أدوار الاجتهاد



أدوار الاجتهاد

دراسة منهجية موضوعية

تواكب أدوار الاجتهاد

عند الشيعة الامامية

تأليف:

الشيخ عدنان فرحان تنها



بسم الله الرحمن الرحيم



تقديم المركز



بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤلف

والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين .

يعتبر الفقه من أهم وأوسع العلوم الإسلامية ،بل هو قطب الرحا الذي تدور عليه أفعال المكلفين ، وتنظم علاقاتهم الروحية والاجتماعية بمختلف ألوانها ، وتوجههم الوجه الصحيحة نحو الحياة الإنسانية التي أرادها الله سبحانه وتعالى لعباده .

وهو العلم الذي إنبثق من صميم تعاليم الإسلام كتاباً وسنة ، ولم يتأثر بأي فكر وافد ، ولهذا عرّفه الفقهاء بأنه  : « العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية »[1] .

وعُرِّف الحكم الشرعي بأنه  : « التشريع الصادر من الله لتنظيم حياة الإنسان »[2] .

ومن خلال الوقوف عند تعريف كلا مِنَ ( الفقه والحكم الشرعي ) تبرز لنا بوضوح أهمية هذا العلم لدى المشتغلين به ، والعاملين عليه .

إن هذه الأهمية لعلم الفقه أملت على المسلمين واجب النهوض به ليبلغ إلى ما ينبغي أن يبلغه من درجات التكامل والرقي ، ملبياً بذلك جوانب الحياة الإنسانية في جميع أبعادها وكافة مجالاتها .

وقد كان لفتح باب الاجتهاد المطلق عند الشيعة الإمامية ، واستمرارية حركته ثمرات مباركة ، أثرت الفقه الإمامي بنفائس من الأفكار الفقهية والأُصولية والقواعد العامة ، التي دونتها أقلام علمائهم في موسوعاتهم ومؤلفاتهم التي فاقت كل النتاج الفقهي للمذاهب الإسلامية الأُخرى .

ان حركة الاجتهاد والاستنباط الفقهي ، وما أثمرته جهود الفقهاء من ثروة علمية ضخمة ، وعلى مدى قرون متلاحقة من الزمن ، لحري بأن تدون أدواره وأطواره ومراحله التاريخية ، ليفاد منه علمياً ، وليكون عرفاناً وشكراً وتقديراً لتلك الجهود المضنية الخيّرة التي اسهمت في بناء صرحه ، وهذا ما دعى اللجنة المشرفة على مكتب تحقيق وتأليف الكتب الدراسية ، التابع للمركز العالمي للعلوم الإسلامية في مدينة قم المقدسة ، والذي يتولى الشؤون العلمية للطلبة غير الايرانيين ، أن تقرّر مادة ( أدوار الاجتهاد ) كمنهج دراسي لطلابها في مرحلة دراساتهم العليا « الماجستير » .

وقد وجدوا في منهج ومباحث كتابنا « حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية »([3]ما يلائم وينطبق على مناهجهم العلمية المقررة لدراسة ( أدوار الاجتهاد ) فتفضلت مشكورة بأن يكون لي شرف المساهمة في إعداد الكتاب الدراسي لهذه المادة .

فكان هذا الكتاب الذي إقتصرنا فيه على دراسة ( أدوار الاجتهاد عند الشيعة الإمامية ) ولم نتعرض لدراسة أدوار الاجتهاد عند المذاهب الإسلامية الأُخرى ، وذلك لكثرة الكتب التي أُلفت عندهم تحت عنوان  : « تاريخ التشريع الإسلامي »
أو « تاريخ الفقه الإسلامي » أو « تاريخ المذاهب الإسلامية » أو غيرها من العناوين([4] ، واقتصر البحث فيها ـ وللأسف ـ على تاريخ التشريع وأدوار الفقه والاجتهاد للمذاهب الفقهية السنية فقط ، واهمل « المذهب الإمامي » لدوافع سياسية أو مذهبية .

فكانت هذه الدراسة بمثابة استدراك واستكمال لتلك البحوث العلمية في تاريخ التشريع ، والاجتهاد ، لما لهذه الدراسات من أهمية كبيرة ، لطلاب العلوم الدينية حيث يتعرف الطالب من خلالها على نشأة وتطور الاجتهاد ، بالإضافة إلى ما تلقيه هذه المعرفة من آفاق معرفية أُخرى أشرنا إليها في بعض مطالب الكتاب .

وقد أُعدّ الكتاب بشكل منهجي موضوعي دراسي يواكب حركة وأدوار الاجتهاد من عصر الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وعصر الأئمة (عليهم السلام) إلى عصرنا الحاضر ،
وقد سبقت هذه الأدوار مباحث علمية ضرورية في فهم عملية الاجتهاد والاستنباط الفقهي ، وكذلك الحقنا بكل درس مجموعة من الأسئلة المستوحاة
من صلب الموضوع .

وقبل ان اختتم هذه المقدمة هناك عدّة ملاحظات أودّ أن أُبينها لإخواني وأبنائي الطلبة ، ولإخواني الأساتذة استكمالا للفائدة المرجوة من هذا الكتاب  :

أولا  : لقد تم إختصار الكثير من فصول وأبواب الكتاب سيراً مع المنهج المقرر لهذه المادة العلمية ، واختصاراً لوقت الطلاب ، فلابد من الرجوع إلى المصادر التي أشرت إليها في الهوامش وفي خاتمة الكتاب ، للتوسع في الموضوعات ذات العلاقة بأدوار وأطوار الاجتهاد .

ثانياً  : يمكن للاساتذة الأعزاء تقسيم الدرس الواحد إلى عدّة دروس ، مع المحافظة على وحدة الموضوع كما يمكنهم وضع أسئلة أُخرى مستوحاة من مطالب الكتاب ، أو إرجاع الطلاب إلى مصادر أُخرى في بعض القضايا التي لم نذكر مصادرها .

ثالثاً  : هنالك بحوث علمية تفصيلية حول حقيقة اجتهاد الرَّسول (صلى الله عليه وآله) واجتهاد الصحابة ... وهذه البحوث لها أهميتها العلمية ، وتترتب عليها آثار تشريعة ، وقد بحثت بشكل مفصل في المدرستين ( السنيّة والشيعية ) . ومنهج الاختصار الذي اتبعناه فرض علينا الاشارات المجملة لهذه الأبحاث ، لذا يحسن بالاساتذة التأكيد على أهمية هذه البحوث ، وحث الطلاّب على الكتابة والبحث فيها ومناقشة أدلتها مناقشة علمية موضوعية([5] .

وفي الختام  :

نتقدم بالشكر الجزيل والثناء الجميل لرئيس ومعاوني « المركز العالمي للعلوم الإسلامية » لجهودهم الكريمة في الارتقاء بهذا الصرح العلمي ، كذلك شكرنا وتقديرنا للأخوة الأعزاء في « مكتب تحقيق وتأليف الكتب الدراسية » لسعيهم وجهودهم المشكورة في سبيل الارتقاء بالمناهج والكتب الدراسية المقررة لدراسة طلاب المركز وغيرها من المراكز العلمية التي تستفيد منها .

سائلين المولى عزّ وجل القبول والتسديد والتوفيق لطاعته كما أسأله تعالى أن يتقبل منا هذا الجهد المتواضع ويجعله ذخيرة لنا يوم لقاءه .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

عدنان فرحان تنها

1 / ربيع الأول / 1426ه

الدرس الأول المدخل

« كليات أَدْوَار الاجتهاد وأَطْوَاره »

lالدعائم الاساسية لرسالة الاسلام

lالفقه الاسلامي وعلاقته بالمجتمع

lالمصادر الأولية للفقه الاسلامي

lنشوء الاجتهاد وظهوره عند المدرستين

lالمنعطفات التاريخية لنشوء الاجتهاد عند المدرستين

lالأَسئلة



بسم الله الرحمن الرحيم

المدخل « كليات أدوار الاجتهاد وأطواره »

الدعائم الأساسية لرسالة الإسلام  :

اشتملت رسالة الإسلام الخاتمة على ثلاث دعائم كبرى وهي  :

العقيدة ، والاخلاق ، والشريعة .

والأَولى تتكفل تأصيل رؤية الانسان للكون والحياة والمبدأ والمعاد .

والثانية ، وهو الإطار الاخلاقي الذي يمثل جملة تعاليم الاسلام التربوية والاخلاقية والسلوكية ، والتي تمثل الطموح نحو الكمال الأسمى والسير التكاملي للانسان الذي جعله الله هدفاً لحركة الانسان في حياته .

أما الاطار الثالث وهو الإطار التشريعي ، فالتشريع هو الذي يُحدِّد للانسان الأَطر السلوكية لتصرفاته سواء في علاقته مع الله سبحانه، والتي يعبر عنها بـ ( العبادة ) ، أو علاقته مع ابناء البشر الآخرين ، والذي ينطبق عليه عنوان ( المعاملات ) بوجه عام .

والذي يهمّنا الاشارة اليه في هذا المدخل هو الاطار التشريعي من تعاليم هذا الدين حيث انه يدخل في صميم بحوث هذا الكتاب .

فالشريعة الاسلامية هي خاتمة الشرائع السماوية التي حملت الهداية الإِلهية للبشرية .

وقد خصها الله بالعموم والخلود والشمول ، وأودع سبحانه فيها من الأُصول والاحكام ما يجعلها قادرة على الوفاء بحاجات الإنسانية المتجددة على امتداد الزمان ، واتساع المكان ، وتطور الإنسان .

     الفقه الإسلامي وعلاقته بالمجتمع  :

والفقه الاسلامي يمثل مجموعة الاحكام الشرعية، التي انزلها الله عزّ وجل على رسوله (صلى الله عليه وآله) ، لتنظيم علاقات الافراد والجماعات في المجتمع الاسلامي ، وضمن منهج رباني ينسجم مع فطرتهم ، ويشمل كافة مفردات شؤون حياتهم ، الروحة والمادية ، الفردية والاجتماعية ، الاقتصادية والسياسية . الفكرية والعملية ... وغير ذلك مما يحتاجه الفرد والمجتمع ، مما تتسع له احكام الشريعة السمحاء .

     المصادر الأولية للفقه الإسلامي  :

وقد كان مصدر هذه الأَحكام في العهد الاسلامي الأول، كتاب الله، بما تضمنه من كليات الاحكام الشرعية ، وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) بما تتضمنه السنة من تفصيل وتطبيق لهذه الاحكام ، عندما كانت الشريعة في دور التكوين والتكامل بالوحي القرآني والسنة .

وكان طريقة تلقيهما منه (صلى الله عليه وآله) بما يوحى اليه من القرآن ، وبما يبينه (صلى الله عليه وآله) بقوله
أو فعله أو تقرير .

وبعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانقطاع الوحي بوفاته ، بقيت نصوص هذين المصدرين هما أساس التشريع الاسلامي[6] .

ومن يمعن النظر في تاريخ الفقه الاسلامي ومبدئه يتضح له أن باب الاجتهاد قد فتح على مصراعيه بعد عصر النبوة .

فلم يكن الاجتهاد بمعناه الاصطلاحي موجوداً في عصر النبي (صلى الله عليه وآله) وإنما حدث هذا الاصطلاح بعد ذلك .

« وهذه الحقيقة هي التي تبعث على الشك في صحة بعض النصوص المنسوبة الى عصر النبوة ، وورد فيها لفظ ( الاجتهاد ) وأريد له في العصور المتأخرة أن يحمل معنى الاجتهاد بالرأي ، على مصطلح الفقهاء من اهل السنة ، والنص البارز في هذا الباب هو حديث معاذ بن جبل[7] .


نشوء الاجتهاد  :

يختلف تاريخ نشوء الاجتهاد وظهوره عند فقهاء مدرسة اهل البيت عن فقهاء أهل السنة ، فعند أهل السنة يبدأ تاريخ الاجتهاد من حين وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)([8] .

وأما الشيعة الامامية ، فيختلف الأمر لديهم كثيراً حيث إنّ اهل البيت (عليهم السلام)عندهم يمثلون امتداداً تشريعياً وقياديّاً لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله) ، ويُعتبرون عدلاً للقرآن
الكريم ، كما ورد ذلك فيما استفاض من النبي (صلى الله عليه وآله) من حديث الثقلين  : ( الكتاب والعترة )[9] .

ومن الحقّ أن يقال إنّ بدايات ظهور الاجتهاد وكيفية معالجة الأحاديث واستعمال القواعد والأُصول ، قد ظهرت في عصر الإِئمة وبإرشاد وتوجيه منهم ، وذلك في كيفية استنباط الحكم الشرعي مباشرة من القرآن الكريم أو في التوسعة على الناس بالبراءة من التكليف المحتمل فيما لم يرد فيه بيان من الشارع .

كما وردت توجيهات خاصّة منهم (عليهم السلام) بمعالجة ما يردهم من أحاديث متعارضة من حيث المدلول .

إلاّ ان الاجتهاد عند الشيعة الإمامية كمدرسة ذات معالم واضحة لم يظهر إلاّ بعد غيبة الامام الثاني عشر من ائمة اهل البيت (عليهم السلام) ، حيث مسّت الحاجة إلى ذلك ، وأما قبل ذلك فكانوا يسألون الائمة فيما تعرض لم من حاجة أو يكاتبونهم أو يسألون الموثقين من اصحابهم[10] .

وقد استمرت حركة الاجتهاد في المدرسة السنية في نمو واتساع ، وظهر في داخلها اتجاهات ومذاهب مختلفة من اهمها  : تيار اصحاب الرأي ، وتيار اصحاب الحديث ، واستقطبت هذه الحركة كبار الفقهاء من أمثال أبي حنيفة والشافعي ، وأنس ابن مالك ، وأحمد بن حنبل والأوزاعي ، والثوري ... وغيرهم .

إلاّ ان هذه الحركة قد اصيبت بانتكاسة كبرى في اواخر القرآن الرابع الهجري عندما تدخلت يد السياسة لتعلن سد باب الاجتهاد ، وحصر العمل بالمذاهب الأربعة فقط ، وادعي الإِجماع على عدم العمل بما خالف هذه المذاهب[11] .

أما حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية فإن اهم ما امتاز به هي الاستمرارية التي تتصف الحركة بها، منذ أن ولدت والى الوقت الحاضر .

لقد بدأ الاجتهاد بصورة أَولية منذ عهد الأئمة الاولين بين اصحابهم المنتشرين في الآفاق ، واتسع نطاق حركة الاجتهاد بصورتها الأولية البسيطة منذ عهد الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) ، واستمرت حركة الاجتهاد في النمو والاتساع طيلة عهد الأئمة المعصومين وتحت رعايتهم وتوجيههم إلى أن بلغت أشدها ، واستجابت لضرورات المجتمع الإِسلامي في ذلك الحين .

ونجد في أواخر عهد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) الامام الحسن العسكري (عليه السلام)يقول  :

على ما رواه الطبرسي « فأمّا من كان الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينهِ ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلدوه »([12] .

والظاهر أن التقليد ليس مجرد قبول الرواية عن المعصوم ، ويكون المقلّد مجرد ناقل للرواية ، وانما هو عبارة عن عمل العامي استناداً إلى فتوى الفقيه التي قد تكون مضمون رواية خاصة بالمسألة ، وقد تكون حكماً مستنبطاً بأعمال الاجتهاد في الكتاب والسنة بما هو فقيه ، وقد ورد في الرواية لفظ ( فقهاء )([13] .

وقد تطورت حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية منذ أوائل القرن الرابع الهجري تطوراً نوعياً ، ودخلت هذه الحركة المباركة في دور التوسع والتدقيق في القرن الخامس على أيدي فقهاء كبار من مدرسة الامامية من امثال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ( ت  413 هـ ) والسيد المرتضى ( ت  436 هـ ) والشيخ الطوسي ( ت  460 هـ ) .

وان كانت حركة الاجتهاد ـ كأي حركة أُخرى ـ قد اصيبت بفترة من الركود النسبي بعد وفاة الشيخ الطوسي ، واستمرت هذه الفترة مدت قرن من الزمن تقريباً ، إلا أنها عادت الى حيوتها وانطلقت حركتها بحيوية فائقة تميزت بالعمق والشمول على ايدي فقهاء كبار من امثال ابن ادريس الحلي ( ت  598 هـ ) .

وكذلك تعرضت حركة الاجتهاد عند الشيعة الامامية لخطر جسيم من داخل حركتها في أوائل القرن الحادي عشر الهجرى ، وذلك بسبب نشوء المدرسة الإِخبارية على يد مؤسسها الأمين الاسترابادي ( ت  1036 هـ ) ، واحتدم صراع فكري عنيف بين فقهاء المدرسة الاصولية وفقهاء المدرسة الاخبارية ، إلا ان هذا الصراع انتهى بانتصار فقهاء المدرسة الاصولية وانحسار المد الاخباري ، وعادت
حركة الاجتهاد في مدرسة اهل البيت الى انسجامها واعتدالها من جديد دون ان يترك الصراع الاخباري الاصولي أثراً سلبياً في مسيرة هذه المدرسة واتجاهها[14] .

واستمرت حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية في عطاءها وحيوتها طيلة قرون من الزمن ولا زالت مستمرة كمدرسة فقهية كبرى في العالم الاسلامي .

وعندما نستعرض تاريخ هذه الحركة المباركة نجدها قد مرّت بمراحل وادوار مختلفة ، ولكل مرحلة ودور منها سماته وفقهاءهُ الكبار الذين اشتملت مؤلفاتهم الفقهية والأُصولية على ذخيرة ثمينة ووفيرة من النظريات الأُصولية والاستنباطات الفقهية التي اسهمت في اغناء التشريع الاسلامي وفتحت آفاق رحبة امام نهضة فقهية اسلامية كبرى .

وقد حاولنا في كتابنا هذا  : « أدوار الاجتهاد عند الشيعة الإِمامية » ، ان نسلط الاضواء على هذه الحركة العلمية الاجتهادية . وتقسيم مراحلها ، وبيان سمات كل مرحله ، وأَبرز العلماء الأَعلام لكل مرحلة منها ، مع بيان لأهم مؤلفاتهم الاُصولية والفقهية ، والمشكلات التي واجهتها كحركة فكرية أصيلة وأساسية في حياة الأُمة .

وقد حاولت جَهْدَ الامكان الاعتماد على المصادر الأساسية الأولية في بناء ابحاث هذا الكتاب وكان لها الفضل الكبير في اغناء البحث وتحديد مختلف الآراء فيه .

كذلك إقتضت طبيعة البحث ان اعتمد على مصادر أُخرى لها علاقتها بموضوع بحوث الكتاب ، ككتب اللغة ، والتفسير ، والتاريخ ، والرجال ، كذلك الكتب والابحاث المتعلقة بموضوع الاجتهاد والتي كتبت من قبل بعض المؤلفين والباحثين .

وعلى مجموع هذه المصادر والمنابع الفكرية ، وعلى الجهود التي بذلناها ، بنيت فصول هذا الكتاب في ابحاثه وموضوعاتها .

الأسئلة  :

1 ـ ما هي الدعائم الأساسية لرسالة الإسلام ؟ اذكرها باختصار ؟

2 ـ وضح المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وبعد رحيله (صلى الله عليه وآله) ؟

3 ـ اذكر تاريخ نشأة الاجتهاد لدى المدرستين ؟

4 ـ متى أُصيبت حركة الاجتهاد لدى المدرسة السنية بالانتكاسة ؟ وما تلك الانتكاسة ؟

5 ـ متى أصبح الاجتهاد عند الامامية مدرسة ذات معالم ؟ وضح ذلك ؟

6 ـ متى أُصيبت حركة الاجتهاد عند الشيعة بالركود النسبي ؟ ومتى عادت إلى حيويتها ؟

7 ـ ما هو الخطر الجسيم الذي تعرضت له حركة الاجتهاد عند الشيعة ؟ وكيف انتهى الخطر ؟


الدرس الثاني « تعريف الاجتهاد »

lالاجتهاد في اللغة

lالاجتهاد في القرآن

lالاجتهاد في الحديث النبوي

lالاجتهاد في اصطلاح الفقهاء والأُصوليين

lالاجتهاد في كلمات علماء الإمامية

lملاحظات حول تحديد المصطلح العلمي للاجتهاد  :

       أ ـ الملكة والفعلية

       ب ـ حقيقة هذه التعريفات

lالأسئلة



تعريف الاجتهاد

قبل الدخول في المباحث المهمة لموضوع « أدوار الاجتهاد عند الشيعة الإمامية » ، من اللازم أن نُبين ما هو المراد من « الاجتهاد » الذي نريد أن نستعرض نشأته وأدواره ، وذلك من خلال مراجعة كلمات اللغوين ، وأهل الاصطلاح .

الاجتهاد في اللغة  :

قال الراغب الإصفهاني في المفردات  :

الجَهْدُ والجُهْد  : الطاقة والمشقة ، وقيل  : الجَهْدُ بالفتح  : المشقة ، والجُهْد  : الوسع .

وقيلَ  : الجُهد للإنسان ، قال تعالى  : ( وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ )
وقال تعالى  : ( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ) . أي حلفوا واجتهدوا في الحلف
أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم .

والاجتهادُ  : أَخذُ النفس ببذلِ الطاقة وتحمُّل المشقة ، يقال  : جهدتُ رأيي وأجهدته  : أتعبته بالفكر .

والجِهَادَ والمجاهدة  : استفراغ الوسع في مدافعة العدو ...([15] .

وفي لسان العرب  :

الجَهْدُ والجُهْدُ  : الطاقة ، تقول  : اجْهَد جَهْدَك ; وقيل  : الجَهْد المشقة والجُهد الطاقة ... والاجتهاد والتجاهد  : بذل الوسع والمجهود[16] .

وفي أساس البلاغة  : جَهَدَ نفسه ورجل مَجهود ، وجاء مَجْهوداً قد لَفَظ لجاتهُ ، وأصابه جَهْدٌ  : مشقّة ...[17] .

وفي القاموس المحيط  :

الجَهْدُ  : الطاقةُ ، والمشقَّةُ ، واجتهد جهدك  : ابلُغ غَايتكَ ...[18] .

وفي المصباح  :

الجُهْدُ  : بالضَّم في الحِجَازِ ، وبالفَتْحِ في غَيْرِهم  : الوُسعُ والطَّاقَةُ ، وقيل  : المَضْمُومُ الطّاقَةُ والمَفْتُوحُ المشقَّةُ[19] .

وفي مجمع البحرين  :

... قوله  : ( وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ )[20] قرئ بفتح الجيم وضَمِّها  : أي وسعهم وطاقتهم ، والمفتوح المشقَّة .

... وجَهَده الأمر  : أي بلغ منه المشقة .

... والاجتهاد  : المبالغة في الجهد ...([21] .

...والإجتهادُ والتجاهُدُ  : بذل الوُسعِ والمجهود ...[22] .

وفي النهاية  :

جَهَد  : ... وهو المبالغة واستِفراغ ما في الوُسع والطَّاقة من قول أو فعل . يقال  : جَهَد الرجُلُ في الشّيء  : أي جَدَّ فيه وبالَغ . وجاهَدَ في الحرب مُجاهَدة وجهاداً .

وفي حديث معاذ . أجْتَهِدُ رَأيي .

الاجتِهادُ  : بَذل الوُسع في طَلَب الأمر ، وهو إِفْتِعال من الجُهْد  : الطَّاقة ... .

وفي حديث أم مَعْبَد « شاة خَلَّفَها الجَهْدُ عن الغَنم » .

قد تكرر لفظ الجَهد والجُهد . في الحديث كثيراً ، وهو بالضم  : الوُسع والطَّاقة ، وبالفَتْح  : المَشَقَّة .

وقيل  : المُبَالغَة والغَايَة ، وقيل هُما لُغَتَان في الوُسع والطَّاقة  : فأمّا في المشقَّة
والغاية فالفتح لا غير ... .

ومن المضموم حديث الصدّقة  : « أيُّ الصَّدَقة أفْضَل ؟ قال  : جُهد المُقِلّ »
أي قَدْر ما يَحْتَمِله حال قليل المال .

ومن المفتوح : حديث الدعاء « أعوذ بك من جَهد البَلاء » أي الحَالَة الشَّاقَّة([23] .

وفي التوقيف للمناوي  :

الجَهْدُ  : ـ بالفتحِ ـ الطّاقَةُ والمشقَّةُ . ـ وبالضمِّ ـ الوسع([24] .

من خلال هذه المصادر ألغوية ، يمكننا أن نلاحظ أن تعابير اللغويين بالنسبة لهذه المادة ـ الجهد ـ تكاد تكون واحدة .

فمن خلال ضم النظير إلى النظير ، وتوحيد المكرر منها ، يتضح لنا من اللغة  : هو اعتبار كون الاجتهاد تحمّلا للمشقة . أو بذلا للوسع في عمل فيه ثقل وصعوبة .

فالاجتهاد لغة هو  : بذل الوسع والطاقة[25] .

الاجتهاد  : في الكتاب الكريم « القرآن »

أما في القرآن المجيد ، فلا نجد « آية » تضم كلمة « الاجتهاد » بهيئتها الخاصة ، وكل ما وجد آيات تستعمل كلمة « الجهد » .

كما في قوله تعالى  :

وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ ... )[26] .

وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ... )([27] .

وبهذا النص الأخير تكررت في عدة سور[28] .

قال الزبيدي في التاج  :

الجهد ـ في الآية الثانية ـ بمعنى بالغوا في اليمين واجتهدوا فيها[29] .

وقال  : الراغب ، والطريحي  : في بيان معنى قوله تعالى  : ( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ
جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ... ) ـ واللفظ للأول ـ أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم[30] .

ومن هذا كله نرى أن مادة الاجتهاد في الكتاب الكريم لم تختلف عن مدلولها اللغوي ، وهو  : الطاقة ، وبذل الوسع[31] .

الاجتهاد في الحديث النبوي

هنالك جملة من الأحاديث تنسب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ورد فيها مصطلح « الاجتهاد » استدل بها بعض الفقهاء والأصوليين من أبناء العامة على جواز « اجتهاد الرأي » .

ومن هذه الأحاديث  :

اولا  : حديث معاذ بن جبل  :

جاء في « عون المعبود في شرح سنن أبي داود »  :

حدثنا حفص بن عمر ـ عن شعبة ـ ، عن أبي عون ، عن الحارث بن عمر ابن أخي المغيرة بن شعبة ، عن أُناس « من أهل حِمص » من أصحاب مُعاذ بن جبل  : أن رسول الله لما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمن قال  : كيف تقضي إذا عرض لك القضاء ؟
قال  : أقضي بكتاب الله ، قال  : فان لم تجد في كتاب الله ؟ قال فبسنّة رسول الله ، قال  : فان لم تجد في سنّة رسول الله ولا في كتاب الله ؟ قال  : أجْتهدُ برأيي ولا آلو ،
فضرب رسول الله صدره وقال  : الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله([32] .

ثانياً  : حديث عمرو بن العاص  :

عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبيه قال  :

جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال (صلى الله عليه وآله) لي : يا عمرو اقض بينهما ، قلت : أنت أولى بذلك مني يا نبي الله ، قال : وإن كان ، قلت على ماذا اقضي ؟ قال : إن اصبت القضاء فيهما فلك عشر حسنات وان اجتهدت فأخطأت فلك حسنة([33] .

قال ابن منظور([34]  :

وفي حديث معاذ « اجتهد رأيي » الاجتهاد  : بذل الوسع في طلب الأمر وهو
إفتعال من الجهد والطاقة .

أما سياق الحديث الآخر فلا يختلف عن الحديث الأول ، وإن المقصود به بذل الوسع والطاقة ، فهو من مصاديق المدلول اللغوي[35][36] .

الاجتهاد في كلمات الفقهاء والأُصوليين السنة

كما عُرِّف ـ الاجتهاد ـ في معاجم اللغة العربية وكتبها كذلك عرّفه الفقهاء في كتبهم الفقهية والاصولية .

وفيما يلي نستعرض جملة من التعريفات مما وقفنا عليها في باب الاجتهاد من كتب الأُصول والفقه .

عرف ابن الحاجب في ( مختصره ) الاجتهاد بـ  : « استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي »[37] .

وقال صاحب فواتح الرحموت  :

الاجتهاد  : بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني[38] .

وعرفه الآمدي  :

الاجتهاد  : في اصطلاح الأُصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية ، على وجه يحس من النفس العجز من المزيد فيه[39] .

وعرفه الشوكاني  :

هو بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط  ... وإذا عرفت هذا ، فالمجتهد هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي[40] .

والذي يظهر ان هذا التعريف هو التعريف الاقدم والاشهر ، عند علماء السنة .

والذي يؤخذ على هذه التعاريف هو استخدام كلمة « الظن » .

وقد علل في بعض كلماتهم ان هذا القيد ـ الظن ـ قد أخذ في التعريف لاخراج القطعيات من الاجتهاد « لأنه لا اجتهاد في القطعيات »[41] .

الا انه من الواضح ان الاجتهاد المناط فيه هو تحصيل الحجة على الحكم الشرعي ، لا الظن . لان الاصل في ـ الظن ـ عدم الحجية ، ما لم يقم الدليل القطعي على حجيته .

وعندما نستعرض جهة أُخرى من التعاريف نلاحظ ابتعادها عن مصطلح ـ الظن ـ إلاّ انهم اخذوا قيوداً أُخرى قد تكون أكثر اشكالا من قيد الظن .

قال الغزالي في المستصفى  :

صار اللفظ ـ الاجتهاد ـ في عرف العلماء مخصوصاً ببذل المجتهد وسعه في طلب ـ العلم ـ بأحكام الشريعة[42] .

وعرفه ابن حزم  :

الاجتهاد في الشريعة هو  : استنفاذ الطاقة في طلب حكم النازلة ، حيث يوجد ذلك الحكم([43] .

وعرفه الزركشي  :

الاجتهاد ـ في الاصطلاح  : بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط([44] .

وقد عرفه بعض الكتاب والباحثين المحدثين بتعاريف منها  :

تعريف مصطفى الزرقا  : « عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة »[45] .

7 ـ وعرفه الخضري  : « بذل الفقيه وسعه في طلب العلم باحكام الشريعة »[46] .

8 ـ وعرفه خَلاَّف بـ « بذل الجهد للتوصل إلى حكم في واقعة لا نص فيها ، بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها للاستنباط بها فيما
لا نص فيه »([47] .

والذي نلاحظه في هذه التعاريف هو عدول غير واحد من الاصوليين عن ذكر ـ الظن ـ واكتفوا بأخذ قيد ـ العلم ـ فيه . كما نلاحظ ذلك عند « الغزالي » و « الخضري » .

والذي يَردُ على هذا النوع من التعاريف  : ان العلم هنا إن كان قد ارادوابه الأعم من العلم الوجداني والتعبدي ، وأرادوا بكلمة الحكم الشرعي الأعم من الواقعي والظاهري . كانت هذه التعاريف سليمة نسبياً لاندفاع المؤاخذات السابقة عنها ، إلاّ أنها تبقى ـ كسابقتها ـ محتاجة إلى ضميمة كلمة الوظائف ، لتشمل كل ما يتصل بوظائف المجتهد من عمليات الاستنباط ، وهذه المؤاخذة واردة على جل الأُصوليين حتى المتأخرين منهم كالاستاذ مصطفى الزرقا ، حيث عرفه بـ  : « عملية استنباط الأحكام الشرعية من ادلتها التفصيلية في الشريعة » .

لبداهة خروج عمليات استنباط الوظائف من بعض الاصول كالبراءة ، والاحتياط ، والتخيير ، عن واقع التعريف لان نتائجها ليست احكاماً شرعية[48] .

تعريف الاجتهاد في كلمات علماء الطائفة الإمامية

عرفه المحقق الحلّي  :

الاجتهاد: إفتعال من الجهد... وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الاحكام الشرعية،وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهاداً[49].

عن العلامة الحلي  :

الاجتهاد  : هو استفراغ الوسع في النظر فيما هو من المسائل الظنية الشرعية ..([50] .

وعن صاحب المعالم  :

استفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظن بحكم شرعي[51] .

وعن الشيخ البهائي  :

الاجتهاد  : ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلا أو قوّة قريبة([52] .

وعن الفاضل التوني  :

« تحصيل الحجة على الحكم الشرعي »[53] .

وعرفه الآخوند في الكفاية  :

« استفراغ الوسع في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي »([54] .

وعرفه المحقق العراقي  :

« فالظاهر ان المراد من الاجتهاد المصطلح هو الاستفراغ الفعلي في تحصيل المعرفة بالاحكام ، لأن الاجتهاد هو الاستنباط الفعلي من الادلة . ولا يكفي فيه مجرد الملكة الموجبة للقدرة على الاستنباط » .

... لا يقال  : على ذلك يلزم عدم صدق المجتهد على من له ملكة الاستنباط ، ولم يستنبط بعد حكماً من الأحكام .

فانه يقال  : انه لا بعد في الالتزام به ، كما نلتزم في غيره من الكاتب
والتاجر ، وعلى فرض صدق عنوان المجتهد عليه ، فنقول انه من باب العناية والتنزيل[55] .

وعن المحقق الاصفهاني  :

« هو تحصيل الحجة على الحكم الشرعي عن ملكة استنباط الحكم ولو لم يستنبطه فعلا ... »[56] .

وعن السيد الخوئي  :

« استفراغ الوسع في تحصيل الحجة القطعية بالوظيفة من الواقعية والظاهرية »[57] .

وعرفه السيد الامام الخميني  :

حيث عرف المجتهد : هو من كان ذا قوة وملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي من مداركها ، وان لم يستنبطه فرعاً من الفروع ... فيجوز لمن استفرغ الوسع في تحصيل الأحكام الشرعية من طرقها المألوفة لدى اصحاب الفن ، او بذل جهده في تحصيل ما هو العذر بينه وبين ربه ، ان يعمل برأيه ويستغني بذلك عن الرجوع إلى الغير ...[58] .

وعرفه الميرزا القمي  :

الاجتهاد  : في الإصطلاح له تعريفان  :

احدهما  : ينظر إلى اطلاقه على الحال .

والثاني  : ينظر إلى اطلاقه على الملكة .

وإلى الأول  : ينظر تعريفه بانه  : استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل الظن
بالحكم الشرعي .

وإلى الثاني  : ينظر تعريفه بانه  : ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلا او قوة قريبة من الفعل[59] .

هذه جملة من التعاريف في تحديد المصطلح العلمي للاجتهاد .

ومن خلال ملاحظة هذه التعاريف يمكن لنا ان نسجل الملاحظات التالية  :

أولا  : الملكة والفعلية  :

حيث نلاحظ في كلمات بعضهم اعتبار الفعلية في الاستنباط كما نص على ذلك المحقق العراقي حيث قال  : « هو الاستفراغ الفعلى في تحصيل المعرفة بالأحكام ... » وعليه فلا يصدق مصطلح ـ المجتهد ـ على من لم يمارس عملية استنباط الحكم الشرعي ، فهو ناظر إلى اطلاقه على الحال .

إلاّ أن أكثر المتأخرين من العلماء عرفه « بالملكة » التي يقتدر بواسطتها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي ... » . فهو ناظر إلى اطلاقه على الملكة ، فلا يشترط في صدق الاطلاق والتسمية ان يكون الاستنباط فعلياً . فالاستنباط تارة يكون فعلياً كما إذا استنبط الأحكام واستخرجها من أدلتها ، وأُخرى يكون بالقوة القريبة ، بمعنى أنه إن لم يتصدّ بعد للإستنباط ، إما لعارض آخر كمرض وغيره ، فإنّ الاستنباط حينئذ يكون بالقوة القريبة لا بالقوة البعيدة ، وإلاّ كان العامي الذي له استعداد النيل بملكة الاستنباط مجتهداً مع انه ليس كذلك . فالمجتهد إما أن تكون استنباطاته فعليّة ، وإما أن تكون بالقوة القريبة من الفعل[60] .

ثانياً  : حقيقة هذه التعريفات  :

ان هذه التعريفات للاجتهاد ، مع كثرة القيود فيها ، واختلاف التعبيرات ، ليست من التعريفات الحقيقية ، بل من التعريفات اللفظية ، فلا مجال للإيراد عليها بعدم الانعكاس تارةً ، وبعدم الإطراد أُخرى . كما فعل صاحب الفصول وغيره من المحققين . فإنّ ورود هذه المناقشات مبنيّ على كون التعريفات حقيقية لا لفظية .

ومادام الأمر كذلك فليس أمامنا إلاّ الركون إلى تعريف إصطلاحي يشتمل على الحد الأدنى المشترك بينها ، فالإجتهاد  : « هو ملكة تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية ، شرعية أو عقلية »[61] .


الأسئلة  :

1 ـ ما الذي نستفيده من علماء اللغة في تحديد معنى الاجتهاد لغةً ؟

2 ـ هل يختلف مدلول كلمة الاجتهاد في القرآن الكريم عن مدلولها اللغوي ؟

3 ـ هل توجد أحاديث للرسول (صلى الله عليه وآله) ورد فيها مصطلح « الاجتهاد » ؟ وضح ذلك ؟

4 ـ ما هي الاشكالات الواردة على تعريف الاجتهاد عند علماء السنة ؟

5 ـ ما هي أهم الملاحظات على تعريف الاجتهاد عند علماء الشيعة الامامية ؟



الدرس الثالث مصطلح الاجتهاد في عصر تكوين المذاهب

lمفهوم الاجتهاد  :

       1 ـ الاجتهاد بمفهومه الخاص

       2 ـ الاجتهاد بمفهومه العام

lموقف مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من الاجتهاد  :

       1 ـ جواز عملية الاستنباط

       2 ـ التطور التاريخي لمصطلح الاجتهاد

       3 ـ ضرورة الاجتهاد

lالأسئلة



مصطلح الاجتهاد في عصر تكوين المذاهب وما بعدها

مفهوم الاجتهاد  :

في عصر تكوين المذاهب ، ينطلق مصطلح ـ الاجتهاد ـ من مفهومه اللغوي إلى معناه الفقهي ، ثم يتطوّر شيئاً فشيئاً .

والذي يبدو ـ من خلال استعراض كلماتهم ـ أن لهم فيه اصطلاحين مختلفين ، احدهما اعمّ من الآخر .

الاجتهاد بمفهومه الخاص  :

وقد عرفه خَلاَّف بـ « بذل الجهد للتوصل إلى الحكم ، في واقعة لا نص فيها ، بالتفكير واستخدام الوسائل التي هدى الشرع اليها للاستنباط بها فيما لا نص فيه »[62] .

بينما رادف الشافعي بينه وبين القياس حيث يقول  : « قال فما القياس ؟
أهو الاجتهاد ؟ أم هما مفترقان ؟ قلت  : هما اسمان لمعنى واحد » .

قال  : فما جَماعُهُمَا ؟

قلتُ  : كلُّ ما نَزَلَ بمسلم ففيه حكمٌ لازمٌ ، وعلى سبيل الحقِّ فيه دلالة موجودة ،
وعليه إذا كان فيه بعينه حكم  : اتِّباعه ، وإذا لم يكن فيه بعينه ، طُلِبَ الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد ، والاجتهاد قياس[63] .

وقد لخّص أبو بكر الرازي المداليل التي وصل إليها هذا المصطلح لدى الفقهاء والأُصوليين وحصرها في ثلاثة معان  :

أحدها  : القياس الشرعي  : لأن العلة لما لم تكن موجبة للحكم ، لجواز وجودها خالية عنه ، لم يوجب ذلك العلم بالمطلوب ، فذلك كان طريقه الاجتهاد .

والثاني  : ما يغلب في الظن من غير علة ، كالاجتهاد في الوقت ، والقبلة ، والتقويم .

والثالث  : الاستدلال بالاصول[64] .

والذي يتصل من هذه الثلاثة بالاجتهاد بمفهومه الخاص لدى الاصوليين هو المعنى الاول ـ أي القياس ـ أما الثاني ، فهو أجنبي عن وظائف المجتهدين ، لأن الاجتهاد في تشخيص صغريات الموضوعات الشرعية ليس من وظائف المجتهدين بداهة ، والمعنى الأخير هو الاجتهاد بمفهومه العام[65] .

وعند هذا الاخير تلتقي أكثر التعاريف التي وردت على ألسنة الفقهاء والأُصوليين قديماً وحديثاً ، مع اختلاف في القرب من الفن وعدمه ، وقد مرّ بنا استعراض نماذج منها في المدرستين القديمة والحديثة .

الاجتهاد بمفهومه العام  :

ويعرف الاجتهاد بمعناه العام بـ  :

« ملكة تحصيل الحجج على الاحكام الشرعية او الوظائف العملية ، شرعية
أو عقلية »([66] .

يقول السيد الحكيم تعقيباً على هذا التعريف  :

« وهذا التعريف منتزع مما تبنّتْهُ مدرسة النجف الحديثة في علم الأُصول .
وإنما ذكرنا في التعريف الملكة . خلافاً للتعاريف السابقة جميعاً ، لنبعد ما تشعر به كلمات بعضهم من اعتبار الفعلية في الاستنباط وذلك لوضوح أن صاحب الملكة يصدق عليه أنه مجتهد وإن لم يباشر عملية الاستنباط فعلا »[67] .

ومن هذا العرض لمفهوم الاجتهاد ، رأينا أن لهم فيه اصطلاحين ، احدهما أعم من الآخر وهما  :

1 ـ مفهومه العام  : ويشمل القدرة على كل عمليات الاستنباط من أي المصادر التشريعية التي ينتهي إلى اعتبارها المجتهد عادة .

2 ـ مفهومه الخاص  : وهو الاجتهاد فيما لا نص فيه ، وتنطوي تحته القدرة على الاستنباط من المصادر التي تعود إلى الرأي([68] .


موقف مدرسة أهل البيت من الاجتهاد  :

1 ـ جواز عملية الاستنباط  :

بعد ان تبيّن لنا ان للاجتهاد معنى عاماً ، ومعنى خاصاً ، فما هو موقف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم من الاجتهاد بكلا معنييه ؟

كتب الشهيد السعيد آية الله السيد محمد باقر الصدر ( رض ) في المعالم
الجديدة للأُصول([69] بحثاً قيّماً تحت عنوان « جواز عملية الاستنباط » نقتبس منه
ما يتعلق بموضوعنا .

يقول  :

« ... اننا حين نتساءل  : هل يجوز لنا ممارسة عملية الاستنباط او لا ؟ يجيء الجواب على البداهة بالإيجاب لأن عملية الاستنباط هي عبارة عن « تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديداً استدلالياً » ومن البديهي ان الانسان بحكم تبعيته للشريعة ، ووجوب امتثال أحكامها عليه ، ملزم بتحديد موقفه العملي منها ، ولما لم تكن احكام الشريعة غالباً في البداهة والوضوح بدرجة تغني عن إقامة الدليل ، فليس من المعقول أن يحرم على الناس جميعاً تحديد الموقف العملي تحديداً استدلالياً ، ويُحَجَّر عليهم النظر في الأدلة التي تحدد موقفهم تجاه الشريعة ،
فعملية الاستنباط إذن ليست جائزة فحسب ، بل من الضروري ان تمارس .
وهذه الضرورة تنبع من واقع تبعية الانسان للشريعة ، والنزاع في ذلك على مستوى النزاع في البديهات .

ولكن لسوء الحظّ اتفق لهذه المسألة أن اكتسبت صيغة أُخرى لا تخلو عن غموض وتشويش ، فقد استخدمت كلمة الاجتهاد للتعبير عن عملية الاستنباط
وطرح السؤال هكذا « هل يجوز الاجتهاد في الشريعة ؟ »  وحينما دخلت كلمة ( الاجتهاد ) في السؤال ـ وهي كلمة مرّت بمصطلحات عديدة في تأريخها ـ أدّت إلى إلقاء ظلال تلك المصطلحات السابقة على البحث ، ونتج عن ذلك ان تقدم جماعة من علمائنا الُمحدّثينَ ليجيبوا على السؤال بالنفي ، وبالتالي يشجبوا علم الأُصول كلّه لانه إنّما يراد لأجل الاجتهاد فإذا الغي الاجتهاد لم تعد حاجة إلى علم الأُصول .

2 ـ التطور التاريخي لكلمة الاجتهاد  :

وفي سبيل توضيح ـ ما سبق ـ يجب ان نذكر التطور الذي مرت به كلمة ( الاجتهاد ) لكي نتبين كيف انّ النزاع الذي وقع حول جواز عملية الاستنباط والضجّة التي اثيرت ضدها لم يكن إلاّ نتيجة فهم غير دقيق للاصطلاح العلمي ، وغفلة عن التطورات التي مرت بها كلمة ( الاجتهاد ) في تاريخ العلم .

( الاجتهاد ) في اللغة مأخوذ من ( الجهد ) وهو « بذل الوسع للقيام بعمل مّا » .
وقد استعملت هذه الكلمة ـ لأول مرة ـ على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد الّتي قررّتها بعض مدارس الفقه السنّي وسارت على أساسها وهي القاعدة القائلة  : « إن الفقيه إذا أراد ان يستنبط حكماً شرعيّاً ولم يجد نصّاً يدل عليه في الكتاب او السنة رجع إلى ( الاجتهاد ) بدلا عن النص » .

و ( الاجتهاد ) هنا يعني التفكير الشخصيّ ، فالفقيه حيث لا يجد النصّ يرجع
إلى تفكيره الخاصّ ويستلهمه ويبني على ما يرجّح في فكره الشخصيّ من تشريع ، وقد يعبر عنه بالرأي أيضاً .

و ( الاجتهاد ) بهذا المعنى يعتبر دليلا من أدلة الفقيه ومصدراً من مصادره ، فكما إنّ الفقيه قد يستند إلى الكتاب او السنّة ويستدلّ بهما معاً ، كذلك يستند في حالات عدم توفّر النصّ إلى الاجتهاد الشخصيّ ويستدلّ به .

وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة في الفقه السني ، وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة . ولقي في نفس الوقت معارضة شديدة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم .

وتتبع كلمة ( الاجتهاد ) يدل على أن الكلمة حملت هذا المعنى وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الأئمة إلى القرن السابع ، فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تذمّ الاجتهاد وتريد به ذلك المبدأ الفقهيّ الذي يتّخذ من التفكير الشخصيّ مصدراً من مصادر الحكم .

وقد دخلت الحملة ضدّ هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الأئمّة أيضاً والرواة الذين حملوا آثارهم ، وكانت الحملة تستعمل كلمة ( الاجتهاد ) غالباً للتعبير عن ذلك المبدأ وفقاً للمصطلح الذي جاءَ في الروايات .

فقد صنف عبد الله بن عبد الرحمن الزُبَيري كتاباً أسماه « الاستفادة في الطعون
على الأوائل والردّ على أصحاب الاجتهاد والقياس »[70] .

وصنف هلال بن ابراهيم بن أبي الفتح المدني كتاباً في الموضوع باسم كتاب
« الردّ على من ردّ آثار الرسول واعتمد على نتائج العقول »[71] .

وصنّف في عصر الغيبة الصغرى أو قريباً منه إسماعيل بن علي بن إسحاق بن ابي السهل النوبختي كتاباً في الرد على عيسى ابن أبان في الاجتهاد ...[72] .

وفي اعقاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق في اواسط القرن الرابع يواصل تلك
الحملة . ونذكر له ـ على سبيل المثال ـ تعقيبه في كتابه على قصّة موسى والخضر إذ كتب يقول  : « إنّ موسى ـ مع كمال عقله وفضله ومحلّه من الله تعالى ـ لم يدرك باستنباطه واستدلاله معنى افعال الخضر حتّى اشتبه عليه وجه الأمر به ، فإذا لم يجز لأنبياء الله ورسله القياس والاستدلال والاستخراج كان مَن دونهم من الأُمم أُولى بأن لا يجوز لهم ذلك ... فإذا لم يصلح موسى للاختيار ـ مع فضله وعلمه ـ فكيف تصلح الأُمّة لاختيار الامام وكيف يصلحون لاستنباط الأحكام الشرعية واستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة » .

وفي أواخر القرن الرابع يجيءُ الشيخ المفيد فيسير على نفس الخطّ ويهجم على الاجتهاد ، وهو يعبر بهذه الكلمة على ذلك المبدأ الفقهي الآنف الذكر ويكتب كتاباً في ذلك باسم  : « النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي »([73] .

ونجد المصطلح نفسه لدى السيّد المرتضى في أوائل القرن الخامس ، إذ كتب
في الذريعة يذمّ الاجتهاد ويقول  : « إنّ الاجتهاد باطل ، وإنّ الاماميّة لا يجوز عندهم العمل بالظنّ ولا الرأي ولا الاجتهاد »[74] .

وكتب في كتابه الفقهي « الانتصار » معرِّضاً بابن الجنيد  : « إنما عول ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرأي والاجتهاد وخطأهُ ظاهر »([75] .

واستمرّ هذا الاصطلاح في كلمة الاجتهاد بعد ذلك أيضاً . فالشيخ الطوسي الذي توفي في أواسط القرن الخامس يكتب في كتاب العدة قائلا  : « أمّا القياس والاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين ، بل محظور في الشريعة استعمالهما »([76] .

وفي أواخر القرن السادس يستعرض ابن ادريس في مسألة تعارض البيّنتين من كتابه السرائر عدداً من المرجحات لإحدى البيّنتين على الأُخرى ثمّ يعقّب ذلك قائلا  : « ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا ، والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا »[77] .

وهكذا تدلّ هذه النصوص بتعاقبها التأريخيّ المتتابع على أنّ كلمة ( الاجتهاد ) كانت تعبيراً عن ذلك المبدأ الفقهيّ المتقدّم إلى أوائل القرن السابع ، وعلى هذا الأساس اكتسبت الكلمة لوناً مقيتاً وطابعاً من الكراهيّة والاشمئزاز في الذهنية الفقهيّة الإمامية نتيجة لمعارضة ذلك المبدأ والإيمان ببطلانه .

ولكن كلمة ( الاجتهاد ) تطوّرت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا ، ولا يوجد لدينا
الآن نص شيعيّ يعكس هذا التطور أقدم تاريخاً من كتاب ( المعارج ) للمحقق الحلي المتوفّى سنة ( 676 هـ ) ، إذ كتب المحقّق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول  : « وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية ، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلّة الشرع اجتهاداً ، لأ نّها تبتني على اعتبارات نظرّية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر ، سواء كان ذلك الدليل قياساً او غيره ، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد .

فإن قيل  : يلزم ـ  على هذا ـ أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد .

قلنا  : الأمر كذلك لكن فيه إيهام من حيث أنّ القياس من جملة الاجتهاد . فإذا استثني القياس كنّا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظريّة التي ليس احدها القياس »[78] .

ويلاحظ على هذا النص بوضوح ان كلمة ( الاجتهاد ) كانت لا تزال في الذهنيّة الإمامية مثقلة بتبعة المصطلح الأوّل ، ولهذا يلمح النصّ إلى أنّ هناك من يتحرّج من هذا الوصف ويثقل عليه أن يسمّي فقهاء الإمامية مجتهدين .

ولكن المحقق الحلّي لم يتحرج عن اسم الاجتهاد بعد أن طوّره او تطوّر في عرف الفقهاء تطويراً يتفق مع مناهج الاستنباط في الفقه الامامي ، بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره الّتي يمارسها الفقيه .

والفرق بين المعنيين جوهريّ للغاية ، إذ كان للفقيه ـ على أساس المصطلح الأول للاجتهاد ـ ان يستنبطه من تفكيره الشخصيّ وذوقه الخاصّ في حالة عدم توفّر النصّ . فإذا قيل له  : ما هو دليلك ومصدر حكمك هذا ؟ استدلّ بالاجتهاد وقال  : الدليل هو اجتهادي وتفكيري الخاصّ .

وأما المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرّر أيّ حكم من الأحكام بالاجتهاد ، لأنّ الاجتهاد بالمعنى الثاني ليس مصدراً للحكم بل هو عمليّة استنباط الأحكام من مصادرها ، فإذا قال الفقيه  : « هذا اجتهادي » كان معناه أنّ هذا هو ما استنبطه من المصادر والأدلّة ، فمن حقنا ان نسأله ونطلب منه أن يدلّنا على تلك المصادر والأدلّة الّتي استنبط الحكم منها .

[1]  حسن ، زين الدين ، معام الدين وملاذ المجتهدين  : 22 .

[2]  الصدر  : السيد محمد باقر ، حلقات الاُصول .

[3]  صدر الكتاب عن دار الهادي ـ بيروت ، 1425 هـ ـ 2004 م .

[4]  للتوسع في عناوين هذه الكتب انظر  : الشيخ عبد الهادي الفضلي  : تاريخ التشريع الإسلامي  : 12 ـ 13 .

[5]  للتوسع انظر  : حركة الاجتهاد عند الشيعة الإمامية ، للمولف  : 66 ـ 167 ، بحث اجتهاد الرَّسول ، واجتهاد الصحابة .

[6]  بحر العلوم ، محمد  : الاجتهاد اصوله واحكامه ، طبعة دار الزهراء ـ بيروت ، ط . الأولى ، ( 1397 هـ ـ 1977 م ) .

[7]  شمس الدين ، محمد مهدي  : المصدر نفسه  : 64 .

[8]  يرى بعض المؤرخين للفقه الإسلامي أنّ تاريخ الاجتهاد يبدأ من حياة النبي (صلى الله عليه وآله) حيث أقرّ معاذاً وغيره من الصحابة في اجتهاد رأيه ، وقد ناقشنا ذلك في ثنايا هذا الكتاب .

[9]  روي عن النبي (صلى الله عليه وآله)  : « إِنّي تارك فيكم الثّقَلَين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إِنْ تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً ، ألا وإِنّها لَن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » .

وهو حديث استفاض نقله عن النبي، ورواه جمع غفير من محّدثي الشيعة والسنة، للتوسع انظر: موسوعة الغدير للأميني: 1 / 31 وما بعدها، والأَصول العامة للفقه المقارن، للسيد محمد تقي الحكيم، وكتاب ( الثقلان ) للشيخ محمد حسين المظفر... وغيرها.

[10]  الآصفي ، محمد مهدي  : الاجتهاد والتقليد  : 59 ـ 61 ، ( بتخليص ) ، ط . مركز الغدير ـ قم .

[11]  للتوسع انظر  : تاريخ حصر الاجتهاد ( للطهراني ، آقا بزرك ) ، والاشباه والنظائر ( لجلال الدين السيوطي ) والانصاف ( للدهلوي ) .

[12]  الطبرسي ، ابو منصور احمد بن علي ، من علماء القرن السادس الهجري  : الاحتجاج  :
2 / 511 ، تحقيق  : ابراهيم البهادري ، ط . دار الأُسوة ، ايران ـ قم .

[13]  شمس الدين ، محمد مهدي  : المصدر نفسه  : 69 ـ 70 بتخليص .

[14]  الآصفي ، محمد مهدي  : المصدر نفسه  : 83 ـ 84 .

[15]  الراغب الإصفهاني ( الحسين بن محمد بن المفضل ) : مفردات الفاظ القرآن  : 208 ، تحقيق صفوان عدنان داودي ، اُفست ذوي القربى .

[16]  ابن منظور ( محمّد بن مكرَّم بن علي ) : لسان العرب 2 : 395 ، 397 ، ط دار إحياء التراث .

[17]  الزمخشري ( محمود بن عمر بن محمد )  : أساس البلاغة  : 67 ، ط دار المعرفة .

[18]  الفيروز آبادي ( محمد بن يعقوب بن محمد )  : القاموس المحيط  : 351 ، ط مؤسسة الرسالة ، مادة « جهد » .

[19]  الفيومي ( أحمد بن محمّد بن علي )  : المصباح المنير  : 112 ، ط افست دار الهجرة قم .

[20]  التوبة  : 79 .

[21]  الطريحي ( فخر الدين بن محمد علي )  : مجمع البحرين ، ط . مؤسسة البعثة ـ قم ،
ط . الاُولى ، ( 1414 هـ ) ، مادة ( جَهَدَ ) .

[22]  الجوهري ( إسماعيل بن حمّاد الجوهري )  : الصحاح  : 2 / 460 ، ط دار العلم للملايين ـ بيروت . ومختار الصحاح  : 114 .

[23]  ابن الأثير ( المبارك بن محمد )  : النهاية في غريب الحديث والأثر  : 1 / 319 ، ط . دار احياء التراث العربي ، اُفست اسماعيليان ـ قم .

[24]  المناوي (  محمد عبد الرؤوف المناوي  )  : التوقيف على مهمّات التعاريف  : 260 ،
ط . دار الفكر ، دمشق ، 1410 هـ .

[25]  للتوسع انظر  : الرازي ( احمد بن فارس )  : مجمل اللغة  : 141 ،ط . دار الفكر ، والجوهري ( إسماعيل بن حمّاد ) صحاح اللغة  : 2 / 460 ، ط . دار العلم للملايين ، وابن الأثير ( المبارك ابن محمد ) النهاية في غريب الحديث والأثر  : 1 / 319 ، ط . دار إحياء التراث العربي .

[26]  التوبة  : 79 .

[27]  الأنعام  : 109 .

[28]  انظر الآيات القرآنية  : النحل  : 38 ، النور  : 53 ، فاطر  : 42 ، المائدة  : 53 .

[29]  الزبيدي ( محمد بن مرتضى )  : تاج العروس من جواهر القاموس ، تحقيق  : عبد الستار أحمد فرّاج ، ط . دار الهداية ـ بيروت ، ( 1385 هـ ) .

[30]  الراغب الاصفهاني  : المفردات ، مادة « جهد » . كذلك الطريحي  : مجمع البحرين ج 3 .
مادة « جهد » .

[31]  انظر  : بحر العلوم ( السيد محمد )  : الاجتهاد اصوله واحكامه  : 30 ، ط . دار الزهراء ،
ط . الثالثة ، ( 1412 هـ ـ 1991 م ) .

[32]  العظيم آبادي ( محمد شمس الحق العظيم آبادي ) ، عون المعبود في شرح سنن أبي
داود ، مع شرح ابن قيم الجوزية ، كتاب القضاء ، باب 11 ، حديث رقم 3587 المجلد
5 ج 9  : 368 .

[33]  ابن حزم الاندلسي  : الإِحكام في اصول الإحكام ، المجلد الثاني ، الجزءُ السادس ، تحقيق أحمد محمد شاكر، ط . منشورات دار الآفاق ـ بيروت، الطبعة الاُولى، ( 1400 هـ ـ 1980 م ).

[34]  ابن منظور ـ لسان العرب ، مادة « جهد » .

[35]  بحر العلوم  : المصدر السابق  : 31 .

[36]  إستوفينا مناقشة هذه الروايات في بحث اجتهاد الصحابة .

[37]  ابن الحاجب ( عثمان بن عمر بن أبي بكر ) ـ ( ت  646 هـ )  : مختصر المنتهى  : 2 / 289 .

[38]  البهاري ( عبد العلى محمد بن نظام الدين )  : فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت ، المطبوع مع كتاب المستصفى للغزالي  : 2 / 382 ، افست الشريف الرضي ـ قم .

[39]  الآمدي ( علي بن محمد بن سالم )  : الإحكام في أُصول الأحكام  : 2 / 169 ( تحقيق  :
د . سيد جميلي ) ، ط . دار الكتاب العربي ـ بيروت ، ط . الثانية ، ( 1403 هـ ـ 1983 م ) .

[40]  الشوكاني ( محمد بن علي )  : ارشاد الفحول إلى تحقيق علم الاصول  : 2 / 205 ـ 206 ، تحقيق  : أحمد عزّو عناية ، ط . دار الكتاب العربي ـ بيروت ، ط . الاُولى ، ( 1419 هـ ـ 1999 م ) .

[41]  مدكور ( د . عبد السلام )  : مناهج الاجتهاد  : 338 ، ط . منشورات جامعة الكويت ، 1974 م .

[42]  الغزالي  : المستصفى في اصول الفقه  : 2 / 350 ، افسيت الرضي ـ قم .

[43]  ابن حزم ( علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي )  : الإحكام في اُصول الأحكام  : المجلد الثاني ، الجزء الثامن  : 133 .

[44]  الزَّركشي ( بدر الدين محمد بن بهادر )  : البحر المحيط في اصول الفقه  : 6 / 197 ،تحرير  : عبد القادر العاني ، ط . وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية ، الكويت ، ط . الثانية ، ( 1413 هـ ـ 1992 م ) .

[45]  الزرقا ( مصطفى )  : مجلة حضارة الاسلام  : 7 / ع 1 / س 1 . وانظر المدخل الفقهي العام للمؤلف .

[46]  الخضري ( محمد )  : اصول الفقه  : 367 ، ط . دار الفكر ـ بيروت ، ط . الاُولى ، ( 1409 هـ ـ 1988 م ) .

[47]  خَلاَّف ( عبد الوهاب )  : مصادر التشريع الاسلامي فيما لا نص فيه ، ط . دار القلم ـ الكويت ، ط . الخامسة ، ( 1402 هـ ـ 1982 م ) .

[48]  الحكيم ( السيد محمد تقي )  : الاصول العامة للفقه المقارن  : 563 ، دار الأندلس ،
ط . الاُولى ، ( بلا ـ ت ) .

[49]  الحلي ( نجم الدين جعفر بن الحسن )  : معارج الأُصول  : 179 ، تحقيق  : السيد محمد حسين الرضوي ، ط . مؤسسة آل البيت لاحياء التراث ـ قم ، ط . الاُولى ، ( 1403 هـ ) .

[50]  الحلّي ( العلامة ابو منصور جمال الدين )  : مبادئ الوصول الى علم الاصول  : 240 ، تحقيق  : عبد الحسين البقال ، ط . دار الاضواء ـ بيروت ، ط . الثانية ، ( 1406 هـ ـ 1986 م ) .

[51]  العاملي ( الشيخ جمال الدين الحسن بن زين الدين )  : معالم الدين وملاذ المجتهدين  : 381 ، تحقيق  : مهدي محقق ، ط . مؤسسة مطالعات اسلامي ـ طهران ، ( 1402 هـ ) .

[52]  البهائي ( محمد بن الحسين بن عبد الصّمد العاملي ) المشهور بـ ( الشيخ البهائي ) : زبدة الاُصول  : 159 ، تحقيق  : فارس حسون ، ط . الاُولى ، 1423 هـ ، قم .

[53]  الفاضل التوني ( عبد الله بن محمد البشروي )  : الوافية في أُصول الفقه  : 243 ، تحقيق  : السيد محمد حسين الرضوي ، ط . مجمع الفكر ـ قم .

[54]  الآخوند الخراساني ( محمد كاظم )  : كفاية الاصول  : 2 / 422 ، المطبوع مع حاشية المشكيني .

[55]  البروجردي ( الشيخ محمد تقي )  : نهاية الأفكار  : 4 / 217 ، تقريراً لدرس الشيخ ضياء العراقي ، ط . مؤسسة النشر التابعة لجامعة المدرسين ـ قم ، ط . الاُولى ، ( 1405 هـ ) .

[56]  الاصفهاني ( الشيخ محمد حسين )  : بحوث في الأُصول « الاجتهاد والتقليد »  : 3 ،
ط . مؤسسة النشر التابعة لجامعة مدرسين ـ قم ، ط . الثانية ، ( 1409 هـ ) .

[57]  عرفانيان ( غلام رضا )  : الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد ، تقريراً لدرس آية الله السيد
ابو القاسم الخوئي ، ط . النعمان ـ النجف ،( 1386 هـ ـ 1966 م ) .

[58]  سبحاني ( الشيخ جعفر )  : تهذيب الاصول  : 3 / 137 ـ 138 ، تقريراً لدرس آية الله السيد الإمام الخميني (رضي الله عنه) ، ط . مطبعة مهر ـ قم ، ( بلا ـ ت ) .

[59]  القمي ( الميرزا ابو القاسم بن محمد )  : القوانين المحكمة في علم الاصول  : 2 / 100 ،
ط . الحجرية ـ تبريز ، ( 1316 ش ) .

[60]  المروج ( السيد محمد جعفر الجزائري )  : منتهى الدراية في توضيح الكفاية  : 8 / 365 ،
ط . مطبعة النجف ، ( 1388 هـ ) .

[61]  البهسودي ( محمد سرور الواعظ )  : مصباح الاُصول  : 3 / 434 ، تقريراً لأبحاث السيد
أبو القاسم الخوئي الاُصولية ، ط . منشورات الداوري ـ قم ، ( 1417 هـ ) .

[62]  خَلاَّف ( عبد الوهاب )  : مصادر التشريع فيما لا نص فيه  : 7 ، ( مصدر سابق ) .

[63]  الشافعي ( محمد بن إدريس )  : الرسالة  : 205 ـ 206 ، تحقيق  : د . محمد سيد كيلاني ،
ط . الاُولى ، القاهرة ، مطبعة البابي ، ( 1969 م ) .

[64]  الشوكاني ( محمد بن علي )  : ارشاد الفحول  : 2 / 206 ، ( مصدر سابق ) .

[65]  الحكيم  : الاصول العامة للفقه المقارن  : 565 ، ( مصدر سابق ) .

[66]  البهسودي ( محمد سرور الواعظ )  : مصباح الاُصول  : 3 / 434 تقريراً لأبحاث السيد ابو القاسم الخوئي الاُصولية ، ط . منشورات الداوري ـ قم ، ( 1417 هـ ) .

[67]  الأُصول العامة للفقه المقارن  : 564 ، ( مصدر سابق ) .

[68]  بحر العلوم ( محمد )  : الاجتهاد  : 39 ، ( مصدر سابق ) .

[69]  الصدر ( السيد محمد باقر )  : المعالم الجديدة  : 22 ، ط . النعمان ـ النجف ، ( 1385 هـ ) .

[70]  النجاشي ( ابو العباس احمد بن علي )  : رجال النجاشي  : 152 ( ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن ) ، ط . مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم ، ط . 4 ، ( 1413 هـ ) .

[71]  المصدر نفسه  : ( ترجمة هلال بن إبراهيم ) .

[72]  المصدر نفسه  :  ( ترجمة أبي السهل النوبختي ) .

[73]  المصدر نفسه  : 287 .

[74]  السيّد المرتضى ( علي بن الحسين الموسوي )  : الذريعة إلى اصول الشريعة  : 2 / 308 ،
ط . دانشگاه طهران ، ( 1997 م ) .

[75]  السيد المرتضى : الناصريات : 238 ، ط . منشورات الشريف الرضي ـ قم .

[76]  الطوسي ( ابو جعفر محمد بن الحسن )  : العدة في أُصول الفقه ، تحقيق  : محمد رضا الأنصاري ، ط . مطبعة ستاره ـ قم ، ط . الاُولى ، ( 1417 هـ ) .

[77]  ابن ادريس ( ابو جعفر محمد بن منصور )  : السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي  : 2 / 170 ،
ط . مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم ، ط . الثالثة ، ( 1414 هـ ) .

[78]  المحقق الحلّي ( نجم الدين أبو القاسم )  : معارج الأُصول  : 179 ، تحقيق  : السيد محمد حسين الرضوي ، ط . مؤسسة آل البيت لاحياء التراث ـ قم ، ( 1403 هـ ) .