محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام

سماحة الشيخ محمد السند

إعداد وتحقيق مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه

مقدّمة المركز

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وخاتم رسله وعلى آله الطيبين الطاهرين...

أمّا بعد:

شاءت القدرة الإلهيّة أن تضع بأزاء كل حقّ باطلاً يتناسب معه بالقوّة والاستطالة ويوازيه من حيث الاتجاه والمسيرة التأريخية، فكان ذلك من القوانين والسنن الثابتة التي ابتنت عليها أسس الخليقة منذ نشأتها الأولى، والتي رسمت للدنيا إطارها الذي لا تملك أن تخرج عن حدوده.

وهذا هو ذات الأمر الذي أشارت إليه الآية المباركة في قوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(1)، إذ أنّ التتبّع الواعي لكل مسيرة أو حركة تنتسب إلى الحق في منهجيتها يبرهن لنا أنّ مسيرة الباطل وحركته لم تتخلّ يوماً عن ملازمة حركات الإصلاح والتحرّر والسير الحثيث بموازاتها، منذ اليوم الأوّل الذي وقف فيه أبونا آدم ليعبد الله الواحد القهّار، ومروراً بما يحدّثنا التأريخ عن قابيل وهابيل والأنبياء والمصلحين، وإلى يومنا الذي نعيشه.

ولعلّ من أوضح الأفكار والرؤى التي تنتسب إلى الحق ونهجه القويم، بل وينتسب الحق إليها، هي الفكرة العقائدية الربّانية المقدّسة التي زرعتها الشرائع السماوية المتعاقبة في حقل الذهن البشري من خلال المسيرة التكاملية للأنبياء والرسل والأوصياء، وهي فكرة المنقذ الذي سيمدّ يده التي باركتها قدرة السماء لتنتشل البشرية من الأودية السحيقة للظلم والجور إلى مرابع القسط والعدل الإلهي، والتي ستحقق الأحلام والآمال التي بذل الأنبياء والمصلحون دماءهم زهيدة في سبيل تحقيقها، ساعين بذلك لجذب الدنيا من بؤر الظلم والفساد والعبودية إلى آفاق الحرية والعيش الرغيد.

فخضعت هذه العقيدة المقدّسة لهذه القوانين الثابتة وتعرضت لشتى أنواع المحاربة على مر العصور، فكانت هذه المحاربة متناسبة مع عظم الأهمية والسمو والرفعة التي أولتها السماء لها.

وبما أنّ أهميّة الدفاع عن هذه العقيدة تنبع من طرفين أوّلهما مقدار عظمة هذه الفكرة من حيث ارتباطها بمبدأ العقيدة الإسلامية التي عبّر عنها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في قوله: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(2)، وثانيهما مقدار ما يبذله الأعداء من جهود لم يعرف لها  مثيل من تسخير كافة الطاقات لإظهارها على أنها العامل الخرافي الذي يتشبث به أناس ناموا على أمل أن يجدوا العالم ذات يوم يحقق لهم آمالهم وأحلامهم التي كبتها ظلم الظالمين مدة مديدة من الزمن العسير.

لذلك وجدنا أنفسنا _ في خضم هذه الظروف والمداخلات _ نتحمل عبئاً كبيراً وجزءً غير يسير من المسؤولية الملقاة على عاتق المجتمع الصالح من أتباع أهل البيت عليهم السلام في الدفاع عن هذا المبدأ المقدّس الذي يعتبر أس العقيدة وأساس المذهب.

على أنّ كثرة المدافعين من العلماء الأعلام وذوي الأقلام الشريفة على مرّ الدهور لا تغني عن الاستمرار في انتهاج سبيل الذود عن هذه العقيدة المقدسة، إذ أنّ الشبهات _ وإن تكررت بصيغ مختلفة _ تحتاج إلى ردود تتناسب والطريقة التي يتبناها أعداء الحق والأساليب التي يسلكونها والطرق الملتوية التي يتبعونها في توجيه سهام الحقد الأسود للصورة الناصعة لهذه العقيدة المقدّسة.

ومركزنا الذي أنشئ بعد الاستشارة والمداولة مع ثلة من العلماء الأعلام وفضلاء الحوزة العلمية المباركة، وبرعاية من المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله، يجد أنّ واجبه الأول هو بذل الجهد للدفاع عن سيدنا ومولانا صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف.

فتبنّى هذا المركز مجموعة من المحاور في عمله منها:

1 _ طباعة ونشر الكتب المختصّة بالإمام المهدي عليه السلام، بعد تحقيقها، وذلك ضمن سلسلة وسمناها بـ (سلسلة اعرف إمامك).

2 _ نشر المحاضرات المختصّة به عليه السلام من خلال تسجليها وطبعها وتوزيعها، ضمن سلسلة (محاضرات في الإمام المهدي).

3 _ إقامة الندوات العلمية التخصصية في الإمام عجّل الله فرجه، ونشرها من خلال التسجيل الصوتي والصوري وطبعها وتوزيعها في كتيّبات ضمن (سلسلة الندوات المهدوية)، أو من خلال وسائل الإعلام وشبكة الانترنيت.

4 _ إصدار مجلّة شهرية تخصّصية باسم (الانتظار).

5 _ العمل في المجال الإعلامي بكل ما نتمكّن عليه من وسائل مرئية ومسموعة، بما فيها شبكة الانترنت العالمية من خلال الصفحة الخاصّة بالمركز.

6 _ نشر كل ما من شأنه توثيق الارتباط بين الأجيال الجديدة وإمامهم المنتظر عليه السلام ، وذلك من خلال القصص والكتب التي تتناسب مع أعمارهم.

7 _ الاهتمام بنشر التراث المختص بالإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ضمن (سلسلة التراث المهدوي).

وها نحن عزيزي القارئ الكريم نضع بين يديك هذا الكتاب الذي يحمل بين طياته المحاضرات الفكرية المختصّة بالإمام المنتظر عجل الله فرجه، بعد جمعها وإعدادها، ثم تحقيقها وإستخراج المصادر والمنابع التي اعتمد عليها المحاضرون بالمقدار الذي نتمكّن عليه، بالصورة التي توثّق المعلومات الواردة فيها، ثم مراجعتها وإخراجها بهذه الحلّة التي نسأل الباري عز وجل أن يجعلها محط قبولكم ورضاكم، وأن يجعل هذا العمل مرضياً عند إمام زماننا الذي يعيش بين أظهرنا ويتفقد أحوالنا ويعلم بكل سرائرنا.

إنه نعم المولى ونعم المجيب.

شكر وتقدير

يتقدم المركز بالشكر الجزيل لكل من ساهم في إعداد هذه السلسلة تحت عنوان محاضرات حول المهدي عجل الله فرجه ونخصّ بالذكر كلاً من:

1 _ لجنة التحقيق، المؤلفة من: سماحة الشيخ رعد الجميلي، وسماحة الشيخ أحمد الساعدي، والأخ الفاضل علاء عبد النبي.

2 _ قسم الحاسوب الآلي لجهودهم الكبيرة في إنجاز هذا العمل، ونخص بالذكر مسؤول القسم الأخ الفاضل ياسر الصالحي.

سائلين المولى القدير جلّ وعلا أن يجعل هذا العمل وجميع الأعمال محطّ قبوله، وأن يأخذ بأيدي الجميع لما فيه الصلاح والموفقية والسؤدد.

والحمد لله ربّ العالمين

السيد محمد القبانجي

مركز الدراسات التخصّصية

في الإمام المهدي عليه السلام

النجف الأشرف

المحاضرة الأولى

مقام صاحب الزمان (عجل الله فرجه)

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

أسعد الله أيّامكم ولياليكم بهذا الميلاد الميمون المبارك.

المعنى الصحيح للغيبة والإمامة:

مرّ بنا في الليلتين السابقتين تفشي الغلط في فهم معنيين:

الأول: الغيبة إذ يعني (خفاء الهوية) وليس (عدم الوجود) أو إقصاء الوجود ونأي الديار كما هو متبادر في أذهان الكثيرين حتى الوسط العلمي, وهذه غفلة قد يكون أوجدها ظهور بعض الروايات، لأنّ الغيبة تكون مقابل الظهور, والظهور يقابله الخفاء لا العدم.

الغيبة إذن تعني خفاء الهوية والنشاط والحركة وتشخيص الشخص لا نأي الديار والجمود والقعود , ويوصف عليه السلام بهذا الوصف الذي تعرفون _ قاف ألف همزة ميم _.

الثاني: إمامة أهل البيت عليهم السلام وإمامة المهدي عجل الله فرجه أيضاً، فليس معناها الإمامة السياسية بشكلها الضيق من أشكال الدور السياسي وهي الرئاسة أو القيادة السياسية المعلنةً فقط.

وأنتم إذا ذهبتم إلى البرزخ تُسألون عن إمامة أهل البيت عليهم السلام, فلا يتبادر إلى ذهنكم عند سؤال منكر ونكير أنّها بمعنى الرئاسة الإجتماعية فقط, حتى بلحاظ علو درجاتهم في الآخرة, بل بمعنى نوع من المناصب الإلهيّة الذي يوجب الإرتباط بين البشر والباري تعالى, نوع ارتباط تكويني ملكوتي.

هذه هي أعلى مقامات الإمامة, وأول معنى من معاني الإمامة التي يجب أن يتدين به المرء والفرد المؤمن, والإمامة السياسية بشكلها المعلن أحد شؤون الإمام النازلة, وإلاّ فانّ للإمام أدواراً سياسية خفية جداً, وأدواراً اجتماعية واقتصادية وروحية أيضاً لكن لا يسع الوقت لتبيانها بشكل مفصل.

إذن الإمامة وإن ذكرها متكلمو الشيعة في الكثير من كتبهم وتعرف بأنّها رئاسة اجتماعية دينية أو رئاسة سياسية اجتماعية  ويلحقون بالتعريف : ويكون حافظاً للدين والديانة  للناس، ويكون حفظ الدين في الواقع بالارتباط مع المقام الملكوتي للإمام, فإنّه سبب ملكوتي متصل بين الأرض والسماء.

معنى الإمامة إذن منصب إلهي ملكوتي يخلف النبي والرسول صلى الله عليه وآله وإن لم تكن حقيقتها نبوة ورسالة, لكنها سنخ آخر من أنواع الإرتباط الغيبـي.

وقد حدثنا القرآن الكريم بنماذج كثيرة من هذا القبيل نظير, مريم بنت عمران التي كان يجيئها وحي غير نبوي, ويخاطبها جبرئيل وتخاطبها الملائكة, ويخاطبها الله عزّوجل وحياً مباشراً بلا واسطة حتى جبرئيل:

(قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ).(3)

وذي القرنين وطالوت وآصف بن برخيا صاحب سليمان في سورة النمل:

(قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ).(4)

ولم يقل القرآن الكريم وقال نبي, وقال رسول الله، هذا العلم من الكتاب يؤهله للارتباط بعرش الله وبما وراء الغيوب.

قنوات الغيب في القرآن الكريم إذن غير محصورة بالنبوة والرسالة أبداً، ومن يقصر ويحصر قنوات الغيب والإرتباط بالغيب بهما فلابد أن يشطب على كثير من سور القرآن. الإيمان بالكتاب كله إذن يلجئنا للإيمان بوجود ارتباط غيبـي بقنوات أخرى غير قنوات النبوة والرسالة, وهي قناة الإمامة والإصطفاء والحُجية, كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في آية التطهير لأهل البيت عليهم السلام وربط التطهير فيها بهذه الآيات من سورة الواقعة:

(فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ  * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ  * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ).(5)

ماذا يريد أن يبرهن الباري بهذا القسم العظيم؟

يقول: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ  * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ) القرآن له ظرف آخر علوي ملكوتي, في كتاب مكنون في _ كن _ يعني محفوظ لا يصل إليه أحد الاّ المطهرون، ولم يعبّر الباري تعالى بـ (الاّ المتطهرون) مما يدلل على انّ هذا الكتاب العلوي الغيبـي لا يصل إليه الاّ أناس ذواتهم مطهرة, أي ذوو عصمة ذاتية مشروطة في آية التطهير من قبل الله, لا انّهم يتطهرون.

ومن أين نقول بأنّه علم غيبـي؟

الجواب: بالآية الكريمة نفسها, أنظروا إلى الترسيم القرآني:

(تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) يعني هذا الكتاب (القرآن الكريم) في كَن علويّ غيبـي ملكوتي لا يرتفع إليه وإلى الغيب والملكوت الاّ المطهرون.

وهذا هو حديث الثقلين في هذه الآية من سورة الواقعة كما أفصح بذلك صادق آل محمد صلوات الله عليه والأئمة عليهم السلام: الثقل الأول: هو الكتاب العلوي حيث لا نظن انّ القرآن هو القرآن المنزل فقط, وإن كان مقدساً وعظيماً فللقرآن وجودات  هو ينادي بها, بل هو قرآن كريم, في لوح محفوظ (لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ  تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ).(6)

بعد ذلك يضيف الباري تعالى في ذيل الآية: (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ) هذا الذي قد قسم عليه الباري (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) ترتابون؟

انّ أسّ معرفة إمامة أهل البيت إذن والتي بدونها تكون معرفتنا ضلالاً ونقصاً هو كون الإمام مرتبطاً بالغيب ارتباطاً متواصلاً ومستمراً, وليست له قيادة سياسية ظاهرة معلنة فقط, بل هذه أدنى شؤون الإمامة النازلة.

 هذه معارف يجب علينا أن نعتنق ونعتقد بها, وبحمد الله كلنا معتقدون بها ارتكازاً, ولكن يجب أن نلتفت إليها بشكل أكثر بسطاً وتفصيلاً. 

انّ إحدى المعارف المطروحة في مذهب أهل البيت عليهم السلام هي ما جاء في زيارة الحجة عليه السلام حيث نقول:

(أتولى آخركم بما تولّيت به أولكم).(7)

ويعني أنّ الإرتباط بالغيب حقيقة متصلة عند أئمة أهل البيت عليهم السلام, كما كان النبي صلى الله عليه وآله مرتبطاً بالغيب بقنوات عديدة لأنّه سيد البشرية ومرتبط بقناة النبوة والإمامة, هذا الإرتباط بالغيب لم ينقطع منذ نزول آدم إلى المهدي الخاتم عجل الله فرجه.

لماذا ورد أنّ المنكر لأحدنا كالمنكر لجميعنا, وكمن أنكر النبي صلى الله عليه وآله؟

النكتة هي أنّ هذا الإرتباط بالغيب إذا أٌنكر في قطعة من قطع الزمان فانّه يدل على أنّ معرفة الشخص بالأئمة معرفة ناقصة, كأن يعرف علي بن أبي طالب رئيسا للدولة, وإنّه نُصّب من قبل السماء لرئاسة المجتمع, وهذه معرفة ناقصة وليست معرفة بالإمامة. معرفة الإمام تعني انّه لا يمكن للبشر أن يُقطع عنهم الإتصال بالغيب والباري تعالى، ولا يمكن أن تُقطع يدا الرحمن يعني تصرفه, فقد قالت اليهود: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)(8) فـ (يد) تعني التصرف, والاّ فانّ الله عزّوجل ليس بجسم له يد وجارحة وأصابع وما شابه, جل الباري عن أن يوصف بالجسمية, والجسم محدود وهذه صفات المخلوقين العاجزين، فعندما يقال: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) فإنّه يعني انّ تصرفه في المجتمعات البشرية موجود دائما, ومن ثمّ  يكون أحد ألقاب الإمام المعصوم (يد الله)(9) يعني مظهر تصرف الله عزّوجل في خلقه, حينئذ من أنكر أحدنا فكأنّما أنكر الأئمة جميعاً وأنكر النبي صلى الله عليه وآله(10), لأنّه يدل على أنّ معرفته بالأئمة ناقصة, وهي أنّ الإمام قائد سياسي غاية الأمر إنّه مرشح من قبل السماء.

في عيد الغدير وغيره عندما نتعايد بولاية أهل البيت وولاية أمير المؤمنين عليه السلام يجب في الواقع أن نتعايد أيضاً بأنّ الولاية بيد المهدي من آل محمد صلى الله عليه وآله أي إنّ من يشكّل الآن حلقة الوصل والربط بين البشر وعالم الغيب والباري تعالى هو المهدي من آل محمد عليه السلام حينئذ تكون معرفة الإمامة, هذه بداية لمعرفة إمامة المهدي عليه السلام.

أهمية الإعتقاد بالإمام المهدي عليه السلام

كيف يكون الإعتقاد بإمامة المهدي عجل الله فرجه في ظل نصوص الفريقين والآيات بوابة واسعة لاعتناق إمامة كل الأئمة عليهم السلام؟

يعني من يلج في باب المهدي عجل الله فرجه والإعتقاد به وحبه وتولّيه سوف يلج ويعتنق ويعتقد تلقائياً بإمامة كل أهل البيت, حتى أنّ بعض علمائنا المحققين الكبار يقول بأنّ إمامة المهدي عجل الله فرجه بمفردها من البراهين البينة على إمامة الأئمة الإثني عشر، كنص الغدير الذي هو أحد الشهب الساطعة والبراهين البينة لإمامة أهل البيت وكبقية النصوص والأدلة والبراهين, فهي بنفسها في نصوص الفريقين, بل في نصوص التوراة والإنجيل باب واسع يدخل الناس فيه أفواجاً على الإيمان, ولكن نحن أتباع مذهب أهل البيت مقصّرون في معرفة الناس _ سواء من المذاهب الإسلامية  أو الملل والأديان الأخرى _ لانّ باب المهدي عليه السلام باب واسع لادخال الناس زرافات وفوجاً فوجاً في الإيمان بإمامة أهل البيت.

أحد العلماء من تلاميذ الميرزا الكبير محمد حسن الشيرازي (صاحب فتوى  التنباك المعروف) وهو الشيخ أغا رضا الهمداني _ وهو أحد فقيهين كانا بهذا الإسم ارتأى أن يخدم مذهب أهل البيت بالخطابة في طهران وتبيان العقائد, وكان من رواد البحث في العقيدة في زمانه _ له كتاب حول المهدي عليه السلام يسمى بـ (الأنوار القدسية) وللأسف لا زال مخطوطاً أو ربما طبع طبعة حجرية قديمة ولم يجدد لحد الآن, استقصى فيه فهرست نصوص الفريقين والأحاديث الواردة في المهدي عليه السلام عند المذاهب الإسلامية جمعاء ومصادرها وتعدادها مع حذف المتكرر, وقد بلغت إثني عشر ألف حديث, وقلما تجد حقيقة وعقيدة إسلامية قد ورد فيها مثل هذا الكم الهائل من الحديث من شتى مصادر المذاهب الإسلامية.

وقد صدرت قبل سنين من أحد الشيوخ الأفاضل موسوعة تضم خمسة آلاف حديث باسم (موسوعة المهدي),  وبحمد الله أطلعني أحد الإخوة وهو مدير لـ (مؤسسة الإنتظار) وتعنى بشؤون المهدي عليه السلام في قم بأنّها قد استقصت بيمن وبركة الله عزّوجل الأحاديث بشكل أكثر تتبعاً وسعة نطاق, وأوصلت رقم الحديث الوارد عند المذاهب الإسلامية إلى ما توصل إليه الشيخ آغا رضا الهمداني, يعني إثنا عشر ألف حديث, وهي الآن في حالة برمجة بيبلوغرافية لهذة الاشرطة الكمبيوترية من خلال برنامج نشط جداً تستوعب الاثني عشر ألف حديث.

هذه حقيقة كبرى ولا نستغرب ذلك, حتى إنّ هذا العالم الرباني المحقق يقول: إنّ في المهدي لوامع محمدية, يعني الكثير من البراهين والآيات والبينات والإرهاصات التي حدثت قبل مجيء النبي وبعثته صلى الله عليه وآله تصاحب ظهور المهدي عليه السلام.

كما إنّ الأئمة عليهم السلام كلهم سفن النجاة وأبواب هدى, ومنهم سيد الشهداء, فصار الحسين هو الدليل على دين جده ولا يزال حياً, لكن هنا نخصص الكلام في باب المهدي عجل الله فرجه: إنّه باب واسع وعقيدة إسلامية ثابتة محققة. دع عنك الشذاذ أمثال:

ابن خلدون الذي  يشكك في أصل حقيقة عقيدة المهدي والمهدوية عند المسلمين, مع إنّه في مقدمته يعترف ويذعن أنّ مذاهب الإسلام والمسلمين كافة يعتقدون بالمهدي, وإنّه من ذرية فاطمة ومن آل محمد صلى الله عليه وآله وسيظهر في آخر الزمان و... بعد ذلك يأتي بتساؤلات توهم القارئ وتوسوس له في هذه العقيدة الشريفة الكبيرة الضخمة.(11)

وأحمد أمين الذي يدعي في (فجر الإسلام) أنّ المهدي ليس من المعلوم إنّه شخص شخيص, وإنّما هو عنوان لكل مصلح(12), كما ينادي بذلك الآن بعض العلمانيين من المسلمين.

هذا كله خلاف الروايات المتواترة بين المذاهب الإسلامية التي تنص كلها على أنّه من ولد فاطمة عليها السلام(13) وليس عنواناً عاماً يدخل فيه زيد وعبيد من كل حدب وصوب، بل هو شخص شخيص ينزل ويصلي خلفه عيسى بن مريم عليها السلام، حتى أنّ البخاري نص في كتاب الأنبياء:

(كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم).(14)

وحتى المناوي قال في رواية أخرى: (والخليفة منكم, من قريش).(15)

على أيّ حال فانّ القائل بأنّ المهدوية فكرة اخترعتها وابتكرتها الثورات التاريخية في عصور الإسلام السابقة لكي تجذب الجماهير لنفسها لا يدري أنّه ينكر حقيقة وعقيدة إسلامية, وإذا تبرّأ منها يكون رادّاً على رسول الله صلى الله عليه وآله بغض النظر عن المحاذير الملحوظة في الكتب الفقهية, ويناقض نفسه بنفسه، إذ كيف تجذب الحركات التاريخية في عصور الإسلام السابقة الجماهير بشيء ليس هو في معتقدهم بنحو مسلّم، فلابد أن يكون المهدي والمهدوية عقيدة مسلمة موروثة عن النبي وحقيقة نبوية, وكيف تستطيع الحركات أن تخدع الجماهير وتقول مثلاًًًًًً إنّ محمد بن عبد الله من نسل الإمام الحسن, أو إنّ فلانا هو المهدي مما يدلل على أنّ فكرة المهدوية عقيدة راسخة في معتنق المسلمين جيلاً بعد جيل ونسلاً بعد نسل، غاية الأمر إنّ الحركات التاريخية في عصور الإسلام حاولت أن تستغل هذه العقيدة وتجذب الجماهير لنفسها.

هذه المقولة لو لم تكن عقيدة بهذه الضخامة والقدسية فكيف تجذب الجماهير إليها؟ مما تدل على وجود تعطش في أجيال المسلمين جيلاً بعد جيل، بحيث إنّ الحركات لا ترى بصيص النجاح والنصر الاّ من خلال هذه البوابة العقيدية في المهدي التي لها عقيدة ضخمة وتراث ضخم وشؤون وزوايا عديدة نحن في غفلة عنها.

الحوزات العلمية _ الشيعية والسنية _ انبرت بحمد الله في تحقيق هذه الزوايا, مما يدل على أنّ مشروع السماء في عقيدة المهدي مشروع ضخم جداً, ولا يخفى إنّه قاسم مشترك لوحدة المسلمين, لأنّهم يعتقدون به جميعاًًً وإنّه من ذرية فاطمة عليها السلام، وهذا ما يجب أن يتلاقى المسلمون عليه كما يتلاقون على مودة أهل البيت عليهم السلام بنص القرآن:

(قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).(16)

فالى جانب القواسم الأخرى من القبلة الواحدة والكتاب الواحد والنبي الواحد لدينا هذان القاسمان المشتركان الكبيران.

على أيّ حال, كلهم يعتقدون بالوعد الإلهي الذي كرره القرآن في أكثر من موضع:

(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).(17)

المسلمون إذن على ترقب وانتظار لتنجز الوعد الإلهي, وهو اظهار الدين على الكرة الأرضية كلها، والله لا يخلف الميعاد, إذ إنّه لم  يحصل في عهد الرسول والعهود السابقة والفتوحات, ولكنه وعد إلهي موجود وسيتحقق بيد المهدي كما هم يروون, مما يدل على أنّ الفتح الأعظم والظهور الأكبر هو بيد هذا المهدي من آل محمد، وكما بدأ الإسلام بآل محمد سيختم بآل محمد (بكم فتح الله وبكم يختم)(18) بدأ صرح الإسلام بالنبي صلى الله عليه وآله وابن عمه وصنوه وشيّدت أركان الدولة الإسلامية على انقاض مجتمع متفتت ضعيف متهرّئ أمام حضارات عظمى في العالم لكن بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسيف علي عليه السلام شيّد هذا التراث الضخم (الدولة الاسلامية), فبهم بدأ الله عزّوجل وبالمهدي عجل الله فرجه يختم.

بيت القصيد في البحث بعد الإلتفات إلى هذه المقدمة مع ما تقدم في الليلة الماضية هو انّ إمامة أهل البيت عليهم السلام تعني الإرتباط الغيبـي بالسماء, ونشاهد انّ ملامح الإرتباط الغيبـي بالسماء عند المهدي موجودة حتى في روايات اخواننا السنّة في صحاحهم ومسانيدهم, لو حاولنا أن نتدبر معهم فيها نجد أنّها ليست لإمامة سياسية ورئاسة مجتمع فقط,  لنتدبر المواصفات التي رووها ونحن رويناها فهي إذن متواترة بين المذاهب صفة صفة, وكل نصوص النبي صلى الله عليه وآله من وحي القرآن إذا تدبرناها نجدها أنّها تشير إلى هذا المعنى نفسه من عقيدة المهدي عجل الله فرجه نفسه وهي تنبيء بوضوح وبيان ساطع على أنّ للمهدي ارتباطاً بالغيب, وهذا أحد مقاماته الكبرى, وسائر المقامات هي دون ذلك.

انظر إلى هذه الرواية: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم)(19) كيف يصلي عيسى بن مريم وهو نبي من أنبياء أولي العزم وصاحب شريعة عليه السلام خلف المهدي عجل الله فرجه, تذكر ذلك كل مصادر إخواننا السنّة, وإن كان البخاري (وهكذا مسلم) لم يورد لفظ المهدي لكنهما أوردا رواية المهدي نفسها, وهي موجودة في صحيح النسائي وأبي داود وابن ماجة والترمذي وابن حنبل وفي صحاح معتبرة وفي المستدرك على صحيح البخاري و...

 
 

 

الهوامش


(1) العنكبوت (29): 2. (2) الكافي: 1/ 376 الباب الأول _ الحديث 1 _ 4، المحاسن للبرقي: 1/ 92 الحديث 46، إكمال الدين وإتمام النعمة: 409 الحديث 9، الإيضاح لابن شاذان: 75، مجمع الزوائد: 5/ 224، مسند أبي داوود: 259، كنز العمال: 1/ 203 الحديث 464، وفي صحيح مسلم: 6/ 22 والسنن الكبرى للبيهقي: 8/ 156 بلفظ (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).... (3) مريم: 20. (4) النمل: 40. (5) الواقعة: 75 – 77. (6) الواقعة: 78ـ 79. (7) راجع كامل الزيارات لابن قولويه : 519. (8) المائدة : 64. (9)  عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : (انا عين الله , وانا يد الله...) راجع كتاب الكافي ج1 : 145 , ح8  (باب النوادر). (10)  راجع الكافي للكليني ج1: 373, ح 8, باب (من ادعى الإمامة... ومن جحد الأئمة  أو بعضهم). (11)  مقدمة ابن خلدون ج 1: 311, الفصل 52. (12)  راجع أيضاً كتايه ( المهدي و المهدوية ) وقد حاول فيه تضعيف أحاديث المهدي  والتشكيك بها رغم إيمان أهل السنّة بها. (13)  انظر المستدرك للحاكم ج4: 557, سنن ايي داود ج2: 310, ح 4284... (14)  صحيح البخاري ج4: 143. (15)  فيض القدير للمناوي ج5: 74 , ح 6440. (16)  الشورى: 23. (17)  التوبة : 33. (18)  وهو ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام في كيفية زيارة الحسين عليه السلام _ راجع الكافي للكليني ج4: 576, ح2, باب (زيارة قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام).

 (19)  صحيح البخاري ج4 : 143.