التي مني بها البحث الاصولي خلال تلك المرحلة الحرجة والتي استهدف بها اصل وجوده ، وعرضته لحملة شديدة ، إلاّ ان جذوة هذا العلم لم تنطفىء نهائياً ، ولم يتوقف علماء المدرسة الاصولية عن البحث والتحقيق في العناصر المشتركة لعملية الاستنباط الفقهية ، ورفد البحث الاصولي ببحوث وتحقيقات جديدة كان لها أكبر الاثر في تاريخ علم الاصول فيما بعد .

ومن ابرز من عاصر هذه الفترة الحرجة من الاصوليين والذين لهم مؤلفات اصولية مدونة يمكن ان نشير إلى  :

الملاّ عبد الله التوني ، المعروف بالفاضل التوني المتوفى سنة ( 1071 هـ ) صاحب كتاب « الوافية » في علم الأُصول وهو من المتون الاصولية الدقيقة ، تشهد لصاحبها بالفضل والعلم والتدقيق[522] .

وجاء من بعده المحقق الجليل السيد حسن الخوانساري المتوفى سنة ( 1098 هـ ) وكان على قدر كبير من النبوغ والدقة ، فأمد الفكر الاصولي بقوة جديدة ويظهر ذلك جلياً من خلال افكاره ، الاصولية في كتابه الفقهي ( مشارق الشموس ) وهو شرح لكتاب الدروس الشرعية للشهيد الأول .

وفي عصر الخوانساري كان المحقق محمد بن الحسن الشيرواني المتوفى سنة ( 1098 هـ ) يكتب حاشيته القيمة على كتاب المعالم .

ونجد خلال هذه الفترة ايضاً بحثين اصوليين  :

أحدهما  : قام به جمال الدين بن السيد حسين الخوانساري ، إذ كتب تعليقاً على شرح المختصر للعضدي ، وقد شهد له الشيخ الانصاري في الرسائل بالسبق إلى بعض الافكار الاصولية .

والآخر السيد صدر الدين القمي الذي تلمذ على جمال الدين ، وكتب شرحاً لوافية التوني ودرس عنده الاستاذ الوحيد البهبهاني وتوفي سنة ( 1071 هـ ) .

يقول السيد الشهيد الصدر  : « والواقع ان الخوانساري الكبير ، ومعاصره الشيرواني ، وابنه جمال الدين ، وتلميذ ولده صدر الدين ـ بالرغم من انهم عاشوا فترة زعزعة الحركة الاخبارية للبحث الاصولي وانتشار العمل بالاحاديث ـ كانوا عوامل رفع التفكير الاصولي ، وقد مهدوا ببحوثهم لظهور مدرسة الاستاذ الوحيد البهبهاني التي افتتحت عصراً جديداً في تاريخ العلم .

وبهذا يمكن اعتبار تلك البحوث البذور الاساسية لظهور هذه المدرسة ، والحلقة الاخيرة التي اكسبت الفكر العلمي في العصر الثاني الاستعداد للانتقال إلى عصر ثالث »([523] .

انتصار علم الاصول وانحسار الاتجاه الاخباري  :

لقد انطلقت الحركة الاخبارية في منهجها الفكري ، وشكلت تياراً عاصفاً ،
وتمكّنت من شق المدرسة الفقهية عند الشيعة الامامية إلى شطرين متصارعين ، في فترة زمنية امتدت إلى قرابة القرنين من الزمن .

والمنهج الفكري للحركة الاخبارية ، ومنهجها في الاستنباط والاستدلال الفقهي ، يخالف منهج المذهب الامامي الاثني عشري ، ومدرسته في الاجتهاد التي اسسها فقهاء هذا المذهب بتوجيه ورعاية اهل البيت (عليهم السلام) .

ولهذا تصدى المجتهدون الشيعة لهذه المدرسة ، الاخبارية لما تشكله من خطر جسيم على حركة الاجتهاد ، وعلى الفهم السليم لدين الله وشريعته .

وشهدت ساحة الصراع بين المدرستين مواجهات عنيفة ، وصلت إلى درجة التكفير والتبديع من جهة ، وبين ممارسة الفتيا ضد الطرف الآخر بحرمة الاقتداء بهم في ممارسات الشعائر الدينية العبادية[524] ، او حرمة الحضور في دروسهم وابحاثهم من جهة أُخرى ، مما ادى ببعض التلامذة إلى الحضور سرّاً[525] في درس الشيخ البحراني . ويحدثنا تاريخ الصراع بين المدرستين بان اعنف المواجهات الفكرية هي تلك التي حصلت في كربلاء بين الشيخ يوسف البحراني ممثل الاتجاه الاخباري من جهة ، وبين الوحيد البهبهاني ممثل الاتجاه الاصولي من جهة ثانية .

وقد تمكن الوحيد البهبهاني من كسب المعركة الفكرية لمصلحة مدرسة الاجتهاد والاصول ، وبدأت المدرسة الاخبارية بالانحسار والانزواء ، ولم تستعد نشاطها بعد ذلك ، إلاّ في فترة ظهور الميرزا محمد الاخباري ، حيث تصدى له تلامذة الوحيد من امثال الشيخ جعفر كاشف الغطاء ، والشيخ حسن صاحب الجواهر([526] .

ويعود سبب انحسار المدرسة الاخبارية إلى جملة عوامل ذكر بعضها السيد الشهيد الصدر في دراسته القيمة لهذه الظاهرة(3) .

يقول السيد الشهيد (قدس سره)  :

« وقد قُدِّرَ للاتجاه الاخباري في القرن الثاني عشر ان يتخذ من كربلاء نقطة ارتكاز له ، وبهذا عاصر ولادة مدرسة جديدة في الفقه والاصول نشأت في كربلاء ايضاً على يد رائدها المجدد الكبير « محمد باقر البهبهاني » المتوفى سنة ( 1206 هـ ) وقد نصبت هذه المدرسة الجديدة نفسها لمقاومة الحركة الاخبارية والانتصار لعلم الاصول ، حتى تضاءل الاتجاه الاخباري ومني بالهزيمة ، وقد قامت هذه المدرسة إلى جانب ذلك بتنمية الفكر العلمي ، والارتفاع بعلم الاصول إلى مستوى اعلى ، حتى ان بالامكان القول بان ظهور هذه المدرسة وجهودها المتضافرة التي بذلها البهبهاني وتلامذة مدرسته المحققون الكبار قد كان حداً فاصلا بين عصرين من تاريخ الفكر العلمي في الفقه والاصول .

وقد يكون هذا الدور الايجابي الذي قامت به هذه المدرسة ، فافتتحت بذلك عصراً جديداً في تاريخ العلم متأثراً بعدة عوامل  :

منها  : عامل ردّ الفعل الذي اوجدته الحركة الاخبارية ، وبخاصة حين جمعها مكان واحد ككربلاء بالحوزة الاصولية ، الامر الذي يؤدي بطبيعته إلى شدة الاحتكاك وتضاعف ردّ الفعل .

ومنها  : ان الحاجة إلى وضع موسوعات جديدة في الحديث كانت قد اشبعت ، ولم يبق بعد وضع الوسائل والوافي والبحار ، إلاّ أن يواصل العلم نشاطه الفكري مستفيداً من تلك الموسوعات في عملية الاستنباط .

ومنها  : ان الاتجاه الفلسفي في التفكير الذي كان الخوانساري قد وضع احدى بذوره الاساسية ، زوّد الفكر العلمي بطاقة جديدة للنمو وفتح مجالا جديداً للابداع ، وكانت مدرسة البهبهاني هي الوارثة لهذا الاتجاه .

ومنها  : عامل المكان ، فان مدرسة الوحيد نشأت على مقربة من المركز الرئيسي للحوزة ـ وهو النجف ـ فكان قربها المكاني هذا سبباً لاستمرارها ومواصلة
جهودها عبر طبقات متعاقبة من الاساتذة والتلاميذ .. وبهذا كانت مدرسة البهبهاني تمتاز عن المدارس العديدة التي كانت تقوم هنا وهناك بعيداً عن المركز وتتلاشى بموت رائدها([527] .

ويمكن ان نضيف إلى ما ذكره السيد الشهيد (رضي الله عنه) عوامل أُخرى مكنت الشيخ الوحيد البهبهاني في حركته الاصلاحية العملية .

ومن هذه العوامل  :

1 ـ الموقف المعتدل للشيخ يوسف البحراني (رضي الله عنه) اتجاه الصراع بين المدرستين  :

حيث اتصفت شخصية الشيخ المحدث البحراني (رضي الله عنه) بخصائص اخلاقية وايمانية عالية([528] ، كان لها ، الدور الكبير في نجاح الوحيد البهبهاني في حركته الاصلاحية العلمية ، وفي مواجهته للحركة الاخبارية والانتصار عليها .

ومن اهم هذه الخصائص  :

أولا ـ الاحساس بالمسؤولية  :

لقد انطلق المحدث البحراني (رضي الله عنه) في تعامله مع مفردات الصراع الاخباري الاصولي من منطلق المسؤولية الشرعية ، وبدأ يعمل بموجب هذا الوعي وهذه المسؤولية على تضييق رقعة الخلاف وإزالة الحواجز التي اقيمت داخل هذه المدرسة بين هاتين الفئتين بدلا من التصعيد لمفردات الصراع او تجريد لسان التشنيع او التكفير للطرف الآخر([529] .

« والحقيقة ان هذا الموقف الذي وقفه الشيخ يوسف من هذا الصراع كان له تأثير
بالغ الأهمية في إعادة الانسجام إلى مدرسة أهل البيت ، وإزالة التطرف الذي اصاب هذه المدرسة في فترة الصراع ، وعودة الاعتدال والعقلانية إلى هذه المدرسة »([530] .

ثانياً ـ الورع والتقوى والتجرد عن الأَنا  :

تدل مواقف الشيخ البحراني (رضي الله عنه) من خلال مواجهته للصراع الدائر بين المدرستين ، ان هذا الفقيه الجليل كان في غاية من الورع والتقوى والتجرّد عن الانا ، لا ينالها إلاّ ذو حظ عظيم من الاخلاص لله تعالى .

فمما يُروى من سيرة هذا الفقيه الجليل انه رغم الصراع الطويل الذي خاضه مع الوحيد البهبهاني في امر الاصول والاجتهاد ، أوصى ان يصلي عليه بعد وفاته الوحيد البهبهاني دون غيره من معاصريه ، رغم ان الوحيد قد أفتى بحرمة الاقتداء بالشيخ البحراني في الصلاة[531] .

ورغم ان الوحيد قد افتى بحرمة حضور درس الشيخ البحراني ، وشدد الملامة على كل من حضر في مجلس افادته ، بحيث نقل « ان ابن اخته صاحب « رياض المسائل » ، كان من خوفه يدخل على ذلك الجناب ـ أي الشيخ يوسف ـ ويقرأ عليه ما كان يقرأ عليه ليلا ومتخفياً لا جهراً »([532] .

إلاّ ان الشيخ يوسف (رحمه الله) لم يتخذ نفس الموقف اتجاه درس الشيخ الوحيد ، بل سمح لطلابه ومريديه بحضور درس الوحيد « فلم يمض مدّة حتى استقطب فضلاء طلاب الشيخ يوسف البحراني كالسيد مهدي بحر العلوم ، والسيد مهدي الشهرستاني ، وتحوّل جمع من تلامذة الشيخ يوسف من درسه إلى درس الوحيد البهبهاني »([533] .

بل وصلت حالة التجرد عن الانا عند الشيخ يوسف البحراني إلى درجة عالية جداً حتى يقال  : إنه ـ أي الوحيد ـ ارتقى منبر درس الشيخ يوسف البحراني وباحث تلامذته مدة ثلاثة أيام ، فعدل ثلثا التلاميذ إلى مذهب الاصولية[534] .

ثالثاً ـ ابتغاء الحق ونبذ التطرف  :

وهذه سمة أُخرى تحلى بها هذا الفقيه الجليل حيث انه (رحمه الله) كان رائده الحق ، وسلوكه الاعتدال ، وهذا ما نلاحظه من خلال شجبه للتطرف الذي كان من المحدث الاسترآبادي والفيض الكاشاني وامثالهما[535] .

ولابدّ ان نقول مرة أُخرى اعترافاً بالفضل للشيخ يوسف مؤلف « الحدائق »  :

ان تقوى الشيخ وخلوصه وصدقه وابتغاءه للحق كان من اهمّ عوامل هذا الانقلاب الفكري الذي جرى على يد الوحيد في كربلاء .

ولو كان الشيخ يوسف من موقعه العلمي والاجتماعي يريد ان يجادل الوحيد ، ويظهر عليه ، لطالت محنة هذه المدرسة الفقهية ، واتسعت مساحة الخلاف فيها ، وتعمق فيها الخلاف ، ولكن الشيخ يوسف كان يؤثر رضا الله والحق على أي
شيء آخر[536] .

2 ـ تلاشي شبهات الاخباريين  :

ان الشبهات التي إنطلق منها الاخباريون في حملتهم ضد المدرسة الاصولية واقطابها اخذت تتلاشى بمرور الزمن ، فلم يعد إلغاء وظيفة المجتهد ، او النظر
إلى الاجتهاد على انّه بدعة تسربت إلى المذهب الاثني عشري ، قضية تستوجب النقض بعد ما ثبت استمرار خط الاجتهاد عملياً .

كما انّ ( المجتهد ) برهن على أنّه ليس وعاء ناقلا للأحاديث فحسب ، وإنما
هو مستفيد منها في عملية استنباط الاحكام الشرعيّة من ادلتها التفصيلية
وإعمال الملكة .

الوجه الآخر للحركة الاخبارية  :

بعد انتصار الاتجاه الاصولي ، وانحسار الحركة الاخبارية ، اتخذ هذا التيار وجهاً آخر للمواجهة مع التيار الاصولي ، وقد تمثل ذلك بتيار ( الشيخية ) نسبة إلى الشيخ احمد الإحسائي ( ت  1241 هـ ) ثمّ تبلور على يد تلميذه كاظم الرشتي ( ت  1259 هـ ) وصار يسمى بـ ( الرشتية ) وذلك بعد كسر شوكة الحركة الاخبارية التي انتهت بقتل الميرزا محمد الاخباري سنة ( 1232 هـ ) .

وقد بدأ الاتجاه ( الرشتي ) ينحو منحىً من التعقيد الفكري يتلائم والمرحلة السائدة ذلك الوقت ، وقد لقب اصحاب هذا الاتجاه بـ ( الكشفية ) نسبة إلى الكشف والإلهام الذي يدّعيه اصحاب هذه الطريقة ، وهي طريقة مبناها على التعمق في ظواهر الشريعة ، وادّعاء الكشف ، كما ادعاه جماعة من مشايخ الصوفية وهوّلوا به ، وتكلموا بكلمات مبهمة ، وشطحوا شطحات خارجة عما يعرفه الناس ويفهمونه[537] .


الأسئلة  :

1 ـ ما هي أهم أوجه الاختلاف والافتراق بين الأُصوليين والإخباريين ؟ اذكرها باختصار .

2 ـ كيف نوجه مقولة نسبة تحريم الاجتهاد إلى المدرسة الاخبارية ؟ وهل ان هذه المقولة صحيحة الانتساب إلى الاخبارية ؟

3 ـ هل كان ظهور الحركة الاخبارية شرٌّ مطلق ؟ أو أن هنالك بعض المحاسن لظهور هذه الحركة ؟ ما هي ؟ أجب بايجاز .

4 ـ ما هي أسباب انتصار المدرسة الاُصولية ، وانحسار المدرسة الاخبارية ؟

5 ـ أوجز خصائص الشيخ يوسف البحراني الأخلاقية والإيمانية التي ساعدت على انحسار الحركة الاخبارية ؟

6 ـ من أين جاءت « الشيخية » ؟ وعلى يد مَن تبلورت ؟ ولماذا لقِّب أصحابها بعد ذلك بـ « الكشفية » ؟


الدرس الثامن عشر

الدور الخامس دور الاعتدال او « عصر الكمال العلمي » القسم الأول

1 ـ تحديد الدورة .

2 ـ رائد الدورة الشيخ الوحيد البهبهاني في سطور .

3 ـ جهود الوحيد البهبهاني العلمية  :

l ـ تربية النخبة من الفقهاء الاصوليين .

l ـ التصدي للحركة الاخبارية .

lالأسئلة



الدور الخامس  : دور الاعتدال أو « عصر الكمال العلمي »

القسم الأول

     تحديد المرحلة  :

تبدأ هذه المرحلة من مراحل أدوار الاجتهاد عند الامامية الاثني عشرية من منتصف القرن الثاني عشر الهجري تقريباً ، وتستمر حتى منتصف القرن الثالث عشر .

وهذه الدورة والمرحلة المباركة تبدأ باستاذ الكل العلامة الوحيد البهبهاني ( ت  1206 هـ / 1791 م ) ، وتستمر حتى زمن الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري ( ت  1281 هـ / 1864 م ) .

وقد بلغ الفقه الاجتهادي الشيعي في هذه المرحلة درجة عالية من الدقة والضبط ، وإِحْكام الأُسس ، وتفريع الفروع ، وجودة الاستنباط ، وظهر فيها اجيال من الفقهاء الاصوليين ، ممن قام بالفقه الاجتهادي وبلغ به القمة السامقة ، والتي نعيش في ظلالها في الوقت الحاضر من خلال البحث والتحقيق في مبانيهم الاجتهادية والاصولية .

ويمكن للباحث ان يطلق على هذا الدور بـ ( مرحلة الاعتدال ) حيث عادت حركة الاجتهاد الفقهي الامامي إلى حركتها التكاملية السوية المعتدلة بعد صراع مرير بين اتجاهين متطرّفين دام ما يقرب قرنين من الزمن .

كما يمكن ان يطلق على هذا الدور بـ ( مرحلة تكامل الاجتهاد ) لما ظهر فيها من ابتكارات أُصولية وفقهية استدلالية كان لها الدور الكبير في ارساء دعائم الفقه وإحياء المنهج الاجتهادي المتكامل .

ومن اهم فقهاء هذه المرحلة ، وفارس مضمارها ، ومشيد بنيانها ، هو الشيخ الوحيد البهبهاني (رضي الله عنه) .

     الشيخ الوحيد الهبهاني (رضي الله عنه) في سطور  :

هو محمد باقر بن محمد أكمل البهبهاني الحائري الملقب بالوحيد والمتوفى سنة ( 1206 هـ ) على أصح الاقوال[538] .

ترجمه الميرزا النوري في خاتمة المستدرك فوصفه بـ « الاستاذ الاكبر ، مروج الدين في رأس المائة الثالثة عشرة » ثم قال  : قال ( معاصره ) الشيخ عبد النبي القزويني في ( تتميم أمل الآمل ) بعد الترجمة له  : « فقيه العصر ، فريد الدهر ، صاحب الفكر العميق ، والذهن الدقيق ، صرف عمره في اقتناء العلوم واكتساب المعارف الدقائق ، وتكميل النفس بالعلم بالحقائق ، فحباه الله باستعداده علوماً لم يسبقه فيها احد من المتقدمين ، ولا يلحقه احد من المتأخرين إلاّ بالأخذ منه ... »[539] .

وقد حصل هذا الفقيه على لقب ( مجدد ) الفقه الاثني عشري ، لأن عصره اصبح فاصلا لعصر جديد من عصور مدرسة الاجتهاد أُطلق عليه بـ « عصر الكمال العلمي »([540] .

     رحلته العلمية واساتذته  :

ولد المحقق البهبهاني في سنة ثماني عشرة أو سبع عشرة[541] بعد المائة والألف
في إصفهان ، وقرأ المقدمات فيها ، ثم انتقل إلى النجف وأكمل فيها دروسه عند
العَلَمَين الجَلِيلَين  : السيد محمد الطباطبائي البروجردي ـ جد السيد بحر العلوم ـ والسيد صدر الدين القمي الهمداني شارح كتاب « وافية الاصول » ، ثم انتقل إلى « بهبهان » معقل الاخباريين في ذلك الزمان ، فمكث هناك ما يربو على ثلاثين سنة ، لعب فيها دوراً هاماً في التعليم والتربية والتأليف والتصنيف[542] ، فتحولت المدرسة العلمية في عهده في هذه المدينة إلى الاتجاه الاصولي .

ثم ارتحل إلى النجف الاشرف ولم يلبث فيها إلاّ قليلا ، ثم انتقل إلى كربلاء .

وكان نزول الوحيد البهبهاني بهذه المدينة إيذاناً بمرحلة جديدة في الاتجاه الاصولي والاجتهاد ومواجهة المدرسة الاخبارية ، ونجح الوحيد في رسالته
العلمية وابرز الاتجاه الاصولي واستقطب خيرة تلامذة الشيخ يوسف البحراني وجمعهم حوله ، وانحسرت الحركة الاخبارية وانزوت ولم تستعد نشاطها بعد
ذلك التاريخ([543] .

ولعل المدة الطويلة التي قضاها المحقق الوحيد في مدينة بهبهان ـ وهي يومئذ معقل علماء الاخبارية ـ قد مكنته من الاطلاع الكافي على مباني واشكالات التيار الاخباري ، وحينما لمس عن قرب خطورة هذا التوجه ، إستعد لمواجهته بكل ما يملك من امكانات على صعيد البحث النظري أو العملي .

وقد انصبت جهوده على محورين  :

الأول  : تربية نخبة من الفقهاء الاصوليين ليحافظوا على خط الزعامة الدينية
من بعده .

الثاني  : تصديه لشن حملة عنيفة على الاتجاه الاخباري بنقده اللاذع لأَهم شبهاتهم ، وذلك ضمن كتابه « الفوائد الحائرية » وكتبه الأُخرى التي كرسها للرد على الحركة الاخبارية .

وكان بحق موفقاً في كلا محورين .

اما المحور الأول  :

فقد استطاع الوحيد خلال فترة إقامته في كربلاء[544] ان يربّي عدداً كبيراً من الفقهاء والمجتهدين ، ولو تحرينا نحن فروع شجرة فقهاء أهل البيت في القرن الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر لوجدنا أنهم جميعاً يرجعون بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الوحيد البهبهاني ، ولذلك يطلق على الوحيد البهبهاني ( أُستاذ الكل ) أو ( الاستاذ الأكبر ) وهو لقب يختص به الوحيد البهبهاني[545] .

وقد تخرّج من مدرسته المئات من كبار العلماء المجدّدين واساطين العلم وجهابذته ، منهم  :

1 ـ السيد محمد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة ( 1212 هـ ) مؤلف ( الفوائد الرجالية ) وغيرها .

2 ـ الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء المتوفى سنة ( 1227 هـ ) مؤلف ( كشف الغطاء ) وغيرها .

3 ـ الشيخ ابو علي الحائري المازندراني المتوفى سنة ( 1216 هـ ) مؤلف ( منتهى المقال ) وغيرها .

[467]  انظر الحدائق  : 1 / 25 ، كذلك الدرر النجفية  : 170 ، ط . حجرية .

[468]  انظر الحدائق  : 1 / 35 ـ 36 و 168 وانظر الدرر النجفية  : 179 .

[469]  انظر الحدائق  : 1 / 24 كذلك 1 / 129 ـ 133 ، م ـ ن .

[470]  الفضلي ـ عبد الهادي ـ تاريخ التشريع الاسلامي  : 448 .

[471]  المصدر نفسه .

[472]  البحراني ( الشيخ يوسف ) ، الكشكول : 1 / 94 ، 96 ـ 97 ، تحقيق  : محمد حسين الأعظمي ، ط . النجف ، ( 1961 م ) .

[473]  انظر  : الفضلي ـ تاريخ التشريع الإسلامي  : 449 .

[474]  انظر ترجمته في الروضات  : 7 / 30 ، والذريعة  : 11 / 83 .

[475]  الروضات  : 7 / 30 .

[476]  الذريعة  : 11 / 83 ، وروضات الجنات  : 7 / 130 .

[477]  الشيخ كاشف الغطاء ـ محمد حسين ، العبقات العنبرية  : 100 و 184 تحقيق جودة القزويني ، والتنكابني ـ قصص العلماء  : 179 ، كذلك الخونساري ـ روضات الجنات  : 7 / 129 .

[478]  انظر الجابري ـ الفكر السلفي الشيعي  : 401 الهامش ، والخوانساري ـ الروضات  : 7 / 130 .

[479]  انظر الميرزا روؤف جمال الدين ـ مقدمة كشف القناع عن عورة الاجماع ، كذلك الروضات  : 7 / 139 .

[480]  الذريعة  : 6 / 130 و 11 / 129 .

[481]  الذريعة  : 12 / 208 .

[482]  الجابري ـ الفكر السلفي  : 403 ـ 420 .

[483]  انظر كشف القناع ـ للميرزا الاخباري، تحقيق روؤف جمال الدين، ط. النعمان ـ النجف، 1970 م، وأيضاً مصادر الانوار: 51 ـ 53، ط. النجف المطبعة العلوية، تحقيق احمد جمال الدين.

[484]  انظر الجابري ( علي حسين ) ، الفكر السلفي عند الشيعة  : 403 ـ 404 ، . نقلا عن الرسالة البرهانية للميرزا الاخباري  : 35 ـ 36 و 27 ـ 28 .

[485]  انظر المصدر نفسه  : 405 عن الرسالة البرهانية  : 24 ـ 36 .

[486]  انظر  : الفضلي ـ تاريخ التشريع الإسلامي  : 460 والجابري ، الفكر السلفي  : 429 ، 442 .

[487]  الشيخ الفضلي ـ تاريخ التشريع الاسلامي 460 ـ 461 ، بتصرف .

[488]  للتوسع انظر  : الجابري ـ الفكر السلفي عند الشيعة الاثنا عشرية  : 414 ، 437 ، وكاشف الغطاء ـ العبقات العنبرية  : 86 و 183 ، والتنكابني ـ قصص العلماء  : 179 ، والخوانساري ـ روضات الجنات  : 7 / 129 .

[489]  البحراني ( الشيخ يوسف ) ، مقدمة الحدائق الناضرة  : 1 / 167 .

[490]  الحر العاملي ـ الفوائد الطوسية  : الفائدة  : 92 ، في جواب رسالة الاجتهاد .

[491]  الخوانساري ـ روضات الجنات  : 4 / 250 ، وانظر  : الدسفوري ـ محمد بن فرج الله ـ فاروق الحق ، ط . حجرية ، إيران ، 1306 هـ .

[492]  كاشف الغطاء ـ الشيخ جعفر  : الحق المبين  : 1 / 125 ، ط . حجرية ، إيران ، 1306 هـ .

[493]  انظر الدسفوري ـ فاروق الحق  : 1 / 83 .

[494]  انظر الحدائق  : 1 / 26 المقدمة الثالثة في مدارك الأحكام ، كذلك الدرر النجفية  : 171 ، ط . حجرية وكذلك السيد محمد تقي الحكيم ، الاصول العامة للفقه المقارن  : 103 ـ 104 ، ط . دار الاندلس ـ بيروت .

[495]  للتوسع ـ انظر الشهيد الصدر ـ دروس في علم الاصول ، مبحث حجية الظهور ، وكذلك السيد الهاشمي مباحث الدليل اللفظي بحث حجية الظهور .

[496]  انظر الحدائق  : 1 / 25 والدرر النجفية  : 170 .

[497]  الشيخ الآصفي ـ مقدمة رياض المسائل  : 1 / 106 ، والشيخ الفضلي ـ تاريخ التشريع الاسلامي  : 407 .

[498]  انظر الميرزا الاخباري ـ كشف القناع عن عورة الاجماع ، ط . النجف مطبعة النعمان ، تحقيق روؤف جمال الدين ، والحدائق  : 1 / 35 ـ 36 ، 168 ، والدرر النجفية  : 179 .

[499]  انظر الكاظمي ـ اسد الله ، كشف القناع عن حجية الاجماع ، والكتب الاصولية كالكفاية والقوانين .

[500]  انظر الحدائق  : 1 / 46 .

[501]  انظر فرائد الاصول ـ للشيخ الأنصاري  : 165 مبحث البراءة .

[502]  بحر العلوم ـ محمد ، الاجتهاد اصوله واحكامه  : 176 ، ( مصدر سابق ) .

[503]  المظفر ـ الشيخ محمد رضا ، اصول الفقه  : 2 / 235 ، ( مصدر سابق ) .

[504]  الآصفي ( الشيخ محمد مهدي ) ، مقدمة الرياض  : 1 / 107 ، عن دراسات الاصول للسيد الخوئي  :3 / 46 ، ط . النجف .

[505]و 2)  الفوائد المدنية  : 141 ـ 142 .

[507]  انظر فرائد الاصول  : 8 نقلا عن المحدث الجزائري .

[508]  الحدائق  : 1 / 131 .

[509]  الشيخ الانصاري ـ الرسائل  : 8 .

[510]  انظر الفوائد المدنية  : 129 .

[511]  كفاية الاصول  : 2 / 32 ـ 33 .

[512]  انظر  : الخوئي ( السيد ابو القاسم ) ، اجود التقريرات  : 2 / 40 ، ط . صدرا .

[513]  الغراوي ـ محسن ، مصادر الاستنباط بين الاصوليين والاخبارين  : 205 ، ط . مركز النشر الإسلامي ـ قم ، ط . الأُولى ، ( 1413 هـ ) .

[514]  للتوسع انظر مقدمات الحدائق الناضرة ، ج 1 ، كذلك الدرر النجفية ، للمؤلف نفسه .

[515]  كاشف الغطاء ( الشيخ جعفر الكبير )  : الحق المبين  : 3 ، والسيد بحر العلوم ـ محمد ، الاجتهاد اصوله واحكامه  : 182 .

[516]  وقد طبع الكتاب عدة طبعات في العراق وإيران ، آخرها في مدينة اصفهان بـ ( 26 ) مجلداً .

[517]  طبع الكتاب طباعة محققة في ( 20 ) مجلداً ، وأُعيد تحقيقه وطبعه في ( 30 ) مجلداً في مؤسسة آل البيت .

[518]  طبع في ( 110 ) مجلداً في طهران ، واعيدت طباعته في بيروت عام ( 1984 م ) ثم طبع في ( 40 ) مجلداً كبيراً .

[519]  طبع في ايران في ( 5 ) مجلدات ضخمة تضم مقدمة التفسير ، واعيد طبعه محققاً في بيروت عام ( 1999 م ) .

[520]  يمكن الاشارة إلى كتاب الفقه الرضوي الذي عثر عليه في الهند . انظر مستدرك الوسائل ، والسيد الجزائري (رحمه الله) في شرحه على التهذيب ، كذلك يمكن الاشارة إلى كتب أُخرى مثل الامالي ، وعيون اخبار الرضا ، والاحتجاج ... .

[521]  الصدر ( السيد محمد باقر )  : المعالم الجديدة  : 82 ـ 83 ، ( مصدر سابق ) .

[522]  وقد عرّفنا بالمؤَلِف والمُؤَلَف سابقاً .

[523]  الصدر ( محمد باقر ) ، المعالم الجديدة  : 84 ـ 85 .

[524]  انظر الخوانساري ـ روضات الجنات  : 4 / 402 .

[525]  المصدر نفسه .                       (3)  ذكرنا سابقاً بعض هذه العوامل .

[527]  الصدر ( السيد محمد باقر ) ، المعالم الجديدة  : 85 ـ 86 .

[528]  قد اشرنا سابقاً إلى بعض من هذه الخصائص في شخصية الفقيه والمحدث البحراني (رحمه الله) .

[529]  انظر الحدائق الناضرة  : 1 / 167 ، المقدمة الثانية عشر .

[530]  الآصفي ( محمد مهدي ) ، رياض المسائل  : 1 / 98 المقدمة .

[531]  انظر الخوانساري ـ روضات الجنات  : 4 / 402 .

[532]  الخوانساري ـ روضات الجنات  : 8 / 203 .

[533]  الآصفي ـ مصدر سابق  : 1 / 99 .

[534]  تنقيح المقال  : 2 ، ترجمة البهبهاني .

[535]  انظر لؤلؤة البحرين ـ للمصنف  : 117 ـ 118 ، 121 والدرر النجفية للمصنف  : 87 ،
ط . إيران .

[536]  الآصفي ـ مصدر سابق  : 1 / 100 .

[537]  الأمين ( السيد محسن ) ، اعيان الشيعة  : 2 / 589 .

[538]  هنالك اقوال أُخرى في سنة وفاته ، انظر المامقاني تنقيح المقال  : 2 / 85 ، والقمّي ، الفوائد الرضوية  : 405 ، والأمين ، اعيان الشيعة  : 9 / 182 ، والزركلي ، الأعلام  : 6 / 49 .

[539]  انظر الميرزا النوري ـ مستدرك الوسائل ، الخاتمة  : 3 / 384 .

[540]  انظر الشهيد الصدر ـ المعالم الجديدة  : 88 .

[541]  الحائري  : منتهى المقال  : 6 / 177 .

[542]  انظر م ـ ن  : 6 / 178 والشيخ السبحاني ، تاريخ الفقه الاسلامي  : 418 ، دار الاضواء . والشيخ الآصفي مقدمة الرياض  : 1 / 96 .

[543]  الآصفي ـ مقدمة الرياض  : 1 / 96 .

[544]  لم يحدثنا تاريخ سيرة الوحيد العلمية عن تلامذته في مدينة بهبهان والتي قضى فيها قرابة ثلاثين سنة .                          (2)  الآصفي ـ مقدمة الرياض  : 1 / 101 .